اضطهاد الأقباط: دعوة للنقاش من أجل المواجهة

الطائفية: تهجير وتفجيرات وأشياء أخرى

قضايا

11  إبريل  2017

طرحت أحداث الشهور الأخيرة؛ تفجير الكنيسة البطرسية، استهداف مسيحيي العريش ثم تهجيرهم، تفجيرات أحد الشعانين، قضية الطائفية والتمييز ضد مسيحيي مصر من جديد على الساحة. من المفهوم تماما أن تدفع دموية وبشاعة الأحداث السابقة القضية إلى الواجهة، لكن في الحقيقة فإن قضية الطائفية والتمييز الديني لها أعماق وتفاصيل أبعد من هذه الأحداث. ولعل الجدل البيزنطي الذي يعاد طرحه باستمرار بعد كل حادث مما سبق؛ عن أن الحوادث ليست طائفية، لأن الإرهاب لا يميز بين مسيحي ومسلم، أو أن مصر لا تعرف التمييز الديني والطائفية وأن ما يحدث محض مؤامرة خارجية، أو حتى الخطاب المتعاطف الذي يرى في مثل هذه الحوادث خروجا عن تعاليم الدين الإسلامي الذي أوصى المسلمين برعاية وحماية الذميين وأهل الكتاب، يؤكد باستمرار على تغلغل الطائفية حتى في بعض الخطابات التي تدعي أو تظهر بمظهر معادٍ للطائفية.

وهل يعني الإصرار على المساواة بين العنف الواقع على كل مواطني المجتمع والعنف الذي يتم فيه استهداف فئة بعينها بسبب انتمائها الديني، أو الإصرار على إنكار وجود الطائفية بشكل مطلق وعزو الأمر دوما لمؤامرات خارجية، أي شيء سوى تبرير الطائفية وتبني جزء من خطابها؟ وهل يعني الإصرار على تأكيد أن الشرعية الرئيسية لحماية وصون حقوق غير المسلمين هي في هذا التأويل أو ذاك للدين، أي شيء سوى تبني نفس الخطاب الطائفي الذي يتعامل مع المواطنين وحقوقهم فقط انطلاقا من الانتماء الديني وما يسمح به وما يرفضه، وليس من أرضية المواطنة والتساوي التام في الحقوق والواجبات أمام القانون.

يعني هذا المقال، وفيه خطوط عريضة أتمنى أن أجد الفرصة لتأصيلها وتعميقها في بحث تفصيلي، بمحاولة تفسير وتوصيف الطائفية في المجتمع المصري، انطلاقا من مفهوم المواطنة كمشروع سياسي، يضمن المساواة التامة لجميع المواطنين في الحقوق والواجبات بغض النظر عن المعتقد أو الطائفة، وبغض النظر عن الجنس أو العرق أو اختيارات المواطنين في حياتهم الشخصية، وهنا يجب الإشارة إلى نقطتين:

أولا، أن قضية الطائفية والتمييز الديني لا تقتصر على ما يُمارس ضد المسيحيين المصريين وحدهم، بل تشمل سلسلة طويلة من الممارسات التي امتدت تاريخيا ضد فئات أخرى منهم البهائيين والشيعة والقرآنيين والملحدين.. الخ. وإن كان المقال ينطلق من الأحداث الأخيرة باعتبارها الأكثر آنية وحضورا على الساحة فهذا لا يعني إغفال ما مورس ويمارس ضد هذه الفئات الأخرى، بل بالأحرى السعي انطلاقا من حالة بعينها للوصول إلى نتائج تحمل صفة العمومية قد تكون مفيدة عند التعامل مع الحالات الأخرى.

ثانيا، أن الحديث عن الكنيسة في المقال سيكون مقصودا به المؤسسة الكنسية من حيث هي سلطة تراتبية من رجال الدين تقدم نفسها باعتبارها ممثلة وراعية للمسيحيين، أي أنه سيكون مقصود به مفهوما سياسيا بالأساس، وليس مقصود به بالطبع التعريف المسيحي الذي يعني جماعة المؤمنين أو جماعة المؤمنين حول الأسقف أثناء ممارسة إيمانهم، وهو مفهوم ديني ولاهوتي لا يخصنا في هذا التحليل.

تفسيرات رائجة، هل تصمد في مواجهة النقد؟

منذ السبعينيات، أي منذ بداية ظهور الأحداث الطائفية بشكل مؤثر على ساحة السياسة المصرية، وهناك عدة تفسيرات تقدم للطائفية، لاقى بعض هذه التفسيرات قدرا من الرواج والنفوذ في معظم التحليلات السياسية التي تناولت القضية، وعلى حد علمي، لم يتم تناول هذه التفسيرات بنقد معمق لاختبار مدى اقترابها من الواقع وقدرتها على تفسيره. إذا ما تجاهلنا التفسيرات المبتذلة والسطحية، يمكن أن نتناول بالنقد تفسيرين رئيسيين:

  1. التفسير المحسوب على التصور الليبرالي أو العلماني المتطرف، وهو التفسير الذي يرى أن المشكلة في الدين الإسلامي، وأن الإسلام لا يصلح معه تنوير أو تحديث على النمط الغربي، وأن المشكلة ستظل موجودة ومطروحة طالما ظل الدين موجودا. هذا التفسير يتحدث عن حقيقة مطلقة خارجة عن أي سياقات اجتماعية أو تاريخية، لا يسعى للبحث عن السياقات التي تم فيها التنوير والعلمنة في المجتمعات الغربية، ولا عن السياقات المشابهة التي عرفتها المجتمعات العربية والإسلامية، لا يربط ما بين تطور النظام الاقتصادي وظهور قوى اجتماعية جديدة كان لديها مصلحة أصيلة في العلمنة بهدف سلب الاستبداد والحكم المطلق من أحد أهم الأسلحة التي استند عليها في الدفاع عن شرعيته؛ أي الدين وتأييد ومباركة الكنيسة.

وبالتالي لا يجيب هذا التصور عن تساؤلات هامة مثل:

لماذا لم يعرف أي من مجتمعات العالم الثالث -حتى تلك التي لا يشكل الإسلام فيها دين الأغلبية- تنويرا وعلمنة على الطراز الأوروبي؟ لماذا ما تزال هذه المجتمعات تعاني من الطائفية ومن سيطرة الخطاب الديني التقليدي والمتزمت؟

لماذا لم تعرف المسيحية الشرقية تحديثا يشبه ما عرفته المسيحية الغربية؟ ولماذا لم تظهر فيها تيارات فكرية شبيهة أو حتى قريبة من تلك التي ظهرت في الغرب؟

السعي للإجابة على هذه التساؤلات سيطرح أن الأمر ليس فقط توجيه الاتهام لهذا الدين أو ذاك، وسيتطلب حتما ضرورة قراءة الأحداث وتطور الخطاب الديني في سياقاتها التاريخية والاجتماعية والاقتصادية، وهو ما قد لا يتوافق مع مرجعية تفكير أصحاب هذا التصور.

أخيرا يجب الإشارة إلى أن العنصر الرئيسي في هذا التصور، يتشابه بشكل كبير مع عنصر رئيسي في فكر الإسلام السياسي المناهض للعلمنة، فكلا التصورين ينطلق من عدم صلاحية نموذج العلمنة للتطبيق مع الإسلام، إما بسبب مشكلة في الإسلام تجعله عصيا على قبول الحداثة في الحالة الأولى، أو بسبب أزمة في العلمنة والحداثة تجعلها قاصرة عن فهم الإسلام والوصول إلى عظمة جوهره في الحالة الثانية.

  1. التفسير الثاني، هو التفسير المحسوب على اليسار، وهو التفسير الذي تبنته قطاعات كبيرة من اليسار طيلة العقود الأربعة المنصرمة بالإضافة إلى قطاعات من المثقفين التقدميين. جوهر هذا التفسير مرتبط بلحظة مفصلية هي لحظة الردة الساداتية عن منجزات العهد الناصري ودولة يوليو، سواء كانت هذه الردة بسبب إفراج السادات عن المعتقلين من التيارات الإسلامية بعد تولية للسلطة مباشرة في 1970، أو بسبب توافقه مع هذه التيارات من أجل مواجهة المد اليساري في الجامعات وفي المجتمع إبان وبعد حرب أكتوبر 1973، أو بسبب تفريغ السادات للقضية الوطنية والمشروع الوطني من معناهما بسياسات التبعية للولايات المتحدة الأمريكية وتوقيع اتفاقيات كامب ديفيد ومعاهدة السلام مع الكيان الصهيوني في 1978 و1979، أو بسبب سياسات الانفتاح الاقتصادي (بداية من 1975 – 1976) التي شجعت على ظهور أنماط طفيلية في الاقتصاد المصري ارتبطت بتحلل الخطاب الوطني الجامع في مواجهة السعي للخلاص الفردي، وما صحبه من هجرة الأيدي العاملة لدول الخليج وعودتهم بأنماط حياة وعادات وتقاليد مختلفة عما كان سائدا في المجتمع المصري، أو كانت هذه الردة ببساطة هي محصلة ونتيجة تأثير مشترك لكل العوامل السابقة.

يربط هذا التفسير بين الطائفية وبين عصر السادات، ولهذا الربط ما يبرره في الحقيقة سواء في تبني السادات وارتباط صورته بالخطاب الديني (“دولة العلم والإيمان“، “رئيس مسلم لدولة مسلمة“، “الرئيس المؤمن“)، أو بتبنيه لتعديلات دستورية عمقت من الطابع الديني للدولة بإضافة المادة الثانية للدستور 1971، أو بتعديلها في 1980، أو بدعمه للمجاهدين الأفغان في مواجهة الغزو السوفييتي 1979، أو ببساطة بسبب ظهور الأحداث الطائفية بقوة في عهده بداية من الخانكة في 1972 وصولا إلى الزاوية الحمراء 1981.

يبدو هذا التفسير سهلا ومقنعا، لكنه في الحقيقة لا يقدم إجابات عن التساؤلات التالية:

إن كانت الطائفية مرتبطة بالساداتية، فما معنى وتفسير حوادث طائفية وقعت قبل عهد السادات، في العهد الناصري مثلا حادث جبانة أخميم (1970) وقبله حادث الاعتداء على كنيسة في إحدى قرى الأقصر، وهو الحادث الذي دفع عبد الناصر للتبرع لبناء كاتدرائية العباسية بحسب رواية البابا شنودة في حوار مع غالي شكري([1]). وما هو تفسير ومعنى حوادث طائفية وقعت حتى في العهد الملكي: حرق كنيسة الزقازيق (1946) وحرق كنيسة السويس (1952)، والمعارك والسجالات التي دارت حول حقوق الأقباط وتمثيلهم في الجهاز الإداري للدولة التي دارت في مطلع القرن العشرين: المؤتمر القبطي (1911) والمؤتمر المصري الإسلامي (1911)؟

هل من الممكن أن تؤثر الساداتية في الشعب المصري لتنبت الطائفية من العدم في خلال سنوات قليلة (حادث الخانكة كان بعد عامين تقريبا من تولي السادات للسلطة، وكل عهد السادات لم يتجاوز 11 عاما)، أم أن الطائفية تراكمت على مدى زمني أبعد وكانت الساداتية مجرد فرصة مواتية لظهورها؟

كيف تأسست جماعة الإخوان المسلمين، وهي أولى الجماعات التي تبنت خطابا طائفيا وتحريضيا، وتوسعت ووجدت نفوذا قبل وصول السادات للسلطة بحوالي أربعين عاما؟ وكيف استطاع السادات نفسه أن يستمر ويرسخ أقدامه داخل نظام يوليو ليصبح رئيسا للجمهورية ويطيح بكل معارضيه داخل النظام في مايو 1971؟

وهل يصلح الحديث المستمر عن المؤامرة الخارجية، أو دور الاحتلال الإنجليزي، كإجابة وحيدة واقعية وشافية للتساؤلات السابقة؟ وهل هناك فارق جوهري بين طرح المؤامرة الخارجية كتفسير وحيد للأصولية والطائفية في هذا التصور وطرح الإسلام السياسي للمؤامرة الخارجية كتفسير وحيد لكل محاولات العلمنة والتحديث، أم أن كلا التصورين يستبدل تحليل تعقيد الواقع الملموس بتفسيرات أحادية أبسط وأسهل في الاستخدام الدعائي؟

البحث عن إجابات للأسئلة السابقة، سيطرح حقيقة واضحة، قد تكون غير مريحة للبعض، هي أن الطائفية موجودة في المجتمع المصري من قبل الردة الساداتية، ولها نفوذ ووجود حقيقي يتزايد أو يتناقص في قلب سياقات اجتماعية وتاريخية أكثر تعقيدا وجدلية من تأثير اختيارات وانحيازات فرد واحد وصل إلى مقعد السلطة.

هل يمكن أن نجد تفسيرا بديلا؟

لنعد مرة أخرى إلى مفهوم المواطنة، باعتباره مفهوما سياسيا تأسس وترسخ من خلال تراكم مكاسب للحركات الاجتماعية على مدار القرنين السابقين، ومازال يتوسع عبر نضالات مستمرة حتى الآن. جوهره كما أسلفنا هو تساوي كل المواطنين في الحقوق والواجبات بغض النظر عن معتقداتهم أو اختياراتهم الشخصية، وبالتالي حياد الدولة وتشريعاتها في مواجهة هذه المعتقدات والاختيارات.

ارتبط مفهوم المواطنة في ظهوره التاريخي بظهور أفكار التنوير في أوروبا، لكنه لم يتحول لواقع إلا عندما تبنته قوى اجتماعية صاحبة مصلحة في تصفية إرث العصور الوسطى المرتبط ارتباطا عضويا بالطائفية. ولم يتحقق بالضربة القاضية في معركة وحيدة بل استمر في شكل انتزاع مكاسب جزئية تتراكم وتترسخ في قلب معارك متتالية على مستويات مختلفة سواء معارك على المتاريس في خضم ثورات، أو نضالات عمالية ونسائية في سبيل حق الاقتراع العام، أو نضالات مدنية متعددة في سبيل المساواة، وفي كل هذه النضالات لم يكن العامل الحاسم هو تبني قطاعات من المثقفين أو “النخب” لهذه الأفكار، لكن في أن تصبح هذه الأفكار هي محور حركة قوى اجتماعية ذات نفوذ شعبي؛ سواء فقراء المدن وأصحاب الحرف في نهايات القرن الثامن عشر، أو الطبقة العاملة طيلة القرنين التاسع عشر والعشرين.

لذا فإن نقطة الانطلاق لأي منظور سياسي يسعى للنضال من أجل المواطنة هي – في تقديري – البحث عن إجابة لأسئلة ثلاث:

  1. لماذا توجد الطائفية والتمييز الديني في مصر حتى الآن؟
  2. لماذا يجد الخطاب الديني التقليدي المتزمت نفوذا في قلب المجتمع المصري، بعكس كل محاولات التنوير والتحديث، ولماذا لم نعرف عصر تنوير شبيه بالذي عرفه الغرب إبان الثورة الصناعية والثورات التي تلتها؟
  3. ما هي علاقة كل من الدولة/النظام السياسي والمؤسسات الدينية الرسمية بوجود الطائفية والتمييز الديني، وما هي حقيقة موقف كل منها فيما يتعلق بهذا الأمر؟ وما هو دور الإسلام السياسي في تعميق وتأكيد هذه الطائفية؟

الإجابة عن هذه الأسئلة ستمكننا من فهم حقيقي لهذه الظاهرة، وبالتالي من الاقتراب من حلول حقيقية لها. وتكمن أزمة التصورات السابقة التي طرحت فيما يتعلق بقضية الطائفية والتمييز الديني في كون أنها إما غضت الطرف عن طرح هذه الأسئلة والبحث عن إجاباتها، أو أنها اكتفت بإجابات شكلية سهلة ومريحة لها. فمثلا يمكن أن تركز هذه التصورات على الطائفية من حيث كونها مجموعة من الممارسات وتهمل تماما البنية التي تفرز هذه الممارسات وتحافظ على وجودها، وبالتالي لا تنظر إلى الطائفية إلا كمجموعة الأحداث الطائفية التي ظهرت بعد العهد الناصري والتي تصبح نتيجة لسياسات السادات وغياب المشروع القومي.. الخ، دون الالتفات إلى البنية الطائفية للدولة/النظام السياسي نفسه، وهي البنية التي كانت سابقة على ظهور الممارسات الطائفية بعقود.

وبالتالي يتم تجاهل أن كون السادات كان رئيسا طائفيا أو كونه قد شجع الجماعات الطائفية، ليست سوى عوامل محفزة أظهرت تناقضات كامنة وساكنة في قلب المجتمع والدولة، ولم تُوجِد الطائفية من العدم. ولذا فبالرغم من أهمية كل تحرك لمواجهة الممارسات الطائفية وقت حدوثها، ستظل كل هذه التحركات محدودة في تأثيرها طالما لم تمس البنية التي تنبت في ظلها هذه الممارسات بشكل مستمر.

تَشَكُل هذه البنية هو عملية طويلة كانت ملازمة لتشكل الدولة الحديثة، وهي عملية تحتاج إلى بحث مدقق، لكن يمكن تلخيص خطوطها العريضة كالتالي:

  • أ‌- الدولة الحديثة، ولادة متعسرة وجنين مشوه

تمت عملية تحديث المجتمع المصري وتأسيس الدولة الحديثة بشكل مختلف وفي سياق مختلف عن شكل وسياق عملية التحديث التي عرفتها أوروبا في عصور التنوير، فبينما ظهرت محاولات التحديث في أوروبا في مواجهة السلطة الأوتوقراطية القائمة، وتبنتها قوى اجتماعية ارتبطت ونمت في سياق الثورة الصناعية والتحولات الاقتصادية للمجتمع ودخلت في صراع مع هذه السلطة القائمة والتي كانت تحاول السيطرة على هذه التحولات، كانت السلطة الأوتوقراطية في مصر (محمد علي وخلفاؤه) هي التي بدأت عملية التحديث والتصنيع تحت ضغط وتهديد محاولات التوسع والأطماع الأوروبية، وكان لهذا نتائج على مستويات مختلفة، فمن ناحية ركزت الدولة عملية التراكم الرأسمالي في يدها واستطاعت أن تقفز بالاقتصاد قفزات سريعة لخدمة مشروعها (مشروع محمد علي لمزيد من الدقة)، لكن في نفس الوقت قضت على إمكانية ظهور قوى اجتماعية مستقلة عنها لها مصلحة مباشرة في التحديث والتصنيع بما يعنيه هذا من تطور في البنية الفكرية والأيديولوجية للمجتمع المصري، ولم يظهر في المجتمع المصري تيارات فكرية لها مصلحة أصيلة في التنوير والعلمنة والليبرالية السياسية والديمقراطية.

وبالتالي كانت المحصلة النهائية تحديث للمجتمع على المستوى الاقتصادي قادته الدولة، صاحبه حفاظ على التأخر في مستويات سياسية واجتماعية وفكرية. فحافظت الدولة “الحديثة” الناشئة على عناصر قوية من التراث الموروث من القرون الوسطى، تراث دولة المماليك وتراث الحكم العثماني، ودمجتها واستغلتها أو استخدمتها بأشكال مختلفة في تأكيد سيطرتها وهيمنتها، ومن أهم العناصر التي تم الاحتفاظ بها نظام الطوائف والملل.

  • ب‌- بورجوازية تعرف حدودها

بداية من النصف الثاني للقرن التاسع عشر، بدأت تتشكل وتتحرك قوى اجتماعية جديدة، هي الرأسمالية الزراعية التي بدأ تتشكل بشكل واضح مع قانون المقابلة الذي أصدره الخديوي إسماعيل وعلى إثره أصبح امتلاك الأراضي بشكل شخصي ممكنا بدلا من نظام الانتفاع الذي كان سائدا. لكن هذه القوى الجديدة كانت محدودة بأصولها وطريقة نشأتها، فمعظم ملاك الأراضي الجدد كانوا إما من كبار الموظفين أو من العمد ومشايخ البلد، أي رجال الدولة/النظام السياسي بشكل أو بآخر، ومصدر ملكياتهم كان في الأساس إنعامات ومنح الدولة، وبالتالي حتى عندما دخلت هذه الرأسمالية الناشئة في مواجهة مع الدولة من أجل مصالحها مطالبة بالديمقراطية والمشاركة في السلطة، سواء في معركتها من أجل مجلس شورى النواب، أو من خلال مشاركتها أحداث الثورة العرابية، كانت أضعف وأقل جرأة من أن تستمر في المعركة لنهايتها، وكانت في كل مرة تقبل بتسويات ذات سقف محدود.

يضاف إلى ما سبق عاملان مهمان؛ أولهما الأصول الريفية لهذه الرأسمالية الناشئة، وهو ما أثر على وعيها، واحتفظ للروابط القبلية والطائفية بقيمة كبيرة في هذا الوعي. وثانيهما، أن هذه الرأسمالية الناشئة كانت في عداء مع الفلاحين، وهم الأغلبية في الشعب المصري، الذين كانوا ينظرون إلى مُلاك الأراضي باعتبارهم مستغليهم المباشرين بجانب الدولة. وبالتالي لم يكن ممكنا للوعي الفلاحي أن يتأثر بأي فكر تنويري يمكن أن يظهر كتطور في أفكار أولئك المُلاك أثناء معركتهم مع الدولة، وأدى هذا في غياب كتلة كبيرة من الجمهور المديني إلى حرمان الرأسمالية الناشئة من ظهير جماهيري امتلكته الرأسمالية الأوروبية في معركتها في مواجهة الملكيات المطلقة والمؤسسات الإقطاعية.

لم يقتصر الأمر على المواجهة مع النظام العام للدولة، بل حتى في داخل الطوائف لم تنجح أي محاولة للعلمنة. ولعل معركة “كبار وجهاء الأقباط” مع البابا كيرلس الخامس بخصوص لائحة المجلس الملي في نهايات القرن التاسع عشر، مثال واضح على العجز والعزلة اللتين تميزت بهما الرأسمالية المصرية الناشئة.

  • ت‌- ليبرالية مبتسرة

ظلت العوامل السابقة مؤثرة وفاعلة حتى مع تطور الرأسمالية المصرية وتحول قطاعات كبيرة منها للصناعة بديلا عن الزراعة، وظهور منظمات سياسية مختلفة لتمثيل مصالحها، سواء في التجربة الحزبية الأولى قبل الحرب العالمية الأولى، أو التجربة التالية فيما بين نهاية الحرب العالمية الأولى وحل الأحزاب في 1953. فبرغم ظهور أحزاب رفعت شعارات ليبرالية، لكن هذه الشعارات كانت تنكشف وتظهر حدودها في وقت الأزمات، وظلت الدولة تحافظ على البنية الطائفية وتستخدمها. فاستخدمت الدولة الأزهر لتعزيز سلطة القصر وتأديب محاولات التمرد من بعض المثقفين، واستخدمت صيغ وتعابير دينية لوصف الملك، بل وحاولت أن تحوله إلى خليفة المسلمين بعد سقوط الخلافة العثمانية. وفي نفس الوقت عجزت الأحزاب الليبرالية عن التقدم خطوة واحدة عن شعار “الدين لله والوطن للجميع” الذي ظهر في ثورة 1919، بل وارتد بعضها عنه ليستخدم دعاية طائفية مثل التي استخدمها قيادات في الأحرار الدستوريين ضد الوفد في العشرينات، أو استخدمها السعديون ضد الوفد عند الانشقاق في الثلاثينات، أو استخدمتها قيادات في الوفد ذاته ضد مكرم عبيد عند انشقاقه في الأربعينات.

وفي هذا السياق ظهرت تمثيلات رجعية مختلفة لهذا الوضع، ولعل أشهرها وأكثرها بروزا هو جماعة الإخوان المسلمين التي ظهرت في نهاية العشرينات كامتداد لفكر رشيد رضا الذي كان بدوره الوريث الرجعي لمحاولات الإصلاح الديني على يد الأفغاني ومحمد عبده، ووجدت قدرا من النفوذ في قلب المجتمع المصري وخاصة في الريف، ولاقت قدرا من الدعم السياسي من الدولة/النظام السياسي وتحديدا من القصر، بغرض استخدامها في معاركه السياسية.

  • ث‌- الجمهورية والوضع الراهن

لم يتغير الوضع كثيرا بعد إسقاط الملكية وإقامة الجمهورية في الخمسينات، فدولة يوليو حافظت على هيكل الدولة الملكية، مع إحلال وتجديد بعض القيادات، يضاف لهذا بالطبع المكسب الرئيسي الذي حققته الجمهورية الناشئة لأجهزة الدولة وهو إنهاء التجربة الحزبية وبالتالي ضمان استقلال بيروقراطية هذه الأجهزة عن أي تحرك جماهيري أو ضغط سياسي وضمان ثبات تركيبها وشبكات مصالحها، واستمر السياق العام لموقف الدولة من الطائفية كما هو، وهو الموقف المستمر حتى اليوم. يمكن أن يتعرض لبعض التغييرات الشكلية في لحظات بعينها نتيجة لاختلاف موازين القوى، لكن يظل الجوهر ثابتا ويمكن تلخيصه في الآتي:

  • تأميم المجال العام، ومنع ظهور منظمات المجتمع المدني الفاعلة (أحزاب، نقابات، جمعيات… الخ). وكبديل تلجأ الدولة إلى ترسيخ بنى سابقة على الرأسمالية من أجل ضمان السيطرة السياسية، فيتم ترسيخ مفهوم الرعايا وأعضاء الطائفة وامتيازاتهم كبديل عن مفاهيم المواطنة والحقوق والحريات، فتتعامل الدولة مع المواطنين من خلال زعماء طوائفهم، ولا تعترف لهم بحقوق غير الامتيازات التي تمنحها لأولئك الزعماء، سواء كانت طوائف دينية، أو حتى النقابات التي تم تأميمها والتعامل معها بشكل أشبه بالتعامل مع طوائف الحرف في الدولة العثمانية.
  • تكرس الدولة الشروط التي تسمع بإعادة إنتاج هذه البنية باستمرار، سواء على مستوى البنية التشريعية؛ سن القوانين وتنفيذها، أو على مستوى تشكيل الوعي الجمعي للمواطنين؛ الخطاب السياسي والدعائي، مؤسسات التربية والتعليم، أجهزة الإعلام والثقافة والأيديولوجيا، وتمنع أي محاولة لتطوير أو تجاوز هذه الشروط، برغم اضطرارها أحيانا إلى التشدق برطانة لفظية عن تجديد الخطاب الديني والتنوير، وبالتالي تواجه أي محاولة لتجاوز هذا الوضع بمقاومة ثلاثية؛ مقاومة من أجهزة الدولة المهتمة باستمرار الوضع على ما هو عليه لضمان استمرار الهيمنة والسيطرة، ومقاومة من المؤسسات الدينية الرسمية التي يرتبط نفوذها ودورها السياسي والاجتماعي بإعادة إنتاج هذه البنية، ومقاومة من المواطنين الخاضعين للسيطرة الأيديولوجية لهذه البنية ويعتقدون أنها السبيل الوحيد المضمون لاستمرار حياتهم.
  • تضمن الدولة للمؤسسات الدينية الرسمية (بالقانون وبقوة السلطة التنفيذية) قدرا من الهيمنة والسيطرة على حياة المواطنين؛ وهو ما يسمح بإعادة إنتاج الشروط المذكورة سابقا من ناحية، ومن ناحية أخرى يحافظ على هذه المؤسسات كممثل وحيد وحصري للمنتمين إليها. وفي المقابل تقدم هذه المؤسسات الدعم السياسي والأيديولوجي للدولة/النظام السياسي.
  • أجهزة الدولة في تعاملها مع الطوائف، تقسمها إلى طوائف ضرورية وطوائف غير ضرورية، وبناء عليه يتم تدعيم وترسيخ سلطة طائفة ما ووجودها أو العكس. هذا التصنيف مرتبط بعوامل كثيرة منها النسبة السكانية للطائفة وضغوط وموائمات العلاقات الخارجية، فعلى سبيل المثال بينما تتعامل الدولة مع المؤسسة الكنسية باعتبارها ممثل لطائفة ضرورية، فيمكن أن تقدم لها التنازلات والحماية (حتى وإن بصورة شكلية)، تعتبر البهائيين والشيعة طوائف غير ضرورية، يمكن استخدامها سياسيا بأشكال مختلفة، سواء بالمزايدة على الإسلاميين باتخاذ مواقف متشددة منهم، أو السعي وراء مكاسب سياسية خارجية عبر التساهل أو التشدد معهم، أو أن تخلق منهم عدو داخلي محتمل يُصلب النظام السياسي جبهته الداخلية على حساب مواجهته، مثلما حدث في الخمسينات مع اليهود المصريين.
  • أما على مستوى قوى الإسلام السياسي، فتتخذ الدولة/النظام السياسي منهم موقفا مركبا. فمن ناحية قد تعتمد عليهم (أو على مجموعات منهم) في السيطرة والهيمنة وتحجيم قطاعات من مؤيديهم، وفي المقابل تسمح لهم بالانتشار والتوسع خاصة أن البنية الطائفية المذكورة سابقا تشكل بيئة مناسبة لهذا التوسع والانتشار. لكنها من ناحية أخرى تقف في مواجهة أي محاولة لتجاوز الحدود التي ترسمها لهذا التوسع في كل مرحلة سواء بالعنف أو بالمزايدة على تشددهم وتدينهم وتقديم الدولة دوما باعتبارها راعي الدين والأخلاق، وراعية التدين “الوسطي”.

وتستخدم هذه القوى المساحات المتاحة لتحقيق مزيد من الهيمنة الأيديولوجية، سواء بسيادة خطابها وتقاطع الخطاب الديني الرسمي معه، أو بتحقيق انتصارات تعزز شعبيتها في مواجهة محاولات التحديث والتنوير المحرومة من أي نفوذ جماهيري في الأصل، أو باستدعاء وتعزيز الخطاب الطائفي ونظرية المؤامرة لكسب مزيد من الأنصار المتحمسين للدفاع عن الدين في مواجهة أعداء ومؤامرات متخيلة. وتختلف درجات استخدام هذا الخطاب من فصيل للآخر في قلب هذه القوى؛ بداية من التحريض العام والمستبطن في قلب الخطاب السياسي، وصولا إلى التحرك على الأرض بشكل مباشر لتنفيذ اعتداءات ذات طابع طائفي (اعتداء على الأرواح والممتلكات لمسيحيين أو شيعة أو بهائيين).

بالطبع أصبح الموضوع أكثر تعقيدا مع ظهور تنظيمات إرهابية من عينة داعش، استفادت من التناقض بين تجذر قواعد قوى الإسلام السياسي التقليدية نتيجة للتعرض للقمع والتضييق من الدولة، وخضوع القيادات المستمر للمساومات مع الدولة، واستطاعت أن تجذب إليها قطاعا كبيرا من هذه القواعد سواء عبر المشاركة المباشرة أو التعاطف مع أهداف وغايات داعش، خاصة مع استعراض التنظيم قدراته على مواجهة طويلة المدى مع الدولة وقدرته على تحقيق انتصارات ذات طابع دعائي فيها، يضاف إلى هذا بالطبع تقاطع خطاب التنظيم ليس فقط مع خطاب قوى الإسلام السياسي بل حتى مع الخطاب “الوسطي” السائد للأزهر (المؤسسة الدينية الرسمية).

  • ج‌- ملاحظات ضرورية

ختاما يجب الإشارة إلى بعض الملاحظات الضرورية لاستكمال التحليل السابق:

  1. برغم وجود علاقة عضوية بين الدولة والمؤسسات الدينية الرسمية (الأزهر والكنيسة)، لكن هذه المؤسسات بحكم طبيعتها تقف على مسافات مختلفة من الدولة، فلا يمكن أن يتساوى موقف المؤسسة الدينية التي تعبر عن الأغلبية والتي تجد شرعية راسخة بحكم الأمر الواقع وبحكم النصوص القانونية والدستورية، وموقف مؤسسة دينية تعبر عن أقلية تسعى للدخول في مساومات بشكل دائم مع الدولة من أجل ضمان استمرار الامتيازات الممنوحة. وبالتالي فإن اضطرار الكنيسة للخضوع للدولة وتقديم التنازلات يفوق بكثير اضطرار الأزهر (إن وجد) لفعل الشيء ذاته.
  2. تلعب الجلسات العرفية دورا رئيسيا في ترسيخ سلطة كل من المؤسسات الدينية الرسمية وممثلي الطائفية في المجتمع سواء مجموعات إسلام سياسي منظمة أو تكتلات أهلية غير منظمة، فهي من ناحية اعتراف من الدولة بمنح الطرفين الحق في تمثيل أتباعهم رسميا، ومن ناحية أخرى تأكيد أن الانتماءات الطائفية هي شيء أسبق وأعلى مكانة على القانون. مع التأكيد بالطبع على أن هذه الجلسات دائما ما تصب في مصلحة الطرف الأقوى وهم ممثلي الأغلبية.
  3. في سياقات بعينها، ونتيجة لضغوط داخلية أو خارجية، تطرح الدولة بشكل مباشر أو عبر محسوبين عليها، فكرة تجديد الخطاب الديني، ويجب هنا الإشارة لحدود وأفق هذه الفكرة. فتاريخيا كان تجديد الخطاب الديني أو الإصلاح الديني هو ضرورة تلجأ لها المؤسسات الدينية تحت ضغط من حركة اجتماعية قوية تجاوزت بالفعل المؤسسة الدينية – أو تهدد بتجاوزها – فيكون إعادة تأويل النص الديني وسيلة من وسائل المؤسسات الدينية للتوافق مع هذا التحرك الاجتماعي وضمان استمرار وتجديد نفوذها. وبالتالي فإن طرح هذه الفكرة من أعلى سلم السلطة هو طرح مخادع لا معنى له سوى سعي هذه السلطة لاستخدام الدين لمزيد من الشرعية السياسية (وهو ما يعني بالضرورة ترسيخ متزايد للطائفية حتى إن كان تحت شعارات مواجهتها). وتظهر حدود هذا الشعار بتأكيد الدولة على احتكار هذا التجديد عبر مؤسستها الدينية الرسمية، خاصة في ظل غياب حرية التعبير عن الرأي ووجود مواد قانونية واتهامات جاهزة من عينة ازدراء الأديان وتهديد السلم الاجتماعي مثل السيف المشهر على رقاب كل من يحاول الاجتهاد فيما يخص تجديد الخطاب الديني وإعادة تأويل النص.
  4. أخيرا التحليل السابق وإن كان تركيزه الأساسي على الطائفية، لكن يمكن توسيعه وتعميقه ليتناول أشكال مختلفة للتمييز في المجتمع، والمرتبطة بغياب مفهوم المواطنة على مستويات عدة، وتعامل الدولة مع المواطنين باعتبارهم رعايا تتحمل هي المسئولية عن اختياراتهم الدينية والأخلاقية، أو تقرر منحهم أو حرمانهم لحقوقهم انطلاقا من مدى توافقهم مع الصورة التي تروج لها عن المواطن المثالي.
ما العمل؟

سيبقى سؤال ما العمل فيما يتعلق بمواجهة التمييز والطائفية مطروح بشكل دائم، يحتاج إلى إجابة جماعية ديناميكية تتطور في ضوء تجاربها واختبارها لصواب وخطأ تحليلاتها وتصوراتها. لا يمكن لفرد واحد أن يدعي أنه يملك الإجابة الجاهزة، لكن يمكن في ضوء التصور السابق، الإشارة لخطوط عريضة في تقديري أنها قد تكون ضرورية عند السعي للبحث عن هذه الإجابة.

 تحتاج أي مواجهة للطائفية والتمييز الديني أن تتم على مستويين يرتبطان ويكمل كل منهما الآخر:

المستوى الأول هو مستوى النضال المباشر، سواء ضد الممارسات والأحداث الطائفية، أو ضد المكونات الرئيسية للبنية الطائفية في المجتمع المصري وتجلياتها؛ على مستوى التشريعات، وعلى مستوى الخطاب السياسي، وعلى مستوى تشكيل الوعي (التعليم والإعلام والثقافة)، ومن الضروري أن تتحول هذه المعارك من معارك منفصلة إلى حلقات في سلسلة واحدة من النضالات، يتم إحداث التراكم في كل خطوة بالبناء على ما تحقق في الخطوة السابقة،

هذا التراكم لن يتحقق بدون المستوى الثاني، وهو مستوى كسب جماهير لهذه التصورات، وخاصة من القطاعات الأكثر عرضة للاضطهاد، وتحريرها من السيطرة الأيديولوجية للبنية القائمة وتحفيزها على تنظيم ذاتها في حركة مدنية خارج أطر المؤسسات الدينية التقليدية، وهو ما يتطلب كخطوة أولى بناء أدوات للتواصل مع هذه الجماهير، سواء على مستوى أدوات الإعلام أو على مستوى مجموعات عمل، لا تكتفي برفض الممارسات الطائفية لكن تطرح باستمرار تصورها لأسباب هذه الممارسات وكيف يمكن نفي هذه الأسباب لتغيير السياق الذي يسمح بتكرار هذه الممارسات، سعيا لبناء تيار ذا نفوذ اجتماعي يستطيع أن يواجه ويعادل تأثير البنية السائدة بل وتفكيكها في لحظة ما.

كلا المستويين غير ممكن بدون الآتي:

  1. التمايز عن ونقد بل وحتى معارضة كل من: الدولة والكنيسة والأزهر، ووضع خط واضح بين ما يطرحه هذا التيار وما تسعى هذه المؤسسات إلى ترسيخه، والتمييز بين معارضة الطائفية انطلاقا من أرضية المواطنة ومعارضتها انطلاقا من نفس أرضيتها، وعدم التراخي في نقد الجوانب الرجعية والطائفية لهذه المؤسسات، حتى وإن كان هذا النقد يحمل بعض الحساسية مثل نقد المؤسسة الكنسية في أمور مثل موقفها من الزواج المدني.

هذا النقد والتمايز هو السبيل الوحيد لشق طريق مختلف عما يطرح الآن، حتى وإن كان سيكون مرفوضا من كتلة كبيرة في هذه اللحظة، لكن التمسك به والتذكير المستمر به هو الضمانة أن يكسب هذا التيار إلى معسكره قطاعات متزايدة من المؤيدين مع الوقت. ولا يمكن التحجج بتراجع وعي الجماهير أو الخوف من الانفصال عنهم كمبرر للتراخي والتردد في تقديم النقد، لأن النقد هو السبيل الوحيد لتطوير هذا الوعي، وفي غيابه سيتم تكريس وتأبيد الوعي المتأخر.

  1. النضال من أجل فتح المجال العام على المستويين الديمقراطي والفكري، لأن هذا هو السبيل الوحيد لمواجهة وتفكيك ما تراكم من ميراث العصور الوسطى في البنية الفكرية للمجتمع المصري، ولم يتم التعامل معه طيلة سنوات.
  2. النضال من أجل حرية الرأي والتنظيم والدفاع عن الأفكار، لأن التربية الديمقراطية للجماهير غير ممكنة إلا عن طريق أحزاب سياسية ونقابات وأشكال تنظيم اجتماعي ديمقراطية وفاعلة.
نقد ذاتي ضروري

وهنا، ولأني أعتبر نفسي ماركسيا، أطرح على نفسي التساؤل التالي، هل يتوافق الطرح أعلاه مع تصورات الماركسية حول تنظيم الطبقة العاملة في حزبها الثوري، وكيف يمكن أن يتم الربط بين التصورين؟

أعود للإجابة عن هذا التساؤل إلى كتاب لينين الأشهر والأكثر كلاسيكية فيما يخص قضية التنظيم، “ما العمل” والذي نشر في 1902 في خضم سجال حول طبيعة حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي حديث التأسيس آنذاك. يطرح لينين فكرة رئيسية فيما يتعلق بالإجابة على تساؤلنا السابق، هي أنه على الطبقة العاملة أن تكون المناضل الطليعي من أجل الديمقراطية، ويتحمل حزبها مسئولية دفعها للعب هذا الدور من خلال اشتباكه مع كل النضالات الديمقراطية في مواجهة كل حالات الظلم والطغيان بغض النظر عمن المعرض لهذا الظلم في كل حالة، طالما يطرح الأمر في كل مرة من المنظور الماركسي، ويشدد أن هذه هي الطريقة الوحيدة لتربية الطبقة العاملة سياسيا وضم قطاعات متزايدة من المجتمع إلى صفوف أعداء النظام الرأسمالي.

فيقول في فقرة تحت عنوان “التشهير السياسي وتربية النشاط الثوري:

 “… ولا يمكن أن يكون وعي الطبقة العاملة وعيا سياسيا حقا، إذا لم يتعود العمال الرد على كل حالة من حالات الطغيان والظلم والعنف وسوء الاستعمال على اختلافها وبصرف النظر عن الطبقة التي توجه إليها، على أن يكون الرد من وجهة النظر الاشتراكية – الديمقراطية، لا من أية وجهة نظر أخرى”([2]).

ويقول في فقرة أخرى تحت عنوان “هل يمكن للجريدة أن تكون منظما جماعيا؟”

“… ومن جهة أخرى، لن تتعلم الجماهير أيضا القيام بالنضال السياسي، ما لم نساعد على أن يربى قادة لهذا النضال من العمال المثقفين والمثقفين على السواء؛ وهؤلاء القادة لا يمكن أن يتربوا إلاّ على أساس تقديرهم بصورة يومية منتظمة لجميع وجوه حياتنا السياسية، لجميع محاولات الاحتجاج والنضال التي تقوم بها مختلف الطبقات في مختلف المناسبات”([3]).

في هاتين الفقرتين، كما في نصوص أخرى له في نفس الكتاب وفي غيره، يطرح لينين ضرورة الاشتباك مع النضالات الديمقراطية (وبالتأكيد مناهضة الطائفية في مقدمتها) كأداة ضرورية لتطوير الوعي السياسي للطبقة العاملة وللجماهير، مع التأكيد على المنظور الذي ينطلق منه هذا الاشتباك. بدون هذا الاشتباك لن تتعلم الطبقة العاملة ولا الجماهير القيام بنضال سياسي يتجاوز سقف النضالات المطلبية الاقتصادية اليومية، ويؤكد أن الطبقة العاملة التي يراهن عليها الماركسيون من أجل التحويل الثوري للمجتمع لن تتجاوز الجوانب الرجعية التي يتركها المجتمع في كل فرد من أفرادها إلا من خلال تعلمها أن تشتبك مع كل النضالات الديمقراطية “… حيال ما يلقاه الشعب من وحشية الشرطة، حيال اضطهاد الشيع الدينية، حيال ضرب الفلاحين، حيال فضائح الرقابة، حيال تعذيب الجنود، حيال ملاحقة المبادرات الثقافية حتى أضعفها، وهلم جرا”([4]).

هل من أهمية لتصور لينين هذا في سياقنا الاجتماعي؟

بالتأكيد، فبخلاف أهميته بالنسبة للماركسيين الثوريين أصحاب مشروع بناء الحزب الثوري، يقدم تصور لينين هذا نقا لفكرة صبيانية عن الثورة لاقت الكثير من الرواج بين المجموعات الكثيرة التي ادعت انتمائها لصفوف الثورة. يمكن تلخيص هذه الفكرة في أن الثورة هي الحل الكلي العام الذي يحمل في طياته كل الحلول للقضايا الخاصة أو ذات الطابع الجزئي، وبالتالي فانتصار الثورة يعني بالضرورة تصفية الطائفية والتمييز ضد النساء، وكل أشكال التمييز وغيرها من القضايا التي اعتبرها هؤلاء الثوريون جزئية.

ولهذا لم تهتم هذه المجموعات الاهتمام الملائم بهذه القضايا التي اعتبرتها جزئية، ومدت الخط على استقامته، فمثلا فيما يتعلق بالمسيحيين، طالبت هذه المجموعات المسيحيين ضمنيا بأن يتخلوا عن نضالهم في مواجهة الظلم المباشر الذي يشعرون به للنضال العام من أجل تحقيق العدل من أجل المسلمين والمسيحيين، أو كما كتب علاء الأسواني في مقال له في 2008: “إن الأقباط مصريون قبل أن يكونوا مسيحيين.. وواجبهم أن يشاركوا بقية المصريين في النضال حتى تتحقق الديمقراطية … وعندئذ فقط سوف يتحقق العدل للأقباط والمسلمين جميعا”([5]).

تبنى كثيرون، وأنا منهم، هذا التصور الصبياني في بداية اشتباكهم مع السياسة خاصة إن كانوا مسيحيين، اعتقادا منهم أن هذا هو الطريق الصحيح واعتقادا منهم أن الحديث عن قضايا التمييز هو نوع من الأنانية وتشبث بالمصالح الضيقة على حساب المصلحة العامة. لكن تجربة الثورة وتطورها بينت صحة ما طرحه لينين قبل أكثر من 100 عام، أن قوى الثورة تتقوى وتتعزز عبر الاشتباك مع وتعزيز كل نضال جزئي، وليس بمطالبة أصحابه بالتخلي عنه من أجل هدف غائم غير واضح بعد في أذهانهم، وبينت أن تطور هذه الحركات الجزئية في معاركها هو ما يمكن أن يطرح أفقا أوسع أمام المنخرطين فيها ويربط بين أهدافهم الجزئية بالهدف الكلي؛ وهو تصفية كل أشكال التمييز والاضطهاد. كما بينت أن تصورات “الثوريين” للثورة ليست واحدة، وكل منهم يحمل داخله بصمات أنماط التفكير الرجعية السائدة بدرجة أو بأخرى، وأن الوسيلة الأهم لفرز وتربية أولئك الثوريين وتطوير تصوراتهم وبرامجهم وتنقيحها هي “تقديرهم بصورة يومية منتظمة لجميع وجوه حياتنا السياسية، لجميع محاولات الاحتجاج والنضال التي تقوم بها مختلف الطبقات في مختلف المناسبات”.

لعل الوضع الحالي يكون دعوة لهذه المجموعات، إن كانت مهتمة أن تعيد بناء نفسها وأن تراجع أخطائها، أن تراجع موقفها السابقة من قضايا التمييز والطائفية، وتصوراتها فيما يتعلق بالحلول أو بأساليب النضال والاشتباك مع النضالات الجارية، ربما تكون خطوة لإعادة تعريف الثورة والثوريين من منظور جديد أعمق وأكثر تحديدا ووضوحا مما كان سائدا طيلة السنوات الست الماضية وما قبلها، يستطيع أن يعيد كسب جماهير الثورة من جديد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] الأقباط في وطن متغير، غالي شكري، دار الشروق، 1991، ص 57.

[2] ما العمل، لينين، دار التقدم، موسكو، 1984، ص 73.

[3] ما العمل، لينين، دار التقدم، موسكو، 1984، ص 166.

[4] ما العمل، لينين، دار التقدم، موسكو، 1984، ص 75.

[5] عن حقوق الأقباط وأخطائهم، علاء الأسواني، جريدة الدستور، 20 أغسطس 2008.

اضافة تعليق جديد

التعليقات

  1. ماجده جادو

    اولا احييك على هذا الكلام الرائع جملة وتفصيلا واتفق معك على ان التاريخ او الظواهر الاجتماعية عموما لايمكن النظر اليها من جانب واحد بل ان مجموعة العوامل الاقتصادية والسياسية تساهم بشكل كبير في تشكيل اى ظاهرة اجتماعية ما عبر وسائل مختلفة تساهم في تشكيلها وتطورها والدين ركن اساسي من اركان استخدام اي نظام سياسي له في تشكيل وعي الجماهير والترويج لسياسات وثقافات بعينها تساعد على تأبيد وضع الطبقات الاجتماعية المختلفة. نعم تشكل الطائفية جزء اساسي من تكوين مجتمعنا منذ بداية نشأة الدولة ولكنه يتوغل وينتشر ويتعمق باستمرار في اثناء تطور اوضاع هذه الدولة من نمو وصعود لتدهور وانحدار. والسادات وعصره يستشهد به دائما لانه كان المثال الفج على هذه الظاهرة ولانه فعليا استغل الطائفية وتوغل الدين بمقولاته المختلفة لتثبيت دعائم اركان حكمه المتجه للانهيار وتبرير خيانته باستشهاد حتى بايات مثل(وان جنحوا للسلم فاجنح له) بعد ان كان تروج لناصر ايات(واعدوا لهم ماستطعتم) فدائما يعتبر الدين ركن اساسي لتدعيم اي حاكم والايات جاهزة ودور المؤسسات الدينية في الخدمة.
    ولي ملاحظة على موضوع المواطنة عن اي مواطنة تتحدثون؟ الدستور وما يكفله من حقوق للمواطنين يلقى به في صفيحة القمامة فالقانون والقضاة تبع اوامر الحاكم بامر الله وتليفوناته المنتظرة لاصدار الاحكام، هذا على فرض أن القانون يفرض العدل والمساواه فعليا، فقد تم وضع القوانين كلها في خدمة ولصالح الطبقات ذات الامتيازات والمصالح التي تدير البلاد، ولا يوجد اي وهم حول تساوي الجميع في الحقوق والواجبات لا اقتصاديا ولا سياسيا ولا اجتماعيا وايضا ولا دينيا، ليس فقط لوجود المادة الثنية في الدستور، ولكن ايضا بحكم الخلاف والسيطرة والهيمنة لدين دون اخر، فشعار المواطنة هو شعار واهم يجمع كل الفرقاء في سلة واحدة وهذا مخالف للواقع ولا يمكن تحقيقة طالما الطبقية موجودة.
    واخيرا مع ان مالا يدرك جله لا يترك كله فالمكاسب الصغيرة في اي مجال لها فائدة ايا كان حجمها كالمكاسب العمالية في الوجبة والارباح وتحسين شروط العمل، كمكسب حق بناء الكنائس بالتساوي مع بناء المساجد، كإقرار حق الزواج المدني الخ.

  2. عصام الدين ممدوح

    عظيم قوي يا رامي , سرد محكم و تتبع للاساسب الاساسية و المرجعية الاجتماعية لنفور الشعب المصري مكن الفكر التنويري مقابل الشعوب الاوروبية , كانت لمحة في منتهى الذكاء توضيح انه ازاي الدستوريين اللبرال اصلال مضطهدين للفلاحين و بالتالي فنظرة الفلاحين الواقع عليهم كل هذا الاستغلال ليست ايجابية ابدا بما يدعوا له هؤلاء اللبرال الغير منفصلين اصلا عن الدولة و بالتالي فهم في منتهى البعد عن الجدية و الجذرية اصلا
    لكن عاوزين نناقش نقطة لينين حول ضورة بلوةرة وعي حقوقي شامل عند الطبقة العاملة , هنا نشعر قليلا ان لينين نظرته وعظية شوية , زي تصوره عموما لدور الحزب المركزي مع الطبقى العاملة في البلاد المتخلفة , و هنا عاوزين نتناقش اصلا في ايه اللي يولد النظرة دي بشكل طبيعي عند العمال و الشغيلة و احنا في مصر شفنا امور صدمتنا جدا لانها ضد قراءاتنا الماركسية و اللينينية عن وعي العمال المتقدم و لو نسبيا و شفنا عمال اداروا مصنعهم ذاتيا بنجاح نسبي ثم سلموه لصحابه بعد عودته من الهرب على اساس انهم ( مش بيقبلوا مال حرام ) , شفنا عمال بيقبلوا يقعدوا مع المخابرات و مع الدعوة السلفية في العامرية عشان حل مشاكلهم , شفنا عمال شديد التعصب الديني لدرجة مش عاوزين يدخلوا في تنسيق مع مصانع تانية عشان المصنع الفلاني فيه مسيحيين و شفنا عمال بعد 30 يونية بيزايدوا على الدولة في اجراءات القمع اللي هي تتطالهم اول ناس .
    عايزين ندرس ليه طبقتنا العاملة رجعية قوي كده الا استثناءات قليلة , و هل فعلا ممكن توليد خطاب تقدمي منهم و ايه ظروفه و انا معنديش اجابة بس الموضوع محتاج دراسة , لانه مهم قوي , فيه ناس بتقول ان الطليعة التقدمية في كل مكان مش لازم تبقى زي التانية بالضبط ز عاوزين نفهم فيه ايه غلط .
    اخيرا النقد الجذري الى ابعد حد لكل ادبيات الخطاب الديني السائد لا غنى عنه . و حتى حصر مصلحة ده في الاقليات الدينية غلط و ان كان طبعا هو بالنسبة ليهم معركة وجود , بس المساواه و قبول كل انماط البشر المختلفين و النقد الجذري لقوانين الاحوال الشخصية اللي كلها تمييز ديني و جندري المفروض انه هم عام لينا كتقدميين و اي حاجة كانت تؤجل المعركة دي لاي دافع كانت حجج عبثية و و اسواها و اكثرها اثارة للسخرية هي الخوف على شعبيتنا من غضب الجماهير , فهل كون اليسار عبر ما يقرب من 100 عام قواعد جماهعيرية حقيقية اصلا تبرر له هذا الكلام و انه نكوص عن المعركة الواجب خوضها .
    تسلك ايدك يا رامي , مقال جميل جدا .

  3. سعيد

    المقال اطول من اللازم

  4. سعيد ابوطالب

    أحسنت يارامى.
    كثير من اليساريين التقليديين يرى ان التمييز الدينى والعنف الطائفى احدى خصائص وادوات الرأسمالية لتمزيق جبهة المقاومة ضدها ، وبالتالى يرون الحل مرهون بالقضاء التام على الرأسمالية وبناء مجتمع جديد ، ويضعونها قضية مؤجلة الى أن يشاء الله.

  5. أحمد دبُّور

    1- المقال لم يشمل المسلمين في مصر في معاناتهم من قضية الطائفية والتمييز الديني (ذكر المسيحيين والبهائيين والشيعة والقرآنيين والملحدين) لم يذكر المسلمين بشكل واضح وتعرض كثير منهم للتمييز والاضطهاد والنبذ في مصر بناءً على اختياراتهم المرتبطة بفهم الإسلام كمنج شامل.

    2- وصف جماعة الإخوان بأنها (أولى الجماعات التي تبنت خطابا طائفيا وتحريضيا) ولم يوضح أو يُدلل على هذا.. مما يجعله ربما يُمارس الخطاب الطائفي التحريضي ضد فئة من المصريين!

    3- وصف الخطاب الديني التقليدي بأنه متزمت.. أيضًا دون دلائل أو أمثلة.. ودون توضيح هل يقصد الخطاب الإسلامي والمسيحي أم أحدهما فقط؟

    4- تساءل عن دور الإسلام السياسي في ما وصفه بتعميق وتأكيد الطائفية.. ولم يتساءل عن الدور الكنسي أو بعض التيارات الدينية المسيحية في مصر.

    5- تحدث المقال عن (تقاطع خطاب داعش مع خطاب قوى الإسلام السياسي والخطاب السائد للأزهر) دون أي دليل أو توضيح.. ومن عجيب الأمر التجاهل التام للخطاب المسيحي!! النقد فقط كان للكنيسة في أنها لا تريد أن تُخالف ما تؤمن أنه صحيح دينها وتُبيح الزواج المدني.

موضوعات ذات صلة

قراءات في ثورة يناير 2011: لقد أنتجت "يناير" الكثير من وجهة نظري. نحن فقط بحاجة لإعادة قراءتها على أنها بداية لحالة صيرورة ثورية مستمرة طالما استمرت أسباب وجودها.

محمد رمضان

ما هي الفاشية؟ إن ما ميز الفاشية تاريخيا هو كونها حركة تشكلت إلى حد كبير من الطبقات الوسطى الدنيا الغاضبة بسبب الأزمة الاقتصادية، والتي كانت موجودة داخل وخارج الإطار 'الطبيعي' للانتخابات والسياسة البرلمانية والتي يمكن أن تستخدم، بل واستخدمت بالفعل، كقوة قتالية في الثورة المضادة ضد 'الشيوعيين'، و"الاشتراكيين" والحركة العمالية ككل.

جون مولينيو

الشريعة في دساتير ما بعد ثورة يناير… تسعى الورقة لإعادة سرد تاريخ تلك العلاقة الملتبسة بين الشريعة والقانون الوضعي بما قد يسفر عن تعميق الرؤى السابقة وتطويرها باتجاه معرفة أفضل بالشريعة والديمقراطية في آن واحد.

عمرو عبد الرحمن

ثورة بغير منظمات ثورية، وسياسة بلا أحزاب سياسية… محاولة نحو فك اللغز المصري (2) النضال من أجل الديمقراطية نضال اجتماعي طبقي في المقام الأول، لا يتحقق بالعظات الأخلاقية ولا بالبغبغة حول المعادلات اللاصفرية ولا بنصح البرجوازية بأن بعض الديمقراطية مهم ومفيد للتنمية والسياحة ولجلب الاستثمار الأجنبي وكسب حب ورضاء الاتحاد الأوروبي، ولكن بالنضال ضدها وعلى حسابها.

هاني شكر الله

الربيع العربي: ضد التفاؤل والتشاؤم السطحيين إن استيعاب القصة بعقدتها متعددة الجوانب لن يحمينا فقط من العواطف السياسية السطحية، بل سيوفر لنا أيضا الدروس الصحيحة المستفادة للتعامل مع صراعات المستقبل. ويعد كتاب "الأعراض المرضية" لجلبير أشقر، وكتاب "عمال ولصوص" لجويل بينين، نموذجين جيدين للتحليلات الهامة التي تهدف للفهم الصحيح لما حدث.

عاطف سعيد