اليسار العربي وسنوات التيه

أفكار

11  إبريل  2017

كان الهاجس الدائم.. لماذا لا يكون لليسار بمفهومه الواسع وبتنويعات مدارسه المختلفة وجذوره التاريخية الممتدة دور حاسم في حركة تاريخ أمتنا رغم أن مفكريه يحوزون منهجا لا يعرفه غيرهم ونظرية يدركونها وتراث تطبيقات متعدد يمكنهم أن يجعلوا منه مدخلا فكريا للفهم والدراسة ثم لتمهيد الطريق أمام مشروع عصري يبدعون هم أبجدياته خاصة بعد ثورتي تونس 2010 ثم مصر 2011.

ربما كان لتَخَلُف علاقات الإنتاج عبر سنين طوال -شابها كثير من الإحباطات والإخفاقات- أثر هام في هذا الصدد مما نتج عنه فكر عاجز عن التحليل العلمي الصحيح المستند إلى فهم الفارق بين “العام” و”الخاص” ليظل كثير من المفكرين الاشتراكيين العرب يتحركون في دوائر إستُدعِي في إطارها تراث “لينين” و”ماو” باعتباره “عاما” لا “خاصا” حيث يكمن هنا أساس المشكلة. وأظن -وليس كل الظن إثم- أن الأمر كان يتوجب معه ضرورة التفرقة فيما يتعلق بمشكلات التراث بين ما يحتويه من “اجتهاد” فكري ربما يصلح للاستخدام كمفهوم كوني يمثل مُنطَلَقا يمكن البناء عليه وبين “تطبيق” ذلك الاجتهاد على مجتمع بعينه في لحظة تاريخية بعينها بأبعادها المحلية والإقليمية والدولية الخاصة غير المتكررة. بمعني آخر، وقع الاشتراكيون العلميون العرب -إلا من رحم ربي- في شَرَك الانبهار بكل من “لينين” و”ماو” فاعتبروا أن الاجتهادات الفكرية بالغة الأهمية التي أنجزها كل منهما هي محض قانونٍ “عام” رغم أنها كانت مرتبطة بواقع مُغرِق في محليته مَثَلت بموجبه تطبيقا لقانون “خاص”. ربما لهذا السبب كان انهيار الدولة السوفيتية وانتهاج الصين لخط جديد بمثابة الانكشاف الكبير لليسار العربي ليبدأ بعدها سنوات التيه التي لم تنقضِ بعد.

كان لبعضٍ ممن رحم ربي من الرفاق بفلسطين المحتلة وسورية ولبنان والأردن والعراق ومصر وتونس والسودان والمغرب اجتهادات محمودة في هذا السياق لكنها ظلت حبيسة جدران المنتديات أو صفحات الكتب والمقالات بسبب القبضة الأمنية القامِعة من ناحية والتشويه المتعمد لليسار من ناحية أخرى والتفتت غير المُبَرر لقواه المتقاربة من ناحية ثالثة مما احتجز تلك الاجتهادات وراء حدود “الفكر” فقط فأضفى عليها ملمحا نخبويا مُتعاليا لم تبارح بمقتضاه مكانها إلى رحب مناخها الحيوي “تطبيقا”- في الشارع، المصنع، الجامعة، الحقل… تحت ظروف محلية وإقليمية ودولية شديدة البؤس حملت من المتغيرات الكثير مما لم تكن قوى اليسار جاهزة للتعامل معه بروح عصر جديد.

كان “لينين” و”ماو” يدركان تمام الإدراك المرتكزات العامة “للاشتراكية العلمية” وكانا مُلمان شديد الإلمام بمعطيات وأدوات عصرهما فأبدعا اجتهادهما الخاص بشكل يتلاءم ومفردات ذلك العصر بينما ظل كثير من الاشتراكيين العرب يحاولون المقاربة بين منتوج تراث “لينين” و”ماو” من ناحية وبين واقعهم وأمالاهم من ناحية أخرى في عالم يختلف تمام الاختلاف. كانت الحاجة -وما زالت- ماسة بعد اندلاع الثورة بكل من تونس ثم مصر -بشكل خاص- لإبداع يسار عربي جديد يتفاعل إيجابا مع مفردات العصر وآليات عمله في إطار -لا يفتقده على الإطلاق- من الإدراك لأسس المادية الجدلية والمادية التاريخية والفهم لقوانينهما مع استيعاب لإسهامات “لينين” و”ماو” النظرية فيما يتعلق بالدولة والحزب والتحالف على وجه التحديد، كي يبني فكرا وتطبيقا “خاصا” وفق ما هو “عام”. إذن فقد كان لانبهار اليسار العربي “بالعام” و”بخاص” الآخرين أثر كبير في الحيلولة دون إبداع التطبيق العربي “الخاص” ثم ما لبث هذا الإنبهار إلا وقد تحول إلى نوع من إسقاط “الخاص” المتعلق بمجتمعات أخرى على المجتمع العربي المغاير تماما والذي لم تتقدم فيه علاقات الإنتاج بنفس وتيرة تقدمها بتلك المجتمعات الأخرى فكان العجز عن الإبداع هو المصير المحتوم.

في يونية 1975 كتب “العفيف الأخضر” في تعليقه على “البيان الشيوعي”: “وإذا كان التاريخ البرجوازي الأوروبي جهدا متواصلا لتمدين الريف وتصنيع المدينة، فتاريخ البرجوازية العربية جهد متواصل لبدونة الريف وترييف المدينة: بدونة الريف بإفقاره الوحشي، وسيلة وغاية، بحيث يضطر بعض سكانه للهجرة إلى المدن ليتحول إلي بروليتاريا رثة يقض لصوصها مضاجع التجار والأغنياء، ويضطر الباقون إما إلى الإعتصام بالمناطق الجبلية الجدباء أو للتحول مجددا إلى قبائل رُحَّل تعتاش من نهب قوافل التجار وفرض الجزية علي الفلاحين، وإما إلى ترك معظم أراضيهم بورا وزرع ما يبقيهم علي قيد الحياة البائس وحسب” ثم يقول في نهاية حديثه عن البرجوازية العربية “مثلما بدونت الريف رَيَّفت المدينة لا عبر إعادة التوظيف في الأرض وحسب، بل أيضا عبر إرغامها التاجر، الذي يلاحقه شبح المصادرة حيثما يتلفت، على التوظيف في الأرض بدلا من المانيفاتورة والمصارف لسهولة مصادرتها. وبذلك ركدت قوى وعلاقات الإنتاج وأعاقت بالتالي تعاقب الطبقات على السلطة مما جعل المدينة العربية دائمة الحضور لكن قاعدتها الاقتصادية الدائمة كانت الملكية العقارية لا الحضرية”.

إذا أخذ المرء منا بالاعتبار طبيعة الأنظمة العربية الاستبدادية التي لعبت على أوتار الجانب السلبي في الدين (الكُمُون) وتأثيرات ذلك فأضافَها إلى نمط الإنتاج البائس المتوارث لمئات السنين لتبدت بعضٌ من أسباب نراها بمثابة المقدمات واجبة الفحص لإدراك طبيعة ومستوى حالة الإعاقة التي ضربت أوصالنا الفكرية فمنعت تطور علاقات الإنتاج على النحو الذي شهدته أوروبا منذ قرون ما أدى إلى خلق مناخ فكري فشل في استيعاب “العام” وإبداع “الخاص”. تقع على عاتق اليسار العربي حاليا مهمة قاسية وصعبة للغاية لأجل إبداع تطبيقه “الخاص” من خلال التفرقة الناضجة بين المنهج والنظرية والقانون والتراث في عالم جديد بأدوات مختلفة. التمس لجيل اليسار العربي الحالي كل العذر، ففي ظل المناخات السياسية التي ما زالت قمعية في منطقتنا التي تموج بصراعات طائفية دامية يزكيها مال عربي وفير، تكون المهمة بالغة الصعوبة لكنها غير مستحيلة بل ربما كانت تلك المناخات البائسة في ذاتها بمثابة المحفزات أو مُعَبِّدات الطريق للخروج من سنوات التيه.

اضافة تعليق جديد

التعليقات

  1. حلمي شعراوي

    كان لدي دائما تساؤل عن توجه النخبة الاكثر حضورا فقط الي الماركسية اللينينة علي النمط السوفييتي…وبينما هي متهمة بالغربنة وحتي حديثا باللبرلة …لكنها لم تاخذ بالتنوع الفكري الذي عرفه الفضاء الماركسي المتنوع من ماو للشيوعية الاوربية وحتي مدارس قريبة اخري من فرنكفورت ..وغيرها…وكان” العالم وميشيل” مثلا قريبين من مساكن مكسيم رودنسون وجارودي والتوسير.!..وعدد اخر كان قريبا من لوكاتش وبتلهايم وغيرهم وقراوا بتمعن رؤي سلطانوف و روي فيما مهد لافكار عن العالم الثالث……ولم يجد كل ذلك في علاج الحالة المستعصية التي تحدث عنها مقالك بهذا الالم…!هل هي طبيعتنا التراثية الجامدة اصلا مثل جمود القران والاناجيل…؟ ام انه عدم تحول الراسمالية التجارية الي راسمالية تحديثية فظل اليسار عند مقارعة الاقطاع بالاشتراكية وهذا مستحيل لانك لابد ان تشرع في التحديث …حتي مع الراسمالية ..! ام ترانا لابد ان نرجع جزئيا الي اثر غلبة النزوع الوطني علي الاجتماعي وزخم الناصرية في هذا النزوع لفترة طويلة لم يستطع اليسار ان يتحرك الا من خلالها ؟ وانظركيف حوصر فانون…بل وسمير امين بسبب قربهما من الماوية او قل الفلاحية..! ….والان يبقي سؤالك مقلقا حول انعدام اثر تورات الربيع علي اي تطوير فكري….والغريب انك لاتستطيع هنا القول بالانشغال بالمسالة الوطنية لان الاجتماعية كانت الابرز…؟هل تقول ان اليسار كان يجاري هذه المرة الطبقة الوسطي ومطالبها الاصلاحية بديلا هذه المرة للوطنية الناصرية .؟وهل معني ذلك ان المرحلة القادمة ستستوعب الجهد اليساري في خط اصلاح -مطلوب فعلا-للتعليم والثقافة وضمان الصحة والخدمات لحين تجدد الفكر والقوي الاشتراكية..؟انا اتوقع هذا عمليا لكني اقدر املك في تغيير حقيقي في دماغ النخبة الماركسية..ان جاز التعبير….

موضوعات ذات صلة

حزب الاحتجاجات والشعب.. مفتقدا للاحتجاجات وللشعب: هذا المقال يحاول الاقتراب تحديدا من بعض ملامح وأسباب هذه المفارقة بين المشهدين، مشهد ٢٠١٤ ومشهد ٢٠١٧. وهو ما يفرض الرجوع السريع لأصل الحركة قبل مبادرة الترشح في انتخابات البرلمان الأوروبي، وبعدها.

باسل رمسيس

الشريعة في دساتير ما بعد ثورة يناير… اقتصر سعي هذه الورقة على إعادة تقديم وتحرير الإشكاليات المتعلقة بموقع ما تعارف الفقهاء على تسميته بالشريعة في البناء الدستوري والقانوني المنظم لعمل أجهزة الدولة الحديثة كما كشف عنها الجدل الدستوري التالي لتحولات يناير ٢٠١١ عبر منهجية ماركسية مطورة. ولم تتجاوز ذلك إلى التفكير في مخارج لهذه الإشكاليات، إلا عرضا بالطبع وفي معرض إشارتها لاجتهادات قائمة بالفعل كوثيقة الأزهر الصادرة في يونيو ٢٠١١.

عمرو عبد الرحمن

الثورة السورية والتشارك الدولي والإقليمي لإجهاضها بات معظم اليسار العالمي جزءا من الحرب على الثورة السورية، يتداخل موقفه مع سياسات كل الدول التي يتهمها بأنها تتآمر على "النظام الوطني"، ومع المجموعات "الجهادية" والسلفية، ومع "المؤامرة الإمبريالية".

سلامة كيلة

صعود الوحش والمصرفي… فلنحشد في الشارع وفي الانتخابات البرلمانية! على الحركة العمالية أن تحارب الجبهة الوطنية، ولكن بوسائلها الخاصة وعلى أساس برنامج يساري راديكالي يعالج المشاكل من جذرها بالتصدي لتحكم وسيطرة بعض الطفيليين الأغنياء.

مجلة “ثورة”

ما هي الفاشية؟ إن ما ميز الفاشية تاريخيا هو كونها حركة تشكلت إلى حد كبير من الطبقات الوسطى الدنيا الغاضبة بسبب الأزمة الاقتصادية، والتي كانت موجودة داخل وخارج الإطار 'الطبيعي' للانتخابات والسياسة البرلمانية والتي يمكن أن تستخدم، بل واستخدمت بالفعل، كقوة قتالية في الثورة المضادة ضد 'الشيوعيين'، و"الاشتراكيين" والحركة العمالية ككل.

جون مولينيو