لينين يكذب أحيانا، ونصوص أخرى

فنون

18  إبريل  2017

لينين يكذب أحيانا

لينين كان كاذباً للغاية حينما تحدث عن أن الأمور لابد أن تزداد سوءا كي تنصلح لاحقاً!

تسلل الشيب لشعر البعض وهم في انتظار تحقق نبوءة “لينين”.

أعرف صديقين لم يُقتلا أو يُسجنا حتى اللحظة، واحد منهما يعمل -خارج الوطن- كساقي في حانة يونانية رخيصة، والآخر يقتني ضباط المخفر صور جسد زوجته  الجميلة.

لم يمت أي رجل سيء، لحق الموتُ بأحدهم، لمرة نادرة! مات بالصدفة وهو على فراش وثير، بفعل سرطان المعدة، الذي أصابه بفعل التخمة. الصدفة وحدها أيضاً كسرت قدم أحدهم بينما كان يرتقى سلم قبو منزله الذي يحتوي خمورا معتقة منذ ثمانين عام ونيف. ظلت المعايدات تُكتب له على صفحات كاملة في الصحيفة القومية الأشهر.

يقول البعض “الأمل في الخروج من هذا الجحيم ربما يتواجد هناك في آخر النفق.” لكن آخر النفق عبارة عن سراديب تقود كل منها لأنفاق متشعبة تشبة أمعاء طويلة للغاية، ينتهي كل نفق فيها عند معدة ضخمة لثقب أسود لنجم انطفأت نيرانه منذ مليار سنة ضوئية.

المجذوب

يحتاج “الإله” أن يثبت وجوده أكثر من ذلك، البؤس تراكم حتى أغلق كل مسارات الإيمان بجدوى المقدسات القديمة. اقترب الناس من نسيان حقيقة أنه كانت هنا حياة “مختلفة” يوماً ما.

اختفى الإنسان لفترة ليرجع بعد دهرٍ ليُفَاجأ بأن ” المجذوب” يحكم المدينة، أعطوا “قردا” أبله ميكروفوناً حديثاً كي يتلوا على الناس في الأقفاص بيانات الأخبار كل مساءِ وصباح.

الأيام صارت قصيرة للغاية كأيام شهر “كيهك” القبطية، يفطر المرء ليبحث بعدها عن العشاء. الأبناء بلغوا سنين آباءهم سريعا، كسرعة استبدال الهواتف الجديدة في المولات الحديثة.

يتبول رجال الدين في أدمغة الناس مقابل الوعد بالجنة والحور العين، ووجبة عدس شهية هي الباقية من تموين العطايا.

خفير الحقل صار حكيم القرية، كل ليلة يجلس على مصطبة عريضة يقص على الناس قوة شمشمون الجبار، ومركبته الخشبية التي تنفث النيران على الخصوم والأعداء، كان يحكي عن ” المؤامرات” التي تحُاك للقرية وعيناه المحاطتان بظلمة رمادية تنفث جنوناً كأنه مُسَّ من شيطان رجيم.

سيزيف يلوك تكتيك واحد عدمي

آن لسيزيف أن يزيح الصخرة التي يحملها لأعلى التل عن كتفه، أن يفكر لماذا يحملها بعيدا هناك في المرتفع، ثم يرجع فيعود ليحملها من جديد في عذاب سرمدي غير منتهٍ. لماذا لا يأخذ سيزيف هدنة كي يكتب عن خسارته من “زيوس”، عن نصره “الوحيد” الذي ألحقه بإله الموت ثاناتوس. أن ينتهز فترة الراحة القصيرة كي يبحث عن حلفاء جدد، أو يراسل سيزيفيين مهزومين مثله في تلال أخرى قريبة.

يعتقد “سيزيف” أن حمل الصخرة إلى أعلى مرهق ومتعب، لكن ربما ستنجح محاولة ما لقذفها على رأس” زيوس” كي تنتهي سطوة الأخير إلى الأبد. لكن الأخير لا يموت لإنه صاحب كل اللعبة، ودافع حساب ورشاوي كل الآلهة وآنصاف الآلهة بجواره، خصوصا آلهة العدل الحقيرة العمياء.

يقف هناك في ركن الظلمة خرونوس ( إله الزمن) وهو يحمل في يديه الكبيرتين ساعة رملية، وحبات الرمل تتساقط منهية عمر سيزيف، خرونوس مشفق على سيزيف الذي يتحمل وحده عقابين، لأنه استطاع هزيمة الموت؛ حتى ولو كان نصرا قصيرا للغاية.

مدينة الميديوكرز

أبحث عن الحماس والشغف في الأماكن الخاطئة.

المتشحون اليوم بثياب المناضلين أكثر سوءا من شيلوك المتطفل الجشع الوصولي.

يخبرني”أحدهم” وهو يتفحص مؤخرة عظيمة لفتاة عابرة أنه يستخدم أكبر ألفاظ ممكنة ضد الذكورية لأغراض ذكورية بحتة. ثم يختم مقهقها ” شيء لزوم الشيء”.

الآخر، أراد النوم مع فتاة ذي جسد ضخم مكتنز، طوال الشهر الذي ظل يغازلها فيه، وينسج عليها شباكه- يسميه هو ” شهر الكراش- كان يضع صور وأبيات شعر تتحدث عن جمال وفتنة “الكيرفات” في هذا العالم. قبل أن تستسلم هي. ثم تصبح من إحدى قصصه التي يرويها عن فحولته لجلب فتاة أخرى، ربما فتاة نحيفة هذه المرة، وهكذا دواليك.

الباد أس في العالم الافتراضي، شخص متوتر، يعاني من رهاب اجتماعي في الحقيقة، يخشى كلاب الشوارع وزملاء المدرسة القدامى، ويخاف من مقابلة بيروقراطي صغير بإدارة المرور، وإلقاء حديث قصير أمام جمع غفير من العائلة.

البرجوازيون لا يصنعون للناس شيئاً، لا يؤمنون بهم، لا يستطيعون الوصول إليهم بلغتهم المتعالية، والحاجز الماسي الذي يضعونه حول ذواتهم المتضخمة. البرجوازيون لا يصنعون إلا شخوصهم، لا يسعون بشكل حثيث إلا لبناء سيِّرهم الذاتية الخاصة في التعليم أو الترقي في وظائف ما كبيرة.

في المرة التي ابتسم فيها “برجوازي” لرجل من الطبقة العاملة، أو ” فلاح” في منطقة مهمشة كان يتخذه نموذج لدراسة حالة، وهو يضع منديلا معطراً على أنفه كي يتجنب رائحة عرقه.

حتى البرجوازي “اليساري” يمارس إيمانه بالعدالة الاجتماعية بندوة بفندق ضخم وهو يتحدث عن “تنمية” المناطق الفقيرة بورشة عمل يرعاها صندوق النقد الدولي.

يقتات أحدهم على جثة الشهيد/ الشهيدة فينتهز فرصة غياب جسده ليتحدث عن الذكريات التي كانت (والحقيقة أنها لم تكن) بضعة نصوص فيسبوكية أخرى، يحصل منها على صداقة خمسة، ومتابعة عشرة.

ولإننا انتهازيون بالضرورة فالشهيد يستخدم لترميز الجماعة الحزبية أو الحركية التي لا تستطيع أن تتواصل مع الجماهير على الأرض، فيمكن أن يملء صورة شهيد/ المعتقل الفراغ الذي لا تقدر على ملأه المجموعات نتيجة لثقل مؤخرات أعضاءها، أو انتظار فرج ما يأتي من النظام. في النهاية نحتكر نحن لفظ ” النضال” ويحتكر اليمين الجماهير، أو السلطة.

هناك صعوبة أن يتحدث أحدهم عن شهيد/ أو مسجون ما ينتمي للطائفة الأخرى، الموت والاعتقال، صارت تجلي آخر لمعاني ” النخبوية” و” الشلة السياسية” و”الاستغلال” الشخصي أو الجماعي.

في ذكرى الثورة المهزومة، أقرأ سطورًا لشخص مدعٍ على فيسبوك يلوك في بضعة وعشرين “بوستًا”  حجم انتصاراته التي حققها في دعم الجماهير الثائرة في الشوارع.

 المديوكرز يشيديون مدينتهم الكبيرة.

الشغف يخبوا في عالمي كما خبت من قبلها ثقتي في تماثيل البشر التي تتجول من حولي على ماكينات أرضية دائرية دوارة.

أتحول مثلهم لتمثال مرمري متجمد بلا روح.
الهزيمة قاسية كقسوة الإحباط جراء فشل متكرر.

الضفة الآخرى من النهر

حينما انشغلنا بمساحات الهروب الآمن، تراكمت بداخلنا- بدون أن نعيّ- مشاعر الجبن بجوار مشاعر الخوف؛ أسوأ منهما كانت المحاولات المستمرة لبتر الصلة التي تربطنا بالأحلامِ والأماكن القديمة.

كلما طال عمرُك تحولت سكين البتر لأداة صدئة، وزاد الجَهد الموضوع على كتفيك كي تترك كل هذه الأمور من ورائك.

يخبرني الرفاق الذين ارتحلوا مبكرًا أن الضَفة الأخرى “البعيدة” من النهر تحوي الحياة السعيدة، فقط لن يكلفني الأمر سوى جرأة الهروب، والكف عن التفكير في الأرض التي أمات ملحُها الزائد كل محاولاتنا المستمرة للعيش بشوارعها القديمة.

أخطو بمشية بطيئة للغاية وأنا انظر لمرة أخيرة للقهوة الوحيدة التي كنا نتسامر عليها بالماضي، وقد تحولت لمخفر صغير مفتوح. القهوة تكتنفها الظلمة، وأنفاس الدخان الكثيفة المتصاعدة من رجل أمن يجلس منذ دهر ينتظر أن يستمع لحديث ما عن السياسة، الإحباط يعاوده مئات المرات، وكلمات معتادة ترتطم بأذنيه المتسختين يسمعها من رواد المقهي العجائز، أو من بائعات العطور الرخيصة.

يأخذنا الثقب الأسود إلى أعمق أعماقه فيحول الأبطال فينا إلى صنفين من الوعول: صنفٌ نمت قرونه بفعل القوادة، وصنف آخر خسر قرونه بفعل النطح في الصخر.

اضافة تعليق جديد

التعليقات

  1. محمد طبيشات

    نصٌ ملهم ربما لأنه مؤلم. نصٌ متفائل … سوداويته ظاهرة وتكشف عن همةٍ باطنة … وإلا لمَ كل هذا الولوغ في اللوم والتفنن في التقريع؟ 😉

موضوعات ذات صلة

رجل فخم – الاجتماع (قصتان) هؤلاء يجب أن يعملوا في عصابة داخل وزارة المالية. أو هيئة البورصة. أو واحدة من هذه الهيئات التي يعمل فيها الوحوش والقتلة ومصاصي الدماء.

خالد الخميسي

عيون الحديد احتاج الأمر إلى ثورة 68، أو انتفاضة 68، قبل أن يقنع الحكام أهل أوروبا أن الثورة سيئة، وأن السلاح سيئ. هكذا رضي الأوروبيون وأحفادهم عابري المحيطين الأطلنطي والهندي، بنظام جاء إليهم بانهيار الأسواق في 2008، قبل أن يبدأ هو نفسه في الانهيار عبر أدواته ذاتها، عندما صعد ترامب، يحمل فراء القطط شعرا فوق رأسه، إلى سدة الإمبراطورية الرومانية الجديدة، حيث استبدل النظام عيون الحديد بعيون العسس، مستحضرا القوة من غياب مخاتل.

محمد علاء الدين

هانيبال ليكتر ونصوص أخرى لم يبق للجنرال –مع كل هذا الخمول- سوى أن يعلنَ إلوهيته.

أحمد عبد الحميد حسين

نصوص عراقنا الذي في الهباءاتِ، ليَتَقَدّسِ اسْمُكَ، ليأتِ جحيمكَ، لتكُنْ مشيئتُكَ، كما في السماء ..كذلك على الأرض.

سنان أنطون

مقاطع من الخميس الدامي لما إنْكَسَر عرابي من على الحصان لا انهدّ حيل الخيل، ولا قَلِّت الفرسان ولا كتاب النيل فى ليل اتقفل والدم سايل لسه ع العنوان

زين العابدين فؤاد