اضطهاد الأقباط: دعوة للنقاش من أجل المواجهة

ملاحظات حول منظومة الحكم والأمن وتفجيرات الكنائس

قضايا

25  إبريل  2017

1

نحن أمام منظومة أمنية تافهة وضعيفة. هكذا أصبح الكثيرون يرون حال الأمن في مصر، بالأخص مع أداء الجيش المتعثر في سيناء وتفجيرات الكنائس المتتالية في قلب المدن. إلا أن المنظومة الأمنية في مصر ليست بهذا القدر من التفاهة كما يتخيل البعض. فهذه المنظومة لديها العديد من الخبرات العريقة في استغلال القانون كأداة قمع وتأطير للواقع الاجتماعي، وتاريخ طويل يمتد لقرابة قرن من قمع ومطاردة التنظيمات السرية والسياسية والأشكال المختلفة من المقاومة العنيفة الفردية والشعبية. كما طورت خبراتها في الثمانينيات والتسعينيات في مواجهة الإرهاب الإسلامي. كما تشارك في تدريبات مختلفة مع دول متقدمة مثل الولايات المتحدة وألمانيا وتقوم بتدريب بعض أجهزة الأمن معهم مثل البوسنه. ولكن لا شك أنها أصيبت بترهل كبير في العقد الأخير من عصر مبارك وتعاني -على حد تعبير تروتسكي في موضع آخر- من تطور مركب ولكن غير متكافئ؛ فأجهزة مثل أمن الدولة والمخابرات العامة تستهلك ميزانيات ضخمة ومتطورة تقنيا وفنيا بشكل كبير، في مقابل إهمال وعدم اكتراث ببقية الأجهزة المنوط بها بتقديم خدمات الأمن الاجتماعي والجسدي لعموم المواطنين، والحال كذلك مع قطاع مثل المباحث العامة. فأولوية المباحث في المناطق المختلفة هو الإخضاع والسيطرة على المنطقة وليس الحفاظ على سلامة وأمن قاطنيها.

أصيبت المؤسسة الأمنية، وتحديدا الداخلية، بتحلل لا مؤسسي؛ بمعنى أنها أفرطت في استخدام الأشكال غير الرسمية كجزء عضوي من عملها. يمكن القول إن هذا كان الحال نفسه منذ أزمنة بعيدة، ولكنه كان مقصورا على حدود معينة (العائلات الكبرى، بعض المرشدين والبلطجية، مثل شارع عماد الدين في الثلاثينات والأربعينات وهكذا). ولكن نتيجة الحرب على الإرهاب في التسعينيات أصبح الإفراط في الأشكال اللا مؤسسية منهج عمل موسع، وقاد إلي تحول سلطة المؤسسة إلي ريع اقتصادي؛ أصبح العاملون بالمنظومة يحاولون التكسب من مواقعهم بقدر ما يمكن لهم من خلال استغلال السلطة والمساحة، مما أدى إلى قلب العلاقة بين المؤسسة والمجتمع. فمثلما تخترق المؤسسة الأنسجة الاجتماعية بالطريقة الرثة هذه، تخترق الأنسجة الاجتماعية هي الأخرى المؤسسة، حتى أصبح الفساد لا يمكن السيطرة عليه عمليا إلا من خلال الإجهاز الكامل على المنظومة وإعادة بنائها من جديد.

2

للأمن في مصر أولويات واضحة، أخرها هي أمننا المباشر…و لذلك في ذروة هيمنة العادلي كانت ظاهرة “التثبيت” (أن يوقفك أحد الأشقياء أو البلطجية ليسلب منك بعض الأموال) في الشارع، ظاهرة متفشية، يعاني منها قطاع كبير سواء من طلبة المدارس أو المشاة أيا كانت طبيعتهم، وطبعا السيدات من تحرش إلى تثبيت الخ… محاولة للهيمنة من خلال خطوط معينة تحرص الداخلية عليها لخلق استقرار نسبي متوهم، وأصبحت مساحات كثيرة آمنة على عدة مستويات، وإن كان بشكل خارجي وظاهري فقط. على سبيل المثال، إلى يومنا هذا تباع المخدرات في منطقة مثل ميت عقبة (بجوار نادي الزمالك وحي المهندسين بمجرد عبورك 200 متر فقط من طريق 15 مايو)، ثم أصبحت بعد ما يسمى بالانفلات الأمني عقب الثورة تباع على قارعة الطريق نفسه. والحقيقة أن المائتين متر هي تعبير حقيقي عما حدث وشديد الأهمية لفهم رؤية البرجوازية والطبقات الوسطى والمحافظين للأمر. فالبيع كان يتم طيلة الوقت، وما زال. لكنك لم تكن تمر عليه، كان عليك أن تطأ بقدميك أول المكان حتى ترى بنفسك.

لكن هذه السياسات اللا مؤسسية حالت دون تكوين مافيات كبيرة، مستقلة وقادرة على التحرك بحرية وخلق علاقات خارجية، وبالتالي أصبحت هناك صعوبة كبيرة في عمل تقييم حقيقي لقوة الجهاز. بمعني هل هو جهاز قوي أم جهاز ضعيف وغير قادر على السيطرة والضبط؟ خاصة حين نقترب بعدسة الرؤية نحو مستوى أدنى في التفاعلات الاجتماعية اليومية، فلا يوجد أحد أكثر سطوة وقوة من رئيس المباحث ورجالته في قسم ما، وليكن قسم الرمل أو المطرية أو السيدة… ومع ذلك وبسبب العلاقات المؤسسية- اللا مؤسسية المتداخلة والفساد الرهيب ومحاولة السيطرة من خلال علاقات مشبوهة تكونت قطاعات داخل هذه المناطق تفعل ما يحلو لها من بلطجة وتجارة غير مشروعة واستيلاء على أراضي… الخ.

3
  • يستند الأمن في مصر بمعدل يومي على عدة عناصر تجعله غليظا ومعكرا لصفو الحياة وكثيف الانتشار، ولكنه تافه على مستويات عدة. فمثلا الأساس في التعامل قائم على: “الغلاسة” والتضييق على المواطنين بداية من الأمور الأمنية الجادة إلي الأمور الأخلاقية التي تمس مساحات الحرية الشخصية.. التوسع في نشر الكمائن كنوع من أنواع فرد وفرض الدولة البوليسية في كل الشوارع الرئيسية في المدينة للتضييق والسيطرة على الحركة ذاتها، وكنوع من أنواع نشر الفزع المسبق لمن تسول له نفسه. والحقيقية أن هذه إستراتيجية تافهة ولكن لها بعض الفوائد في ضوء أنها لا تواجه تحديا حقيقيا، ولكنها تأتي بكلفة عالية سواء اقتصاديا أو على مستوى الحريات والإحساس بالأمان العام، ذلك أنه بعد فترة ما من الزمن يصبح تعامل بعض القطاعات مع البلطجية أكثر سهولة من التعامل مع كمائن الداخلية نفسها.
  • فكرة المنع من الأساس هي أحد ركائز العمل الأمني في مصر وليس تنظيم ما يحدث أو ما يمكن عمله، ما عبر عنه بعض رجال الأمن نفسهم بـ “اقفل عليهم وخلاص”. وهو ما يدفع الأمن بسهولة لغلق شوارع رئيسية في عز النهار لأن أحد كبار الدولة سوف يمر من هذه المنطقة دون أي اعتبار للتكلفة المادية وتعطيل سير العمل والإنتاج وحياة وأرواح الناس بشكل عام.
  • أصبح التنكيل الواسع وتوسيع دائرة الاشتباه أداة للإرهاب والسيطرة الأمنية. مثل أن يقوم أحد الكمائن الأمنية بإنزال ركاب “الميكروباص” كلهم وبعد ذلك يبدأ الضباط والأمناء في التشاور حول ما سوف يفعلون تجاه هؤلاء الأشخاص. وفي حوادث السرقة، إذا كان الأمر جللا ويعني شيئا للداخلية أو للقسم المنوط بالحادثة، يتم ” لم كل العيال في المنطقة وعذبهم شوية لحد ما حد ينطق” على حد تعبير الضباط أيضا.

ولنتطرق الآن إلى ما يتعلق بالقضية الطائفية، أو بالأحرى سؤال التعايش نفسه بين أبناء الوطن، الأمر الذي ينقسم في اعتقادي إلى جزأين:

جزء أمني محض، وهناك من يدفع بأن الأمر لا علاقة له بالأمن ولكن بجوانب اقتصادية واجتماعية وسؤال الهوية والتأسيس الذهني والوجداني للمواطنين بشكل عام. ويبدو لي أن القول بأن السؤال الأمني ليس ذو صلة هو طرح أقرب لحالة من الاستسهال والرفاهية والعداء المحض غير المنطقي للأمن، ولا يعي حقائق الأمور ومنطقها، ووضع الأقباط كأقلية في بلد وإقليم مضطرب. واقع الأمر أن الشق الأمني كبير في هذا الصدد: فالتأمين الجيد للكنائس ومحيطها هو أمر أمني بامتياز ويفترض سلفا أن يكون لدى الأمن إستراتيجية استباقية لاحتمالية أي تفجير طائفي وبالتالي يكون هناك تحضير لأدوات التعامل مع هذه التهديدات المحتملة، والكشف المسبق عن أي محاولات لتدبير اغتيالات أو تفجيرات وما إلى ذلك.

والقول بأننا كلنا مصريون وما يقع على الأقباط يقع علينا جميعا وأن ما يمسهم يمسنا جميعا، هو درب من دروب التضليل وعدم الرغبة الجادة في التعامل مع السؤال الطائفي وما يصاحبه من تطرف، ولا يرغب في الاعتراف بما يعانيه الأقباط مرتين؛ مرة كأقلية دينية ومرة كمصريين بشكل عام، ويمكن اعتبار مثل هذا الحديث مجرد مناورة كبيرة لعدم الاعتراف بالاضطهاد الديني اليومي وحقوق الأقباط وغيرهم مثل البهائيين والشيعة والملحدين. فهذه المقاربة لا تعي موقعها الذاتي والامتيازات الممنوحة لهذا الموقع سلفا كمسلم سني وأغلبية. كما يجب أن ينطلق الحديث من موقع المواطنة وليس موقع المنحة والمنة من الأغلبية المسلمة لرعاياها من أهل الذمة. فالاستشهاد بمقولة الرسول محمد ” إذا فتحتم مصر فاستوصوا بالقبط خيرا فإن لهم ذمة ورحما”، هو قول وإن كان حسنا في وقته، ولكنه قول ينبع من موقع الغازي والفاتح للأرض، وهذه حالة وأرضية مختلفة كلية عن واقع الحداثة والدولة القومية التي يتم التعامل فيها مع الذوات كمواطنين لهم حقوق وواجبات وليس كرعايا وأهل ذمة ومستأمنين. بالطبع يمكن رفض الحداثة برمتها والدولة كجهاز وأسطورة حديثة، ولكن حتى على مثل هذه الأرضية يصبح السؤال: هل يمكن اعتبار مثل هذه المقاربة تعزيزا للمساواة وبناء أرضية للتعايش السلمي والمشترك بعد ما مرت به البشرية بشكل عام من تحولات كبرى في بنية المجتمع من إنتاج وعمران؟ الإجابة بالقطع لا. فهذا الوضع يشمل تراتبية قمعية كامنة به، وتعزيزا لسطوة وهيمنة وسيادة فئة على باقي الفئات تحت مزاعم كونها الأرقى والأصح والأقرب “لله”.

أي انطلاق من أرضية الحرية والمساواة داخل المجتمع البشري سوف يرفض التميز على أساس اللون والعرق (وحتى كلمة عرق يجب استبدالها بمجموعة اثنو-سياسية، حيث لا يوجد ما يمكن تسميته بالعرق الصافي حتى قديما، فبمجرد دخول عضو جديد على قبلية ما أو عائلة ما سواء ذكر أو أنثى تنتهي عملية الصفاء العرقي المزعومة) أو الدين أو القومية. أن مثل هذه الأسئلة والمقاربات تكشف العوار الحقيقي حول مزاعم الحرية والمساواة، فلا يمكن الدفع بتفوق الإسلام السني على بقية الأديان والفِرَق ثم يتم الحديث من خلال نفس الأشخاص عن مدى الحرية والمساواة اللتين يقدمهما الدين الإسلامي.

لا شك أن الإسلام كان في سياقه وتوقيته شديد التقدمية والجذرية، دافعا باتجاه مزيد من الحريات والحقوق مثل عدم وأد الفتيات حديثات الولادة وتقريب الفجوة بين “العبيد والأسياد”. ولكن حتى ما كان متاحا بنيويا في ذلك العصر ولا بأس به آن ذاك، لا يمكن أن نجتره ونعيد التجربة كما هي، بل يجب البحث عن مزيد من المساواة والحرية. هناك ما يمكن للمسلمين العمل عليه من داخل الحقل الإسلامي ذاته إذا أرادوا ذلك، فيمكنهم الاختيار بين أمرين: الناس سواسية كأسنان المشط أو فليدفعوا الجزية عن يد وهم صاغرون. ويشير آمارتا صن “أن العنف ينمو عندما نعمق إحساسا بالحتمية حول هوية يُزعم أنها فريدة -وغالبا مقاتلة- من المفترض أنها هويتنا، والتي يبدو وأن لها متطلبات أخرى…إن فرض هوية فريدة زعما هو غالبا أحد المكونات الحاسمة من الفن القتالي لإثارة المواجهات الطائفية”.

وفي سياق سؤال الأمن والتعايش المشترك، علينا التطرق إلى سؤال الحوكمة (governmentality). فالادعاء بأن الفتنة الطائفية وأزمة سؤال التعايش المشترك هو شيء دخيل على مصر، أو جاء عبر السبعينات مع النفط وفكر الخليج والوهابية أو مع السادات هو محض هراء لم ينظر ولو بشكل سطحي لجذور هذه الأزمة وتجلياتها العنيفة في كل عهود الدولة القومية الحديثة (بالطبع هناك أحداث عنف سابقة على وجود الدولة الحديثة إلا أنها خارج الإطار التحليلي للورقة). فالمأزق الحقيقي هو في فن إدارة الدولة البوليسية للجماعة المصرية وتجليات هذه الحوكمة على القطاعات المختلفة من المجتمع وتحديدا الأقباط. والدولة البوليسية في مصر هي أساس الحداثة، واتسمت بآفة قاتلة هي الخلط بين أنماط حكم حديثة وما قبل حديثة، فبينما هناك قانون وضعي حديث، تخترق الشرعية والأفكار الإسلامية هذا القانون، ليس بالإلهام ولكن بالتقويض فيما يعرف بعلمنة الشريعة أو شرعنة القانون. وبينما نتحدث عن شرعية جديدة للحكم، يظل جسد الحاكم في الوقت الحديث تجسيدا لإمارة المسلمين وولي الأمر ويكتسب صيغة وشرعية دينية. وقد ظلت التشكيلة الحاكمة في مصر على اختلافاتها متمسكة بالطابع الهوياتي في تمثيلها للإسلام وجموع المسلمين السنيين، وكانت أقبح محاولتين هما محاولتا فاروق والسادات ومؤخرا انضم السيسي إليهما. لكن ذلك لا ينفي هذه الطبيعة عن بقية الحكام بما فيهم عبد الناصر. هذه الطبيعة من الحكم تجعل هناك مقايضة ومساومة اجتماعية للشرعية السياسية والاجتماعية بين الدولة، دوما ما تكون الأقليات المختلفة ضحيتها المركزية. فأول هجوم أمني على المحافل البهائية تم في عهد عبد الناصر، وهناك هاجس مريب لدى الأجهزة الأمنية من التشيع، واحتلت مكافحة الشيوعية مكانة خاصة في تاريخ الدولة المصرية لسببين: سياسي وعالمي محض، وأيضا ديني وفكري. فحتى النخب السياسية-العسكرية في العهد الناصري كانت تبدي احتقارها وازدرائها للطابع الإلحادي والصراعي للمذهب الشيوعي والماركسي. كذلك كان الحال دوما مع الأقباط، فالدولة ظلت ترسم حدودا لدورهم الاجتماعي ومكانتهم، مع بعض التزين الوطني من خلال ديباجات لم تتسم بأكثر من كونها رطانة وطنية مزيفة. الأخطر في وجود واستمرارية هذه الدولة البوليسية هي سيطرتها الكاملة على أدوات الإنتاج وتحكم الطابع الأمني والعسكري والصيغ الدينية السنية عليها ما ترتب عليه عدة أمور:

  • غلق المجال العام بالكامل بعد 1952 أو محاصرته وتقييده في العهد الملكي المزعوم بكونه ليبرالي.
  • رسم حدود حاسمة للحرية الفكرية في كل منتجاتها (أفكار، خطابات، كتب علمية وفكرية، أدب، فنون).
  • احتكار أجهزة الدولة للتمثيل الاجتماعي والسياسي (الكنسية الأرثوذكسية هي الممثل الوحيد للأقباط، وإجهاض أي محاولة للاستقلال من قبل الدولة والكنيسة معا)، احتكار الدولة لما يزعم “بالتجديد الديني”، غلق أي أفق للصراع الاجتماعي والسياسي تحت مزاعم السيادة والوحدة والوطنية.
  • شيطنة كل الأفكار الحداثية بحجة الهيمنة الغربية والسحق الثقافي وخصوصية المجتمع المصري والإسلامي والشرقي.
  • تكريس التراتبية والهيمنة الأبوية والذكورية، وسحق فكرة المساواة في العمق.
  • التوجس من سؤال الحرية والانعتاق ورفض المنطق الإنساني القائل بأن الناس أحرار وسواسية.

في التحليل الأخير في هذه النقطة، التمحور حول الأمن هو تمحور حول هيمنة الدولة البوليسية وإن أخذت طابعا حداثيا في آليات الحكم، ولكنها تجهز على فكرة الحرية والمساواة ومن ثم فكرة المواطنة والحقوق.

أما الجزء الثاني وهو الأهم، فلا علاقة له بالأمن. قد يدخل الأمن فيه طرفا ينسق ويدعم بقية الأطراف ببعض الملاحظات أو يساعد على تأمين فعاليات، إلا انه يبقى دورا ثانويا. فالشق الثاني هو شق أيديولوجي وسياسي واجتماعي بامتياز…وهنا تحدث المأساة، وهي تحويل هذا الشق برمته لشق أمني، قائم أيضا على المنع و”الغلاسة” والتضييق والتهديد. هنا يتحول العنصر الأمني من كونه مجرد “شِق” إلى “أمننة الموضوع برمته”. وهو بدوره ما يضع الأقباط في مواجهة المسلمين بشكل يحولهم إلى قطاع مستهدف، ويقوم بخلق خطاب يعيد إنتاج الفزع ويجعل الأقباط في صورتهم الخارجية جزءا عضويا من الأمن نفسه، وهو الأمر الذي تراه قطاعات واسعة من المسلمين السنة في مصر، وهو ما يجعل الأقباط محض أهداف أمنية أو موضوعات لأسئلة أمنية وليسوا مواطنين مثل البقية. وبالتالي يتم إنتاج حالة من الترقب والتحفز من الأطراف ضد بعضها البعض.. وهكذا تصبح قضية الأقباط مساحة للتلاعب الأمني والتهديد، سواء تهديد السلطة والجماعات المتطرفة للأقباط نفسهم أو التهديد بهم. ومن هنا يصبح على الأقباط طيلة الوقت تقديم فروض الولاء والطاعة، ويبقون ملتصقين بالمنظومة الأمنية والدولة البوليسية كفاصل وحواجز بينهم وبين قطاعات اجتماعية أخرى أو خطر مزعوم أو حقيقي.

ميدانيا يتم التعامل الأمني مع الموضوع مثلما يتم التعامل الأمني مع باقي البلد. على سبيل المثال إذا وجدت كنيسة في شارع رئيسي يقوم الأمن بعمل كمين أمامها، فإذا وقعت عملية إرهابية حقيقية تأخذ الكمين والكنيسة معا. أو يضعون بعض العساكر وأفرادهم أمام باب الكنيسة أو في الشارع نفسه. وأعتقد أنه بعد حادث كنيسة القديسين في الإسكندرية بدأ الأمن في وضع أجهزة كشف المعادن والمتفجرات على أبواب بعض الكنائس.

الإرهاب والكنيسة والأمن

منذ اللحظات الأولى لاندلاع الثورة وخطاب الأمن والاستقرار الذي زرعه مبارك بقوة في عصره لم يتوقف لحظة. وبالفعل وجد هذا الخطاب أرضية شعبية كبيرة وبنية عقلية ونفسية مستبطنة له، وقد التقى هذا الخطاب بالقطع مع مصالح مادية حقيقية لدى تشكيلات اجتماعية مختلفة كانت تنتفع من نظام مبارك سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، ومع اقتصاد خدمي هش يضطرب بسهولة مع أول زعزعة أمنية. إلا أن الموجة الثورية كانت أكثر عنفوانا من هذا الخطاب ونجحت في تجاوزه في المرحلة الأولى من الثورة، ولكنه سرعان ما ارتد بقوة مرة أخرى خاصة مع وجود دعم إسلامي له على المستوى الاجتماعي والسياسي مثل الإخوان المسلمين والسلفيات المختلفة باستثناء السلفية الجهادية. ومع تصاعد حدة الصراع السياسي والاجتماعي في مصر سرعان ما تحول خطاب الأمن إلي خطاب حول الدولة وما تتعرض له من تهديد وجودي، ثم انتقل الأمر إلى مرحلة أكثر قسوة وشراسة مع احتدام الصراع على السلطة بين الإخوان والمؤسسة العسكرية، حيث انتقل الخطاب مع 3 يوليو ثم التفويض إلي خطاب كامل حول الاستثناء والخطر الوجودي الذي تمر به الدولة. وهكذا التفت قطاعات واسعة من المجتمع حول الدولة متمثلة في المؤسسة العسكرية بقيادة السيسي الذي عرض نفسه كمنقذ للجميع ومخلص الدولة من الانهيار. كان على رأس هذه القطاعات الاجتماعية الكنيسة الأرثوذكسية ويمثلها البابا تواضرس. وسبق هذا التماهي مع المؤسسة العسكرية خطاب إسلامي يصف الدعوة إلى 30 يونية بأن الداعين للحدث حفنة من الأقباط والعلمانيين. واتسمت الفترة بين فض اعتصام الاتحادية وفض رابعة بحالة استقطاب حاد وتحريض طائفي كبير.

في أحد تعليقات تواضروس على حرق ما يزيد عن الستين كنيسة بعد مذبحتي رابعة والنهضة “لو حرقوا الكنائس هنصلي مع إخواتنا المسلمين في المساجد، ولو حرقوا المساجد هنصلي مع بعض في الشارع، المهم نفضل مع بعض من أجل الوطن”. وفي نفس السياق قال “إن وطنا بلا كنائس خير من كنائس بلا وطن، وأن الإنسان أهم من الحيطان”. وعلق على خطف بعض الأقباط بأن “الأمن يقوم بدوره والحمل ثقيل على كاهلهم… إن الدولة والأجهزة الأمنية تقوم بدورها”، مستطردا “إن الأمن يبذل جهودا مخلصة وغياب الأمن للأقباط هو جزء من المشهد العام، معربا عن توقعه بعودة الأمور إلى نصابها الصحيح قريبا”.

المشاهد مما سبق أمران: الأول هو تموضع وتماهي الكنيسة الكامل خلف الدولة والأجهزة الأمنية – وأرجو ألا يفهم من كلامي التبرير لمثل هذه النوعية من العمليات بحجة تماهي الكنيسة مع الدولة مثلما يجادل بعض الإسلاميين. والثاني هو أمر أمني واستراتيجي محض. إذا كنا شاهدنا كل هذه الحدة والتكثيف من التحريض الطائفي على مدار عدة شهور منذ فض اعتصام النهضة، ثم انحازت الكنيسة لموقف الدولة والمؤسسة العسكرية في 30 يونية وكانت جزءا أصيلا من المشهد، ألم يكن من المتوقع الهجوم على المسيحيين والكنائس بعد فض اعتصام رابعة؟ أليس من المثير للدهشة ألا ينجح الأمن في إحباط أي عملية من عمليات الحرق؟ الإجابة الواضحة أمامنا هي أن الأمن كان منهمكا فقط في تأمين الاستيلاء على السلطة والسيطرة على المركز. الأمر لن يتوقف عند هذه الحدود. فالبعض يجادل بأن هذه الفترة كانت فترة اضطراب والأمن لم يكن مستعدا بعد ولم يتعافى من هزيمة يناير. ولكن ماذا عن التفجيرات الثلاث الأخيرة؟

ولنبدأ بتفجير كنيسة البطرسية. أولا، هذه الكنيسة في قلب العاصمة، وتم تفجيرها من الداخل. وهي بجوار الكنيسة الأم في العباسية. وهنا لا يمكن الحديث عن أي شيء غير عوار أمني كبير. وفي أثناء تأدية واجب العزاء أعاد السيسي الكرة مرة أخرى لكلمة تواضروس، فقال له بوجه عابس “هما عايزين يهزمونا بس احنا مبيهمناش، حرقوا كام كنيسة قبل كده ولا همنا”. وبعد هذه الواقعة حاولت الكنيسة امتصاص غضب الشباب المسيحي من خلال الدعوة إلى الصبر والتماسك وما إلي ذلك من مفاهيم وخطابات تسكينية.

أطلقت داعش فيديو يوضح العملية، ولكن الأبرز في هذا الأمر إعلانها بدء استهداف الأقباط في مصر وإهدار دمهم وتوعدهم في أعيادهم. وتزامن الأمر مع تهجير المسيحيين من العريش وشمال سيناء. وعلى الرغم من الوجود العسكري الكثيف للجيش المصري في سيناء وادعائه إحكام السيطرة، نجحت داعش بسهولة في تهجير الأقباط من هناك في ظل فشل أمني كبير في حمايتهم سواء من القتل أو التهجير.

يجب التعامل مع داعش باعتباره تنظيما إقليميا في الأساس وليس تنظيما محليا. وهو ما يفرض وضع السياق ووضع التنظيم الإقليمي في الاعتبار عند تحليل الأحداث الداخلية. ففي الشهور الأخيرة يعاني التنظيم من هزيمة كبيرة في العراق وسوريا، وعدم استقرار لوضعه في ليبيا. وعلى الرغم من اضطراب الأوضاع في سيناء، إلا أن التنظيم يفقد قدراته العسكرية في المواجهات المباشرة، فلم نعد نرى عمليات مثل كرم القواديس أو الهجوم الواسع على التمركزات الأمنية مثل ما كان يحدث في السنوات الماضية. ويلجأ التنظيم مؤخرا إلى ممارسات مثل الحسبة (راجع ما قاله المؤرخ خالد فهمي والإصدار الأخير لداعش)، واستهداف الأقباط، والإيغال في قتل المحسوبين مرشدين للجيش والأجهزة الأمنية (وهي ممارسة قديمة للتنظيم في شمال سيناء ولكنها صارت الآن مركزية واستعراضية للتعويض عن التراجع العسكري).

ومع هذا التراجع الإقليمي والعسكري في سيناء يبدأ أبناء التنظيم في الانفراط، حيث لم يعد قادرا على التمترس العسكري والسيطرة على أقاليم يمارس فيها السيادة وينطلق منها في عملياته العسكرية، وهو الطابع المركزي الذي اتسم به التنظيم عما سواه من التنظيمات الإسلامية السابقة ولعل أبرز مثل هو القاعدة. وفي أثناء هذه النقلة يقوم التنظيم بتغيير تكتيكاته وأهدافه، وفي مصر أصبح الأقباط على رأس هذه الأهداف. ما سبق ليس محض تحليل ولكن هو ما أعلنه التنظيم بنفسه. وبالتالي فإن تفجير كنيسة طنطا والمرقصية في الإسكندرية عمليتان تفضحان مزيدا من العوار الأمني وضعف الإستراتيجية المتبعة وقدرتها على التحول والمناورة مع تحولات داعش وتغير طبيعة عملياته.

من هنا يمكن طرح عدة أسئلة حول الأمن في مصر ومنها: ما هي الأوليات الحقيقية للمنظومة الأمنية؟ وما هي الإستراتيجية المتبعة؟ وهل كان الأمر يستحق كل هذه التضحيات بالحريات والحقوق مقابل أمن لم يتوفر بشكل حقيقي؟ ولماذا نستمر في تحمل تكلفة مادية ومعنوية باهظة نيابة عن الأجهزة الأمنية وفشلها الكبير؟

المثير للسخرية هو رد فعل رأس الجمهورية على الأحداث الأخيرة. فبعيدا عن التلعثم والتخبط الواضح في خطابه، لم يقدم الرجل أي شيء غير أنه قرر إعلان حالة الطوارئ. وهو ما دفع قطاع كبير للتساؤل حول جدوى هذا الأمر. فمن الناحية العملية والأمنية لن تقدم حالة الطوارئ ولا إدراج قانونها حيز التنفيذ أي جديد. فالأمن يده مطلقة على البلاد بالفعل، ويقوم بالقتل والاعتقال والتفتيش وانتهاك حرية الحركة وحريات وخصوصيات الأفراد بالفعل. إذا لا جديد غير ما أشار إليه الباحث عمرو عبد الرحمن، حيث يعد قانون الطوارئ هنا محاولة أخيرة لبناء شرعية جديدة قائمة ومستندة على الاستثناء، وهو في رأيي ما كان قائما بالفعل ولكن بدون ما يسميه عبد الرحمن بالتعميد القانوني له. ذلك أن شرعية 30 يونية و3 يوليو انتهت فعليا كما انتهت شرعية التفويض الجماهيري، لتأتي الآن شرعية الطوارئ بدون أي غطاء جماهيري، فقط غطاء سلطوي وقانوني. قد تستمر هذه الحالة لسنين أو تنهار، ولكن الأكيد أنها تعبير حقيقي عن إفلاس وخواء كبير على المستوى السياسي والأمني للنظام الحاكم، بل ربما يمكن القول إنه خواء وإفلاس الدولة المصرية ذاتها التي تشهد انحطاطا وترهلا تاريخيا.

وسواء كان الأمن منخرطا أم لا في الأعمال الطائفية ضد الأقباط، الأكيد هو وجود تقاعس رهيب وتعامل مشبوه مع القضية، يتجلى أكثر في الاشتباكات الطائفية في قرى الصعيد وكيف تتآمر الدولة كلها كي تفرض صلحا تافها على الأقباط دائما ما يشمل تناولهم عن حقهم القانوني.

الأهم إن طريقة الحكم التي تمارسها الدولة من خلال أجهزتها الأمنية هي صلب المشكلة ذاتها. الأمر الثاني له علاقة بأن قطاعا كبيرا من مجتمعنا ذاته طائفي في العمق، وينتظر الفرصة التي يقوم فيها بتركيع المسيحيين بجدية والرجوع لزمن فرض الجزية، ليصبح على الأقباط أن يرتضوا العيش في كنف المسلمين والرجوع إلى صياغة التعايش القديمة التي طرحت أثناء غزو عمرو بن العاص لمصر دون أن يتفوهوا بلفظ واحد من الاعتراض ويتركوا للمجتمع وقوانين الدولة لقمعهم بشكل مباشر وبنيوي. وهي نفس الصيغة التي تطرحها عليهم الدولة المصرية الآن، إما القبول بالاستبداد والتماهي مع الدولة أو تركهم للمجتمع والهجمات الطائفية والإرهابية. ولكن الأزمة تكمن في أنه رغم تماهي رأس الكنيسة الأرثوذوكسية وانبطاحها للدولة وللقيادة السياسية المتمثلة في السيسي إلا أن ذلك لم يوفر الأمن لأبناء طائفتها.

اضافة تعليق جديد

التعليقات

  1. Pingback: اضطهاد الأقباط: دعوة للنقاش من أجل المواجهة – السفير العربي

موضوعات ذات صلة

ما هي الفاشية؟ إن ما ميز الفاشية تاريخيا هو كونها حركة تشكلت إلى حد كبير من الطبقات الوسطى الدنيا الغاضبة بسبب الأزمة الاقتصادية، والتي كانت موجودة داخل وخارج الإطار 'الطبيعي' للانتخابات والسياسة البرلمانية والتي يمكن أن تستخدم، بل واستخدمت بالفعل، كقوة قتالية في الثورة المضادة ضد 'الشيوعيين'، و"الاشتراكيين" والحركة العمالية ككل.

جون مولينيو

الشريعة في دساتير ما بعد ثورة يناير… ما يعنينا هنا أن الاستجابة المحافظة للضغط الإسلامي كانت تتم عبر نفس الآليات الخطابية للإسلام المعلمن، أي إعادة تقديم الخطوط الحمراء الموروثة من التراث الإسلامي، والتي كانت تعد تعديًا على حدود الله، بوصفها تعديًا على حساسيات فردية بالأساس يتشكل من جماعها ما يسمى بالنظام العام.

عمرو عبد الرحمن

نحو نظرية عامة بشأن ترامب: في نهاية الندوة تقدم الطلاب وأعضاء هيئة التدريس بعشر نقاط للنقاش بشأن نظرية عامة بشأن ترامب أعلق عليها هنا بما ينقلنا من التحليل إلى طرح الحاجة إلى تحالف تقدمي عالمي يجمع ما بين الاشتراكية الديمقراطية والليبراليين اليساريين والخضر واليسار الراديكالي.

بول ماسون

اضطهاد الأقباط: دعوة للنقاش من أجل المواجهة المسيحيون يقتلون ويهجرون ويهاجرون طلبا للنجاة من القتل والترويع والاضطهاد في مصر وفلسطين المحتلة وسوريا والعراق، بل ولبنان نفسه. فما العمل؟ هذه دعوة ملحة من أسرة تحرير "بالأحمر" للتدبر والحوار حول المذبحة الجارية والكارثة المحدقة وكيفية المواجهة

بالأحمر

دور قطر: هل تتخلى عنه الولايات المتحدة؟ ثمة أسئلة تطرح نفسها الآن: هل ستتدخل الولايات المتحدة لفض الاشتباك الحالي؟ وإذا تدخلت، كم سيكون حجم صفقة الأسلحة هذه المرة؟ إن الولايات المتحدة هي الوحيدة التي يمكنها حل الأزمة بمكالمة تليفونية، إلا إذا كانت لم تعد ترى نفعا من دور قطر ولم يعد لديها مانع من تركها فريسة بين فكي السعودية.

صبري زكي