اضطهاد الأقباط: دعوة للنقاش من أجل المواجهة

هل مصر دولة طائفية؟

سجالات

25  إبريل  2017

أدهشني أن أجد في موقع “بالأحمر” الذي يعرف نفسه بأنه “منصة غير حزبية للحوار والتفاعل والإبداع في مختلف مجالات الفكر والسياسة والثقافة، منطلقها مبادئ الثورة المصرية والثورات العربية في الحرية والعدل الاجتماعي والكرامة الإنسانية، سلاحها النقد الثوري الحازم لكل ما هو قائم، فكرا وبنى وممارسة، مبتغاها ديمقراطية حتى النهاية”، مقالا بعنوان “استحضار الماضي: لماذا عاد المتطرفون إلى استهداف الأقباط؟” للأستاذ محمد مختار قنديل الذي يعرف نفسه بأنه “كاتب وباحث متخصص في شؤون الإسلام السياسي”

في بداية المقال يحدثنا الكاتب عن “عودة الكثير من المحللين والعامة إلى تاريخ دامٍ من الأحداث الإرهابية ضد المسيحيين في الدولة المصرية، وربما يكون هذا هو أحد أهداف منفذي الحادث”، وهو تفسير غير مفهوم أن يلجأ التنظيم الإرهابي -صاحب جرائم التطهير العرقي ضد غير المسلمين السنة من مسلمين شيعة ومسيحيين ويزيديين وغيرهم في العراق وسوريا- لهذه الجرائم فقط ليعيد تذكير المحللين والعامة بتاريخ دام من الأحداث الإرهابية في الدولة المصرية.

في الحديث عن سياق التفجيرات يخبرنا الكاتب المتخصص في شئون الإسلام السياسي بمعلومة لم يسبقه لها أحد ألا وهي “إعدام” عمر عبد الرحمن “والذي تنسب له فتاوى متعلقة بقتل الأقباط، والذي يلقب بكونه الأب الروحي للجماعة الإسلامية التي طالما استهدفت الأقباط كنوع من أنواع الضغط على النظام السياسي في الصراعات التي كانت بين الطرفين”، ويلاحظ هنا أنه يبيض صفحة مفتي الإرهاب بجعل فتواه باستهداف الأقباط اتهامات منسوبة إليه وليست مؤكدة، وأن الجماعة الإسلامية التي نفذت هذا الاستهداف قد فعلت هذا للضغط على النظام السياسي، ولعل الكاتب المتخصص لم يطلع على فتاوى الاستحلال التي تبيح سرقة ممتلكات الأقباط ونهب محالهم وإحراق بيوتهم مما يؤكد استناد هذه الفتاوى إلى أيديولوجية متكاملة تستهدف اجتثاث المختلفين دينيا ومذهبيا باعتباره إعلاء لكلمة الله.

في إيجاد تبرير لجرائم داعش والسلفية الجهادية في مصر يقول الكاتب أنه يرجعها إلى “ما ينتشر من فيديوهات لرموز مسيحية تتحدث عن المسلمين في مصر والعديد من الفتاوى المتطرفة التي تتعلق بتعامل المسلمين مع المسيحيين، إلى جانب أن التاريخ المصري يعج بالعديد من الحالات والأحداث التي نشبت على أساسها خلافات في الداخل بين مسلمي ومسيحيي مصر”، ولسنا نعرف بخلافات بين مسلمي ومسيحي مصر وإن كنا بالطبع نعرف عداء الإخوان والسلفيين سواء الدعويين أو الجهاديين منهم للمسيحيين لمجرد أنهم مسيحيين، وهم من يبرئهم الكاتب بقوله “استهداف الأقباط في الداخل المصري من قبل الجماعات الإرهابية دائما ما كان محاولة للضغط على النظام السياسي وليس بهدف عقائدي”.

باختصار ينفي الكاتب ان مصر دولة طائفية بل ينكر الدافع الطائفي عن تنظيم داعش نفسه، والكاتب والباحث المتخصص في شؤون الإسلام السياسي يتجاهل ببساطة كل أشكال التمييز والاضطهاد الموجه ضد الأقباط كي يصل لاستنتاج عجيب، “أنه يمكن بتتبع تاريخ حالات العنف بين الطرفين في الداخل المصري القول بأن مصر تعيش إرهاصات فتنة طائفية”، وهو نوع من التضليل كان ينبغي عدم الوقوع فيه من قبل كاتب متخصص بالحديث عن “فتنة طائفية” و”عنف بين الطرفين”، فالحقيقة أنه لا توجد فتنة طائفية في مصر، فالفتنة الطائفية تعني احتراب أهلي بين المواطنين على أسس طائفية/دينية وهو ما لم يحدث في مصر والقول بهذا هو محاولة ماكرة لتجميل الواقع وتجنب الاعتراف بأن التوصيف الدقيق لما يحدث هو اعتداءات طائفية على المسيحيين المسالمين سواء من تنظيمات إرهابية كما حدث في الاعتداء على المصلين في القاهرة وطنطا والإسكندرية، أو من مواطنين عاديين تحت تأثير حشد سلفي كما يحدث في صعيد مصر.

أما الحديث عن “عنف بين الطرفين” فهو حديث لا يدعمه الواقع فلم نر مسيحيين يعتدون على مصلين مسلمين في جوامعهم، ولا مسيحيين يغتالون رئيس الجمهورية المسلم، ولا مسيحيين يهاجمون محلات الصرافة أو الصاغة المملوكة لمسلمين، باختصار فإن وضع المعتدي والمعتدى عليه على قدم المساواة في الحديث المكذوب عن “عنف بين الطرفين” لا هدف منه سوى تبييض صفحة المعتدين المجرمين من الإخوان والسلفيين، وهو ما يعكس للأسف طائفية المقال.

الحقيقة كما ذكر الدكتور رامي صبري في دراسة ممتازة بنفس الموقع “أن الطائفية موجودة في المجتمع المصري من قبل الردة الساداتية، ولها نفوذ ووجود حقيقي يتزايد أو يتناقص في قلب سياقات اجتماعية وتاريخية أكثر تعقيدا وجدلية من تأثير اختيارات وانحيازات فرد واحد وصل إلى مقعد السلطة”، ودلل على هذا بحوادث طائفية وقعت في العهد الملكي: حرق كنيسة الزقازيق (1946) وحرق كنيسة السويس (1952)، والمعارك والسجالات التي دارت حول حقوق الأقباط وتمثيلهم في الجهاز الإداري للدولة التي دارت في مطلع القرن العشرين: المؤتمر القبطي (1911) والمؤتمر المصري الإسلامي (1911)، في العهد الناصري مثلا حادث جبانة أخميم (1970) وقبله حادث الاعتداء على كنيسة في إحدى قرى الأقصر، ظهور الأحداث الطائفية بقوة في عهد السادات بداية من الخانكة في 1972 وصولا إلى الزاوية الحمراء 1981.

هل مصر دولة طائفية؟

طرح الأستاذ محمد مختار قنديل هذا السؤال في مقاله، والإجابة السريعة على هذا السؤال هي نعم لأن لمصر تاريخ طويل في التمييز بين المواطنين على أساس الدين وهو أساس الفرز والعنف الطائفيين اللذين يميزان الوضع الحالي في مصر ويجعلها دولة طائفية، وسوف نحاول فيما بقي من هذا المقال استعراض مظاهر التمييز الديني في مصر.

1- التمييز القانوني والدستوري

توفر المادة الثانية من الدستور (1971، و2012، و2014) التي نصت على أن “الإسلام دين الدولة، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع” الغطاء الدستوري للتفرقة بين المواطنين على أساس الدين وللمادة الثانية انعكاسات على الأحكام القضائية كما يتضح أدناه.

أولا: المحكمة الدستورية العليا

تبنت المحكمة الدستورية العليا رؤية متأرجحة إزاء حرية العقيدة وحرية إقامة الشعائر الدينية، يشدها إلى جانب منها صحيح نصوص الدستور، ويدفعها إلى الجانب الآخر ضغوط مجتمعية وربما سياسية، وقد عالج دستور 1971 الملغي هذا الأمر في المادة 46 منه التي تنص على أن “تكفل الدولة حرية العقيدة وحرية ممارسه الشعائر الدينية”، إلا أن المحكمة الدستورية العليا في حكمها في القضية رقم 7 لسنة 2 قضائية عليا، الخاصة بالطعن بعدم دستورية القرار بقانون رقم 263 لسنة 1960 في شأن حل المحافل البهائية، حينما فسرت المادة 46 من الدستور رأت أن “حرية إقامة الشعائر الدينية وممارستها فهي مقيدة بقيد أفصحت عنه الدساتير السابقة وأغفله الدستور القائم وهو قيد عدم الإخلال بالنظام العام وعدم منافاة الآداب، ولا ريب أن إغفاله لا يعنى إسقاطه عمدا وإباحة إقامة الشعائر الدينية ولو كانت مخلة بالنظام العام أو منافية للآداب. ذلك أن المشرع رأى أن هذا القيد غنى عن الإثبات والنص عليه صراحة باعتباره أمرا بديهيا وأصلا دستوريا يتعين إعماله ولو أغفل النص عليه أما الأديان التي يحمى هذا النص حرية القيام بشعائرها فقد استبان من الأعمال التحضيرية لدستور سنة 1923 عن المادتين 12 و13 منه وهما الأصل الدستوري لجميع النصوص التي رددتها الدساتير المصرية المتعاقبة أن الأديان التي تحمى هذه النصوص ومنها نص المادة 46 من الدستور الحالي (1971) حرية القيام بشعائرها إنما هي الأديان المعترف بها وهي الأديان السماوية الثلاثة”.

ثانيا: مجلس الدولة

صدرت العديد من الأحكام التي تقيد وتعارض مبدأ حرية العقيدة عن المحكمة الإدارية (مجلس الدولة) اعتمادا على المادة الثانية بشقيها، ومنها على سبيل المثال:

  • الحكم في تحول “ماهر احمد المعتصم بالله الجوهري” إلى المسيحية، والذي جاء فيه “إن حرية العقيدة ضمن المنظور الدستوري يتعين فهمها في ضوء أمرين هامين أولهما أن جمهورية مصر العربية ليست دولة مدنية تماما…. وثانيهما أن مبدأ المواطنة المقرر بالمادة (1) من الدستور هو مبدأ حاكم للنسيج الوطني للعقائد والأديان السماوية،…. ومن ثم فان تغيير الديانة ضمن نطاق حرية العقيدة ولئن كان لا يثير مشكلة فى الدول ذات الطابع المدني الكامل، فان الأمر جد مغاير فى مصر لما يترتب على تغيير الديانة أثار قانونية هامة فى مسائل الأسرة كالزواج والطلاق والميراث وهي أثار تختلف حسب الديانة والملة”، وقد حكمت محكمة القضاء الإداري “بقبول الدعوى شكلا ورفضها موضوعا”.
  • الحكم الصادر من المحكمة الإدارية العليا في الطعن رقم 599 – لسنــة 19 ق بتاريخ 25 يناير 1981 بشأن ميراث أحد المسلمين المتحولين للمسيحية وجاء في الحيثيات أن “القول بأن قانون المواريث قد خلا من نص يقضى بحرمان المرتد من الميراث وأن فى حرمان المرتد من الإرث ما يعتبر مخالفة للدستور وحرية العقيدة مردود بأن هناك فرق بين حرية العقيدة التي كفلها الدستور وبين الآثار التي تترتب على هذا الاعتقاد من الناحية القانونية – خلو قانون المواريث من النص على حرمان المرتد لا يقصد به مخالفة أحكام القرآن و السنة أو الأحكام التي أتفق عليها فقهاء المسلمين و منها عدم انعقاد زواج المرتد أو المرتدة و عدم إرثه من غيره أو عدم أرث غيره منه وهذه الأحكام هي التي يتعين الرجوع إليها طالما أن قانون المواريث لم ينظم أحكام ميراث المرتد أو المرتدة إعمالا لقواعد النظام العام إعمالا لأحكام المادتين 6 و7 من القانون رقم 462 لسنة 1955، أي انه عند عدم وجود نص في القانون الوضعي يمكن اللجوء إلى ما اتفق عليه فقهاء الشريعة الإسلامية وتطبيقه مباشرة.
  • الحكم الصادر في الدعوى رقم 14124 لسنة 62 ق بجلسة 11/11/2008، بشأن إصدار وثائق ثبوتية للبهائيين والذي جاء به “أن المحكمة تؤكد في هذا الصدد على أن قضائها الماثل لا يقوم على اعتراف بالفكر البهائي أو انه سبيل لمن ينتمي إلى هذه الطائفة لإثباتها أمام خانة الديانة، وإنما يقتصر الأمر فقط على طائفة منهم استخرجت لهم مسبقا شهادات ميلاد أو تحقيق شخصية مثبت فيها على سبيل الخطأ أما خانه الديانة – بهائي – أو استخرجت تلك المستندات مدرجا فيها أمام خانة الديانة كلمة (بدون) أو شرطه – لما يمثله هذا القضاء من إنصاف لهذه الفئة من المواطنين الذين يملكون مستندات رسمية يثبت فيها ذلك وصولا إلى مخرج يحدد حقوقهم ويمكن غيرهم من أصحاب الديانات السماوية من قيام ثمة علاقات اجتماعية أو شخصية معهم بما يحفظ المجتمع من اندساسهم بين أصحاب الديانات السماوية والتي لا يمثل إثباتها لأتباعها ترفا جوز النزول عنه بإرادة صاحب الشأن، كما أن صياغة النصوص التشريعية المنظمة لا تتعارض مع وضع علامة (-) أمام من سبق التحرير لهم بمستنداتهم خالية لمن لا ينتمي إلى دين سماوي سواء أكان مصريا أصلا أم متجنسا وتطرح المحكمة جانبا ما استندت إليه الإدارة متمثلا في صدور رأي استشاري يتضمن إجبارهم على إثبات دين سماوي بحسبان أن ذلك يمثل ضررا بليغا بالدين المطلوب إثباته على غير الحقيقة”، أي أن هذا يتم نزولا على مقتضيات الدولة الحديثة وليس لأن من حق المواطن أن يتبع الدين الذي يوافقه.

تعتمد قوانين الأحوال الشخصية اعتمادا مباشرا على المرجعية الدينية، ولكنها أيضا تأثرت بالنص على أن “الإسلام دين الدولة” وعلى أن “مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع”، ويظهر هذا في بعض الأحكام التي يظهر فيها ازدراء أصحاب العقائد الأخرى كما يلي[1]:

  • في أحد الأحكام جاء أيضا أن المسلم هو الشخص الشريف وأن من ليس مسلما فهو يفتقر الشرف (القضية رقم 2473 سنة 1953).
  • ألغيت وصاية أب قبطي على ولديه عندما أسلمت الأم لأنه حسب قول المحكمة يتعين أن يتبع الأولاد الدين الأصلح، والإسلام هو أصلح الأديان (القضية رقم 462 سنة 1958 محكمة الإسكندرية الابتدائية).
رابعا: محكمة الاستئناف

حكم محكمة استئناف القاهرة رقم 287 لسنة 111ق القاهرة، الصادر بتاريخ 14/6/1995، الذي اعتمد على فتاوى دينية في الحكم بالتفريق بين المفكر الإسلامي نصر حامد أبو زيد وزوجته رغم أنفهما لمجرد أنه قدم رؤية مخالفة لأفكار الأزهريين في تفسير النص القرآني.

أشكال أخرى للتمييز الدستوري والقانوني

أولا: بناء دور العبادة لغير المسلمين[2]

مشكلة بناء الكنائس هي مشكلة قديمة ترجع إلى القرن التاسع عشر حين أصدر السلطان “عبد المجيد” في 18 فبراير سنة 1856 القانون الشهير الذي يعرف بالخط الهمايوني والذي سمي آنذاك بفرمان الإصلاح المتعلق بترميم وبناء دور العبادة للأقباط والذي بمقتضاه كان ينبغي الحصول على ترخيص من الباب العالي “السلطان العثماني” لبناء كنيسة جديدة، وظل هذا القانون معمولا به حتى سقوط الدولة العثمانية في العشرينات من القرن العشرين. ثم أصبح مخولا هذا الحق للملك بعد انتهاء السيادة العثمانية وحاليا يملك هذا الحق رئيس الجمهورية، وفي فبراير 1934 صدر منشور دوري لوكيل وزارة الداخلية في ذلك الوقت “محمد العزبي باشا” مؤرخ 19/12/1933بشروط خاصة لبناء الكنائس أطلق عليه الشروط العشرة لبناء الكنائس، وهي شروط بالغة التعسف ولا يخضع بناء الجوامع لمثلها، بل أنه لا يمكن بناء كنيسة ملاصقة لجامع ولكن يمكن بناء جامع ملاصق لكنيسة، ويعد موضوع بناء الكنائس أحد الأسباب الرئيسية للعنف الطائفي في مصر.

ثانيا: قانون الخدمة العسكرية والوطنية

ينص البند (أولا) من المادة 3 من قانون رقم 127 لسنة 1980 الخاص بإصدار قانون الخدمة العسكرية والوطنية على أن “مدة الخدمة العسكرية الإلزامية العاملة ثلاثة سنوات”، كما ينص البند (أولا) من المادة 4 من القانون على أنه “تخفض مدة الخدمة العسكرية الإلزامية العاملة المنصوص في البند (أولا) من المادة (3) لتكون:…………………. (ج) سنة واحدة بالنسبة لحفظة القران الكريم بتمامه من غير حملة المؤهلات ويصدر بتنظيم شروط وأوضاع توافر هذا الشرط من وزير الدفاع بالاتفاق مع الوزير المختص بشئون الأزهر”. هذا النص يفرق بين المجند المسلم ونظيرة المسيحي فالمجند المسلم الذي يحفظ القرآن كاملا تخفض مدة تجنيده من ثلاث سنوات إلى سنة واحدة، بينما المجند المسيحي الذي يحفظ الإنجيل كاملا لا يستفيد بهذا التخفيض.

ثالثا: تديين التعليم بالدستور والقانون
  • تنص المادة (19) من دستور 1971 الملغي على أن “التربية الدينية مادة أساسية في مناهج التعليم العام”[3].
  • تنص المادة (6) من قانون التعليم رقم 139 لسنة 1981 على أن “التربية الدينية مادة أساسية في جميع مراحل التعليم، ويشترط للنجاح فيها الحصول على 50% على الأقل من الدرجة المخصصة لها على ألا تحسب درجاتها ضمن المجموع الكلي، وتنظم وزارة التربية والتعليم مسابقات دورية لحفظة القرآن الكريم وتمنح المتفوقين منهم مكافآت وحوافز وفقا للنظام الذي يضعه المجلس الأعلى للتعليم”.

أدت هذه التشريعات إلى تديين المناخ التعليمي والنشاط المدرسي، وقد أوردت الأستاذة هالة طلعت عددا من المظاهر السائدة في المدرسة من واقع خبرتها كمدرسة نذكر منها:[4]

  • المسابقات التي تجرى بالمدرسة تدور معظم أسئلتها حول معلومات عن الدين الإسلامي مما يقف عقبه أمام الطلاب أصحاب الديانات الأخرى لعدم درايتهم بهذه المعلومات؛ مع اختفاء المجموعات التي كانت تجمع الطلاب جميعهم مثل جماعة العلوم، أو الصحافة، أو الخط، أو أصدقاء المكتبة وغيرها من الأنشطة.
  • الإذاعة المدرسية تحمل دائما الصبغة الدينية التي تشمل الوعظ الديني والنصائح الجافة المباشرة التي لا تعتمد على التشويق أو طرح الأسئلة العامة التي تدور حول اهتمامات المتعلمين.
  • تحية العلم لا تقتصر على تحية الوطن فحسب وإنما أضيفت إليها العديد من الأدعية والهتافات الدينية.
  • الاحتفالات التي تقام في المدرسة تحمل غالبا أحد الطابعين؛ إما الديني وهي خاصة ببعض المناسبات الإسلامية دون مراعاة للطلاب والمعلمين من غير المسلمين؛ أو النفعي حيث يقام احتفال عيد الأم لتبادل الهدايا؛ ولا يقام احتفال بأي مناسبة وطنية لتعميق الانتماء للوطن الواحد الذي يضمنا على اختلاف معتقداتنا الدينية أو الفكرية؛ مما خلق جيل فاقد الانتماء الوطني.
رابعا: الحرمان من الحقوق الأساسية
  • التمييز القانوني بين المسلمين والمسيحيين فيما يخص الدعوة الدينية، حيث يحظر على المسيحيين الدعوة لدينهم باعتباره تبشيرا كما يعاقب من يتحول من المسلمين إلى المسيحية بالسجن بتهمة ازدراء الدين الإسلامي.
  • عدم وجود تشريع يجرم التمييز الديني وهو أمر وإن كان يشترك مع أنواع التمييز الأخرى كالتمييز ضد المرأة، إلا أنه أخطر على النسيج الوطني من بقية أنواع التمييز، ويسمح بالتمييز الديني كما حدث في حالة الدكتورة ميرا رؤوف التي كان حرمانها من التعيين في كلية طب المنيا حالة صارخة من حالات التمييز الديني.
2- التمييز في التعليم

أوضح عدد من الدراسات[5] أن التعليم الوطني المصري الذي أسسه محمد على والذي ساهم في تأسيس ثقافة مصرية وطنية حديثة تتفاعل مع المجتمع والعالم قد تحول – إضافة إلى عيوبه الأخرى التي يشعر بها كل مصري – إلى أخطر مجالات زرع ونشر التمييز الديني والتعصب والفرز الطائفي، وخلصت إلى أن الفكر الرجعي المتعصب نجح في التغلغل وأحيانا السيطرة على العملية التعليمية في جميع مراحل التعليم وهو أمر أصبح يعاني منه المسلمون وبشكل أفدح بالطبع غير المسلمين، واتسعت ظاهرة تحول مقررات اللغة العربية إلى دروس إجبارية في العقيدة الإسلامية يدرسها المسلم وغير المسلم، بل وتعمد اختيار نصوص تخالف عقائد غير المسلمين بدلا من تلك التي تؤكد على القيم الإنسانية العامة التي تتفق عليها جميع الأديان فكانت النتيجة أن الأجيال الجديدة من المصريين قد أصبحت أكثر تعصبا وتطرفا من الأجيال السابقة، وتزايد إحساس غير المسلمين بأنهم مواطنون من الدرجة الثانية، وهو ما ينمي مشاعر العزلة والانسحاب بل والكراهية، وقد أنتج هذا النظام التعليمي شبابا من المسلمين والمسيحيين أكثر اهتماما بمظاهر التدين دون النفاذ إلى جوهره، باحثين عند رجال الدين عن “الفتاوى” التي تريحهم من عناء التفكير وتحمل المسئولية.

تعتمد آليات إشاعة التمييز الديني في التعليم على ثلاث ركائز هي:

  • المعلمون الذين فقدوا كل مناعة فكرية أو ثقافية أو حضارية أمام الفكر الوهابي المتزمت،
  • ونسق التعليم وإدارته الذي يعتمد الحفظ والتذكر والتسميع والتلقين.. إلى آخر القيم المناهضة لقيم الثقافة الحديثة التي تقوم على إعمال العقل والانفتاح على الأفكار والقيم المختلفة،
  • وأخيرا المقررات الدراسية التي تزخر بالعديد من مظاهر التمييز بين المسلمين وغير المسلمين والتي تحط من شأن القيم الثقافية والقانونية الحديثة، وهو ما يؤدي إلى غرس التطرف الديني وتأجيجه.

أوضحت دراسة هامة للأستاذ عادل جندي[6] أنه يوجد ما يكفي من الأدلة التي تبين عمق واتساع ظاهرة تحول مقررات اللغة العربية إلى دروس إجبارية في العقيدة الإسلامية.

ولا يقتصر الأمر على مقررات اللغة العربية، ولكن نجد هذه “الأسلمة” وحشر الآيات القرآنية بلا مناسبة تمتد إلى بقية المقررات – بما في ذلك كراسة الخط – وقد أوردنا أمثلة لها من كتاب العلوم في مقال سابق لنا،[7] وهناك العديد من الأمثلة على الأفكار الدينية في مقررات الدراسات الاجتماعية والتاريخ والعلوم إضافة إلى الدراسات الدينية التي تعتمد على كتابات فقهية بالغة القدم وتعالج مجتمعات وقضايا تختلف اختلافا كبيرا عن مجتمعاتنا وقضايانا المعاصرة رصدها المؤتمر الوطني الثاني لمناهضة التمييز الديني وصدرت في كتاب[8].

3- التمييز في التوظف

في دراسة للمهندس عادل جندي[9] تم فحص درجة تمتع المواطنين الأقباط بحقوق المواطنة والسماح لهم بتحمل مسئولياتها، عن طريق دراسة ظاهرة التمييز السلبي الذي قد يتعرضون له في مجال الوظائف العامة، حيث تم مراجعة عينات من المعلومات العامة المتاحة، ومن بينها تلك التي نشرتها الصحف في الفترة من يونيو إلى أكتوبر 2007، فتبين الآتي:

  • نسبة الأقباط في هيئة النيابة الإدارية تزيد قليلا على واحد بالمائة.
  • يوجد بمصر 17 جامعة بها أكثر من 257 كلية، بإجمالي أكثر من 274 رئيس جامعة وعميد كلية لا يوجد بينهم قبطي واحد.
  • من بين 63 مستشارا عينهم مجلس القضاء الأعلى لا يوجد سوى قبطي واحد.
  • القرار الجمهوري بترقية 1334 عضوا بهيئة النيابة الإدارية بمختلف الدرجات كان من ضمنهم نحو 2.1% من الأقباط.
  • قوائم أعضاء هيئة التدريس والباحثين المبعوثين إلي الخارج، تدل على أن العدد الإجمالي للمبعوثين 425 مبعوثا ليس بينهم من الأقباط سوي شخص واحد في القائمة الأساسية.
  • حركة ترقيات ضباط الشرطة تضمنت أقل من 1% من الضباط الأقباط.
  • بمراجعة لرؤساء البعثات التمثيلية والقنصلية في الخارج، طبقا لما هو منشور في الموقع الرسمي لوزارة الخارجية وجد أن نسبة الأقباط تتراوح بين 1.8% و2.4% بحد أقصي.
  • نشرت الصحف أن الرئيس حسني مبارك قد اعتمد الحركة الدبلوماسية الجديدة التي شملت 36 سفيرا وأربعة قناصل بدرجة سفير ـ ليس من بينهم أقباط (أو ربما واحد على أكثر تقدير).
  • يضرب الدكتور سالم سلام[10] مثلا من كلية طب المنيا حيث يمثل الطلاب المسيحيون الملتحقون بالكلية نسبة 40٪ ومن ثم فإن تمثيلهم العادل في وظائف أعضاء هيئة التدريس بالكلية يجب أن يكون 40٪. ولكن النسبة الحالية حوالي 3-4٪ أي أقل عشر مرات مما يجب أن تكون عليه.
4- التمييز في الإعلام

تلعب وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة، دورا بارزا في تكوين أفكار المواطنين حول ما يشكّل سلوكا مقبولا اجتماعيا، وقد تزايد هذا الدور مع ظهور الفضائيات ثم الإعلام الجديد أو الإعلام الرقمي الذي يتيح إنتاج ونشر واستهلاك المحتوى الإعلامي بمختلف أشكاله من خلال الأجهزة الإلكترونية (الوسائط) المتصلة أو الغير متصلة بالإنترنت.

ومن المؤسف أن قطاعا كبيرا من الإعلام المصري -سواء المملوك للدولة أو المستقل عنها- أصبح أداه لإشاعة التمييز الديني والفرز الطائفي في مصر، وذلك عن طريق التحريض المباشر بنشر البرامج والخطب والدروس التي تزدري معتقدات غير المسلمين في أنحاء البلاد، أو السجال الديني الذي تتبناه بعض القنوات الفضائية الدينية الذي يركز على بعض الجوانب العقائدية والطقسية والرمزية بخطابات تمييزية، أو الكذب الصريح والاختلاق القصدي لأخبار لا أصل لها لإثارة الناس ضد مجموعة معينة من الناس، أو التمييز الديني بين الأغلبية والأقليات الدينية فيما يتعلق بالتغطية الإخبارية والتقارير والتعليقات بشكل عام، أو التغطية المنحازة لأحداث العنف الطائفي، وبالإضافة لهذه الأشكال المباشرة توجد أشكال غير مباشرة تؤسس لحالة من الانقسام على أسس دينية وتهيئ المناخ للانفجار عند أي منعطف، منها “تطييف الأحداث” أي إسباغ الصفة الدينية (الطائفية) على أحداث طبيعية عادية تحدث بين الناس، ونشر ثقافة التمييز الديني من خلال بعض الموضوعات التي تتناولها الصفحات الدينية في بعض الصحف[11].

يمكن أن نتفاءل بالنسبة للمستقبل في دحر الفرز الطائفي والتمييز الديني، ولكن هذا لن يتم بشكل تلقائي بل يحتاج إلى جهد منظم يستند على رؤية سياسية صحيحة للوضع في مصر، وتحتاج القوى السياسية غير الممثلة في مجلس النواب إلى خلق صلات قوية بالنواب المسيحيين، ونواب التيار المدني داخل المجلس (المصري الديمقراطي الاجتماعي، الوفد الجديد، المصريون الأحرار، النواب المستقلون ذوي المواقف المعلنة لدعم المواطنة ومناهضة التمييز)، وتهدف هذه الصلات إلى: 1) إصدار قانون لمناهضة التمييز، 2) إصدار قانون مفوضية تكافؤ الفرص ومناهضة التمييز. مع ملاحظة أن هذه القوانين قد نص عليها الدستور لكن الخوف أن تصدر قوانين شكلية غير محكمة، بما يسمح باستمرار الممارسات الحالية.

يجب أيضا تقوية الصلات بمنظمات المجتمع المدني المعنية بالحقوق السياسية والمواطنة والحقوق الاقتصادية والاجتماعية، و….. الخ. ومحاولة الوصول إلى برنامج مشترك لإنجاز بعض النجاحات في هذه المجالات.

لقد كان ضعف التنظيمات اليسارية الثورية هو نقطة الضعف الرئيسية في الثورة المصرية، ولكن هذا الأمر ممكن ويجب تغييره، والطريق لهذا غير ممهد ويتطلب إضافة للمبدئية الثورية والوضوح النظري القدرة على التعامل المرن مع الواقع، وأظن أن الطريق الوحيد لهذا هو أن نتمسك بالديمقراطية طريقا بأكبر قدر من المبدئية التي تبعدنا عن مربع “الديمقراطية جيدة طالما أتت بمن أريد”، لأنه موقف انتقائي يجعلنا نخسر الكثير على المستوى الشعبي، لأن الديمقراطية جيدة لأنها قادرة على تصحيح نفسها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] عوض بسيط، “في المسألة القبطية”، ورقة مقدمة في ندوة “المسألة القبطية: بين الإنكار والتبعية للاستعمار” التي نظمها مركز الدراسات الاشتراكية بتاريخ 3/11/2006

[2] تنص المادة (235) من دستور 2014 على أن “يصدر مجلس النواب في أول دور انعقاد له بعد العمل بهذا الدستور قانونا لتنظيم بناء وترميم الكنائس، بما يكفل حرية ممارسة المسيحيين لشعائرهم الدينية”، والحقيقة أن القنون صدر مقيدا إلى حد كبير لحرية المسيحيين في إقامة شعائرهم.

[3] تتضمن المادة (24) من دستور 2014، “اللغة العربية والتربية الدينية والتاريخ الوطني بكل مراحله مواد أساسية في التعليم قبل الجامعي الحكومي والخاص”

[4] هالة طلعت، “المناخ التعليمي بالمدرسة وتعزيز التطرف”، ورقة مقدمة للمؤتمر الوطني الثاني لمناهضة التمييز الديني، القاهرة 24-25 أبريل 2009.

[5] كتاب “مصر لكل المصريين”، وثائق المؤتمر الوطني الأول لمناهضة التمييز الديني، إعداد الدكتور محمد منير مجاهد، مركز المحروسة للنشر والخدمات الصحفية والمعلومات، القاهرة، يناير 2009.

 كتاب “التعليم والمواطنة”، وثائق المؤتمر الوطني الثاني لمناهضة التمييز الديني، إعداد الدكتور محمد منير مجاهد، مصريون ضد التمييز الديني، القاهرة، يناير 2010.

[6] عادل جندي، “واقع التمييز الديني في التعليم ينسف مبدأ المواطنة”، ورقة مقدمة للمؤتمر الوطني الأول لمناهضة التمييز الديني، القاهرة 11-12 أبريل 2008

[7] محمد منير مجاهد، “التمييز الديني في التعليم بين الواقع والإنكار”، جريدة الأهالي بتاريخ 8 يوليو 2009.

[8] “التعليم والمواطنة”، مرجع سابق

[9] عادل جندي، ” واقع التمييز في الوظائف العامة ينسف مبدأ المواطنة”، ورقة مقدمة للمؤتمر الوطني الأول لمناهضة التمييز الديني، القاهرة 11-12 أبريل 2008

[10] سالم سلام، “التمييز في التعيين بسبب الدين في الجامعات المصرية”، ورقة مقدمة للمؤتمر الوطني الأول لمناهضة التمييز الديني، القاهرة 11-12 أبريل 2008

[11] كتاب “الإعلام والمواطنة”، وثائق المؤتمر الوطني الثالث لمناهضة التمييز الديني، إعداد الدكتور محمد منير مجاهد، مصريون ضد التمييز الديني، (تحت الطبع).

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

الشريعة في دساتير ما بعد ثورة يناير… ما يعنينا هنا أن الاستجابة المحافظة للضغط الإسلامي كانت تتم عبر نفس الآليات الخطابية للإسلام المعلمن، أي إعادة تقديم الخطوط الحمراء الموروثة من التراث الإسلامي، والتي كانت تعد تعديًا على حدود الله، بوصفها تعديًا على حساسيات فردية بالأساس يتشكل من جماعها ما يسمى بالنظام العام.

عمرو عبد الرحمن

الشريعة في دساتير ما بعد ثورة يناير… اقتصر سعي هذه الورقة على إعادة تقديم وتحرير الإشكاليات المتعلقة بموقع ما تعارف الفقهاء على تسميته بالشريعة في البناء الدستوري والقانوني المنظم لعمل أجهزة الدولة الحديثة كما كشف عنها الجدل الدستوري التالي لتحولات يناير ٢٠١١ عبر منهجية ماركسية مطورة. ولم تتجاوز ذلك إلى التفكير في مخارج لهذه الإشكاليات، إلا عرضا بالطبع وفي معرض إشارتها لاجتهادات قائمة بالفعل كوثيقة الأزهر الصادرة في يونيو ٢٠١١.

عمرو عبد الرحمن

مائدة مستديرة: “30 يونيو” بعد أربع سنوات تقدم "بالأحمر" أعمال المائدة المستديرة التي عقدتها بمناسبة حلول الذكرى الرابعة لـ30 يونيو 2013، والتي حاولنا فيها النظر من عدة زوايا للحدث الذي مثل تحولا لمجرى الأحداث في مصر. وإذ شهد اللقاء نقاشا ثريا بين مختلف وجهات النظر، فإننا نأمل أن يسهم نشرنا لأعمال المائدة المستديرة في استكمال هذا النقاش.

مشكلة التنظيم والثورة ونهاية عصر الأفندية (2) منهجية تقييم التجربة الثورية إذن هي في المحل الأول قراءة دروس التاريخ وليس محاسبتها بأثر رجعي، فليس بوسعك أن تحاكم تجربة تاريخية ما استنادا إلى ما تعلمته منها بالتحديد.

هاني شكر الله

قراءات في ثورة يناير 2011: تاريخياً، لا يوجد نموذج بديل فوري، باكتماله وطرح تطبيقه تتم إزاحة السلطة القديمة وأفرادها.

علي الرجال