الحسبة بين الولاية الدينية والولاية السياسية

أفكار

11  إبريل  2017

أصدرت ولاية سيناء فرع تنظيم داعش بمصر، إصدارا يحمل عنوان “نور الشريعة” يتحدث عن قيام التنظيم بأعمال الحسبة في سيناء، وقد كان هناك العديد من الإصدارات للتنظيم من قبل تتحدث في نفس الإطار، وبخلاف التنظيمات الإرهابية فتعد المملكة العربية السعودية الدولة الوحيدة المتوفر به إطار رسمي لـ”الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” والذي وحد وفقا للمرسوم الملكي رقم 37 لعام 1400 هـ، والذي اشتمل على أربعة أبواب من شأنها “تشكيل الهيئة” بكونها جهاز مستقبل تابع مباشرة لمجلس الوزراء، “صلاحيات رئيس الهيئة” ويكون له صلاحيات الوزير، “أعضاء الهيئات” وتحدد حالات ترقية وفصل أعضاء الهيئة وتأديبهم، وأخيرا “واجبات الهيئة في المدن والقرى”، وإن كانت قلصت من اختصاص تلك الهيئة بموجب القرار المتخذ من قبل مجلس الوزراء في أبريل 2016 بجعل مهام الهيئة فقط مقتصرا على البلاغات، فما هي الحسبة في الإسلام؟ ومن هو المحتسب؟ وما هي شروطه؟ وما هي الإشكاليات المرتبطة بها؟ وما مدى الحاجة ي المجتمع المعاصر لـ”ولاية الحسبة”؟ وما هي دلالات عمل التنظيمات الإرهابية بها؟

في مفهوم الحسبة:

جاء في لسان العرب أن لفظ “حسبة” مصدر “احتسابك الأجر على الله”، و”الحِسْبة ” بالكسر هي الأجر، وقد جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية العديد من الأدلة التي تحس على واجب “الأمر بالمعروف والنهي على المنكر” الذي تعد الحسبة الوسيلة الرسمية لتطبيق وتفعيل ذلك الواجب، فمنها قوله تعالى في سورة آل عمران “وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ”، وقوله أيضا “وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ”، وكذلك قول نبي الإسلام محمد (ص) “مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإيمَانِ”.

وعليه عرف العلماء الحسبة على أنها “ولاية دينية يقوم ولي الأمر -الحاكم -بمقتضاها بتعيين من يتولى مهمة الأمر بالمعروف إذا أظهر الناس تركه، والنهي عن المنكر إذا أظهر الناس فعله، صيانة للمجتمع من الانحراف، وحماية للدين من الضياع، وتحقيقا لمصالح الناس الدينية والدنيوية وفقا لشرع الله تعالى”[1]، كما يعرفها “ميثاق العمل الإسلامي”[2] على أنهاأمر بمعروف ظهر تركه ونهي عن منكر إذا ظهر فعلها، والحسبة ضرورة من ضرورات الحركة الإسلامية، لا يمكن التخلي عنها، ولها أركان أربعة: المحتسب، المحتسب عليه، المحتسب فيه، الاحتساب.”

ولما كان من أهمية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الفكر الإسلامي، يعد نبي الإسلام “محمد” أول محتسب في تاريخ الأمة، كذلك تواجدت وظيفة “المحتسب” عهد الخلفاء الراشدون والدولة الأموية، ولكن دون وجود المسمى الوظيفي “المحتسب”.

في الخلافة العباسية “ثالث خلافة” ظهر المسمى “المحتسب” وظهرت “ولاية الحسبة” كأحد ولايات الدولة الإسلامية آنذاك[3]، ولكن تجدر الإشارة إلى أن هناك بعض المصادر التي تشير إلى وجود المسمى الوظيفي” المحتسب” عهد النبي والخلفاء، فيشير البعض إلى أن النبي عين أول محتسب بعد الفتح على سوق مكة وهو “سعيد بن سعيد بن العاص”[4]، كما يشير البعض إلى أن بعض النساء استعملن في تلك الوظيفة عهد النبي كـ”سمراء بنت نهيك الأسدية” والتي أبقي عليها “عمر بن الخطاب” في تلك الوظيفة.[5]

الشاهد أن الحسبة -وفقا لسياقها هذا- “ولاية دينية” منذ ظهور الإسلام من شأنها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حيث يتم تعيين المحتسب من قبل “الحاكم” في الدولة الإسلامية بهدف استقرار المجتمع.

الأطراف الفاعلة في الحسبة:

فعل وفاعل ومفعول به، هكذا هو الأمر في “الحسبة” حيث هناك “المحتسب فيه، المحتسب، والمحتسب عليه، والاحتساب” فـ”المحتسب فيه” هو الفعل موضوع الحسبة سواء بترك معروف أو بارتكاب منكر”، و”الاحتساب” هو النهي عن المنكر والأمر بالمعروف، أما “المحتسب عليه” ” فهو الشخص القائم المحتسب فيه” و”المحتسب” “هو ذلك القائم بالاحتساب”، ولكل منهم شروطه.

فمن ناحية الشروط المتوجب توفرها في “المحتسب” فلا بد وأن يتسم بـ”التجرد” بحيث لا يكون هناك أي مصلحة أو دافع شخصي من ناحية تطبيقه للحسبة، كذلك لا بد وأن يتسم بـ”الرفق” حيث أن الهدف من الحسبة حمل الناس على ترك المنكر ومن ثم لا بد وألا يكون المحتسب قاصدا إيذاء “المحتسب عليه”، من ناحية ثالثة لا بد وأن يتوفر لديه من العلم ما هو كافي لتحديد مواضع الأمر والإنكار، كما أنه لابد والا ينكر فيما عليه اختلاف واضح بين العلماء، ولا بد أيضا وأن يراعي مدى علم “المحتسب عليه” بأن ما قام به منكر.

أما “المحتسب عليه” فلا بد وأن يكون قائما بفعل واجب الدفع، أو تاركا لمصلحة واجبة التحقيق، ويرى البعض أن “المحتسب عليه” يمكن أن يكون أي فرد من أفراد المجتمع بداية من أولى الأمر “الحكام” حتى أصغر فرد في الأمة، وهذا ما يدفع إلى الحديث حول إشكالية “طاعة الأمراء والحكام” ووجوبية ذلك في الإسلام، ولكن لحل تلك الإشكالية يقيس بعض العلماء احتساب الأمراء والحكام بموضع احتساب الوالدين، بحيث ألا يكون هناك تعدى للحكم الشرعي في احتسابهم، وعليه رأى البعض كـ “ابن عثيمين” و”عبد الرحمن السعدي” أن احتساب الحكام يكون بالنصح[6].

تاريخ ظهور ولاية “الحسبة”:
  • منذ عهد النبي حتى سقوط الدولة الأموية:

كما أشرنا سابقا أن هناك خلط لدى البعض حول تاريخ ظهور نظام الحسبة في الدولة الإسلامية، ولعل السبب وراء حدوث هذا الخلط يعود إلى التداخل بين “ولاية السوق” و “ولاية الحسبة” فعلى الرغم من كون الأولى “السوق” جزء من الثانية “الحسبة” إلا أنهما ليسوا مترادفان، وقد وقع المؤرخون لتاريخ الحسبة في إشكالية “تعميم الخاص”.

فما يذكر عن عهد نبي الإسلام وعهد الخلفاء الراشدين يقع في إطار تعيين أشخاص على ولاية السوق، إلا أنه هناك إشكالية أيضا في تلك الجزئية خاصة عهد “عمر بن الخطاب” وتتعلق تلك الإشكالية بالقول بتولية “امرأة” ولاية السوق، سواء “سمراء بنت نهيك الأسدية” أو “أم الشفاء الأنصارية”، ولما كان السياق الاجتماعي في ذلك الوقت ينكر على المرأة الخروج إلى الأسواق والتحدث إلى الرجال، لجأ العديد من العلماء للقول بأن تلك المعلومة من دسائس المبتدعة وهذا ما ذكره صاحب أحكام القرآن قائلا “وقد روي أن عمر قدم امرأة على حسبة السوق، ولم يصح، فلا تلتفوا إليه، فإنما هو من دسائس المبتدعة في الأحاديث”.[7]

بقي الأمر كما عليه عهد “الدولة الأموية” مع حدوث تطور في ولاية السوق حيث لقب القائم عليها باسم “عامل السوق” ويعين من قبل الخليفة مباشرة أو “والي المصر” مقتصرا اختصاصه على داخل الأسواق فقط وليس له أي صلاحيات خارجها، متخذا منزلا داخل السوق ليسهل عليه عملية المراقبة، ثم تطور الأمر ودمجت “ولاية السوق” بـ”ولاية المدينة” إلى جانب “ولاية الشرطة” عهد “الداخل”[8]، ولكنها فصلت وأصبحت ولاية مستقلة مرة أخرى عهد “أبو المطرف عبد الرحمن بن الحكم”.

  • الحسبة في إطار الدولة العباسية:

المرة الأولى التي يذكر فيها رسميا وجود “ولاية الحسبة” ووظيفة المحتسب” كانت في الدولة العباسية “750-1517م”، وهناك اختلاف حول بداية ظهورها في العهد العباسي، فيرجعها البعض إلى عهد “الخليفة المهدي”[9] والبعض الأخر يرجعها إلى عهد “أبو جعفر المنصور” ولكن القول الراجح أنها ظهرت في عهد الثاني، حيث ولي “يحيى بن زكريا” على الحسبة وقتله لمخالفة عام 157هـ.

ولعل ظهور الحسبة في الدولة العباسية يعود إلى أسباب عدة ترتبط بالسياق الاقتصادي والاجتماعي عهدها، ويمكن تناول ذلك تفصيلا من خلال:

  • البيئة الاقتصادية: حيث عرف عن الدولة العباسية التوسع العمراني والاقتصادي، فمن ناحية التوسع العمراني اهتم العباسيون ببناء المدن كالرصافة وبغداد وسامراء والهاشمية وتدعيم تلك المدن بما كل ما هو ضروري للحياة كالمساجد والمستشفيات، ومن ناحية التوسع الاقتصادي فقد عمد العباسيون إلى خطوات جدية كربط العلاقات الاقتصادية بالعلاقات الدبلوماسية بين الدول كما ظهر في العلاقات مع الصين والهند، وخلق طرق -في تخطيطات المدن المؤسسة- بين الدول الأخرى كما حدث في بغداد وخلق طرق بينها وبين الصين والهند وخراسان، كما يذكر المؤرخين أن الدولة العباسية كان فيها قرابة العشرين حرفة، ودفعت تلك التوسعات الدولة العباسية إلى محاولة خلق نظام رقابة من شأنها صيانة الحياة الاقتصادية.
  • البيئة الاجتماعية: نتيجة إلى التوسع الاقتصادي والانفتاح على ثقافات أخرى أنتشر الترف في الدولة العباسية خاصة العصر العباسي الأول خاصة في الطبقة الوسطى “التجار” والطبقة العليا أصحاب السلطة وندمائهم كما توسع أصحاب السلطة في شراء الغلمان والجواري خاصة من يستغلوا بالغناء، ولعل ما يدلل على مكانة الجواري آنذاك أن غالبية خلفاء العباسيين “34” من أصل” 37″ كانوا أبناء جواري.[10]

من ناحية أخرى كان لانتشار الزندقة في العصر العباسي جانب هام في ظهور وظيفة المحتسب أو كما لقب وقتها “صاحب الزنادقة”، سواء الطائفة “الرواندية” التي انتشرت عقب مقتل “أبو مسلم الخراساني” على يد “أبو جعفر المنصور”، أو “المانوية” التي ظهرت عهد ملك الفرس “سابور”، أو “الخرمية” وغيرها من الطوائف.

وبصورة عامة لم يكن المحتسبون بمنحى عن الخطأ ولا بمعزل عن السياق الاجتماعي الفاسد الغالب عهد الدولة العباسية، حيث ظهرت بعض الحالات التي ظهر فيها تواطؤ المحتسبين مع التجار كما هو الحال في حادثة “أبا زكريا يحيى بن عبد الله” عهد “المنصور”[11]، كما أن الحسبة كانت وظيفة سياسية شيئا ما لا يمكن أن تتعارض مع صاحب السلطة وهذا ما ظهر عهد “المعتضد بالله” الذي يذكر أنه كان صارما ضد كل من عارضه من المحتسبين حتى وإن كان من المقربين منه.[12]

وحتى لا نطيل في نقطة التطور التاريخي للحسبة، فأنه على مدار التاريخ الإسلامي والخلافات المتتابعة ونتيجة لتوطد العلاقة بين السلطة والثروة على مدار التاريخ السياسي الإسلامي ظهرت العديد من حالات الفساد في ولاية المتحسب، وأصبحت بمثابة منصب سياسي يبحث صاحبه عن النفوذ، والأمثلة والأدلة على ذلك عدة ولعل خير مثال يذكر في هذا مثال “يشبك الجمالي” محتسب القاهرة في سلطنة الأشرف قايتباي سنة 873 هـ وتفننه في تعذيب ضحاياه.[13]

إشكاليات مرتبطة بالحسبة:

بوقوفنا على تاريخ تطور ولاية الحسبة في التاريخ الإسلامي، بداية لا بد من الوقوف على تطور العلاقة ما بين الله والإنسان، فما قبل النبوة كانت العلاقة علاقة مباشرة دون وجود وسيط، ثم تطور الأمر وظهرت النبوة ومن ثم أصبح يتوسط العلاقة “الوحي”، ومع التطور أصبح بالإضافة للوحي هناك “الفقهاء”، ومع التطور ظهرت الدولة والقوانين كوسطاء جدد، تعدد الوسطاء في تلك العلاقة دفع لظهور العديد من الإشكاليات في حديثنا اليوم عن “ولاية الحسبة” ومدى إمكانية تطبيقها.

  • الحسبة والدولة:

اتجاه بعض الحركات المصنفة كحركات إسلامية في تلك الأوقات لتطبيق “الحسبة” يشوبه خلل منطقي وجوهري يقع في إطار مفهومي “دار الإسلام ودار الحرب”، وكما أشرنا في تعريف الحسبة إلى أنها ولاية دينية فإن وقوعها هنا يأتي في إطار “دار الإسلام” حيث تتجه تلك الحركات إلى إصدار تشريعات من شأنها الحد من المفاسد ونشر المحاسن، أما في “دار الحرب” من وجهة نظر تلك الحركات فأنها أنظمة كافرة تعمل بقوانين وضعية “وضيعة” لا تسعى لتطبيق شرع الله وإعلاء كلمته ومن ثم فان السعي نحو تطبيق نظام كهذا يفرض على القائمين عليه توضيح ملامح “دار الإسلام” المؤسسة من قبلهم ثم التوجه لتصنيف ولاياتها حيث أنه لا يعقل أن يكون الإصلاح والخروج من ظلمات مجتمع الجاهلية –وفقا لوجهة نظرهم- مقتصر فقط على تدمير بعض محلات الخمور وغيرها مما يروا فيه مفسدة[14]، ولكن تلك الإشكالية تدفعنا أيضا للبحث في إشكالية “العلاقة بين السلطة والمجتمع”.

  • تطبيق الشريعة في إطار العلاقة بين السلطة والمجتمع:

تطور العلاقة بين السلطة والمجتمع منذ عهد النبي وحتى سقوط الدولة العثمانية لم يكن بما عليه الآن من سيطرة من الدولة الحديثة على الافراد ومختلف جزئيات الحياة، بمعنى أن ما قبل الدولة الحديثة كان هناك مجتمع مستقل قادرا على تكييف ذاته بمساحة أكبر عن السلطة المركزية.

أما الآن وفي إطار أن المجتمع أصبح جزءا من الدولة كأحد عناصرها، بات من الاستحالة الحديث عن تطبيق الشريعة في هذه العلاقة بين السلطة والمجتمع.

بمعنى أخر حال ما أردنا السعي لتطبيق الشريعة في إطار الدولة الحديثة التي تتغول في الحياة الخاصة والعامة نقع في إشكالية أن لابد شمولية الشريعة لكل شيء، بمعني أن يكون هناك قانون صادرا على الدولة لكل حكم من أحكام الشريعة وهو أمر تشوبه الاستحالة من الناحية التطبيقية.

ولما كانت وظيفة الدولة تحدد وفقا للحاجة إليها وطبيعتها، والتاريخ يثبت أن ابتكار “الدولة أو السلطة” من أجل الشؤون الدنيوية وليس من أجل ضمان مقعد بالجنة بالأخرة ومن ثم ليس من المنطق أن تكون وظيفة الدولة تحديد ملامح النجاة بالأخرة.[15]

  • قاعدة “لا إنكار في مسائل الاجتهاد”:

يشير البعض إلى قاعدة “لا إنكار في مسائل الخلاف” ونظرا لتحفظات البعض على عدم صحة تلك القاعدة اتجهوا للقول “لا إنكار في مسائل الاجتهاد”، وفي كلتا القاعدتين تقع الإشكالية.

والإشكالية هنا تمس العلاقة ما بين “الشريعة والحريات” بحيث يكون لدى المنوط بهم تطبيق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سوط شرعي يكبح جماح الحريات في مجتمعنا المعاصر، في نقاط قد يكون اتاحها “المجتهدون” في واقعنا المعاصر، ولك على سبيل المثال الموقف من سفر المرأة بدون مرافق في مجتمعنا، حيث أحل البعض هذا بناء على توفر وسائل النقل الأمنة في أوقاتنا، وفي نفس الوقت هناك من يمنع ذلك من المتشددين، الأمر الذي قد يدفعنا إلى القول بأنه لا “إنكار” هنا.[16]

هل هناك حاجة للحسبة في مجتمعاتنا المعاصرة؟

كما سبق وأشرنا أن تطور العلاقة بين الله والإنسان من خلال ظهور وسطاء جدد وضعت إشكاليات عدة في تطبيق “ولاية الحسبة” ولكن بافتراض تجاهلنا لتلك الإشكاليات، فهل نحن بحاجة فعلية لولاية الحسبة؟

الإجابة عن هذا السؤال تتحدد بمدى تواجد مهام “ولاية الحسبة” في “الدولة الحديثة”، فنجد على سبيل المثال نجد الشرطة في الدولة الحديثة تقوم بمكافحة مختلف الجرائم التي كان يقع بعضا منها في إطار ولاية الحسبة، ومن ناحية أخرى تتواجد العديد من اللجان التي من شأنها مكافحة وإبطال كافة المفاسد التي تسعى ولاية الحسبة لتداركها، كما تتواجد العديد من الأجهزة الرقابية وعلى رأسها البرلمانات التي تراقب وتحاسب الحكومات بصورة موسعة وأكبر من مجرد النصح لهم، إلى جانب النقابات المختلفة والجمعيات الأهلية والحقوقية بمختلف مجالاتها، فتواجد المحتسبين هنا بوصفهم مطبقين للعقوبة حال المخالفة أصبح أمر محدث لتداخل مع اختصاصات تلك الهيئات، وربما هذا ما دفع المملكة العربية السعودية إلى تقليص مهام هيئة ” الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” لتكون فقط مقتصرة على البلاغات للأجهزة المعنية.

لماذا تلجأ الجماعات الإرهابية إلى الحسبة؟

يتبقى لنا الإجابة على السؤال الأبسط والأقل تعقيدا في مناقشة قضية الحسبة وهو: لماذا تلجأ الجماعات الإرهابية للحسبة؟ حيث يدعى أي تنظيم إرهابي “جهادي” كما يلقب ذاته بكونه ساعي إلى إقامة دولة إسلامية، تهدف إلى تطبيق شرع الله وإعلاء كلمة الله في الأرض، ومن ثم يذهب ذلك التنظيم إلى البحث عن أسس وقوام وشكل الدولة الإسلامية وفقا لما كان عليه الأمر عهد نبي الإسلام والسلف الصالح، ويعمل على تطبيقه، ومن ثم تكون الحسبة بمثابة ركن أساسي من فكرة إقامة الدولة لدى هؤلاء.

ولكن واقع أن سعى تلك التنظيمات إلى تعيين مثل هذه الولايات وإقامتها يعد وسيلة من وسائل الحرب النفسية ومحاولة إثبات الذات والقول بأن التنظيم أقام دولة إسلامية فعليا لها مما كانت عليه الأمة الإسلامية عهد نبي الإسلام والسلف الصالح، إي أنها محاولة لإضفاء شرعية، بهدف إرهاب الأنظمة القائمة، وكسب عدد من المتعاطفين من هؤلاء الذين يحلمون بإقامة الدولة الإسلامية بشكلها القديم دون النظر إلى ظروف الواقع وملابساته والفرق الواضح بين ما هو كان وما يجب أن يكون، والدليل على هذا أن تلك التنظيمات تذهب لتطبيق ما يحقق مصالحها دون النظر إلى المصلحة العامة والتي تعد شرط ومانع أصيل للقيام بفعل من شأنها الإضرار بالمصلحة العامة.

ختاما، الحسبة كغيرها من المصطلحات في التاريخ الإسلامي ظهرت من خلال غطاء ديني، استخدم لخدمة المصالح الخاصة بدءا من عهد الدولة العباسية -بسياقها الاجتماعي والاقتصادي- وتحولها لمنصب سياسي يبحث صاحبة على النفوذ، وصولا للإبقاء عليها في الدولة السعودية وإن كانت الدولة بدأت تدرك أنها ليست ذات جدوى وخطورتها في مجتمعاتنا أكبر بكثر من إيجابياتها فاتجهت إلى تحجيمها وتقليص سلطات المحتسبين كما سبق وأشرنا بداية ذلك المقال، وأن عودة الجماعات الإرهابية لاستغلالها والعمل بها مرة أخرى ما هي إلا محاولة للعودة لتاريخ يدعون فيه الخيرية ويتجاهلون ما به من سلبيات وخلل في السياق الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، وعليه يمكن القول بأن الحسبة منذ عهد الدولة العباسية ولاية سياسية، ذات غطاء ديني بهدف ظاهري “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” وأهداف خفية تهدف إلى خدمة مصالح الحكام.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] ابن تيميه، الحسبة، ص 1، https://is.gd/rI47aO

[2] الجماعة الإسلامية، ميثاق العمل الإسلامي، منبر التوحيد والجهاد، https://is.gd/GSzSp9

[3]…، تاريخ نظام الحسبة، موقع سفر الحوالي، https://is.gd/yx4CbA

[4] ابن عبد البر، الاستيعاب، 1/185، عنه راغب السرجاني، الحسبة في النظام الإسلامي.. تاريخها وأهميتها، موقع قصة الإسلام، 16 مايو 2010، https://is.gd/vObECi

[5] المرجع السابق

[6] فؤاد عبد المنعم أحمد، الحسبة في النظام الأساسي للحكم في المملكة العربية السعودية، الرئاسة العامة لهيئة الأمر بالمعروف، مركز البحوث والدراسات، 2010، ص 125-126، https://is.gd/Roym6k

[7] ابن عربي، أحكام القرآن، جزء 3، ص 482، بيروت، دار الكتب العلمية، ط 3، 2003، https://is.gd/mQAPpu

[8] “الداخل” عبد الرحمن بن معاوية الأموي، ولقب بالداخل لدخوله الأندلس عقب سقوط دولة بني أمية على يد العباسيين في المشرق.

[9] حسن إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي، دار الجيل بالاشتراك مع مكتبة النهضة المصرية، ط 14، ج 3، 1996، ص 323.

[10] رفاه عارف، العامة في بغداد في العصر العباسي الأول والثاني، مجلة سر من رأي، م 7، ع35، 2011، ص 150، https://is.gd/XmU676

[11] حسن حسين البشايرة، سياسة تدخل الدولة في الاقتصاد الإسلامي، دار عماد الدين، ص 326.

[12] أنور عبد الكريم عبد القادر، نظام القضاء في الإسلام، العراق، مجلة كلية الآداب، عدد 101، ص 171، https://is.gd/rPmITk

[13] أحمد صبحي منصور، المحتسب، موقع أهل القرآن، 31 يوليو 2007، https://is.gd/A6lnXt

[14]…، العنف الشرعي وفقه الحسبة.. بوكو حرام، ميدل إيست أي أونلاين، 22 فبراير 2017، https://is.gd/LcHNH0

[15] عبد الله المالكي، هل المجتمع المسلم بحاجة إلى هيئةٍ للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟، مدونة “أعواد قش”، 19 أبريل 2016، https://is.gd/71mrRN

[16] عبد الله بن عبد المحسن الطريقي، الإنكار في مسائل الخلاف، مجلة البحوث الإسلامية، عدد 47، ص 193-274، https://is.gd/AAVR3B

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

الشريعة في دساتير ما بعد ثورة يناير… ما يعنينا أن التنظيم الأكبر داخل التيار الإسلامي وصاحب الأغلبية البرلمانية الصريحة والأغلبية داخل الجمعية التأسيسية سوف يقبل بشكل شبه كامل بالأطروحات السلفية وسيصوت عليها نوابه داخل الجمعية بالإجماع دون إثبات تحفظ واحد.

عمرو عبد الرحمن

الشريعة في دساتير ما بعد ثورة يناير… نحن الآن في حاجة ماسّة، أكثر من أي وقت مضى، لاستئناف البحث في هذه الإشكاليات ليس انطلاقا من نقطة محمود أمين العالم وتيزيني ومهدي عامل وغيرهم، على ما بينهم من اختلافات وتناقضات في الطرح، وهي النقطة التي تبلورت في أعقاب هزيمة ١٩٦٧ كما سبق الذكر، ولكن من نقطة ما بعد الثورات العربية والتي برزت على خلفية تحولات جذرية في بناء العلاقات الاجتماعية في العالم والإقليم والمجال السياسي والأيديولوجي بطبيعة الحال.

عمرو عبد الرحمن

الشريعة في دساتير ما بعد ثورة يناير… اقتصر سعي هذه الورقة على إعادة تقديم وتحرير الإشكاليات المتعلقة بموقع ما تعارف الفقهاء على تسميته بالشريعة في البناء الدستوري والقانوني المنظم لعمل أجهزة الدولة الحديثة كما كشف عنها الجدل الدستوري التالي لتحولات يناير ٢٠١١ عبر منهجية ماركسية مطورة. ولم تتجاوز ذلك إلى التفكير في مخارج لهذه الإشكاليات، إلا عرضا بالطبع وفي معرض إشارتها لاجتهادات قائمة بالفعل كوثيقة الأزهر الصادرة في يونيو ٢٠١١.

عمرو عبد الرحمن

الشريعة في دساتير ما بعد ثورة يناير… تسعى الورقة لإعادة سرد تاريخ تلك العلاقة الملتبسة بين الشريعة والقانون الوضعي بما قد يسفر عن تعميق الرؤى السابقة وتطويرها باتجاه معرفة أفضل بالشريعة والديمقراطية في آن واحد.

عمرو عبد الرحمن

الشريعة في دساتير ما بعد ثورة يناير… ما يعنينا هنا أن الاستجابة المحافظة للضغط الإسلامي كانت تتم عبر نفس الآليات الخطابية للإسلام المعلمن، أي إعادة تقديم الخطوط الحمراء الموروثة من التراث الإسلامي، والتي كانت تعد تعديًا على حدود الله، بوصفها تعديًا على حساسيات فردية بالأساس يتشكل من جماعها ما يسمى بالنظام العام.

عمرو عبد الرحمن