الريف السوري مفتاحا لفهم نظام الأسد (1)

قراءة في: حنا بطاطو، فلاحو سورية: أبناء وجهائهم الريفيين الأقل شأنا وسياساتهم

قراءات

25  إبريل  2017

الكتاب: فلاحو سورية: أبناء وجهائهم الريفيين الأقل شأنا وسياساتهم

الكاتب: حنا بطاطو

ترجمة: عبد الله فاضل، رائد النقشبندي

مراجعة: ثائر ديب

الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

سلسلة: “ترجمان”

بيروت 2014

على الرغم من أن العالم العربي ضم طوال مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم دكتاتوريات استثنائية في بشاعتها واستثنائية في دمويتها واستثنائية كذلك من حيث عددها وتجمُّعها في منطقة واحدة، وهذا ليس فقط بالمقارنة بالعالم عموما لكن حتى بالمقارنة بالعالم الثالث وحده، وخصوصا في السنوات الثلاثين أو الأربعين الأخيرة، فإن النظام السوري يُشكِّل استثناء داخل هذا الاستثناء العربي. فحتى بالمقارنة بصدام حسين والقذافي، مستوى الدموية هنا مختلف تماما. ربما يمكن مقارنته على المستوى العالمي والتاريخي بنظام بول بوت في كمبوديا أو ببطش النظام العسكري الإندونيسي بتيمور الشرقية بمسيحييها وشيوعييها وشعبها عموما. ولست واثقا من إمكان عقد مقارنة بين نظام الأسد أبا وابنا بالنازية أو الستالينية في زمن ستالين (والاثنان مختلفان لكنهما متشابهان من جوانب ما، لكن هذا موضوع آخر) من زوايا معيّنة، لكن على أي حال لا شك عندي أننا هنا إزاء ظاهرة استثنائية جدا وتحتاج إلى أن تُفهم جيدا. ويزيد من تعقيد الظاهرة ومن صعوبة فهمها أن منطقتنا منكوبة أيضا بصورة كبيرة طوال الفترة نفسها بدرجة استثنائية من التنكيل الإمبريالي والمطامع الإمبريالية من مختلف الأنواع، والنظام السوري يبدو في أعين كثيرين، منهم للأسف من ينظرون إلى أنفسهم كـ”يساريين،” كأنه “ممانع” بل “مقاوم” إزاء ذلك التنكيل وتلك المطامع. وهذا سبب رئيسي في تخبُّط الكثيرين في الموقف اللازم اتخاذه منه، وهو تخبُّط لا مثيل له في الموقف من أي نظام دكتاتوري عربي آخر اليوم. ويكمن سبب آخر أساسي للتخبُّط في وجود أشكال استثنائية من القسوة والهمجية في تعبيرها عن التيار الإسلامي اليوم، مثل داعش، وكون النظام السوري يبدو للبعض كأنه يقاوم هذه الأشكال ويمثل نوعا ما من العلمانية والاستنارة (وهذا أمر زائف وسنأتي عليه لاحقا في الجزء الأخير من هذا المقال)، أو على الأقل أن البديل له على الأرض هو تلك الأشكال من الهجمية الإسلامية.

من هنا أهمية أن نحاول الاجتهاد في فهم هذا النظام. وفي تقديري أنه من حسن حظ من يريد إلى مثل هذا الفهم سبيلا أن لدينا كتابا نادرا من نوعه من شأنه أن يساعد كثيرا في ذلك، بالرغم من قدمه نسبيا، فهو صادر في سنة 1999 في نهاية زمن حافظ الأسد. وهذا الكتاب هو لحنا بطاطو، وقد صدر بالإنجليزية في 1999 عن دار نشر جامعة برينتستون بعنوان طويل هو: Syria’s Peasantry, The Descendants of its Lesser Rural Notables, and Their Politics
وقد صدرت له قبل سنوات قليلة ترجمة عربية ممتازة بعنوان فلاحو سورية: أبناء وجهائهم الريفيين الأقل شأنا وسياساتهم أنجزها عبد الله فاضل ورائد النقشبندي وراجعها ثائر ديب، والترجمة العربية صدرت في عام 2014 في إطار سلسلة “ترجمان” عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

أدعو بشدة جميع المهتمين بفهم النظام السوري إلى قراءة هذا الكتاب. وهذه القراءة ليست بالأمر البسيط حيث أن الكتاب كبير الحجم تزيد صفحاته عن 700. وهو أيضا عمل بحثي شديد العمق ومليء بالجداول والحواشي والإحالات إلى مراجع. لكن أؤكد للمستعدين لبذل الجهد اللازم لقراءته أنه في الوقت ذاته كتاب ممتع جدا وشيق ومكتوب بلغة سلسة وقلم رشيق، وأن قراءته لا تتيح لنا فقط فهم أمور في غاية الأهمية عن المجتمع السوري وعن نظام الأسد، لكنها كذلك مفيدة جدا للمهتمين بفهم الشرق الأوسط عموما بكل تعقيداته، وللمهتمين بالعلوم الاجتماعية وبصفة خاصة بالماركسية في واحد من أرقى نماذجها في تقديري.

ويتناول هذا المقال في أجزائه الثلاثة الأولى الكتاب بالعرض بشيء من التفصيل تقديرا لأهميته وتشجيعا لقراء “بالأحمر” على قراءته، وتمهيدا لطرح عدد من الأسئلة في جزئه الرابع والأخير بشأن إلى أي مدى يمكن لكتاب حنا بطاطو هذا المكتوب قبل أكثر من عقد من اندلاع الثورة السورية أن يُساعدنا على فهم طبيعة النظام الذي قامت ضده تلك الثورة، ومن ثم على فهم أسباب الثورة وجذورها العميقة وديناميتها وأوجه قوة وضعف الحالة الثورية السورية، ونمط قمعها. والفرضية العامة التي ينطلق منها المقال هي أن قراءة هذا الكتاب بجدية وحس نقدي شرط ضروري، وغير كافٍ بالطبع، لفهم التراجيديا السورية الحالية.

ومن اللافت في الكتاب، مقارنة بأغلب ما نعتبره اليوم “فكرا” سياسيا عربيا ونقاشا عربيا للشأن العام، اهتمامه بصورة بالغة بالفهم والتحليل والنقد على حساب السباب والصراخ والإدانة، لا لكون حنا بطاطو بارد الحس أو غير نضالي، لكن لأنه مؤمن بحق بأن فهم العالم ضروري من أجل تغييره، وهذا قول يشيع على ألسنة الكثيرين، لكن حنا بطاطو أحد قلائل وضعوه موضع التطبيق. وحنا بطاطو هو أكاديمي ماركسي بارز، فلسطيني الأصل، ولد في القدس في عام 1926، وعاش فيها حتى عام 1948 حين هاجر إلى الولايات المتحدة، حيث حصل على الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة هارفرد. وكانت أطروحته بعنوان الشيخ والفلاح في العراق، 1917-1958 (The Shaykh and the Peasant in Iraq, 1917-1958). وبعد ذلك، انتقل إلى بيروت حيث عمل أستاذا في الجامعة الأمريكية بين عامي 1962 و1982. ثم عاد إلى الولايات المتحدة، ودرّس في جامعة جورج تاون حتى عام 1994. وتوفي حنّا بطاطو في الولايات المتحدة في عام 2000.

ومثلما جاء في مقدمة الترجمة العربية للكتاب الذي نعرضه هنا، “حاز بطاطو شهرة واسعة من خلال أبحاثه عن العراق التي بناها على معارف واسعة وعميقة بشؤون العراق وعلى علاقات واسعة مع عراقيين في مواقع مختلفة ومن مشارب مختلفة. وقد يكون كتابه الطبقات الاجتماعية القديمة والحركات الثورية في العراق (The Old Social Classes and the Revolutionary Movements in Iraq) الصادر في عام 1978 أهم تلك الدراسات. ونشر هذا الكتاب بالعربية في عام 1995، بعدما ترجمه عفيف الرزاز، وصدر في ثلاثة أجزاء عن مؤسسة الأبحاث العربية. يتناول الجزء الأول الطبقات الاجتماعية القديمة من ملاك الأرض ورجال المال والتجار منذ العهد العثماني حتى قيام الجمهورية في عام 1958. وفي الجزء الثاني يركز على تجربة الحزب الشيوعي العراقي وغيره من الحركات الثورية في العراق. أما الجزء الثالث فيتناول الشيوعيين والبعثيين والضباط الأحرار، أي تلك الفئات التي شكلت واجهة المشهد السياسي العراقي بعد إطاحة الملكية في عام 1958” (ص 21-22). وإذا كان كتاب بطاطو عن العراق قد وُصف بأنه “إنجيل العراق”، فإن كتابه الأصغر حجما عن سورية ربما لا يقل عنه في الأهمية. وكان المؤلف قد حصل في عام 1992 كما تشرح مقدمة الترجمة العربية “على إجازة تفرغ علمي من جامعة جورج تاون للقيام بدراسة عن الفلاحين في سورية ودورهم في السياسة. وقد نشرت الدراسة في عام 1999 تحت عنوان فلاحو سورية: أبناء وجهائهم الريفيين الأقل شأنا وسياساتهم (Syria’s Peasantry, the Descendants of its Lesser Rural Notables, and Their Politics). […] وإضافة إليها كان بطاطو قد نشر أبحاثا عن سورية، منها “بعض الملاحظات في الجذور الاجتماعية للمجموعة العسكرية الحاكمة في سورية، وأسباب سيطرتها” (Some Observations on the Social Roots of Syria’s Ruling Military Group and the Causes for its Dominance) نُشرت في The Middle East Journal في عام 1981، ومقالة أخرى عن “الإخوان المسلمين في سورية” نشرت في MERIP Reports في عام 1982″ (ص 22).

قبل الدخول في صلب الكتاب، لنقل كلمة عن منهجه. فبطاطو هنا يواصل نهجه في كتابه عن العراق، وهو وضع الظواهر السياسية ضمن سياقها التاريخي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي. وفي التمهيد القصير الذي بدأ به الكتاب، يشير بطاطو إلى أن “الممسكين بروافع السلطة الحاسمة منذ عام 1963 […] تعود جذورهم إلى المجتمع الريفي، وشكّلتهم تجربته التاريخية إلى حد بعيد” (ص 27). ومن هنا، فهو يبدأ بالتركيز على فلاحي سورية بتنوعهم المدهش، “في محاولة لإبراز العناصر المهمة في تمايزهم الاجتماعي وتطور نمط حياتهم وظروفهم الاقتصادية وأشكال وعيهم وسلوكهم” (ص 27). وواضح هنا تأثر حنا بطاطو العميق بالماركسية. لكن على عكس ماركسيين كثيرين ينطلقون من أسس نظرية تقودهم بسرعة إلى مجموعة من الفرضيات العامة التي يحاولون إثباتها، فإن مؤلفنا تسكنه روح بحثية لا تكف عن اللهاث الدؤوب والمدقِّق والتفصيلي وراء الحقيقة. وتشعر وأنت تقرأ له أنه يشركك معه في رحلة بحثية مضنية لكن ممتعة وشيقة. وبلغته السلسة يقول: “لا يسعى هذا الكتاب إلى إثبات فرضية معينة أو دحضها، ولا إلى أن يستخلص من الأدلة المتراكمة أي نظرية عامة، بل يحاول أن يفسر، بأكثر ما يمكن من الدقة، المعطيات المتصلة بسورية في سياقات البلد التاريخية والمعاصرة. أما النموذج الذي اخترناه في فصول كثيرة فتضمن تقدما من تعميمات منخفضة المستوى أو متوسطة إلى الأدلة المؤكّدة وثيقة الصلة بالموضوع” (ص 27). وأنا أدعو قارئ الكتاب إلى تذكُّر مسألة التعميمات المنخفضة أو المتوسطة المستوى هذه لأهميتها الشديدة طوال السرد في الكتاب. لكن هذا الحرص على الدقة والبُعد عن التعميمات الكبرى لا يعني أن بطاطو لا يطرح أسئلة كبرى. بل هو يطرحها، لكن في موضعها المناسب من البحث، بحيث يصل القارئ معه إلى إجابات مرهفة وقائمة على ثراء مذهل في المعلومات عن أكثر الأسئلة صعوبة مثل السؤال: “هل نظام الأسد طائفي” الذي يُخصص له المؤلف 8 صفحات ممتعة للغاية في الفصل الثامن عشر.

والكتاب مكوّن من أربعة أقسام. القسم الأول يتناول الشروط الاجتماعية والاقتصادية للفلاحين السوريين، بما في ذلك التمايزات بينهم من حيث نمط الزراعة وأشكال الحيازة والارتباط بالأرض ووجود أو عدم وجود روابط عشائرية ومدى الاستعداد للقتال والعقيدة الدينية، وغيرها. ويضم هذا القسم الذي نعرض له في هذا الجزء من المقال أربعة فصول. ويتبيَّن قارئ هذا القسم، وخصوصا الفصل الثاني منه الذي سنطيل الوقوف عنده نظرا لأهميته الشديدة للتحليل في سائر أقسام الكتاب، أنه “ليست هناك فئة عامة تُدُعى “الفلاحون”. وهذا التعبير يشير إلى تشكيلة من الفئات الاجتماعية” (ص 41). وبعد ذلك، ينتقل القسم الثاني إلى “أنماط وعي الفلاحين وتنظيمهم وسلوكهم السياسي قبل تسلُّم حزب البعث السلطة في عام 1963” مثلما جاء في مقدمة المترجمَيْن. والمؤلف هنا يعود قرونا للوراء فيتناول “الأشكال المبكرة من التنظيم الحرفي للفلاحين، والأفكار الصوفية والمذهبية التي سادت بينهم، وثوراتهم وتمرداتهم على الحكم العثماني وفي فترة الانتداب الفرنسي، ومن ثم أشكال الوعي والتنظيم الحديثة، ويعرض تجربة الحزب العربي الاشتراكي بزعامة أكرم الحوراني، وتجربة الشيوعيين والبعثيين” (ص 23). أما القسم الثالث، فيقترب أكثر من الحياة السياسية السورية المعاصرة استنادا إلى الخلفية التاريخية والاجتماعية والثقافية التي عرضها أول قسمين، فيهتم القسم الثالث بـ “الجوانب الريفية والفلاحية في عقيدة حزب البعث وسياساته، بما في ذلك الأصول الريفية لكثيرين ممن انضموا إليه، وأصبحوا قادته فيما بعد، ويبيِّن انقسام التجربة التاريخية لحزب البعث إلى ثلاث مراحل” تبدأ المرحلة الثالثة منها باستيلاء حافظ الأسد على السلطة. ويشرح هذا القسم الاختلافات العميقة بين المراحل الثلاث “ليستنتج أن بعث حافظ الأسد يختلف تماما عن بعث المرحلتين الأولى والثانية، وهو اختلاف يصل إلى حد التناقض أحيانا” (ص 23-24). وبذلك يكون بطاطو قد مهّد لتناول مرحلة حكم حافظ الأسد، “الذي يعتبره المؤلف أول حاكم لسورية من أصل فلاحي”، بالتفصيل في القسم الرابع، وهو أكبر أقسام الكتاب. وسوف نتناول في بقية هذا الجزء الأول من المقال القسم الأول من الكتاب، ثم نعرض للقسمين الثاني والثالث في الجزء الثاني، ثم القسم الرابع من الكتاب في الجزء الثالث من المقال، قبل أن نطرح، كما أسلفنا، أسئلة عن مدى صلة الكتاب بفهم الأزمة الثورية السورية المأساوية الراهنة في الجزء الرابع والأخير من المقال.

نظرة في العمق إلى أحوال الفلاحين السوريين المادية والاجتماعية

تتفاوت فصول القسم الأول من الكتاب، المخصص لظروف الفلاحين الاجتماعية والاقتصادية، كثيرا من حيث الحجم والطابع. فبينما يقل طول الفصل الأول عن عشر صفحات، تصل عدد صفحات الفصل الثاني إلى حوالي خمسين والثالث إلى ستين بينما يبلغ طول الفصل الرابع حوالي ثلاثين صفحة. وبينما يتناول الفصل الأول بإيجاز العوامل الديموغرافية العامة لسورية بين نهاية الحرب العالمية الأولى ونهاية القرن العشرين، مع التركيز على الريف السوري، فإن الفصل الثاني يدرس بتفصيل وعمق كبيرين ضروب التمييز داخل صفوف الفلاحين السوريين، وهو بلا شك أهم فصول هذا القسم ولذا يستحق الوقوف عنده بتفصيل أكبر.

ويبين الفصل الأول أن زيادات ملحوظة حصلت في عدد سكان سورية في الفترة المذكورة أعلاه حيث ازداد عدد سكان سورية من نحو 1.5 مليون في عام 1922 إلى نحو 13.8 مليونا في عام 1994، أي أكثر من تسعة أضعاف. ويشرح أن هذه الظاهرة ارتبطت “في البداية بنهضة الزراعة السورية واندماجها التدريجي أو المتقطع في شبكة التجارة العالمية، لكن الزيادة السكانية كانت نتيجة نهضة الزراعة بقدر ما كانت سببا لها، بمعنى أن الظاهرتين غذّت إحداهما الأخرى وعززتها”. أما استمرار الزيادة السكانية، فكان “انعكاسا للهبوط في معدلات الوفيات، ولا سيما بعد الحرب العالمية الثانية”، وهو ما يُعزى إلى “الحد من بطش الأمراض المتوطنة وتزايد الوصول إلى المياه النظيفة وتحسّن الصحة العامة وزيادة مرافقها وتحسن الأنظمة الغذائية ورعاية صحة الطفل والتوسع في استخدام المضادات الحيوية” (ص 34).

ويوضح بطاطو أن النمو الديموغرافي السريع، مقترنا بعوامل أخرى كالجفاف المتكرر وتآكل التربة، “زاد الضغط على الأرض وتسبب بهجرة ريفية غير مسبوقة، وجعل دمشق والمدن الرئيسة الأخرى تعج بالسكان والمشكلات ورفع تكلفة الغذاء، وافقم التفاوتات الاقتصادية، وساهم على نحو غير مباشر في صعود البعثيين، كما ساهم أخيرا في التآكل الجزئي لآثار الإصلاح الزراعي المفيدة” (ص 36).

أما الفصل الثاني المخصص لرصد العديد من ضروب التمييز في صفوف الفلاحين، فيبدأ بتأكيد أنه “ليست هناك فئة تُدعى “الفلاحون”. وهذا التعبير يشير إلى تشكيلة من الفئات الاجتماعية” (ص 41). وإذ يستعرض هذا الفصل التنوع المذهل في الريف السوري، فإنني أنصح القارئ أن يقرأ هذا الفصل مزودا بخريطة تفصيلية لسورية وتضاريسها.

وأول ضروب التمييز التي يقف عندها المؤلف هو التمييز بين “الفلاح البستاني” و”الفلاح الزراعي”. ويشرح بطاطو أن الفلاحين البستانيين كثيرا ما كانوا “مرتبطين بالبلدات والمدن ذلك الارتباط الوثيق، ويعيشون إمّا في مناطق حضرية نائية وإما في الريف المجاور لها مباشرة. ولذلك تأثروا بالتغلغل الاقتصادي الأوروبي في وقت أبكر وبصورة أعمق من باقي الفلاحين. وكانت ملكية الأرض أعلى أيضا بينهم منها بين الفلاحين الزراعيين. وتمتعوا، إضافة إلى ذلك، بمزايا الاتحاد المهني أو إمكاناته منذ أوائل القرن السابع عشر، إن لم يكن أبكر، في حين لم ينظم الفلاحون الزراعيون بفعالية لغايات اقتصادية وسياسية حتى أواسط أربعينيات القرن العشرين” (ص 41).

ويشير المؤلف إلى أن “النموذج الأصلي للفلاح البستاني هو فلاح الغوطة، واحة دمشق الغنّاء التي تغذيها مياه نهر بردي، وموقع أشجار الفواكه والجداول والغدران المترقرقة المشهورة في التاريخ العربي”. ويستشهد حنا بطاطو بالرحالة العربي القروسطي ابن بطوطة الذي لاحظ أن فلاحي الغوطة “كأهل الحاضرة في مناحيهم”، ويضيف بطاطو أنهم أصبحوا مؤخرا أقرب إليهم على نحو متزايد لأن كثيرا من قراهم قد تمدن. ويقارنهم المؤلف على نحو ممتع بالفلاحين الآخرين “أمثال أبناء وادي الفرات أو المرج، وهي منطقة إلى الشرق من الغوطة، الذين ما زالوا، وإن بصورة متناقصة، أقرب إلى البدو في قيمهم وقواعد سلوكهم”. أما فلاحو حوران، “ذلك السهل الفسيح الخصيب الذي يعتمد على مياه الأمطار في جنوب سورية”، فهم في منزلة بين المنزلتين (ص 41-42).

ويشرح بطاطو أن الفلاحين البستانيين في الغوطة “هم، بلا جدال، أمهر مزارعي سورية. وتشير الطريقة الكفؤة، ولكن اللطيفة والحذرة، التي يعتنون بها بأشجار فاكهتهم إلى موقف متأصل ينتقل من الأب إلى الابن. ويسري حب الأرض في دمهم، بخلاف كثيرين من فلاحي المرج أو الفرات الذين يكرهون الزراعة، أو يحتقرون العمل اليدوي، وإذا تمكنوا من تحويش ما يكفي من المال، فسيهجرون المحراث، ويشترون مواشي، ويتحولون إلى الرعي” (ص 43).

ويضيف بطاطو: “أقرب الفلاحين إلى فلاحي الغوطة من حيث المهارة والارتباط بالأرض هم أصحاب البساتين العاملون في وديان نهر العاصي قرب حمص وحماة والفلاحون المغامرون المعروفون بـ “أهل العود” أو “أصحاب الشجر” الذين يعيشون في المرتفعات المسكونة منذ زمن بعيد والمتموجة بانسياب في منطقة إدلب الغنية بالبساتين، والتي تؤمن جزءا كبيرا من حاجات سورية من الفواكه والزيتون” (ص 44). وينطبق الأمر ذاته على فلاحي السهول العلويين، “وهم منتجو الغذاء الأساسيون في منطقة اللاذقية على مدى مئات السنين. ويستشهد بطاطو بما وصفهم به قنصل إنجليزي كانت له صلة طويلة بهم في القرن التاسع عشر من كونهم “مساوين في ذكائهم على الأقل لـ[فلاحي] أي بلد في أوروبا”، لكنه يؤكد أن خاصيتهم الأبرز “هي قدرتهم على تحمل المشقات. وهذه السمات لدى علويي السهول، لا علويي الجبال، إضافة إلى سهولة انقيادهم، تفسِّر لماذا كان الملاكون الكبار في الماضي يفضلونهم عموما على الفلاحين من أصل بدوي الذين يصعب قيادهم وإرضاؤهم”. ويفسر بطاطو بذلك “وجود قرى علوية في مناطق بعيدة عن جبال العلويين، كما في المرج والجولان قبل احتلال إسرائيل له. وتفسر هذه العمليات أيضا لماذا يشكل الفلاحون العلويون اليوم الأغلبية الساحقة في وادي الغاب” (ص 44-45).

ومن الأمور اللافتة في هذا التمييز الذي يشرحه بطاطو تفصيلا بين “الفلاح البستاني” و”الفلاح الزراعيين” ما يرصده من أن فلاحي الغوطة، مثلهم في ذلك مثل الدمشقيين من الفئات الأكثر تواضعا، يتقيدون بتعاليم دينهم بانتظام، في حين “يغيب الدين الممأسس غيابا جليّا في كثير من القرى البعيدة عن المدن” (ص 42-43).

أما سائر ضروب التمييز بين صنوف الفلاحين السوريين فهي تتقاطع بدرجات متفاوتة مع التمييز الذي تناولناه هنا بين الفلاحين البستانيين والزراعيين. ولا يغيب عن فطنة القارئ أن “التمييز” هنا ليس هو بالضرورة ذلك القائم على تفضيل فئة على أخرى ظلما وجورا (discrimination) بل هو أقرب إلى السمات المختلفة لفئات من الفلاحين (differentiation في الأصل الإنجليزي)، وربما كان أدق أن تستخدم الترجمة العربية لفظ “التمايز”). وأحيانا ما يصل التقاطع إلى قدر لا بأس به، لكنه غير مكتمل، من التطابق. ويسري ذلك على تمييز بطاطو بين الفلاحين المسالمين والفلاحين من أصل محارب، كما يسري على تمييزه بين الفلاحين بلا عشائر والفلاحين المرتبطين بعشائر.

فيما يتعلق بالتمييز على أساس النزعة السلمية أو الأصل المحارب، يطرح بطاطو ملاحظة شديدة الأهمية، حيث يكتب: “ومع أنّ هذا التمييز بات الآن أمرا تاريخيا في جوهره وفي مغزاه، فإنّ العادات القديمة والنفسيات القديمة، كما بيّنت الحوادث المأساوية في لبنان، عميقة ولا تذوي بسهولة” (ص 45). كتب بطاطو هذا الكلام قبل أكثر من عقد على انطلاق الثورة السورية. هل مع انزلاق تلك الثورة إلى حرب أهلية، أي مع وقوع “الحوادث المأساوية” في سورية، باتت تلك العادات القديمة والنفسيات القديمة ذات صلة بالتطورات الجارية؟ لا نتناول هذا السؤال هنا، لكن من المفيد إبقائه في الذهن لحين دراسة الصراع الراهن في سورية. على أي حال، فإن مناط التمييز هنا هو “بين الفلاحين الذين تميّزوا بنزعة مسالمة على مدى أجيال كثيرة والفلاحين المتحدرين من محاربين، أو الذين كانوا في الماضي البعيد منظمين، إلى هذه الدرجة أو تلك، بهدف الدفاع وشنّ الغارات، والذين كان حمل السلاح جزءا من حياتهم اليومية، وكان استعدادهم للقتال عنصرا ضروريا للبقاء” (ص 45).

وليس غريبا أن يكون الفلاحون الأمهر، والأكثر حبا للزراعة وتعلقا بها، والأقرب إلى المدن وإلى أنماط عيشها، من الفلاحين المسالمين. ويسري ذلك على “فلاحي الغوطة وحوران وأهل العود في إدلب وعلويي السهول، من بين آخرين”. أما الفلاحون من أصل محارب، فيشملون فئتين رئيسيتين: من جهة، الفلاحون “الذين كانوا يوما بدوا والذين يمثل مزارعو حوض الفرات والجزيرة – المنطقة الواقعة بين نهري الفرات والخابور – مثالا جيدا عليهم”. أما الفئة الأخرى، فتتمثل في “أقوى الفلاحين في حبهم للحرية والأصعب في تطويعهم سياسيا” وهم فلاحو الجبال، “وأبرزهم علويّو الجبال والدروز” (ص 45). (من المهم أن يلاحظ القارئ هنا التمييز بين علويي السهول، المدرجين ضمن المسالمين من الفلاحين، وعلويّي الجبال، ذوي الأصل المحارب والاستعداد للقتال).

ولكن إذا كان علويّو الجبال والدروز، والأخيرون بوجه خاص، هم “تاريخيا أخشن طبعا وأميل إلى الحرب”، فإننا حينما ننتقل إلى التمييز بين الفلاحين بلا عشائر والفلاحين المرتبطين بلا عشائر، سنجد اختلافا طفيفا لكنه مهم في الصورة. فالفلاحين بلا عشائر يكادون يتطابقون مع الفلاحين المسالمين ومع سمة المهارة في الزراعة وحبها والتعلق بها، فيسري ذلك على بستانيي الغوطة و”أهل العود” في منطقة إدلب وأصحاب بساتين الفاكهة الذين يعيشون في حمص وحماه وحلب أو في جوارها والمزارعين العلويين في ساحل اللاذقية وسهل بانياس. أما الفلاحون المرتبطون بعشائر، فيتمثلون في نفس فئتي الفلاحين ذوي الأصل المحارب، ولكن مع اختلاف مهم وهو أن الروابط العشائرية أقوى تاريخيا في صفوف قرى الفرات ورافديه الرئيسيين البليخ والخابور منها في صفوف الدروز وعلويّي الجبال.

ويشير بطاطو إلى أهم القبائل في قرى الفرات والبليخ والخابور، معدِّدا قبائل العقيدات والجبور والبقارة والعفادلة والفدعان وولدة. وينتمي إلى العقيدات الفلاحون على ضفتي الخابور الأدنى والفرات – من الحدود السورية العراقية إلى البُصيرة. “أما أولئك الذين يعيشون على الخابور الأعلى ورافده الفرعي، الجغجغ، فهم من الجُبور. وعلى الضفة اليسرى من الفرات صعودا من البصيرة نحو الأعلى يتوضّع فلاحو البقارة. وأبعد نحو أعلى النهر، في محافظة الرقة، وعلى البليح الأدنى يعيش فلاحو العفادلة، وإلى الشمال منهم على البليخ هنا الفلاحون المرتبطون بالفدعان. ووراء سد الطبقة الجديد، تشغل قبيلة ولدة نحو خمسين قرية على شاطئ الفرات وفي منطقة منبج” (ص 62).

ومن بين القبائل المذكورة، تتميز قبيلة الفدعان بأنها “قبيلة قوية ومسلحة تعمل برعي قطعان الجمال”، أي أنها ليست قبيلة زراعية. ولا غرابة أن تكون قد دانت لها السيطرة على مجمل النظام القبلي في قرى الفرات والبليخ والخابور أثناء الاحتلال الفرنسي، إذ أن طابعها غير الزراعي جعل نظامها القبلي هو الأحكم تنظيما، ويصفه بطاطو بشيء من التفصيل. غير أن مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية شهدت ظاهرتين مهمتين: ميل “الميزان الاجتماعي المحلي إلى مصلحة العفادلة وغيرهم من القبائل الزراعية [على حساب الفدعان]” (ص 64)، وتراجع نفوذ شيوخ القبائل عموما واتجاه الروابط القبلية إلى الضعف والتحلُّل. وتعود الظاهرة الأولى، أي إنهاء سلطة الفدعان القسرية وتنامي نفوذ القبائل الزراعية إلى بسط سلطة الدولة الوطنية من جهة وإلى إدخال الآلات الزراعية الحديثة في النصف الثاني من الأربعينات إلى وادي الفرات، وهو ما أسهم في مراكمة شيوخ العفادلة ثروة كبيرة “إلى حد أن زعماء الفدعان، في حلول عام 1951، ما عادوا يتعاملون معهم على أنهم أقل شأنا، بل على أنهم أنداد” (ص 64). أما ضعف الروابط القبلية عموما فيعود إلى “إلغاء القانون القبلي من جانب الدولة في عام 1956 وتطبيق قانون الإصلاح الزراعي في عام 1958 والمراسيم ذات الصلة في عامي 1963 و1964” (ص 64). وأسهم تقسيم الملكية في إضعاف تلاحم الأسرة الممتدة.

ويتمثل سبب رئيسي في قوة الروابط العشائرية في شرق سورية في مرحلة ما قبل الإصلاح الزراعي في وجود ملكيات كبيرة للأراضي في تلك المنطقة قبل الإصلاح الزراعي. أما المناطق الريفية في غرب سورية، فيمكن أن نستخلص من تحليل بطاطو أن أغلبها لم يكن يتميز بتمركز ملكيات كبيرة من الأرض قبل الإصلاح الزراعي. ومن هنا فإن الروابط القبلية ربما كانت أضعف تاريخيا، لكنها لم تضعف كثيرا بالتالي نتيجة للإصلاح الزراعي ذاته. ويسري ذلك بوجه خاص على حوران. يكتب بطاطو: “مع أنه من الخطر أن نعمّم شروط جزء واحد من البلد على شروط الأجزاء الأخرى، يمكن أن نطرح فرضية جديرة بالدفاع عنها، على أساس الدليل المستمد من سهل حوران، مفادها أن النظام العشائري القديم لم يتعرض إلا لحد أدنى من التعكير في المناطق الريفية التي لم تكن قبل فترة الإصلاح الزراعي تتميز بتمركز ملكيات كبيرة من الأرض” (ص 65-66). ويسري الأمر ذاته في جبل العرب أو في محافظة السويداء، حيث التمركز الدرزي. وهكذا حافظت العشائر المهيمنة في حوران وجبل العرب، وأبرزها عشائر آل المقداد والزعبية وآل الحريري في حوران، وعشائر آل الأطرش وآل عامر والحلبية في جبل العرب، على نفوذها إلى حد كبير. وجدير بالذكر أن عشائر حوران، ولا سيما آل المقداد، تضم فروعا عشائرية من السنة والشيعة معا، بل وتعرف زيجات مختلطة بين السنة والشيعة، بينما يقول بطاطو إن “هذا لم يحدث بعد مع الدروز في المناطق المجاورة، فهؤلاء منغلقون في نزعتهم، ويحملون في ذاكرتهم القريبة نزاعات مُرّة على الأرض، ولا سيما مع آل المقداد” (ص 68). وفيما يتعلق بالعشائر الدرزية، يشير بطاطو إلى عدم التطابق بين العشائر ذات النفوذ الاجتماعي والسياسي وتلك المتمتعة بالنفوذ الديني.

ولا يقف بطاطو طويلا عند النظام القبلي في صفوف علويِّ الجبال، لكنه يطرح ملحوظة في غاية الأهمية في هذا الشأن مفادها أن استمرار الأهمية السياسية التي تتمتّع بها العشيرة انكشف على نحو فاضح في سلوك اللجنة العسكرية البعثية التي شكّلت مركز الثقل في نظام البعث بين عامي 1963 و1966. وهو يقتبس من منيف الرزّاز، الذي كان أمينا عاما لحزب البعث، قوله: “وكما فعلت [اللجنة العسكرية] في الحزب المدني، فقد أدخلت الكثير من الأعضاء في التنظيم دون أي توجيه حزبي سابق، بسبب من قرابتهم أو صداقتهم أو انتمائهم العشائري”. ويضيف بطاطو أن الرزّاز كان “يشير أساسا، وإن لم يكن حصرا، إلى سلوك الأعضاء العلويين في اللجنة العسكرية. وظهرت نزعات مماثلة في الفترة التي اقترنت بحافظ الأسد في أثناء إعادة تنظيم الجيش وسلك الضباط وما رافقهما من تشكيل وحدات ضاربة ذات أهمية سياسية خاصة، كما سنبين في الفصل الثامن عشر، حيث سنقوم بمحاولة للتعمق في بنية السلطة في سورية” (ص 74).

ويبقى لاختتام تغطيتنا للفصل الثاني من الكتاب أن نتعرض لتمييز بطاطو بين الفلاحين على أساس العقيدة الدينية، ثم على أساس المواقع الاجتماعية-الاقتصادية. ودينيا، سورية شديدة التنوع. ويخصص بطاطو 15 صفحة كاملة لتناول هذا التنوع حيث يشرح بإيجاز العقائد الدينية الرئيسية وأصولها التاريخية ومناطق تركُّز الطوائف الدينية المختلفة وأوزانها النسبية داخل السكان، في بانوراما أخاذة. ويشير إلى عدم وجود سوى تقديرات تقريبية لتوزيع السكان بحسب الدين، وهي تقديرات تعود إلى العهد السابق على الاستقلال. ففي عام 1943، عندما كان سكان سورية، باستثناء البدو، أقل قليلا من ثلاثة ملايين (أي أقل من ربع عدد السوريين في 1993 البالغ 13.8 مليون نسمة)، كانت النسب المئوية، صعودا من الأقل إلى الأعلى، كالتالي: اليزيديون (أو الإيزيديون) 0.1 في المئة؛ الشيعة (الاثنى عشرية) 0.4 في المئة؛ الإسماعيليون، 1 في المئة؛ اليهود، 1 في المئة؛ الدروز، 3.1 في المئة؛ العلويون، 11.4 في المئة؛ المسيحيون، 14.1 في المئة؛ السُنّة، 68.9 في المئة. ويشير بطاطو إلى أن عدد العلويين فاق بعد ذلك عدد المسيحيين في تعداد 1960، وهو ما يرده جزئيا إلى الهجرات الخارجية. ويُشكِّك بطاطو في دقة الأرقام المتوفرة، ويؤكد أنه “في غياب أرقام أخرى وثيقة الصلة، من غير الممكن تحديد الوزن النسبي الحالي بدقة للطوائف الإسلامية المتنوعة والطوائف المتفرعة عنها” (ص 49).

ويلاحظ بطاطو بوجه عام أن “الدين، ولا سيما بعد تقدم الأصولية، [كان] عامل شقاق أكثر منه قوة موحِّدة. حتى في الماضي، وعلى الرغم من إقامة الدين روابط بين الفلاحين تتجاوز مستوى القرية أو الناحية، أعاق جدّيا نمو وعي أخوي بين أنصار الأديان المختلفة، كما أعاق فرص العمل المشترك. ولم يصبح الجهد الموحّد ممكنا إلا بعد صعود القومية والاشتراكية فيما بعد” (ص 49).

ويعرض بطاطو بتمكُّن العقائد الدينية المختلفة، مشيرا إلى أن اليزيديين والدروز والعلويين هم “من بين طوائف سورية الدينية الأكثر انغلاقا. والقاعدة هي أن المرء لا يمكنه أن ينضم إلى هذه الطوائف، بل يمكنه أن يولد فيها فحسب. ولديها جميعا حسُّ حاد بهويتها الخاصة، ويحركها شعور قوي بالمسؤولية نحو أخوتها في الدين” (ص 49).

ويعيش اليزيديون الناطقون بالكردية في نحو عشرين قرية في حوض نهر عفرين شمال غرب حلب. وهم منظَّمون لاهوتيا على نحو مُحكم، ولهم “أشد نقاط الاتصال غموضا مع طوائف سورية الأخرى، على الرغم من أنهم يعاملون القرآن والإنجيل بإجلال. […] واستنادا إلى لجنة دولية درست الطائفة بشيء من العمق، يؤمن اليزيديون بكائن أسمى يسمونه يزدان (Yasdan)، يُعتقد أنه لا يولي العالم كثيرا من الاهتمام، وأنه أرفع من أن يُعبد مباشرة. وانبعثت منه سبع أرواح عظيمة، أولها وأعظمها طاووس ملك (Malak Ta’us). ومن خلال هذا الملك، أخرج يزدان العالم إلى الوجود، وأجّره بعد ذلك له مدة عشرة آلاف سنة، مرت منها ستة آلاف. يُمثَّل طاووس ملك، الذي يُعتبر ملاكا ساقطا لكنه تائب، على شكل طاووس من البرونز أو الحديد، وتوجد منه سبعة نماذج تطابق عدد الأرواح العظيمة. ويحمل رجال دين صغار، يطلق عليهم لقب “القوّالين” ستة من التماثيل من قرية إلى قرية، حيث يقدم الفلاحون لها التبجيل. أما تمثال الطاووس السابع، الأقدم بينهم، فلا يغادر قط مزار الشيخ عدي، وهو مركز حياتهم الدينية، ويقع في مدينة لاش في سهل الموصل في شمال العراق. والشيخ عدي الذي عاش في القرن الحادي عشر أو الثاني عشر، هو مشرّع الطائفة وقديسها الرئيس، ويشكل بوضوح واحدا مع طاووس ملك عن طريق التقمص” (ص 49-50).

أطلنا الوقوف مع عقيدة اليزيديين بسبب قلة المعرفة بها. لكن تناول بطاطو للعقائد الأخرى لا يقل إبهارا، وأترك للقارئ المهتم الاطلاع عليه في الكتاب مباشرة. وهو يشير إلى السرية التي يتسم بها اليزيديون، والتي يشاركهم فيها الدروز والعلويون. “يُقال إن القلّة الدروز، أو “العُقّال”، كي يحفظوا أسرار الإيمان حتى عن جماهير أتباعهم الذين كانوا يوصفون بـ”الجُهّال”، كانوا في الماضي يخفون كتبهم المقدسة في الأرض، ليكونوا بذلك واثقين من قدرتهم على حماية أسرارهم حتى باتت طائفتهم، من وجهة النظر هذه، مثل “النملة السوداء على المسح الأسود في الليلة الظلماء” (ص 50-51). أما الإسماعيلية، فعقيدتهم الدينية أقل سرية، لكنهم يشددون على سرية التنظيم. وهذا هو ما ميزهم تاريخيا، إلى جانب إغراؤهم المباشر للمحرومين. “أما أكثر أفكارهم خصوصية فهي فكرتهم عن المعنى الباطني للقرآن، التي تستلزم تأويلا مجازيا لنصوصه، إذ ليس الظاهر إلا قناع يحجب الحقيقة عن إدراك غير المهتدين. وتركت هه السمة الباطنية بصمتها على المنظومة الدينية للدروز والعلويين” (ص 54).

وفي ملحوظة ثاقبة، يشير بطاطو إلى شيوع الاعتقاد بتقمّص الأرواح لدى مختلف الطوائف السورية من أبناء الجبال: العلويون واليزيديون والدروز والإسماعيليون. ويعرب عن اندهاشه إزاء معتقدات مشتركة بين أبناء الجبال في سورية، وخصوصا العلويون، وبعض ملامح ديانة البريطانيين أيام الرومان. ويطيل بطاطو الوقوف عند المعتقدات الحالية للعلويين، “أو النصيرية إذا أرنا أن نستخدم الاسم الديني الأكثر ملاءمة لهم”، وما يكتنفها من شكوك. ويشير إلى كتاب نُشر في عام 1859 في حلب “كثير من المعلومات الموجودة عن شعائرهم وعقائدهم مأخوذ في النهاية” منه. والكتاب من تأليف سليمان الأذني [الأضني] من سكان أنطاكية، وهو عضو سابق في الطائفة وتحوّل عنها إلى اليهودية فالإسلام السني فالمسيحية على التوالي، واغتيل فيما بعد. ويقول بطاط إن عمله لا يخلو من التحيّز، “لكنه نفيس إلى حد ما لأنه تبنّى كتيبا نصيريا أصيلا بوضوح ومجهول الكاتب اسمه كتاب المجموع، وهو عبارة عن مجموعة من ست عشرة سورة هي سور الصلاة العامة. كما نجد في صفحات الأذني تصويرا بيانيا لعملية تلقينه أسرار الإيمان النصيري وهو في الثامنة عشرة” (ص 53-54).

وبعد أن يعرض بطاطو بعضا من المعتقدات الغريبة الواردة في كتاب المجموع، ومنها مثلا “أن عليا اخترع محمدا من ’نور ذاته‘، وأن محمدا خلق سلمان الفارسي من “نور نوره”، وأن سلمان خلق الخمسة الأيتام – المقداد [بن الأسود الكندي] وأبو ذر [الغفاري] وعبد الله [بن رواحة الأنصاري] وعثمان [بن مظعون النجاشي] وقنبر بن كادان [الدوسي] – وأن الخمسة الأيتام خلقوا الأرض”، وأن جميع النصيريين وُجدوا “في البداية على هيئة كواكب نورانية، لكن، لأنهم تفاخروا بعدم وجود خلق أكرم منهم، أهبطهم الرب إلى دار سفلانية، خالقا لهم هياكل بشرية….”، فإنه يتساءل: “هل يؤمن جميع العلويين بالمعتقدات الواردة في كتاب المجموع، أم بعضهم فحسب؟” (ص 56-57) وهو يجيب على نحو واف، وإن لم يكن حاسما لكل جدل، استنادا إلى المعلومات المتوفرة ومنها بيان رسمي وثيق الصلة بالموضوع أصدره في عام 1973 ثمانون رجل دين من العلويين يمثلون أجزاء مختلفة من الريف العلوي أكدوا فيه أن العلويين، “مثل أغلبية الشيعة، اثنا عشرية، أي مشايعين للأئمة الاثني عشر”، وبيان مشابه سبق أن أصدره رجال دين علويون قبل ذلك بعقود عدة، في عام 1936، قالوا فيه: “إن العلويين ليسوا سوى أنصار الإمام علي، وما الإمام علي سوى ابن عم الرسول وصهره ووصيه”. ويشير بطاطو أيضا إلى أن الشيعة الإمامية بقيادة الإمام موسى الصدر أكدت في أوائل السبعينات “الوحدة المذهبية” للعلويين مع الشيعة (ص 58-60).

وبعد أن يستعرض بطاطو وقائع مؤتمر إسلامي علوي عُقد في مكان غير محدد في سورية في عام 1973، بعد وقت من نشر بيان رجال الدين العلويين الثمانين، يعرض وجهة النظر الغالبة في هذا المؤتمر والتي تبنانها الشيخ بدر الدين جوهر (وهو اسم مستعار) ومؤداها أن الغلو بخصوص الإمام علي يعود إلى “قبول بعض المشايخ الرجعيين دينيا بعض الحكايات التي نشرها السبئيون بعد وفاة الإمام علي، حيث ألّه مؤسسهم، عبد الله بن سبأ، وهو يهودي تحوّل إلى الإسلام، عليا الذي حكم عليه بنفسه، وفق تلك الرواية، بالموت حرقا [أو بنفيه في رواية أخرى]… [وأن] القبول بحكايات السبئيين جاء نتيجة الجهل” (ص 60-61). وعلى أي حال، يختتم بطاطو هذا النقاش الشيق قائلا: “بالطبع، لم يكن للفلاحين العلويين شأن في هذه المناظرة الدينية التي سعت إلى أن تقرر لهم ما يجب أن يؤمنوا به. ومن المحتمل أن بعضهم على الأقل استسلم لتأويلات أولئك العلماء المتنورين كالشيخ جوهر وألقى نير الخرافات القديمة. لكن كثيرا من الآخرين لعلهم لا يزالون على ارتباطهم القوي بالطقوس الدينية القديمة، ولا سيما أولئك الدائرين في فلك الأولياء المدفونين في أضرحة ذات قبب بيضاء تشكل معلما لكثير من قمم التلال في الريف العلوي، الذين لطالما اعتبروا حرّاس قراهم. ولعل فريقا ثالثا، ممن تأثروا بالتعليم الجديد ونزوع البعثيين، قد أصبح أقل حماسة لأي إيمان ديني وأكثر حماسة لأمور حياتهم اليومية الضاغطة” (ص61-62).

ولا يقل الريف السوري تعقيدا وتنوعا من الناحية الاجتماعية-الاقتصادية عنه من الناحية الدينية. وينطلق بطاطو من تمييز أساسي بين “أولئك الذين يملكون الأرض والذين لا يملكونها”. ويؤكد أن “هناك خطوط تمايز أخرى، لكنها خطوط تشابك أيضا، بين الملّاك الكبار والمتوسطين والصغار، أو بين ملّاك الأرض الذين لديهم مصدر ماء وافر أو منتظم إلى هذه الدرجة أو تلك، وأولئك الذين لا يزالون يعتمدون على الظروف المناخية المتقلبة، أو بين ملّاك الأرض الأغنياء ماليا، وأولئك الذين لا يملكون إلا رأسمال متوسطا أو صغيرا أو لا يملكون رأسمالا قط. لا يعني الحرمان من ملكية الأرض بالضرورة العجز الاقتصادي؛ فمن بين الأشخاص ذوي الأهمية المتزايدة في الحياة الزراعية السورية بعد عام 1973 المستثمر الذي لا يملك الأرض في الأغلب، بل يؤجرها أو ببساطة يأتي برأسماله على شكل مال وآلات حديثة للقيام بالإنتاج” (ص 73-74).

ويتناول بطاطو الوزن النسبي للفئات المختلفة وتطوره عبر الزمن وخصوصا نتيجة للإصلاح الزراعي بموجتيه في 1958 و1963. وعلى نحو مألوف، كانت بنية ملكية الأراضي الزراعية في سورية شديدة الاختلال قبل الإصلاح الزراعي. فقد تحكَّم 3247 شخصا شكّلوا 1.1 في المئة فقط من إجمالي ملاك الأرض في أكثر من ثلث الأرض المستثمرة في سورية، وهؤلاء هم الذين تأثروا بالإصلاح الزراعي الكبير في عام 1958. أما مرسوم عام 1963، فأثر في 1372 شخصا آخرين. والقارئ المصري الذي يتفحص الإصلاح الزراعي السوري لا بد أن يُدهشه التعقيد الشديد الذي يتسم به مقارنة بالبساطة النسبية للإصلاح الزراعي في مصر. فالحد الأقصى للحيازات المملوكة فرديا بموجب الإصلاح الزراعي لعام 1958 يختلف ما بين الأراضي “البعل”، أي التي تُروى بمياه الأمطار، والأراضي المروية أو الأراضي المشجرة، فيبلغ الحد الأقصى 300 هكتار (الهكتار يساوي حوالي 2.4 فدان) للأولى و80 هكتارا للثانية، “مع الحق بنقل عشرة هكتارات من الأراضي المروية أو 40 هكتارا من الأراضي البعلية لكل ولد أو زوجة حتى 40 هكتارا مرويا أو 160 هكتارا بعليا”. وأدخل الإصلاح الزراعي لعام 1963 تصنيفات أعقد، فميّز من جهة تمييزا ثلاثيا ين الأراضي المروية والأراضي البعلية المشجرة والأراضي البعلية، كما ميّز بين المناطق المختلفة فيما يتعلق بالحد الأقصى للحيازات من الأراضي المروية، فصار هذا الحد الأقصى 15 هكتارا في منطقة الغوطة، و20 هكتارا في منطقة الساحل، و25 هكتارا في سهل البطيحة، و40 هكتارا في بقية الأراضي المروية بالراحة (أي بالغمر)، و50 هكتارا في الأراضي التي تروى بالرفع بأي واسطة من الفرات وبعض الأنهار الأخرى، و55 هكتارا في الأراضي التي تروى من مياه الآبار في محافظات الحسكة ودير الزور والحسكة، و45 هكتارا في بقية الأراضي التي تروى بالرفع. أما الأراضي البعلية، فتراوح الحد الأقصى لملكيتها بين 35 و55 هكتارا، بينما تراوح بين 80 و300 هكتار في الأراضي البعلية (ص 76-88).

وعلى الرغم من التغيرات التي أفرزها الإصلاح الزراعي، فإن “نظام الحيازة الناشئ استمر في كشف تفاوتات صارخة” (ص 81). أما مع تراجع سورية عن الراديكالية منذ عام 1970، فقد حدثت تحولات رجعية مؤداها انخفاض كبير في أعداد الحائزين الصغار، وتعاظم في ثروات المزارعين والمستثمرين المتوسطين والكبار المترسملين، بينما حدث بوجه عام تراجع في أهمية ملكية الأرض الزراعية لصالح الحيازة، إذ بات العنصر المهيمن في الريف متمثلا في مستثمرين كبار يؤجرون الأرض ويستغلونها وفق الأساليب الرأسمالية.

ويمكن القول بأن الفصل الثالث، وهو أطول فصول هذا القسم الأول من الكتاب، يمثل تفصيلا وتنويعا على ما شرحه بطاطو في ختام الفصل الثاني عن التمايزات بين صفوف الفلاحين من حيث ملكية الأرض وحيازتها والوضع داخل علاقات الإنتاج. ويشير بطاطو في مستهل هذا الفصل إلى أن “الكتلة العظمى من حارثي الأرض” لم تكن تكسب إلا ما يزيد قليلا عن الكفاف “قبل انتصار الأفكار المتقدمة المتعلقة بمسألة الفلاحين في سورية – ذلك الانتصار الذي نجم أساسا عن وصول عناصر عسكرية من أصل فلاحي إلى الواجهة السياسية – وقبل إعادة تنظيم ملكية الأرض والعلاقات الزراعية” في الخمسينات والستينات (ص 89). ومن بين حارثي الأرض، “لم يكد يصل إلى الثلث عدد الذين يستثمرون قطعة أرض خاصة بهم، أو يعتنون ببساتينهم الصغيرة المزروعة بالفكاهة، أو يتمتعون بمجرد الحق في حصة من التوزيع الدوري لقطع من الأرض في ظل نظام المشاع القديم للملكية الذي كان لا يزال ساريا في السهول المركزية”، والذي كان “يفسح المجال على نحو متزايد للتملك الفردي الأكثر استقرارا” (ص 89). أما العدد الأكبر من الفلاحين الآخرين، فكان يتمثل في “محاصصين ومستأجرين قانونيا بحسب مشيئة المالك الذي كان قادرا على إبعادهم عن الأرض متى شاء، لكنه نادرا ما كان يكسر العرف المتمثل بتعاقب ورثة مستأجر الأرض على استئجارها”، في حين أن “باقي الفلاحين “كانوا يعملون بالأجرة، وليس لهم عموما “لا بالقاع ودّ ولا بالسما نجمة”، كما يقول فلاحو الفرات وصفا لأفقر فئة من بينهم” (ص 89). ويتبيّن قارئ هذا الفصل أن تباينات الدخل بين الطبقات الزراعية المختلفة كانت هائلة قبل الإصلاح الزراعي. فالدخل السنوي لأغنى أغنياء الريف السوري في أوائل القرن العشرين، مثل عائلة الأطرش الدرزية وعائلة العظم في حماة وأغنى مالك أرض في دمشق عبد الرحمن اليوسف، “الذي حاز الضفة الشرقية لبحيرة طبرية كلها والمعروفة بالبطيحة وثلاث قرى في الغوطة خمسا في المرج وأربعا وعشرين في الجولان”، كان يزيد بحوالي ألف ضعف عن دخل “أفقر فلاح (مسيحي) في منطقة قلعة الحصن”. لكن هذا الأخير كان أفضل حالا من أبناء العائلات الفلاحية العلوية في منطقة جبلة، إذ أن “الفلاحين العلويين كانوا فئة خاصة، وما كانوا يُحسدون قط على حظهم. وفي ظل الحكم العثماني، قبل ثورة تركيا الفتاة في عام 1908، كانوا يتعرضون لسوء المعاملة والتشنيع، وكان نساؤهم وأطفالهم في بعض الأحيان (في قرون أسبق) يؤسرون، ويباعون. وبعد الحرب العالمية الأولى صارت الأحوال الاقتصادية، حتى بالنسبة إلى الفلاحين العلويين الأكثر استقلالية والأقل اضطهادا، بائسة إلى حد أنهم أخذوا يبيعون بناتهم أو يؤجرونهن لأهل المدن الأغنياء. كان بعضهن يباع في الطفولة مدى الحياة بصفة خادمة، لكن كانت أغلبيتهن “تؤجّر” فحسب مقابل سعر متفق عليه ولفترة محدّدة من الزمن” (ص 93-94).

وقد تحسَّن الوضع بالتأكيد بعد الإصلاح الزراعي، لكن بطاطو يشير إلى غياب “أرقام دقيقة عن كيفية توزيع الدخل الزراعي بين الطبقات الزراعية المختلفة”. وبينما سعى البعثيون في الستينات “إلى تخفيف التفاوت في توزيع الدخل من خلال وقف بعض التفاوتات المعهودة التي ميّزت الريف وتضييق الفجوة بين الأغنياء والفقراء”، فإن “تباينات الدخل استمرت من دون شك، وازدادت بعد عام 1970 في إثر التراجع عن الراديكالية والمزيد من انفتاح الاقتصاد والتخفيف النسبي من ضوابط الدولة في النصف الثاني من الثمانينات. وبالطبع، صارت عائلات مختلفة عن تلك التي كانت في الخمسينات تقف الآن على قمة السلّم الاجتماعي في الريف، في حين احتلت الدرجات الوسطى عائلات أخرى كثيرة كانت سابقا تكدح من أجل معيشتها عند أسفل السلّم” (ص 100). ويشير بطاطو بقدر كبير من التفصيل إلى عناصر عدة في السياسات الحكومية التي أسهمت في تحسين وضع صغار الفلاحين، ومنها أسعار الشراء الرسمية للمحاصيل الرئيسة، وتقليل تكلفة التسليف الزراعي ومن ثم الحد من استغلال الفلاحين البشع على يد المرابين، وخفض العبء الضريبي على الفلاحين، والكهربة السريعة للريف، وانتشار شبكات المياه الآمنة، وتوسّع الرعاية الصحية الريفية، وتطور وسائل الاتصال والنقل، وتكثيف الجهد التعليمي للدولة.

ولكن “هل كانت الزراعة في سورية تتقدم في ظل حكم البعث؟ هل تُستغل أرضها ومياهها الآن على نحو أكثر عقلانية مما كانت عليه قبل عام 1963؟ وهل أصبح مزارعوها أمهر وأكفأ؟” (ص 151). يجيب بطاطو في الفصل الرابع عن تلك الأسئلة بطريقة شيقة موفرا صورة متوازنة عن أوجه التقدم والإخفاق. وهو يرصد أن السنوات الخمس والعشرين السابقة على استيلاء حزب البعث على السلطة شهدت توسُّع “المساحة قيد الحراثة، بما في ذلك الأرض السبات [أي التي تُترك للراحة]، بسرعة كبيرة جدا ومن دون أي قيود”، حيث “تضاعفت في الحقيقة أربع مرات تقريبا، مرتفعة من نحو 1.75 مليون هكتار في عام 1938 إلى 6.9 ملايين هكتار في عام 1963، وكان ذلك أساسا بتأثير ارتفاع الأسعار الزراعية في أثناء الحرب العالمية الثانية وفي فترة ما بعد الحرب”. ولكن “بما أن أفضل أنواع التربة في سورية لا تغطي أكثر من 3.96 ملايين هكتار، ومنها التربة الطميية: 0.53؛ وتربة المياه الجوفية: 0.37؛ والمتوسطية الحمراء: 0.85؛ والغراموسول (حمراء داكنة وبنية وبنية داكنة وسوداء): 2.21 مليونا هكتار – فإن معظم التوسع جرى في مناطق ذات تربة بنية مصفرة أقل جودة وذات معدل هطول مطري أقل” (ص 154).

ومن هنا فإن ما شهدته المساحة قيد الاستثمار من انخفاض “من متوسط سنوي يبلغ 6.5 ملايين هكتار في النصف الأول من الستينات إلى متوسط سنوي يبلغ 5.5 ملايين هكتار في الثلث الأول من التسعينات” كان جزئيا “نتيجة خفض متعمد وضروري في الإنتاج” (ص 151 و154). لكن هذا الانخفاض يعود جزئيا أيضا إلى عوامل أخرى سلبية منها الإسراف في استخدام المياه الجوفية إلى حد استنزافها، وضياع بعض الرقع من الأرض الزراعية نتيجة التسبّخ وانتشار الملوحة نتيجة لسوء إدارة مياه الري أو ضعف التصريف، وضياع بقع أخرى بسبب البناء السكني أو التجاري العشوائي.

ومن الآثار السيئة أيضا للتوسّع في المساحة المزروعة قبل المرحلة البعثية “تقلص الأرض المتروكة للرعي”. ونتيجة لذلك، “أبعدت الأغنام السورية، وهي الحيوانات الداجنة الأهم في سورية، إلى مراع فقيرة. وأدى ذلك، مترافقا مع الزيادة في عدد الأغنام، إلى ترك الرعي الجائر آثارا ضارة في الحياة النباتية في المروج”. ومن هنا، ينظر بطاطو بإيجابية إلى “ما جرى في ظل البعث من إعادة تحويل بعض الأراضي ذات الإنتاجية الهامشية إلى مراع وفتح بعض المساحات القابلة للزراعة وغير المستثمرة لتغذية الأغنام” (ص 155). غير أن هذا التوسّع الإيجابي في الرعي وما ترتب عليه من زيادة قطعان الأغنام من 5.07 ملايين في عام 1965 إلى 13.36 مليونا في عام 1983 جعل من “نقص العلف مشكلة جدية” (ص 156).

ومن اللافت أن أغلب الأراضي الزراعية السورية هي أراض بعلية (تروى عن طريق الأمطار) وتبقى بالتالي عرضة لتقلبات المناخ كما أن إنتاجيتها أقل بكثير من إنتاجية الأراضي المروية بالأنهار. ويشير بطاطو في هذا السياق إلى “الزيادة الصغيرة نسبيا بين عامي 1963 و1990 في مجموع المساحة المروية، على الرغم من المبالغ الكبيرة المستثمرة في سورية في ترويض نهر الفرات وروافده”، وهو ما يعود إلى الصعوبات التي أحاقت باستصلاح الأراضي (ص 159).

ويحلِّل بطاطو اتجاهات النمو الزراعي مفسرا مراحل تزايد وانخفاض هذا النمو، انطلاقا من “الحقيقة التي مفادها أن الأرض المروية كانت حتى الثلث الأول من التسعينات تشكل 22.2 في المئة فقط من المساحة كلها المزروعة بالمحاصيل”، وهو ما يترتب عليه أن الإنتاج الزراعي “ما زال حساسا جدا للتغيرات في هطول المطر، وكان ولا يزال خاضعا لفترات جفاف مهلكة لا يمكن التنبؤ بها” (ص 162). ويشيد بطاطو بالعديد من جوانب السياسات الزراعية للبعث، ومنها جهود الحكومة في مجال الميكنة الزراعية، والنجاحات التي تحققت في مجال الإرشاد الزراعي التي جعلت أحد خبراء الأمم المتحدة يؤكد تمتع سورية بأحد أفضل أنظمة الإرشاد الزراعي في العالم النامي. ولكن هذا التقييم الإيجابي إلى حد كبير لا يمنع بطاطو من تأكيد أنه “من الضروري أن نبرز بقوة أن سورية أصبحت منذ أوائل السبعينات، […]، وستبقى حتى نهاية عام 1990، مستوردا صافيا للمنتوجات الزراعية” (ص 176). ويختتم بطاطو هذا الفصل الرابع، ومعه القسم الأول كله من الكتاب، متناولا بعض اتجاهات المستقبل مؤكدا في فقرة جميلة أنه “ما زال لدى سورية بعض مسافة تقطعها قبل أن تحقق القدرة المعيشية التي تمتعت بها في الماضي البعيد: فقد كشفت ألواح إيبلا المكتشفة مؤخرا – وهي الآن تل على بعد 42 ميلا شمال غرب حلب، لكنها كانت في الألف الثالث قبل الميلاد مركز مملكة شملت شمال سورية كلّه – أن القرى المحيطة بإيبلا كانت تزرع ما لا يقل عن سبعة عشر صنفا من القمح، وأن إيبلا كانت في وضع تستطيع معه تغذية أكثر من 18 مليون إنسان. غير أن هذه القدرة كانت تتأتى في جزء منها، كما يبدو، من هيمنة إيبلا التجارية على كامل منطقة الهلال الخصيب” (ص 181).

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

الربيع العربي: ضد التفاؤل والتشاؤم السطحيين إن استيعاب القصة بعقدتها متعددة الجوانب لن يحمينا فقط من العواطف السياسية السطحية، بل سيوفر لنا أيضا الدروس الصحيحة المستفادة للتعامل مع صراعات المستقبل. ويعد كتاب "الأعراض المرضية" لجلبير أشقر، وكتاب "عمال ولصوص" لجويل بينين، نموذجين جيدين للتحليلات الهامة التي تهدف للفهم الصحيح لما حدث.

عاطف سعيد

ثورة بغير منظمات ثورية، وسياسة بلا أحزاب سياسية… محاولة نحو فك اللغز المصري (4) أربع لحظات فاصلة في مسار الصراع السياسي والاجتماعي في بلادنا تتميز بالسمة الجوهرية نفسها: البرجوازية تتخلى عن الحكم من خلال المجال السياسي ذعرا من الحركة المستقلة للجماهير الشعبية، بينما تلك الحركة تمتلك من القوة ما يثير الذعر في صفوف البرجوازية ودولتها، لكنها تبقى أضعف من أن تفرض نفسها على المجال السياسي الرسمي وتجبر البرجوازية إجبارا على الحكم من خلاله.

هاني شكر الله

حوار مع أناند جوبال: رغم أن تنظيم الدولة الإسلامية يعمل في سوريا، ولديه أذرعه حول العالم، إلا أن داعش، في صميمه، ظاهرة عراقية، بل ومن المستحيل فهم هذا التنظيم قبل أن نفهم أولا الهيكل الاجتماعي للمجتمع العراقي قبل وبعد الغزو الأمريكي.

أناند جوبال  ,  أشلي سميث

الريف السوري مفتاحا لفهم نظام الأسد (2) إذا كان القسم الأول من الكتاب، الذي عرضناه في الجزء الأول من هذا المقال، يطرح نظرة في العمق إلى أحوال الفلاحين السوريين المادية والاجتماعية، فإن القسمين الثاني والثالث، اللذين نعرض لهما هنا، يتناولان الجوانب "الذاتية" من حياة الريف السوري، فيتناول القسم الثاني "أنماط الوعي والتنظيم والسلوك السياسي الفلاحي قبل البعث"، بينما يحلِّل القسم الثالث "البعثية في جوانبها الريفية والفلاحية".

عمر الشافعي

ثورة بغير منظمات ثورية، وسياسة بلا أحزاب سياسية… محاولة نحو فك اللغز المصري (3) لم يكن الفريد في التجربة المباركية هو طابعها الأوليجاركي ولكن في طغيانه الشامل إلى حد أن ابتلع كل شئ حوله، حد أن أخضع وأعاد صياغة كافة مكونات وعناصر الدولة الرأسمالية الحديثة على صورته، وفي انه لم يضعف المجال السياسي ويهمشه ولكن قضى عليه قضاءً تاما، محاه من الوجود.

هاني شكر الله