اضطهاد الأقباط: دعوة للنقاش من أجل المواجهة

استحضار الماضي: لماذا عاد المتطرفون إلى استهداف الأقباط؟

سجالات

18  إبريل  2017

دفعت الأحداث الأخيرة باستهداف كنيستي “مارجرس بطنطا، والمرقسية بالإسكندرية” إلى عودة الكثير من المحللين والعامة إلى تاريخ دامٍ من الأحداث الإرهابية ضد المسيحيين في الدولة المصرية، وربما يكون هذا هو أحد أهداف منفذي الحادث، ولكن بصورة عامة حال الحديث عن عمليات إرهابية هناك مجموعة من الخطوات الأولية التي يجب إتباعها قبل الشروع في الحديث عن كيفية المواجهة، أولى تلك الخطوات تتعلق بالتعرف على سياق التفجيرات، وثانيها متعلق بالتعرف على العقل السياسي للجماعة المتبنية للحادث، وثالثها مرتبط بالتعرف على الأهداف الخفية من وراء تلك الأحداث، وخامسها مرتبط بالإجابة عن سؤال هل هناك طائفية بمصر؟، وختاما يمكننا الحديث عن المواجهة.

سياق التفجيرات:

“ثلاثة أشهر مليئة بالأحداث المتسارعة مع تعامل متوسط من حيث الأهمية من قبل السلطات كفيلة بفتح الحديث عن استهداف الأقباط”

تأتي التفجيرات بعد فترة وجيزة من محاولة فتح تنظيم داعش لملف الفتنة الطائفية في مصر بعد تبينه لتفجير الكاتدرائية ديسمبر الماضي، وذلك عن طريق إصداره المعنون بـ”وقاتلوا المشركين كافة” والصادر يوم 19 فبراير من العام الحالي، كما أنها أيضا تأتي بعد فترة وجيزة من إعدام “عمر عبد الرحمن” والذي تنسب له فتاوى متعلقة بقتل الأقباط، والذي يلقب بكونه الأب الروحي للجماعة الإسلامية التي طالما ما استهدفت الأقباط كنوع من أنواع الضغط على النظام السياسي في الصراعات التي كانت بين الطرفين.

الإصدار الداعشي خاصة وأنه خرج عقب وفاة عبد الرحمن بيوم وإعادة فتح الجدال حول استهداف الأقباط، والفتاوى التي تشرع قتل الأقباط، مثل خطورة بالغة على الداخل المصري، وأعطى إشارة بإمكانية العودة للعقود الدامية في التاريخ المصري، وهذا ما حاول تنظيم داعش التدليل عليه من خلال التفجيرات إلى جانب استهداف أقباط العريش.

حقيقة هناك وجود لتنظيم داعش في مصر بسيناء إلا أن هذا التواجد لم يشبع رغبات التنظيم في التغطية الإعلامية المناسبة لعملياته هناك، ولم يشعر هذا التواجد داعش بأنه تنظيما حاضرا بقوة في الدولة المصرية، وعليه حاول التنظيم التسلل إلى الداخل معتمدا على نمط الإرهاب المحلي الذي يسهل استنفاره حال خلق قضية.

العقل السياسي لداعش:

لفهم كيفية مواجهة استهداف داعش للداخل المصري، لابد من الوقوف على العقل السياسي لتنظيم داعش وقرائِنُه، ويمكن تلخيص بعض السمات فيما يلي:

أولا: استحضار الماضي

نعني هنا باستحضار الماضي، هو محاولة تكرار ما كان من قبل في الحاضر دون الوقوف على ملابسات وتغيرات الواقع المحيط، أي أن التنظيمات الإرهابية من وقت لأخر تعمل في إطار أن التاريخ يعيد ذاته وأن إعادة فتح ملف الطائفية مرة أخرى من الممكن أن يصيب المجتمع بعدم استقرار يشكل بيئة مناسبة لتواجد التنظيم بالداخل.

ثانيا: التوحد بالمعتدي

تحاول التنظيمات الإرهابية الظهور في موقع المعتدى عليه، ومن ثم تنطلق من القانون الفيزيائي القائل بأن لكل فعل رد فعل، وتبدأ في الصدام مع من تصنفه كمعتدي، وهذا ما حاول التنظيم تمريره من محاولة إثبات ادعاءه بكون المسيحيين يشاركون السلطة في مصر في محاربة الإسلام والمسلمين والذي أثير بصورة مباشرة في الإصدار السابق ذكره.

ثالثا: استغلال الظروف

هذه السمة شائعة بصورة عامة في عرف الجماعات والتيارات الإسلاموية وتظهر بوضوح في استغلال تنظيم داعش لإعادة فتح الحديث عن وجود اضطهاد للأقباط في مصر، والجدال القائم بعد وفاة “عمر عبدالرحمن” حول كونه إرهابي أو شيخ معتدل، وتبع ذلك بتفجيرات طنطا والإسكندرية وقبلها بأيام محاولة تفجير الكنيسة ذاتها بطنطا.

رابعا: شرعنة أفعالهم

تحاول التنظيمات الإرهابية بصورة عامة إضفاء صبغة شرعية على ما تقوم به من عمليات، حتى لا تفقد التعاطف المرجو من العمليات، وهذا ما ظهر بوضوح في الإصدار الداعشي والذي حاول إخراج المسيحين في مصر من دائرة أهل الذمة ووضعهم في وضع المتربصين للإسلام والمسلمينومن ثم يشرع قتلهم.

خامسا: تنفيذ التهديد والوعيد

هذه السمة تعد من أهم السمات التي يتسم بها العقل السياسي للتنظيمات الإرهابية وبصورة خاصة تنظيم داعش، بمعنى أنه حال خروج التنظيم بإصدار يتوعد فيه ويتهدد فئة أو جماعة أو سلطة بعينها، فإن التنظيم لا محالة يبذل قصارى جهده لتنفيذ تهديده لهدفين، الأول عدم فقدان مصداقيته لدى أتباعه، والثاني إحراج السلطة بما يسبب نوعا من أنواع التوتر بين السلطة والمجتمع.

لماذا مصر، ولماذا قضية الفتنة؟

الأسباب التي تدفع التنظيم إلى التوجه نحو مصر عدة، أهمها أن تواجد التنظيم في مصر ونجاحه في القيام بعمليات إرهابية رسالة تحمل في طياتها أن التنظيم ما زال قويا، من ناحية ثانية يأتي الموقف المصري غير الواضح شيئا ما من الوضع في سوريا يخدم على أهداف التنظيم في مصر، إلى جانب ما تشهده مصر من عدم استقرار وتخبط داخلي وسوء في الأوضاع الاقتصادية.

من ناحية لماذا اختار تنظيم داعش قضية الفتنة الطائفية، فالأمر يتعلق بنقاط عدة مثل: أن محاولة أي تنظيم للتواجد بقوة داخل دولة ما تعتمد بالأساس على اعتماده على نمط “الإرهابيين المحليين” أي أصحاب الفكر المتطرف داخل الدولة المستهدفة، واستنفار مثل هذا النمط من الإرهاب يعتمد بالأساس على محاولة خلق قضية داخلية تحرك هؤلاء، وإن كان هناك قضايا يمكن اللعب عليها مثل تعامل الدولة مع جماعات الإسلام السياسي إلى أن تلك القضية ربما تضع داعش في مأزق جراء محاربته ورفضه لتلك التيارات، وعليه بدأ في التفكير في إثارة ملف الطائفية.

ولما كانت إحدى سمات العقل السياسي لداعش تتمثل في استحضار الماضي، فإن التنظيم بدأ في التفتيش عن عوامل تساعده نحو إعادة عقود استهداف الأقباط وإعادة حالة من الاحتقان الطائفي بالداخل، وساعده في ذلك العديد من العوامل أبرزها ما ينتشر من فيديوهات لرموز مسيحية تتحدث حول المسلمين في مصر والعديد من الفتاوى المتطرفة التي تتعلق بتعامل المسلمين مع المسيحيين، إلى جانب أن التاريخ المصري يعج بالعديد من الحالات والأحداث التي نشبت على أساسها خلافات في الداخل بين مسلمي ومسيحيي مصر.

أهداف استهداف الكنائس:

استهداف الأقباط في الداخل المصري من قبل الجماعات الإرهابية دائما ما كان محاولة للضغط على النظام السياسي وليس بهدف عقائدي وإن كان في ظاهره هكذا، إلى جانب أنه يعد بمثابة الطعم لجر النظام نحو المزيد من العنف وإظهاره في صورة نظام قمعي أو التأكيد على تلك الصورة إن كانت متواجدة فعليا، وأن الحل في مواجهة هذا النظام القمعي يكمن في الخروج المسلح عليه، وإثارة أعمال العنف غير الرسمي كرد فعل على العنف الرسمي للدولة.

إلى جانب محاولات جر النظام، تهدف الجماعات الإرهابية من استهداف الكنائس إلى تغذية الكراهية المبنية على أسس غير منطقية وغير واقعية بين أفراد المجتمع مما يسهل من خروج العديد من السجالات بين المسلمين والمسيحيين بناء على بعض التصريحات الخارجة في أوقات التفجيرات من رموز مسيحية في لحظات عصبية يمكن استغلالها في إصدارات تالية للتدليل على أن هناك كراهية فعلية، تدعم محاولات التنظيمات في تجنيد متطرفين محليين للمزيد من العنف.

هل مصر دولة طائفية؟

طرح مثل هذه الأسئلة ربما يكون أمر غير مقبول لدى البعض، ولكنها ضرورية في المعالجة ومواجهة توسع داعش في الاعتماد على الإرهاب المحلي كبنية تحتية لوجوده بقوة في الداخل المصري.

وعلى الرغم من أن الإجابة عن هذا السؤال تحتاج إلى نقاط تفصيلية عديدة بالخوض في العلاقة بين السلطة والمؤسسات الدينية التقليدية من ناحية، ومناقشة فكرة المواطنة في إطار التيارات المختلفة في الداخل المصري، إلى جانب مناقشة شكل التعامل بين المسيحيين والمسلمين من العامة، إلا أنه يمكن بتتبع تاريخ حالات العنف بين الطرفين في الداخل المصري القول بأن مصر تعيش إرهاصات فتنة طائفية.

ونقول إرهاصات لأسباب عدة، أولها أن تلك الحالات هي حالات خاصة وليست عامة، وثانيها أن العنف المرتكب من قبل أتباع التنظيمات الإسلامية لا يقع بصورة مباشرة في إطار بعد عقائدي بقدر ما يحركه أهداف وأبعاد سياسية، وثالثها أن الإجراءات البسيطة من قبل الأجهزة المعنية للتصدى لحالات الاحتقان تأتي ثمارها وإن كان ظاهريا، إلا أن خطورة لمس تنظيم دولي كداعش لهذه الإرهاصات يدفع نحو احتمال أن تتجه مصر نحو أن تصبح دولة طائفية بمعنى الكلمة ما لم تتخذ كافة الأطراف المعنية دورا فعالا في وأد هذه البدايات.

كيفية المواجهة:

الأمر يحمل أكثر من جانب، بالتوازي، الأول التأمين الجيد للكنائس كافة ونقول التأمين الجيد هنا لتعبير بعض الحالات عن وجود قصور أمني، إلى جانب أنه من المحتمل أن يستمر الاستهداف خلال الأشهر القادمة، والثاني الحرص في استخدام قانون الطوارئ بما لا يعطى فرصة لاستغلال تلك التنظيمات قاعدة العلاقة الطردية بين العنف الرسمي والعنف غير الرسمي، الثالث وضع خطة دقيقة لكيفية التصدى للأفكار الدافعة نحو الطائفية والمغذية لها من الطرفين وذلك من خلال فتح نقاش مجتمعي جدي فعال يشمل كافة التيارات والأجهزة المعنية والمؤسسات الدينية التقليدية وغير التقليدية للخروج بخطة دقيقة من شأنها إيقاف استغلال داعش لتلك القضية لكسب إرهابيين محليين بما يسمح بوجود بنية تحتية مؤسسة لوجود التنظيم بصورة فعالة وقوية بالداخل المصري، ونقول أن تلك الخطوات تأتي بالتوازي لأن فكرة تغيير ثقافة المجتمع أمر يحتاج إلى فترة طويلة من العمل، ولكن العمل في إطار خطة محكمة دقيقة منطقية متسلسلة، يتم التنسيق فيها بين كافة الأجهزة المعنية بهذا.

نهاية لا بد من لفت انتباه الأجهزة الأمنية بأن هناك فارق –يدركه كل متخصص في شؤون الجماعات المتطرفة- بين التهديدات في مرحلة ما قبل ظهور داعش وما بعدها، ففي الأولى كان هناك فارق زمني بين التهديد وتنفيذه يقترب من ستة أشهر على الأقل، أما مرحلة ما بعد داعش فتضاءل هذا الفارق الزمني ليصبح أياما معدودة، أو ربما يكون صدور التهديد في توقيت التحضير للعمليات الإرهابية، وعليه لا بد وأن تتابع الأجهزة الأمنية التهديدات الداعشية بصورة منتظمة، وتأخذها على محمل الجد بأنها رسالة لوجود عملية إرهابية في وقت قريب.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

موازنة مصر 2018.. الاقتصاد في خدمة الدائنين في مقابل كل جنيه ستنفقه الحكومة على الاستثمارات العامة، التي تستشعر آثارها عزيزي المواطن في خدمات مثل التعليم والصحة وغيرها، ستمنح الحكومة ثلاثة جنيهات أو أكثر قليلا لدائنيها، هذه هي الحقيقة التي تُظهرها بيانات مشروع الموازنة العامة 2017-2018.

محمد جاد

من التحرير إليكم: انتزاع الديمقراطية فيما يتجاوز ترامب ربما يكون التشابه الأكثر إثارة للقلق بين ما يتعرض له المصريون الآن تحت النظام العسكري الفاشي وبين لحظة ترامب في الولايات المتحدة هو عدم استعداد أصحاب الخبرة التنظيمية والمواطنين العاديين للمواجهة.

عاطف سعيد

ثورة بغير منظمات ثورية، وسياسة بلا أحزاب سياسية… محاولة نحو فك اللغز المصري (2) النضال من أجل الديمقراطية نضال اجتماعي طبقي في المقام الأول، لا يتحقق بالعظات الأخلاقية ولا بالبغبغة حول المعادلات اللاصفرية ولا بنصح البرجوازية بأن بعض الديمقراطية مهم ومفيد للتنمية والسياحة ولجلب الاستثمار الأجنبي وكسب حب ورضاء الاتحاد الأوروبي، ولكن بالنضال ضدها وعلى حسابها.

هاني شكر الله

الشريعة في دساتير ما بعد ثورة يناير… اقتصر سعي هذه الورقة على إعادة تقديم وتحرير الإشكاليات المتعلقة بموقع ما تعارف الفقهاء على تسميته بالشريعة في البناء الدستوري والقانوني المنظم لعمل أجهزة الدولة الحديثة كما كشف عنها الجدل الدستوري التالي لتحولات يناير ٢٠١١ عبر منهجية ماركسية مطورة. ولم تتجاوز ذلك إلى التفكير في مخارج لهذه الإشكاليات، إلا عرضا بالطبع وفي معرض إشارتها لاجتهادات قائمة بالفعل كوثيقة الأزهر الصادرة في يونيو ٢٠١١.

عمرو عبد الرحمن

نحو نظرية عامة بشأن ترامب: في نهاية الندوة تقدم الطلاب وأعضاء هيئة التدريس بعشر نقاط للنقاش بشأن نظرية عامة بشأن ترامب أعلق عليها هنا بما ينقلنا من التحليل إلى طرح الحاجة إلى تحالف تقدمي عالمي يجمع ما بين الاشتراكية الديمقراطية والليبراليين اليساريين والخضر واليسار الراديكالي.

بول ماسون