من التحرير إليكم: انتزاع الديمقراطية فيما يتجاوز ترامب

خبرات

25  إبريل  2017

لقراءة المقال بالإنجليزية

في الفترة الأخيرة يطرح العديد من الباحثين والمناضلين في مصر، والبعض منهم في الولايات المتحدة، بأن نظام ترامب يشبه ديكتاتورية عربية. هذا، التأكيد، تبسيط مخل، بل ومقابلة سطحية تعتمد على التعميم الشديد بشأن مختلف أشكال الحكم في العالم العربي. رغم ذلك، فإن المقارنة قد تكون مفيدة من حيث إلقاءها الضوء على التكتيكات السلطوية لنظام ترامب والتحديات المستقبلية أمام من يعارضوها.

منذ شهر نوفمبر، لاحظت تكرار عدد من القضايا والمخاوف في النقاشات مع باحثين ومناضلين آخرين معارضين، “نحن نتعرض للهجوم المستمر، ليس لدينا الوقت للتأمل أو التنظيم”، “مسيرة النساء في واشنطن كانت رائعة، ولكن ماذا بعد؟”، “هل سنفقد ببساطة كل ما بدا تقدما أنجزناه في هذا البلد؟”، “لست أدري ما الذي أخشاه أكثر: ترامب أم الترامبيزم.” “أي نوع من الائتلافات يجب علينا بناءه اليوم؟” هذه فقط بعض من المشاعر والأسئلة التي تميز نقاشات اليوم.

أنا باحث وناشط على الأرض وشاركت شخصيا في الثورة المصرية، وحضرت أعلى لحظات انتصارها وأفولها، ولدي أسرة وأصدقاء مقربين وحلفاء في دوائر المناضلين المصريين. لذلك، فإنني إذ استمع إلى تلك النقاشات في الولايات المتحدة، تبدو لدي مألوفة وغريبة في الوقت نفسه. لقد تظاهرت في ميدان التحرير واحتفلت بالنصر والحرية في قلبي وشعرت بهما في جسدي، كما خبرت الهزيمة أيضا بعمق. خلال السنوات الست الأخيرة كنت أدرس وأكتب عن الثورة المصرية وأعمل الآن على كتاب حول الدور الهام الذي لعبه ميدان التحرير والديناميات الاجتماعية للمكان أثناء الثورة. إذا كنت أشير إلى ألفتي مع الأحداث التي شهدتها مصر في عام 2011، فإنني لا أطرح أن الولايات المتحدة أيضا على حافة الثورة (واتفق في ذلك مع مايك ديفيس (1) كما أنني لا أنوي تسطيح الخصوصيات التاريخية والاجتماعية لكلى البلدين بمقارنات لا داعي لها. رغم ذلك، فإنني أعتقد أنه يمكنني المساهمة ببعض الأفكار. من الهام أن نتعرف على ما هو مشترك وما هو مختلف بين السياقين ومن ثم نسمح لما نخلص إليه في أحدهما بأن يرشد النضال في المستقبل.

دعونا نبدأ بالنظر في أوجه الشبه بين مصر قبل الثورة وما بعدها وما تواجهه الولايات المتحدة الآن. أولا، هذان نظامان يعملان بطرق استبدادية واضحة ويظهران تجاهلهما الصريح والعداء لسيادة القانون. في كلتا الحالتين، يعتبر ما يطلق عليه اسم الزعيم نفسه أكثر الموهوبين في البلاد، ويشكو من “المعاملة غير العادلة” عندما انتقد لانتهاك دستور البلاد.

ثانيا، في كلتا الحالتين، نجد منظمين وناشطين عديمي الخبرة على حد سواء يكافحون من أجل الاستجابة لسلسلة تبدو لا نهاية لها من الهجمات السريعة المتتالية. والطريقة الوحشية التي تخلت بها الثورة المضادة المصرية عن كل ما بدا أنها مكاسب الثورة تتجلى بقوة لكثير ممن يشهدون بجزع اعتداء الإدارة الأمريكية الحالية على الحريات واستهدافها الأقليات بشكل علني. كانت الطريقة التي تعاملت بها أجهزة الشرطة والجيش والاستخبارات مع المدنيين، وخاصة الثوار، في مصر خلال فترة الثورة المضادة طريقة شرسة. حيث كانت تلك القطاعات من جهاز الدولة مصرة على الاستمرار بل وحتى التوسع في أدوارها. وكلما كان يمكن وصف المواطنين في فترة ما بعد الثورة بأنهم غير عقلانيين وجامحين كلما كان ذلك أفضل. وبالمثل، يبدو أن إدارة تفوق الرجل الأبيض في الولايات المتحدة اليوم تدير مهمة إنقاذ لإنقاذ كبرى الشركات الأمريكية من الفقراء، وخاصة الفقراء الملونين.

ثالثا، في كلى المجتمعين، كان الأمر مفاجأة للمناضلين وغير المناضلين على حد سواء. في مصر، فوجئ أصحاب الخبرات التنظيمية والملايين من المواطنين العاديين بالثورة. كان هناك الكثير من التنظيم، ولكن كان هناك أيضا الكثير من العفوية. والأهم من ذلك، أنه بعد المكاسب الأولية للثورة، لم يكن الكثيرون مستعدين لشراسة الثورة المضادة. في الولايات المتحدة، لم يدرك العديد من النشطاء، وخاصة الليبراليين البيض، سوى في الآونة الأخيرة كم كانوا يعتبرون أن حرياتهم أمر مفروغ منه. وعلى الرغم من أن المنظمين اليساريين والمنظمين الملونين كانوا دائما مستهدفين في الولايات المتحدة، إلا أنه كان هناك دائما هامش من الحرية تحميها الديمقراطية الرأسمالية الليبرالية. هذا الهامش يبدو الآن معرضا للخطر. هذه شروط جديدة. حيث حجم الهجمات جديد بالنسبة للكثيرين ما يمكن أن يمثل تحديا إن لم يكن باعثا لحالة من الشلل.

وأخيرا، ربما يكون التشابه الأكثر إثارة للقلق بين ما يتعرض له المصريون الآن تحت النظام العسكري الفاشي وبين لحظة ترامب في الولايات المتحدة هو عدم استعداد أصحاب الخبرة التنظيمية والمواطنين العاديين للمواجهة.

في الفقرات التالية، سوف أسعى إلى تحديد وتفصيل ما أعتقد أنه اثنين من الأسئلة الأكثر إلحاحا للمضي قدما أمام المناضلين من أجل العدالة الاجتماعية ضد نظام ترامب. أولا، كيف يمكن للمرء أن يسعى إلى الاستمرار والتماسك نفسيا مع الاستمرار في التنظيم والمواجهة. وبشكل أكثر تحديدا، كيف يمكن أن نجد التوازن الصحيح بين الحفاظ على التماسك النفسي والأخلاقي وقوانا العقلية من جهة، وبين التنظيم الفعال من جهة أخرى. ثانيا، كيف يمكننا تحويل موجة الحماس والمعارضة التي تمثلت في مسيرة النساء المناهضة لخطاب الرئاسة الافتتاحي في واشنطن إلى حركة – حركة تعارض الترامبيزم وليس ترامب فحسب وتسعى إلى إعادة تنظيم وتجاوز الأسس التاريخية الاستعمارية للديمقراطية الأمريكية الفاسدة والعنصرية.

عن التَحَمُل والتنظيم الفعال

منذ التسعينيات، بدأ الباحثون في الحركات الاجتماعية في الآونة الأخيرة في توجيه الاهتمام لدور المشاعر في الحركات الجماهيرية، مع إيلاء اهتمام خاص لدور للمشاعر الوجدانية مقارنة مع المشاعر التفاعلية في قيادة الاحتجاجات. من الأمثلة على المشاعر الوجدانية الكراهية والحب والتضامن، في حين أن المشاعر التفاعلية تشمل الغضب، الحزن، الغضب، أو العار.

كلا النوعين من المشاعر يمثلان متوالية على سلسلة متصلة، ويتفاوتان من شخص لآخر، ويتحولان بمرور الوقت، وغالبا ما يفسران سبب استعداد الناس للانضمام إلى الاحتجاج أو تحمل الهجمات في لحظة ما دون أخرى. ربما يكون اليأس هو أكثر المشاعر شيوعا في مصر اليوم بين الناشطين، في ضوء الشعور الحاد بالهزيمة وما يبدو أنه الانتصار الحاسم للثورة المضادة والنظام الفاشي العسكري. الكثير من المناضلين الذين أعرفهم يواجهون هذا الوقت الصعب فقط من خلال التمسك الشديد بذكرياتهم عن النصر والشجاعة.

بالنسبة لمعارضي النظام الحالي في الولايات المتحدة، كانت الأمور صعبة في الفترة الأخيرة والأرجح أنها سوف تزداد صعوبة. كانت هناك معارك عائلية، ومناوشات بين الجيران، وأصدقاء وسائل التواصل الاجتماعي أو زملاء العمل، وصدمة حقيقية في بعض الأحيان عند معرفة أن بعض العلاقات الأسرية أو الاجتماعية صوتت في الواقع لترامب وتطالبنا الآن أن “نعطيه فرصة “، على الرغم من عنصريته الفجة وأجندته شديدة الفاشية. في مصر، لم يكن على المناضلين أن يتحملوا الهزيمة فحسب، بل واجهوا أوقاتا صعبة أيضا في التعامل مع أفراد العائلة الذين تسامحوا مع عنف النظام العسكري، ثم السياسات الإقصائية الخاصة بالإخوان المسلمون، لمجرد توقهم العودة إلى حالة من الاستقرار المزيف. وقد قام العديد من الناشطين في مصر بإلقاء اللوم على بعضهم البعض بسبب أخطاء الماضي خلال الثورة وما أعقبها. وسيكون من الحكمة لمنظمي مناهضة ترامب أن يأخذوا المشاعر على محمل الجد في السنوات المقبلة، سواء لتحمل الأوقات الصعبة، ولإيجاد الطاقة لمواصلة التنظيم.

القضايا الثلاث التالية تشكل أهمية خاصة بالنسبة للمنظمين. الأولى هي الحاجة الأساسية للحفاظ على الصحة العقلية والعناية بالنفس. هذه ليست مهمة بسيطة. ذلك أن مواكبة حجم الأخبار الهائل وحجم الهجمات نفسها تمثل استنزافا. في مصر المعادية للثورة، كان على المناضلين التعامل مع فقدان أحبائهم، والاحتجاز المطول للأصدقاء المقربين ورفاق النضال على مدى سنوات والأصوات القائدة في الانتفاضة، فضلا عن عمليات القتل اليومية التي أصبحت أمورا عادية. في الولايات المتحدة، من الإنصاف أن نفترض أن الأمور قد لا تتحول إلى “الأفضل” في أي وقت قريب، ونحن نتعامل مع إدارة معادية للسود، كارهة للأجانب والمثليين والإسلام ومعادية للسامية والعلم والفقراء؛ إدارة تقوض عمدا إيمان الرأي العام بالمعلومات والحقيقة؛ حتى أنها تجرؤ على تنظيم مسيرات مستمرة مؤيدة للنظام – وهو أمر لم يكن مرتبطا في الماضي سوى بالأنظمة الفاشية الصريحة.

لن تتحسن الأمور قريبا، ومع ذلك، يجب على الناس أن تعتني بأنفسها كي تتمكن من التحمل والمواجهة. لذلك فمن المهم الاستمرار في القيام بأمور صغيرة مثل الحديث مع الأصدقاء المقربين والتعبير عن المشاعر، والحفاظ على الشعور بالأمل وتذكر الانتصارات الأصغر. الشعور بالعجز هو ما يريده هذا النوع من النظام. وفي الوقت نفسه، من المهم أن نعترف بالتمايزات في بذل هذا الجهد. فالبعض منا لديه الموارد والفرص اللازمة للرعاية الذاتية، والبعض الآخر لا يملك ذلك. ومن المهم أن نكون موجودين لأكثر الفئات ضعفا وأكثر المجتمعات المحلية استهدافا.

الاعتبار العاطفي/الوجداني الثاني الذي يجب على المنظمين وضعه في اعتبارهم هو كيفية الحفاظ على النزاهة الأخلاقية والتضامن الحقيقي أثناء التنظيم، وتحديدا في العمل والفعل الجماعي. ولا أقصد بذلك أن نهتف “حين تنخفض عزيمتهم ترتفع عزيمتنا” وغيرها من الأحاديث اللطيفة عن التكامل والتنوع. وإنما المقصود هو الالتزام المبدئي على كافة مستويات التنظيم: في مرحلة التخطيط، أثناء الفعل وعند التقييم. المصطلح الأساسي في التنظيم هو التضامن، ونحن بحاجة إلى إعادة التفكير في معنى التضامن. قد يشير التضامن إلى حالة الوحدة أو الزمالة أو الصداقة العاطفية والرفاقية مع ضحايا المظالم. ولكن الأمر لا يقتصر على ذلك. بل أن التضامن يعني أيضا رفع الظلم عمن تعرضوا له. حين ننتظم الآن ضد الخطاب العنصري وكراهية الأجانب والإسلاموفوبيا والإجراءات التي تتخذها الإدارة الحالية، لا ينبغي أن يرتكز التنظيم على “النية الحسنة” للمنظمين. بل يجب أن يستند التنظيم إلى الاعتراف بتاريخ الأعمال العنصرية والاستعمارية التي تقوم بها حكومتنا. على سبيل المثال، نحن بحاجة إلى الاعتراف بأن ستة من أصل سبعة بلدان في أول حظر على المسلمين (خمسة الآن، بعد استبعاد العراق) هي البلدان التي قصفتها الولايات المتحدة. إن دعم مجتمعاتنا العربية والإسلامية واللاتينية ليس أمرا يخص النوايا الحسنة أو الشعور بالرضا عن النفس وحسب، بل هو جزء من المعركة. وهو أيضا مسؤوليتنا السياسية.

النزاهة الأخلاقية والتصميم على عدم تقديم تنازلات أخلاقية هي أمور حاسمة بشكل خاص الآن. ذلك أن فكرة “الوصول إلى حل وسط” سوف تطارد المنظمين في المستقبل القريب. ولكن في وجود توافق قوي بين المناضلين والباحثين على السواء بالحاجة إلى ائتلاف متعدد الأعراق لمقاومة هذه الإدارة، يجب أن نميز هنا بين أنواع مختلفة من الحلول التوفيقية. علينا أن نتجنب التنازلات الأخلاقية، أي التنازلات التي تفيد مجموعة على حساب أخرى، والتي لا يجوز لأي حركة؛ وكذلك الحلول الوسطية العملية، التي تعني، على سبيل المثال، قبول التشريعات التي قد تحقق بعض الأهداف فحسب، الأمر الذي قد يلقى قبولا في ظروف اليوم.

وأخيرا، فإن الدرس الأهم الذي تعلمته من دراسة الثورة المصرية فيما يتعلق بالمشاعر هو المثابرة. ذلك أن التأرجح بين حالة مثيرة للانتصار إلى حالة جذرية من الهزيمة كان بمثابة تجربة مدمرة لكثير من المناضلين. حيث كانت الثورة بمثابة رحلة عاصفة من الإثارة والأمل واليأس. الكثيرون ممن أطلق عليهم اسم الثوريين خانوا في وقت لاحق ما كانت الانتفاضة تدافع عنه عن طريق العمل بشكل وثيق مع الجيش في الفترة الانتقالية. وبالمثل، خرق العديد من الإسلاميين المبادئ الديمقراطية للثورة، ولجئوا إلى رؤية انقسامية طائفية لسياسات الهوية. الطريقة الوحيدة التي نجا بها بعض المناضلين من هذه الأوقات الصعبة كانت بالحفاظ على ذاكرة وقيم الثورة. أنا لا أتحدث هنا عن نوع من النقاء الثوري. وإنما أتحدث عن المثابرة في التفكير والتنظيم. حتى يومنا هذا، يواصل المناضلون في مصر السعي نحو بديل عن كل من الفاشية العسكرية والسياسات الإقصائية للإسلام السياسي. ومن المفارقات أن هذه المجموعة نفسها من المناضلين هي التي تدافع عن الإسلاميين المطاردين في مصر اليوم، على الرغم من خيانة الإخوان المسلمين لها أثناء تواجدهم في السلطة. إن هذا الالتزام الثابت نحو بناء الائتلافات والتغيير، على الرغم من كل النكسات، يعد درسا حاسما للناشطين في الولايات المتحدة اليوم. يجب أن نفكر في المستقبل، على الرغم من الإجهاد النفسي والهجمات المستمرة للنظام ترامب. وبقدر ما يقودنا الغضب في اللحظة الراهنة، فإننا بحاجة أيضا إلى أن نكون مدفوعين بالأمل في مستقبل نعيد صياغته.

التنظيم والديمقراطية فيما يتجاوز ترامب

كانت أحد المطالبات الشائعة بين معظم اليساريين منذ الانتخابات هي: “فقط تنظموا”. ولكن “التنظيم فقط” قد يكون مضلَلا إذا لم يسمح بالوقت الكافي للتفكير والتخطيط ووضوح الرؤية للواقع. وفي الوقت نفسه، فإن الدعوة إلى “التنظيم” هي ضرورة حتمية إذا كان المقصود بها هي استعادة الشعب لامتلاك السياسة. لا يجوز أن ننتظر ما يطلق عليهم اسم الجمهوريين المعتدلين، الذين لا وجود لهم، أو المؤسسة الديمقراطية، التي من الواضح أنها جزء من المشكلة، ليصبح السؤال هو أي نوع من التنظيم نحتاج، وما هي أهم الأولويات أو الأسئلة؟ لقد تجاوزنا الآن مرحلة الغضب والصدمة التي تلت تولي ترامب الرئاسة مباشرة، على الرغم من ذلك علينا أن نستثمر زخم ملايين البشر الذين أعربوا عن استعداهم للاحتجاج – ولأول مرة بالنسبة للكثيرين منهم. بالتالي فإن المهمة الطارئة التالية أمام المنظمين هو تحويل تلك الطاقة التي صاحبت مسيرة النساء إلى حركة جماهيرية. من الهام الانتباه إلى أن الهدف هنا ليس استعادة ديمقراطية قائمة فاسدة تتحكم فيها المؤسسات الاقتصادية والسياسية. في هذا المنعطف، من الأهمية بمكان التمييز بين الحفنة الاستبدادية الفاسدة المؤمنة بتفوق الرجل الأبيض في النظام الحالي، وبين الأزمة طويلة الأجل لنمط الحكم الرأسمالي والعنصري الأمريكي، أي الفشل المستمر للديمقراطية الأمريكية.

تعليقا على الفرص التي تتيحها اللحظة الراهنة، كتب الباحث المناضل كيانجا ياماهتا تيلور:

يجب أن نبني منظمات وأحزاب سياسية مستقلة غير مرتبطة بالحزب الديمقراطي أو التي تصعد وتهبط مع كل دورة انتخابية. يجب أن نبني منظمات ديمقراطية، متعددة العرقية ومناضلة، أساسها التضامن.” (2)

أتفق مع ذلك وإن كنت أضيف إليه ثلاث نقاط من باب التوضيح: التنظيم خاصة فيما يتعلق بالائتلافات متعددة العرقية؛ والعلاقة بين النظام الانتخابي والتعبئة؛ وأخيرا، تصور جديد للديمقراطية فيما يتجاوز ترامب.

الائتلافات متعددة العرقية

أولا، وبافتراض أن أهم القضايا المطروحة اليوم هو بناء ائتلاف (ات) متعددة العرقية، أود أن أسجل الأفكار التالية. يعلم المناضلون والباحثون أن التنوع والسلطة الشعبية والشرعية هي نقاط قوة أساسية في تنظيم الائتلافات. إلا أن ضرورة وصعوبة التوافق هي من أهم نقاط الضعف في هذا النوع من التنظيم.

في مصر، على سبيل المثال، ما كان للثورة أن تنجح (في البداية على الأقل) دون وجود ائتلاف عابر للطبقات. رفعت الثورة شعارات عامة بشأن العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والاقتصادية. رغم ذلك لم يكن هناك توافق واضح عن المعنى العملي لتلك الشعارات، وهو أمر شائع في الثورات. وقد اتضح بعد وقت قليل من الثورة أن الكثير من المتظاهرين المنتمين إلى الطبقة الوسطى لم يكونوا معنيين بأي سياسات اجتماعية جذرية أو حملات مناهضة للفساد، بل وقعوا فريسة خطاب الإدارة العسكرية عن الحاجة إلى الأمن بأي ثمن. هذا الائتلاف متعدد الطبقات ضد مبارك قابل للمقارنة بهدف بناء ائتلاف متعدد العرقيات في الولايات المتحدة اليوم. وبدون مبالغة في المقارنة، سوف يحتاج أي ائتلاف متعدد العرقيات إلى رؤية واضحة للعدالة العرقية. على سبيل المثال، يجب أن يكون استهداف فكرة تفوق الرجل الأبيض والشوفينية البيضاء أهدافا واضحة لهذا الائتلاف، ليس فقط لأن هذه الأيديولوجيات تتخلل الإدارة الحالية نفسها فحسب أو لأن تجاهل ذلك سوف يكون مسئولا عن مشروع التعددية الثقافية الليبرالية الفاشل فحسب، وإنما لأن أي ديمقراطية مستقبلية في هذا البلد يجب أن تعترف بالعنصرية الهيكلية للديمقراطية القائمة وأن تحل محلها. لقد أعلنت إدارة ترامب حربا مفتوحة ضد الأقليات ومن لا يتطابقون أو ينسجمون مع هوية القومية الأمريكية المؤمنة بتفوق الرجل الأبيض؛ إنها حرب لإنقاذ الهوية القومية البيضاء الأمريكية. ولذلك، يجب أن يضع الائتلاف فهما واضحا وأن يبلور معارضة واضحة للسياسات العنصرية لهذه الإدارة.

الأهم من ذلك، يجب أن نلاحظ أن العديد من البيض الذين ليس لديهم خبرة في ممارسة الخلاف السياسي والذين سبق أن افترضوا أن امتيازاتهم و “حرياتهم” أمور مفروغ منها، هم الآن على استعداد للمشاركة في العمل. إن التساؤل بطريقة مبدئية عن امتيازات المرء هو أمر بالغ الأهمية. كما أن التحالف المتعدد الأعراق لا يعني الوحدة بأي ثمن. فلا يمكن لأي تحالف أن يكون مؤثرا دون مبادئ إرشادية واضحة، والوحدة في مواجهة ترامب لا ترتقي إلى كونها مبادئ إرشادية. إن مناقشة قضايا المجموعات المختلفة في هذا الائتلاف، وخاصة المجموعات الأكثر استهدافا، هو أمر أساسي. وليس لدي أي شك أن حركة “بلاك لايفز ماتر” (حياة السود مهمة)، والأمريكيين الأصليين المنظمين لاحتجاجات ستاندينج روك، والمجموعات النسائية المختلفة، ومنظمي المهاجرين، والمناضلين العرب والمسلمين الأمريكيين يجب أن يلعبوا دورا قياديا في هذا الشكل التنظيمي.

يتمثل جزء هام من هذه المبادئ التوجيهية في الحاجة إلى عملية ديمقراطية وجماعية في جميع مراحل المناقشة والتخطيط والتنفيذ. وفي إطار هذه الجهود، من الأهمية بمكان وضع سياسات الهوية في سياقها الصحيح. لقد استخدم السياسيون الإسلاميون والنظام العسكري أطرا طائفية حول الإسلام والعلمانية لتقسيم مصر الثورية في أعقاب الإطاحة بمبارك. في الولايات المتحدة، من الأهمية بمكان التعرف على أوجه التشابه في الكيفية التي يتحدث بها الليبراليون والعنصريون عن الهوية – حديثا فارغا دون أي محتوى اقتصادي واجتماعي. لا يمكن فصل سياسات الهوية والعرق عن الطبقة والتهميش بشكل عام. وعلينا أن ندرك ونعارض الخطاب الفارغ بشأن الهوية والإدماج والاستبعاد.

وأخيرا، من الضروري ألا يضم أي تحالف متعدد الأعراق الحلفاء “الخطأ” أو العمل معهم، وهؤلاء يشملون المؤسسة الديمقراطية، ووسائل الإعلام الليبرالية والتابعة لكبرى الشركات، أو ما يسمى بالدولة العميقة، بما في ذلك عناصر من الجيش ووكالات الاستخبارات.

خلال الحشد ضد حكومة الإخوان المسلمين في أواخر 2012 و 2013، شارك الليبراليون في الاحتجاجات. لكنهم أثبتوا أنهم أكثر كرها للإسلاميين من التزامهم بالديمقراطية عندما تسامحوا مع اختطاف الجيش للسياسة في أعقاب الانقلاب في يوليو 2013. فقد اخترقت ما يسمى بمؤسسات الدولة العميقة التعبئة ضد أول رئيس منتخب ديمقراطيا. وتسامح الليبراليون مع ملاحقة أعضاء جماعة الإخوان المسلمين بعد ذلك، كما تسامحوا مع ملاحقة واستهداف الشباب الثوري. في الولايات المتحدة، كانت وسائل الإعلام الليبرالية والشركات شديدة الابتهاج بنبرة ترامب “الرئاسية” في خطابه الأول أمام الكونغرس حتى أنهم تجاهلوا الأجندة شديدة التدمير والعنصرية في ذات الخطاب. ولا يقتصر عدم اهتمام المؤسسات السياسية والاقتصادية (الحزبين) على التنظيم فحسب، بل أنهم يعتبرون أن أي تعبئة ضد السياسات العامة للبلاد هي تهديد، ولا يستخدمون تلك التعبئة سوى بشكل انتهازي.

السياسات الحزبية

السياسات الانتخابية في الولايات المتحدة فاسدة تماما كما اتضح لأعداد متزايدة من البشر. فالمدرسة الانتخابية وإعادة توزيع الدوائر وتأثير جماعات الضغط والأموال الضخمة ما هي إلا بعض مشكلات النظام الحالي. لكن هل يعني ذلك أن نتجاهل السياسات الانتخابية تماما؟ هناك رأي شائع بأن الجهود المناهضة لترامب سحب أن تنتظم على نهج حزب نادري الشاي الجمهوري الذي يعني الحفاظ على “بعض من الأجندة أو التطهر الأيديولوجي” وفي نفس الوقت التحلي بالبراجماتية والتلاعب حول السياسات الحزبية. وبغض النظر عن رأينا في هذه الإستراتيجية، إلا أنني أعتقد أنه من الخطأ تجاهل تلك السياسات الانتخابية تماما. ذلك أن المشاعر المناهضة للإدارة القائمة – بكل تنوعاتها – كانت التفسير الأهم لما حدث في الانتخابات. من المؤكد أن أي تعبئة حقيقية لوقف الترامبيزم/الفاشية وإحداث تغيير حقيقي يجب أن تعارض المؤسسات الاقتصادية والسياسية القائمة. ويمكن للمناضلين اليساريين على الأقل أن ينظموا صفوفهم لكشف الطبيعة الفاسدة للنظام الانتخابي القائم. يمكنهم تعطيل بعض التشريعات، ضمن أمور أخرى. إذا كانت الكتلة الانتخابية الطبيعية للحزب الجمهوري هي أمريكا البيضاء وتلك الخاصة بالحزب الديمقراطي هي النخبة البيضاء وبعض النخبة والمهنيين الملونين، فإن معنى ذلك أنه لا يوجد حزب حقيقي للغالبية العظمي من أمريكا المقهورة! قد تكون هناك مساحة لتكوين أحزاب يسارية عضوية جديدة مناهضة لمؤسسات الدولة. لسنا في وضع يسمح لنا بتجاهل السياسات الحزبية جملة وتفصيلا.

الكثيرون من الثوار المصريين كان لديهم احتقار عميق للأحزاب السياسية، وقد تصوروا ان هذا أمر يمكن الاشتباك معه بعد الثورة. وعندما سيطر الإسلام السياسي على أول برلمان بعد الثورة فقد تمكنوا من ذلك تحديدا لأنهم كانوا الكتلة الوحيدة المنظمة الجاهزة للمشاركة في هذا النظام. النظام العسكري والإسلاميون استخدما كلاهما السياسات الانتخابية في قمع الزخم الثوري بعد الانتفاضة. إلا أنه لا يجوز أن نخلص من ذلك إلى أن التعبئة في الشارع والتعبئة حول سياسات حزبية هما بالضرورة أمران يستبعد أحدهما الآخر.

إنني أعتقد بشدة أن الثورة والفعل الشعبي هما الوحيدان القادران على وقف الفاشية. رغم ذلك، فإننا نفقد الكثير إذا تركنا السياسات الانتخابية تماما للمؤسسات الفاسدة، الديمقراطية والجمهورية كليهما. عوضا عن ذلك يجب التنظيم خارج إطار النظام وبلورة رؤية لمستقبل يتجاوز السياسات الحزبية بالتوازي مع مراقبة السياسات الحزبية والاستعداد لفضح مشكلات ديمقراطية الانتخابات.

الديمقراطية فيما يتجاوز ترامب

من السهل، بأثر رجعي، أن نقول أن المتظاهرين المصريين ارتكبوا خطأ جسيما حين اعتقدوا أن خلع مبارك يعني سقوط الديكتاتورية في مصر. الباحثون في النظم السياسية يصفون ديكتاتورية مبارك باعتبارها نظام شخصاني، حيث تدور السياسة حول القائد وشبكة علاقاته. ونظرا لبقاء مبارك في السلطة لما يقرب من ثلاث عقود فقد كان من المفهوم ان يخلط المناضلون المصريون بين الرجل ونظامه. لكننا تعلمنا الآن الدرس المرير: لقد كان الخطأ الكبير في عدم معارضة النظام العسكري الذي يشكل العمود الفقري للسلطوية والفساد الاقتصادي في مصر.

قد لا يكون نظام ترامب شخصاني تماما، إلا أن به بعضا من سمات هذا النموذج. مرة أخرى دون التبسيط في المقارنة، يجب على المنظمين في الولايات المتحدة أن ينتظموا من أجل بناء ديمقراطية جديدة. نحن نعارض ترامب لا لأنه كاذب أو لأنه جاسوس أو لأنه كاره للنساء فحسب، أو لأنه لا يسدد ضرائبه. وحتى حين ننظم الصفوف في مواجهة التهديدات المباشرة والآنية ضد الكثيرين من الملونين والفقراء والمجتمعات المستهدفة، يجب أن ندرك أن نجاح لحظة التمرد والاحتجاج الشعبي الحالية يتوقف مصيرها على رؤية للديمقراطية تتجاوز ترامب، كما تتجاوز المشكلات الهيكلية للديمقراطية الرأسمالية العنصرية في هذه البلاد. منذ ولادتها كانت ديمقراطية الولايات المتحدة نظاما استعماريا وعنصريا تأسس من خلال الاستعمار الاستيطاني. أما الدولة المصرية الحديثة فقد تشكلت بالظرف الاستعماري وما بعد الاستعماري. لذلك فإنه لمن قصر النظر لدى بعض المناضلين المصريين أن يتحدثوا عن الديمقراطية في سياقها المحلي فحسب دون النظر إلى العلاقات الحتمية التي تربطها بالعسكرة والرأسمالية المعولمة ومصالح الإمبراطورية الأمريكية. بالنسبة لهؤلاء المناضلين كان الدرس المستفاد هو ان الجهاز العسكري الفاسد هو العمود الفقري للسلطوية في مصر. بالنسبة للمناضلين اليساريين والتقدميين في الولايات المتحدة يجب أن تنطلق الرؤية لديمقراطية جديدة من الاعتراف بالتاريخ الاستعماري الاستيطاني والطبيعة العنصرية للنظام الرأسمالي.

مراجع:

[1] Mike Davis. Not a Revolution—Yet. November 16, 2016. Truthdig. Available in this link: http://www.truthdig.com/report/item/not_a_revolutionyet_20161116 (Last Accessed March 12, 2017)

[2] Keeanga-Yamahtta Taylor. No Time for Despair. Jacobin. January 28,2017. Available in this link: https://www.jacobinmag.com/2017/01/trump-black-lives-racism-sexism-anti-inauguration/ (Last Accessed March 12, 2017)

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

ثورة ليبيا: من الحراك الثوري للانقسام السياسي مرت الثورة الليبية بعدد من التطورات السلبية كنتاج لمجموعة من العوامل خلقت واقعا سياسيا وعسكريا أخرج الثورة عن مسار المطالبة بالديمقراطية وأدخلها في صراع ضيق حول المصالح الضيقة والآنية، وبالتالي تعد حالة الانقسام التي نشهدها حاليا نتاج طبيعي لمجمل تفاعلات السنوات الست الماضية.

زياد عقل

الربيع العربي: ضد التفاؤل والتشاؤم السطحيين إن استيعاب القصة بعقدتها متعددة الجوانب لن يحمينا فقط من العواطف السياسية السطحية، بل سيوفر لنا أيضا الدروس الصحيحة المستفادة للتعامل مع صراعات المستقبل. ويعد كتاب "الأعراض المرضية" لجلبير أشقر، وكتاب "عمال ولصوص" لجويل بينين، نموذجين جيدين للتحليلات الهامة التي تهدف للفهم الصحيح لما حدث.

عاطف سعيد

التجريد ضرورة ثورية موضوع المقال هو المنهج الجدلي عند ماركس، وبوجه أخص، "التجريد" كنمط من التفكير يكمن في صميم المنهج الجدلي.

عمر الشافعي

اضطهاد الأقباط: دعوة للنقاش من أجل المواجهة في التحليل الأخير، التمحور حول الأمن هو تمحور حول هيمنة الدولة البوليسية وإن أخذت طابعا حداثيا في آليات الحكم، ولكنها تجهز على فكرة الحرية والمساواة ومن ثم فكرة المواطنة والحقوق.

علي الرجال

ثورة بغير منظمات ثورية، وسياسة بلا أحزاب سياسية… محاولة نحو فك اللغز المصري (3) لم يكن الفريد في التجربة المباركية هو طابعها الأوليجاركي ولكن في طغيانه الشامل إلى حد أن ابتلع كل شئ حوله، حد أن أخضع وأعاد صياغة كافة مكونات وعناصر الدولة الرأسمالية الحديثة على صورته، وفي انه لم يضعف المجال السياسي ويهمشه ولكن قضى عليه قضاءً تاما، محاه من الوجود.

هاني شكر الله