الغذاء والزراعة والتغير المناخي (2)

قضايا

18  إبريل  2017

الزراعة في ظل الرأسمالية

ترتبط الزراعة بقوة بصعود الرأسمالية. وقد رأي ماركس في “تجريد المنتِج الزراعي… من التربة68″ عاملا رئيسيا في التراكم البدائي الذي شكّل أساس تطور المجتمع الرأسمالي. وقد خلقت هذه العملية قاعدة الإنتاج الرأسمالي، لكنها أيضا غيرت طبيعة الزراعة وعززت من نمو الصناعة الحضرية:

كان سلب أملاك الكنيسة، ومصادرة ملكيات الدولة عبر الاحتيال، ونهب الأراضي المشاع، واغتصاب الملكية الإقطاعية والعشائرية، وتحويلها إلى ملكية خاصة حديثة في ظل ظروف الإرهاب الطائش، مجرد نماذج مثالية لطرق التراكم البدائي. فقد غزوا الحقول بغرض الزراعة الرأسمالية، وجعلوا من التربة جزءا لا يتجزأ من رأس المال، وخلقوا من أجل الصناعة في المدن الإمدادات الضرورية من البروليتاريا “الحرة” والمحظورة.69

صُممت الزراعة في ظل الرأسمالية، مثلها مثل فروع الإنتاج الأخرى، كي تناسب احتياجات الرأسماليين لمراكمة الثروة من أجل المزيد من التراكم. وحيث إن المجال لا يسمح بتناول تطور الزراعة الحديثة بالتفصيل، فإن النقطة الأساسية التي يتعين الإشارة إليها هنا هي أن الزراعة في العالم المتقدم، التي تدعمها الحكومات بقوة ويسيطر عليها عدد قليل من الشركات، تأتي على حساب الزراعة التقليدية، والزراعة صغيرة النطاق والمعاشية، التي سادت تاريخيا في معظم مناطق العالم.70

وتُلخِص هذه السيطرة شركة كارجيل التي تأسست في 1865 ومقرها مينيسوتا. وتُعتبر كارجيل حاليا واحدة من أكبر الشركات الخاصة في العالم، حيث بلغت قيمة مبيعاتها في 2015 حوالي 120.4 مليار دولار، ومكاسبها 1.58 مليار دولار. ويعمل لدى الشركة ــــــــ التي تتاجر في كل شيء، من القطن إلى علف الحيوان إلى اللحوم إلى الكاكاو والملح ـــــــ ما يزيد على 150,000 فرد في 70 بلدا. وتقول الشركة إن “كارجيل بيف هي واحدة من أكبر مُصنعي اللحم البقري في أمريكا الشمالية”، حيث تربي أكثر من 8 ملايين رأس ماشية، وتنتج حوالي 8 مليارات رطل من لحوم الأبقار المعلبة ومشتقاتها كل سنة”. ولدى الشركة أسطولها الخاص، الذي يتضمن 500 سفينة تقوم بتوزيع منتجاتها، من بينها 120 سفينة عملاقة، هي الأكبر من نوعها في العالم فيما يخص سفن البضائع الجافة.71

وتتمتع شركات مثل كارجيل بنفوذ ضخم لدى النظام الغذائي العالمي. وفي 2005، كانت هناك أربع شركات تسيطر على 80 بالمائة من إنتاج اللحم البقري في الولايات المتحدة. وكانت ثلاث من هذه الشركات ــــــ إضافة إلى شركة رابعة ــــــــ تسيطر على 60 بالمائة من إنتاج لحم الخنزير. ويأتي 50 بالمائة من إنتاج الدجاج من أربع شركات أخرى.

وتوضح كل من سيلفيا ريبيرو وهوب شاند الدور السلبي الذي تلعبه الشركات الكبيرة في الزراعة على النحو التالي:

سمح تركُز الشركات في الزراعة لعدد قليل من الشركات النافذة بالسيطرة على أجندة البحث في هذا المجال، والتأثير على التجارة المحلية والدولية والسياسة الزراعة، وتوجيه عملية قبول تقنيات جديدة باعتبارها حلولا “تستند إلى أساس علمي” وتهدف إلى تعظيم إنتاج الغذاء. وبالرغم من أنه عادة ما يتم الترويج لهذه التقنيات باعتبارها تستجيب لاحتياجات الفقراء والجوعى في العالم، إلا أنها تجلب في الواقع المنافع لأولئك الذين يطورون هذه التقنيات ويسيطرون عليها.72

وحيث إن تعظيم الأرباح هو الهدف الأساسي لشركات مثل كارجيل، فإنها تعتبر أن جني الأرباح أهم من مصلحة البيئة والبشر. وقد كانت كارجيل، وعلى سبيل المثال، هدفا لحملة ضد الإنتاج المدمر لزيت النخيل، حيث تشير شبكة عمل الغابات المطيرة إلى أن الشركة لعبت “دورا في انقراض إنسان الغاب وتدمير الغابات المطيرة وعمالة الأطفال وانتهاكات حقوق الإنسان”.73 ويُستخدم زيت النخيل في إنتاج الغذاء على نطاق واسع، لكنه أصبح يُستخدم بصورة متزايدة كأحد مكونات الوقود الحيوي. ويجري الترويج للوقود الحيوي باعتباره بديلا للوقود الأحفوري، لكنه يخلق مشكلات بيئية مهمة، وهناك علامات استفهام حول قدرته على تقليل الانبعاثات مقارنة بالوقود الأحفوري المُستخدم حاليا.

ولدى كارجيل استثمارات في قطاع الوقود الحيوي تُقدَّر بنحو مليار دولار.74 وبينما تقر الشركة بمخاطره على الأمن الغذائي والبيئة، فإنها تحرص على ألا تؤدي قواعد التنظيم إلى الحد من أرباحها من صناعة الوقود الحيوي:

تعتقد كارجيل أن الوقود الحيوي يمكن أن يلعب دورا مهما في تلبية احتياجات العالم البيئية، واحتياجاته من الطاقة، وجلْب رأس المال للاستثمار في الزراعة، وتعزيز التنمية الاقتصادية في المجتمعات الزراعية. غير أنه تجب الموازنة بين إنتاج الوقود الحيوي من المحاصيل الغذائية وبين الحاجة إلى توفير الغذاء لأجل سكان العالم الذين يتزايد عددهم. ونحن نؤيد الحوار بين الحكومات والمزارعين ومنتجي الماشية والخنازير والدواجن ومُصنعي الغذاء والجمهور، من أجل التفكير في وسائل للموازنة بين الحاجة إلى الطاقة المتجددة وبين الحرص على تأمين الغذاء وتوريد الأعلاف. ونحن نفضل السياسات الموجَهة من السوق، وليس القرارات غير المرنة أو الدعم أو الرسوم الجمركية.75

وبالرغم من الشكوك الجادة حول المزايا البيئية للوقود الحيوي، فإنه يمثل أحد مجالات الاستثمار الضخمة. وأثناء الاستعداد لسن قانون الزراعة لسنة 2014 في الولايات المتحدة، مارست شركات الطاقة الكبرى ضغوطا من أجل ضمان استمرار دعم الوقود الذي تتلقاه. وقد تنفق الشركات أموالا طائلة في ممارستها لهذه الضغوط. ويشير تقرير صادر عن “الحس المشترك لدافعي الضرائب الأمريكيين” عنوانه “البصمة السياسية لجماعة ضغط منتجي الإيثانول المستخرج من الذرة” Political Footprint of the Corn Ethanol Lobby إلى أنه “بين 2007 و2014، أنفقت كارجيل أكثر من 11 مليون دولار على ممارسة الضغوط. وأنفقت شركة دولية كبرى أخرى تعمل في إنتاج الغذاء، هي ارشر دانييلز ميدلاند، أكثر من 12 مليون دولار، بينما أنفق مكتب الزراعة ومنظمات الدولة الأمريكي نحو 49 مليونا.76

ويترتب على صناعة الوقود الحيوي تأثير كبير على الأمن الغذائي والبيئة. لكن الأرباح التي يمكن أن يجنيها مَن يستثمرون في هذا القطاع تجعل الشركات على استعداد للقتال من أجل ضمان استمرارها في إنتاج الحبوب. ويشرح بول مكماهون المشكلة على النحو التالي:

تعرضت سياسات الوقود الحيوي في أمريكا لانتقادات كبيرة، لأنها أدت إلى ارتفاع أسعار الغذاء ولم تترتب عليها سوى مزايا محدودة للبيئة… وليس لهذه السياسات أي علاقة بحماية البيئة ولا بإطعام الفقراء. وإلى حد طفيف، تكون هذه السياسات مدفوعة بالرغبة في توفير أمن الطاقة… لكن الهدف الأساسي من سياسة الوقود الحيوي هو تقديم الدعم المالي للمزارعين الأمريكيين. إنها الخطوة الأخيرة في سلسلة طويلة من المحاولات التي تهدف إلى إيجاد استخدامات لفوائض الحبوب في هذا البلد.77

ويوجد ارتباط قوي بين مصالح الشركات الزراعية ومصالح الحكومات. وقد أثبتت أزمة الغذاء في سنة 2008 أن عديدا من البلدان لم تكن مستعدة لتحمُّل ارتفاع الأسعار. وفي مواجهة هذه الأزمة، بدأت عدة بلدان في حماية مصالحها عبر تأمين الغذاء في بلدان أخرى، وهو ما كان يعني أحيانا قيام الشركات أو الدول بشراء أراضي زراعية (أو الوقود الحيوي) في إفريقيا وأمريكا الجنوبية. وأصبحت عمليات “اقتناص الأرض” هذه أقصر طريقة لإزاحة الفلاحين وطرق الزراعة المحلية والسكان الأصليين جانبا، في سبيل الأمن الغذائي والأرباح.

وفي أغلب الأحيان، تستخدم الشركات مسألة الأمن الغذائي في تبرير أفعالها. ففي 2009، على سبيل المثال، كان بيت التجارة الياباني ميتسوي يبحث عن “استثمارات زراعية” في أمريكا الوسطى وآسيا وشرق أوروبا. وبالتالي وفّر “للمزارعين المدخلات والآلات في مقابل الحق في شراء المحاصيل”، مشيرا إلى أن هذه “لم تكن صفقة جيدة فقط، بل إنها أيضا تلبي رغبة الحكومة اليابانية في تعزيز الأمن الغذائي القومي”.

وحاولت البلدان الكبرى مواجهة أزمة الغذاء لسنة 2008 عبر اجتماعات مجموعة العشرين ومجموعة الدول الصناعية العظمى الثماني. وبالرغم من أنه على الصعيد العالمي، تبنى صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية النهج النيوليبرالي باعتباره أساس تنمية الاقتصاد العالمي، فإنه فيما يخص الغذاء والزراعة، اضطلعت بهذه المهمة ثلاث منظمات أساسية تابعة للأمم المتحدة، هي الصندوق الدولي للتنمية الزراعية، وبرنامج الغذاء العالمي (الذي يهدف إلى إدارة تقديم المساعدات الغذائية للمناطق التي ضربها الجفاف… إلخ)، ومنظمة الأغذية والزراعة (الفاو). وأخيرا، تسعى المجموعة الاستشارية للبحوث الزراعية العالمية، التي ترتبط بالبنك الدولي، إلى “تمديد إرث الثورة الخضراء الأصلية التي حدثت في الستينيات والسبعينيات، عبر استخدام العلم في ابتكار حبوب محسّنة وطرق للزراعة أكثر إنتاجية واستدامة… في العالم النامي”.79

ساعدت جميع هذه المنظمات على ضمان استمرار تغلغل السياسات النيوليبرالية بعمق في نظم الغذاء والزراعة في العالم. ويمكن أن نرى ترجمة ذلك عمليا عبر برامج التكيف الهيكلي للبنك وصندوق النقد الدوليين في الثمانينيات والتسعينيات. فقد عملت هذه البرامج على تقليص دور الدولة في الزراعة في العالم النامي بصورة منهجية، وروجت لإنتاج الغذاء بهدف التجارة. وكما أوضح وزير الزراعة الأمريكي جون بلوك في 1986، “فكرة أن الدول النامية يجب أن تطعِم نفسها هي بمثابة مفارقة تاريخية تعود إلى عصر مضى. ومن الأفضل لهذه الدول أن تضمن أمنها الغذائي عن طريق الاعتماد على المنتجات الزراعية الأمريكية، وهذه متاحة بتكلفة أقل في معظم الأحيان”.80

لكن حتى البنك الدولي اضطُر للاعتراف بأن نتيجة برامج التكيف الهيكلي كانت كارثية بالنسبة للزراعة. في تقرير التنمية في العالم World Development Report، الصادر في 2008، أقر البنك الدولي بما يلي:

أدى التكيف الهيكلي في الثمانينيات إلى تفكيك النظام المحكم من المؤسسات العامة التي تقدم للفلاحين الأرض والائتمان والتأمين والمدخلات والمنظمات التعاونية. وكان من المتوقع أن يؤدي القضاء على دور الدولة إلى تحرير السوق مما يسمح للقطاع الخاص بالاضطلاع بهذه الوظائف… تؤدي الأسواق غير الكاملة والفجوات المؤسسية إلى فرض تكاليف ضخمة في ظل النمو الضعيف، وتجلب الخسائر لصغار المنتجين، مما يهدد تنافسيتهم، بل واستمرارهم في كثير من الأحيان”.81

أهلكت سياسات البنك الدولي صغار المزارعين والفلاحين لمصلحة الشركات الزراعية. وكانت النتائج مروعة، حيث جرى تشريد سكان الريف، ودُفعوا نحو البطالة والبطالة المقنعة، أو أُجبِروا على البحث عن عمل في المدن.

وحيث إن السياسات النيوليبرالية تُملي التحول في اتجاه الزراعة واسعة النطاق على حساب المزارع المحلية الصغيرة، فإنها تؤدي أيضا إلى آثار سيئة بالنسبة للبيئة، وهو ما اعترفت به الحكومة البريطانية في سنة 2011:

تفتقر عديد من نظم الغذاء إلى الاستدامة. وبدون تغيير نظام الغذاء العالمي، فسوف يواصل النظام الحالي الإضرار بالبيئة وتهديد قدرة العالم على إنتاج الغذاء في المستقبل. كما أنه سوف يساهم في التغير المناخي وتدمير التنوع البيولوجي… لا نحتاج إلى أقل من إعادة تصميم النظام الغذائي بأكمله من أجل إعطاء الأولوية للاستدامة.82

هل أكل اللحوم هو المشكلة؟

لن يؤدي تحوُّل الأفراد إلى النظام الغذائي النباتي إلى الحد من انبعاثات الغازات الناجمة عن الزراعة. ذلك أن الأضرار البيئية الناتجة عن الزراعة ترتبط بطبيعة هذه الحرفة في ظل الرأسمالية، التي تجعل السعي وراء الربح هو المحدد للإنتاج. وتُعتبر الدعوة إلى التحول نحو نظام غذائي خالي من اللحوم استراتيجية خطرة بالنسبة لحركة الدفاع عن البيئة، لأنها تلقي باللوم على المستهلكين الأفراد وليس النظام ككل.

وكما قال أحد العلماء عن فيلم Cowspiracy :

تُعد أفلام مثل Cowspiracy غير قابلة للتصديق، ليس فقط لأنها تقوم بتحوير الحقائق العلمية، بل بسبب الأفكار التي تريد منا أن نؤمن بها، أي الادعاء بأن صناعة الوقود الأحفوري… ليست السبب الأساسي للاحتباس الحراري، وأن التحول إلى الطاقة النظيفة ليست المسألة الأهم بالنسبة لمستقبلنا ومستقبل أحفادنا، وأن آلاف العلماء قاموا بالتستر على الحقيقة بشأن القضية البيئية الأهم في هذا العصر.83

إن “النظام الغذائي الغربي” الذي كثيرا ما تجري السخرية منه باعتباره غير صحي ومدمر للبيئة، لا يُعتبر نتيجة لاختيارات المستهلكين، بل إنه يرتبط بمصالح الشركات. فقد أصبح إنتاج اللحم البقري فوق المراعي الأمريكية مرتبطا بقوة بإنتاج الحبوب، حيث كان إنتاج الحبوب بهدف تغذية الماشية مربحا للغاية، حتى أنه منذ أواخر الخمسينيات، ظهر توجُّه للتشجيع على زيادة استهلاك اللحم البقري. وكما أشارت إلين جراهام لي: “كان أكل اللحم البقري مربحا للغاية حتى أنه كان في مصلحة الشركات ضمان استمرار ارتفاع استهلاك الأمريكيين منه. ربما شعُر المستهلكون أن استهلاك الهامبورجر كان اختيارا حرا، لكنه في واقع الأمر، جرى بذل جهود حثيثة لتشجيعهم على ذلك”.84

بالرغم من أن اختيارات الأفراد حول الغذاء تُعتبر شخصية للغاية، فإنها أيضا تتشكل بواسطة العالم الذي يعيشون فيه. فربما يكون الغذاء المُصنّع أسوأ للبيئة والصحة، لكنه بالنسبة للوالدين اللذين يعودان إلى المنزل بعد يوم عمل طويل، يمثل هذا النوع من الغذاء الطريقة السريعة لإطعام الأطفال. ويمثل عنصر الوقت أحد العوامل وراء استهلاك هذا النوع من الغذاء، لكن تكلفة الوجبات السريعة أيضا تُعتبر أرخص بالنسبة لكل سُعر حراري مقارنة بالبدائل الأخرى.85

ولا يعني ذلك أننا يجب ألا ننتقد صناعة اللحوم بسبب تأثيرها على البيئة والصحة. لكن مشكلات السمنة وسوء التغذية تمثل مشكلات ترتبط بالطبقة، كما ترتبط بالإنتاج. وتكتب إلين جراهام لي:

إن المقولة التي ترى أن إنتاج كميات كبيرة من الطعام قليل القيمة الغذائية وكثيف الاستهلاك للطاقة في الغرب يسبب مشكلة للمناخ ولاستهلاك الغذاء على الصعيد العالمي (وبالتالي يؤدي إلى زيادة ميل بعض الأفراد إلى السمنة) تختلف تماما عن المقولة التي ترى أنه بغض النظر عن المصالح التي ترتبط بنمط إنتاج واستهلاك الغذاء، فإن المسؤولية تقع فقط على الأفراد الذين أصبحوا بدينين نتيجة هذا الاستهلاك.86

إن النضال من أجل زراعة مستدامة سوف يمثل في الوقت نفسه نضالا من أجل نظم غذائية أكثر صحية، في ظل تناقص استهلاك اللحوم للبعض وتزايده للبعض الآخر. ويعني تحقيق تلك الاستدامة تحدي أولويات النظام الغذائي الراهن، الذي نتيجة اهتمامه بالأرباح بدلا من إطعام البشر، فإنه يترتب عليه إهدار ثلث الطعام الذي يُنتَج لأجل الاستهلاك البشري، وهو ما يساوي أكثر من نصف الإنتاج السنوي من محاصيل الحبوب في العالم.87 ويعني ذلك تغيير نظام المزارع الصناعية كثيفة الاستهلاك للطاقة، الذي يحظى بالهيمنة حاليا في دول العالم المتقدم، والذي يعني أن إنتاج طن من الذرة في الولايات المتحدة يستهلك 160 لترا من النفط في مقابل أقل من 5 لترات في المكسيك.88 كما سوف يتطلب ذلك انتهاء نظام المزارع الصناعية والإفراط في إنتاج اللحوم التي تستهلك مساحات كبيرة من الأرض من أجل إنتاج علف الحيوان، وتسبب أضرارا كبيرة للبيئة، وتُشجع على استهلاك الغذاء غير الصحي. وفي الوقت الحالي، بوسع الحبوب التي تُستخدم كعلف للحيوان في المزارع الصناعية إطعام 3 مليار إنسان.89

في ظل الرأسمالية، لا يتقرر الإنتاج بواسطة الحاجة أو مجرد طلبات المستهلكين، بل وفقا لاعتبارات الربح. وتتسم صناعة الغذاء على نحو خاص بالبراعة في خلق الطلب على منتجاتها. ولن تتحقق الاستدامة في الغذاء والزراعة عن طريق إلقاء المحاضرات على الأفراد من أجل حثهم على التوقف عن شراء منتجات اللحوم، بل عن طريق التغيير الجذري لنظام الغذاء نفسه.

البديل

كما رأينا في السابق، يمكن الحد بدرجة كبيرة من انبعاث غازات الاحتباس الحراري من الزراعة حتى في ظل النظام الحالي. لكن إقناع المزارعين والشركات بجدوى الاستثمار في تكنولوجيا جديدة أو تغيير الممارسات الراسخة من أجل الحد من الآثار البيئية، سوف يعتمد على الحوافز المقدمة لهم والقدرة على الحفاظ على الأرباح في ظل الممارسات والتكنولوجيا الجديدة. وكما أشارت الفاو بشأن تربية الماشية: “في ظل غياب الحوافز المالية (مثل الدعم بغرض تقليل الانبعاثات) أو اللوائح الهادفة إلى الحد من الانبعاثات، فلن يستثمر معظم المنتجين على الأرجح في الوسائل التي تؤدي إلى تخفيف الانبعاثات إلا إذا كانت هذه الوسائل سوف تؤدي إلى زيادة أرباحهم، أو تقدم لهم مزايا إنتاجية أخرى مثل الحد من المخاطر.90

إن خلق زراعة مستدامة حقيقية قادرة على إطعام عدد سكان العالم المتزايد خلال القرن الواحد والعشرين سوف يعني تحدي الأولويات الحالية لنظام الغذاء العالمي، ومصالح الشركات الزراعية الكبيرة والمنظمات الدولية مثل البنك الدولي. وسوف يتطلب ذلك نضالات سياسية واقتصادية من جانب عمال العالم وفلاحيه.

ويشير بعض المعلقين إلى “الزراعة البيئية القائمة على التنوع البيولوجي” باعتبارها أحد الحلول. ويعني ذلك رفض الزراعة المصنعة وتشجيع الزراعة على النطاق الصغير. وتقول فاندانا شيفا، إحدى المدافعات عن هذا النهج، إنه “في ظل العولمة، يفقد المزارع هويته الاجتماعية والثقافية والاقتصادية كمنتِج. فقد أصبح المزارع الآن”مستهلكا” للحبوب والكيماويات مرتفعة الثمن التي تبيعها الشركات العالمية النافذة عن طريق ملاك الأرض الأقوياء ومقرضي الأموال المحليين”.91

ويمكن للزراعة التي يمارسها الملايين من أصحاب الحيازات الصغيرة والفلاحين في العالم النامي، أن تصبح أكثر استدامة وكفاءة فيما يخص إطعام السكان على نحو صحي وجيد. غير أن الزراعة المستدامة في الأجل الطويل لا يمكن أن تتحقق ببساطة عبر العودة إلى المزارع الصغيرة على الصعيد العالمي. ولا يعني ذلك رفض الزراعة الفلاحية. فبالرغم من أنه عادة ما يجري تصوير صغار المزارعين باعتبارهم غير منتجين، فإن العكس هو الصحيح، حيث يكون لهؤلاء المزارعين مزايا أخرى ــــ مثل الضرر الأقل للبيئة، والاستخدام المحدود للوقود الأحفوري، والتشجيع على التنوع البيولوجي وحمايته، والمرونة الأعلى في التعامل مع العواصف والأعاصير.92 ونظرا لأن المزارعين من أصحاب الحيازات الصغيرة يتجنبون زراعة المحصول الواحد، فإنهم ينتجون كمية غذاء أكبر بالنسبة لوحدة المساحة المزروعة مقارنة بالزراعة المصنعة الأكثر تركيزا. لكن ذلك يعتمد على العمل المضني من جانب الفلاح وأسرته. ويعمل في الزراعة 1.3 مليار فرد في العالم، ويعتمد ثلت هؤلاء على قوة الحيوان، بينما يعتمد ثلث آخر على الأدوات اليدوية فقط. إذا هناك نحو 400 مليون فلاح يطعمون مليار فرد اعتمادا على الأدوات اليدوية وحدها، بدون مخصبات أو جرارات أو مبيدات أو علف الحيوان. ويتطلب ذلك ساعات طويلة من العمل اليدوي الشاق.93

وكما قال الماركسي الألماني كارل كاوتسكي في دراسته الكلاسيكية الصادرة في 1889 بعنوان المسألة الزراعية Agrarian Question، سوف يحتاج الأمر أن يكون المرء “معجبا عنيدا بملكية الحيازات الصغيرة كي يرى المزايا الناجمة عن إجبار صغار المزارعين على أن يعيشوا حياة تشبه حياة الحيوان، حيث لا يشغلهم في حياتهم سوى العمل ــــ إلى جانب الوقت المخصص للراحة والنوم والأكل”.94

لكن هناك حركات اجتماعية متصاعدة بين الفلاحين وصغار المزارعين، تطالب بسيطرة أكثر على أراضيهم وحياتهم. وقد خلُصت دراسة مقارنة حديثة بين الحركات الاجتماعية في أمريكا الوسطى والجنوبية إلى التالي:

بالنسبة للآلاف من الذين لا يملكون أرضا في البرازيل وآلاف الفلاحين من السكان الأصليين في تشياباس، كان الانضمام إلى حركة فلاحين بلا أرض البرازيلية أو جيش التحرير الوطني المكسيكي، زاباتيستا، بمثابة تجربة عميقة غيرت مسار حياتهم. وكان ربط مصيرهم بحركة فلاحين بلا أرض أو جيش التحرير الوطني المكسيكي يمثل خبرة سياسية سمحت لهم بالحصول على الحق في الأرض، أو حماية هذا الحق، بحيث يستطيعون إعالة أسرهم. إنها تجربة حولتهم إلى مسيسين وخلقت إحساسا بالعمل الفردي والجماعي لم يشعروا به من قبل في حياتهم.95

لكن هذه الحركات الاجتماعية لا تستطيع وحدها تغيير النظام الغذائي العالمي وسيطرة الشركات الزراعية الكبرى عليه؛ حيث إن تحقيق ذلك يتطلب تشكيل تحالفات أوسع يمكنها تحدي نظام الزراعة الرأسمالية بشكل مباشر.

كما أشار ميجيل أ ألتيري:

تدرك الحركات الاجتماعية الريفية أن تفكيك العقدة الزراعية الغذائية واستعادة نظم الغذاء المحلية، يجب أن يصاحبه تأسيس خيارات بيئية زراعية تناسب احتياجات صغار المنتجين والسكان غير الزراعيين من ذوي الدخل المحدود، وتقف في مواجهة سيطرة الشركات على الإنتاج والاستهلاك… إن التحرك نحو زراعة تتسم بقدر أكبر من العدالة الاجتماعية ومجدية اقتصاديا ومناسبة للبيئة سوف يكون نتيجة عمل منظم للحركات الاجتماعية الوليدة في القطاع الريفي، بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني الملتزمة بدعم أهداف هذه الحركات الفلاحية.96

ويُعد صغار المزارعين حبيسي شبكة عالمية أوسع من السلع، في ظل ميل رأس المال إلى الاستثمار في قطاعات المنبع والمصب في مجالات توريد المبيدات أو المحاصيل المعدلة وراثيا أو المعدات أو توزيع الغذاء. وفي واقع الأمر، فإن صمود المزارعين من أصحاب الحيازات الصغيرة والفلاحين، يُعتبر في حد ذاته ناتجا جزئيا عن احتياجات الزراعة الرأسمالية الأوسع نطاقا، التي تحتاج إلى العمل الذي يقوم به هؤلاء في أوقات بعينها من السنة، وتحتاج منهم أن يدبروا حياتهم بأنفسهم بواسطة حيازاتهم الصغيرة في الفترات التي تتخلل تلك الأوقات.97 وبالنسبة لملايين الفلاحين، لا توجد طريقة للخروج من هذه المصيدة بدون حدوث تغيرات جوهرية في النظام الاقتصادي. وفي العالم المتقدم، لم يعد معظم المزارعين منتجين من أصحاب الحيازات الصغيرة كما كانوا يُرون في السابق، بل أصبحوا بمثابة مقاولين يخدمون الشركات الكبيرة ويعتمدون على نزوات محلات السوبر ماركت.98 ويتطلب كسر هذه الحلقة من الفقر والعمل المضني إحداث تحوُّل في نظام الزارعة، بدلا من الحنين الرومانسي إلى نوع من الزراعة الفلاحية.

خاتمة

طور كارل ماركس في دراساته حول أعمال العالم الكيميائي الألماني جوستس فون لبيج نقدا للطبيعة غير المستدامة للزراعة في ظل الرأسمالية، كان مرتبطا بشدة بمفهومه حول الصدع الأيضي. وقال ماركس إنه يمكن وجود زراعة عقلانية، لكن ذلك يعني تغييرا في نظم الإنتاج والملكية. ففي ظل الرأسمالية، “بدلا من التعامل الواعي والعقلاني مع الأرض باعتبارها ملكية جماعية دائمة وشرطا لا غنى عنه لوجود واستمرار سلاسة الجنس البشري، نجد استغلالا وإهدارا لقوى الأرض”.99

في 1964 كتب توني كليف تحليلا وصفه بأنه “تحريفيا” بعنوان “الماركسية والزراعة الجماعية”، قال فيه إن الأثر المباشر للثورة الاشتراكية يمكن أن يكون “منح المزرعة الخاصة فرصة جديدة للحياة في ظل النظام الاشتراكي”. لكن تغيير نظم الإنتاج يمكن أن يقوض ذلك تدريجيا:

عن طريق رفع مستويات المعيشة في كل مكان وضمان التشغيل والحوافز الشاملة للعجائز والمرضى، سوف يقوض النظام الاشتراكي من القيمة الاقتصادية “”للاستقلالية” التي تعبَّر عنها الملكية الخاصة للمزارع… وبالتالي، فإن تنظيم الزراعة في المزارع التعاونية سوف يصبح عملية بطيئة للغاية، تعوقها بعض العوامل التي نشأت مع النظام الاشتراكي الجديد، ولن تجني حافزا كبيرا من التراجع المفترض في الزراعة الصغيرة في ظل التفوق التقني للمزارع الكبيرة. ومن ثم، فسوف تكون عملية تحويل الزراعة من الطرق الفردية إلى الجماعية نتيجة لوفرة الثروة والثقافة في المجتمعات المتقدمة للغاية. وبالتالي، فلن تجري الإطاحة بالزراعة الفردية، بل تهذيبها.100

وحده هذا النوع من الزراعة، الذي يجد جذوره في الملكية الجماعية للأرض ووسائل الإنتاج، سوف يكون قادرا على إنتاج ما يكفي من الغذاء الصحي من أجل إطعام العالم في الأجل الطويل.

الهوامش

68      Marx, 1990, p876. See Saito, 2014, for an important study of how Marx developed his understanding of capitalist agriculture in the context of contemporary scientific debates.

69      Marx, 1990, p895.

70      I’ve explored this in detail in chapter 10 of Empson, 2014.

71      All information on Cargill Inc. from www.cargill.com (accessed March 2016).

72      Quoted in Bello, 2009, pp110-111.

73      Rainforest Action Network, 2014.

74      Bello, 2009, p109.

75      Go to www.cargill.com/news/issues/climateenergynaturalresources/biofuel-policy/index.jsp

76      Go to www.taxpayer.net/library/article/updated-political-footprint-of-the-corn-ethanol-lobby

77      McMahon, 2013, p58.

78      McMahon, 2013, p171.

79      Paarlberg, 2013, pp210-211.

80      Quoted in Bello, 2009, p76.

81      Quoted in Bello, 2009, p81.

82      Quoted in McMahon, 2013, p69.

83      Boucher, 2016.

84      Graham-Leigh, 2014, p56.

85      Graham-Leigh, 2014, p172.

86      Graham-Leigh, 2014, p17.

87      See the FAO’s “Key Facts on Food Loss and Waste you Should Know!”—www.fao.org/save-food/resources/keyfindings/en/

88      Magdoff and Tokar, 2010, p65.

89      Lymbery, 2014, p253.

90      Gerber and others, 2013, p60.

91      Quoted in Bello, 2009, pp35-36.

92      Altieri, 2009.

93      Mazoyer and Roudart, 2006, p13.

94      Kautsky, 1988, p111.

95      Vergara-Camus, 2014, p301.

96      Altieri, 2009, p112.

97      See Boltvinik, 2012.

98      Thanks to Ian Rappel for this point.

99      Marx, 1992, pp948-949. It should be noted that here Marx criticises both “small-scale” and “large-scale” agriculture for this failing, but argues that they fail for different reasons. Small-scale farming is at fault because of “a lack of the resources and science needed to apply the social productive powers of labour”, but in the case of large-scale agriculture it is because of the “exploitation of such means for the most rapid enrichment of farmer and proprietor”.

100     Cliff, 1964.

نشرت في إنترناشيونال سوشياليزم، أكتوبر 2016

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

الريف السوري مفتاحا لفهم نظام الأسد (1) إن قراءة هذا الكتاب لا تتيح لنا فقط فهم أمور في غاية الأهمية عن المجتمع السوري وعن نظام الأسد، لكنها كذلك مفيدة جدا للمهتمين بفهم الشرق الأوسط عموما بكل تعقيداته، وللمهتمين بالعلوم الاجتماعية وبصفة خاصة بالماركسية في واحد من أرقى نماذجها في تقديري.

عمر الشافعي

اثنتا عشرة أطروحة حول تغيير العالم بدون الاستيلاء على السلطة أصبحت الثورة أكثر إلحاحا عن أي وقت مضى. وصارت الأهوال المتصاعدة من التنظيم الرأسمالي للمجتمع أكثر عددا وشدة. وإذا ثبت أن الثورة عن طريق الفوز بسلطة الدولة كانت وهما، فهذا لا يعني أننا يجب أن نهمل سؤال الثورة؛ بل علينا أن نفكر فيه بطرق أخرى: ليس بالاستيلاء على السلطة، بل في تدميرها.

جون هولواي

حروب الإجهاض بات على المشاركين في الحملات المؤيدة للإجهاض العودة باستمرار إلى الحجة الرئيسية وهي أن أي سياسي أو طبيب أو صاحب أيديولوجية، يخبر المرأة بضرورة الحفاظ على حملها غير المرغوب فيه، يتصرف على نحو يتعارض مع حقوق المرأة. لا يمكن التغاضي هذا الطرح باعتباره تقدميا أبدا.

جوديث أور

الفصل الخامس من كتاب (رأسمالية الزومبي) النظام والإنفاق الحكومي يمثل الإنفاق العسكري شكلا خاصا من أشكال الهدر الذي يمكن أن يقبله الرأسماليون المنتمون لدولة ما، لأنه يعزز من قدرتهم على الصراع مع رأسماليي الدول الأخرى. ويُعتبر هذا الإنفاق مفيدا بالنسبة لمجموعات رأس المال المستندة إلى أساس قومي، بالرغم من أنه يؤدي إلى إهدار الموارد بالنسبة للنظام ككل.

كريس هارمان

حول مفهوم الشر: حوار مع الفيلسوف ألان باديو "كريستوفر كوكس" و" مولي والن" يحاوران الفيلسوف الفرنسي الكبير آلان باديو عن مفاهيم الشر والخير وكيف تتشكل وكيف تتغير.

كريستوف كوكس  ,  مولي والن  ,  آلان باديو