ماذا في الفراغ الرقمي؟

قضايا

11  إبريل  2017

يثير تقدم تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الجديدة جدلا في صفوف اليسار حول تأثير التقنية الرقمية (الرقمنة) على عالم العمل. وإلى جانب الرقمنة وتطورات الاتصالات التفاعلية باستخدام الإنترنت، شهدنا تقدما جديدا أيضا في مجال الروبوت، والطباعة ثلاثية الأبعاد، والذكاء الصناعي، وتكنولوجيا التعقب الذاتي؛ مثل تطبيقات فيتبيت وتطبيقات الهاتف الذكي.

ويشكل كل هذا مجتمعا نوعا من التشغيل الأوتوماتيكي الكثيف أو “العميق”، لا تقتصر انعكاساته على عالم العمل فقط، ولكن على فهمنا لاستراتيجيات تراكم رأس المال أيضا. وزعم باحثون كثيرون في الاقتصاد، سواء من الأرثوذوكسيين (التقليديين) أو أنصار الخروج عن التقليدية، أن التقدم في الاتصالات والتكنولوجيا الرقمية له تأثير أساسي وإيجابي على رفع الإنتاجية، عن طريق تحرير العمل القائم على المعرفة من صرامة عملية الإنتاج، بما يتضمن تحريره من نظرية العمل للقيمة التي وضعها كارل ماركس. ويشير هذا إلى أننا ندخل عهدا جديدا من الرأسمالية “المعرفية” أو “التواصلية”، وفيها “تشكل المعرفة الهدف الأساسي للتراكم، وتصبح المصدر الأساسي للقيمة، والموقع الرئيسي أيضا لعملية تحديد الثمن”- أي انتزاع فائض القيمة.(1)

وبناء على تلك الرؤى، ووفقا لطرح ريتشارد باربروك، أصبح “الاقتصاد الرقمي” خليطا من شبكات قائمة على الكمبيوتر، يخدمها “حرفيون رقميون” عادة ما ينتجون ويوزعون المعلومات والمعرفة مجانا، بوصفهم جزءا من “الاقتصاد المجاني” الذي سيمهد الطريق لشكل جديد من شيوعية – لا سلطوية في المستقبل. وسيكون عهدا جديدا، يحتل فيه تراكم المعرفة الموقع القيادي للنظام بدلا من تراكم رأس المال. ويجادل باربروك أن هذا العالم سيتيح لعديد من العمال “الهروب من الضوابط التافهة للورش والمكاتب”.(2) وبدلا من الاعتماد على صاحب عمل واحد، يمكن أيضا يتم تقاسم حيز المكاتب في مساحات العمل المشتركة الجديدة، حيث يستأجر الحرفيون الرقميون والمطورون والمصممون والمترجمون مساحات للقيام بأنشطة عملهم التي تسوق عبر الأثير.

وإلى جانب ازدهار العمل الرقمي، شهدنا مؤخرا أيضا تطورات في علم الإنسان الآلي مصحوبة بمناقشات حول الذكاء الصناعي. وفي مرحلة مبكرة، قد تعود إلى بداية الخمسينيات من القرن الماضي، تحدث معلقون عن إمكانية وجود عالم تقوم فيه الآلات (الكمبيوتر والروبوت والذكاء الصناعي ونظم الحلول الحسابية) بكافة أشكال العمل، وأطلقوا عليه وضع “الفردية”. لم يتصوروا فقط المصانع التي ينعدم وجود الإنسان فيها، والمكاتب الخالية من الأوراق، ولكن أيضا العربات التي تسير بدون قائد، والبيوت التي تنجز الروبوتات فيها الأعمال المنزلية والأعباء الأخرى. وزُعم أيضا أن الأطباء قد يعفون من تقديم خدمات الرعاية الصحية، حيث تقوم تطبيقات الهاتف الذكي والروبوتات بتشخيص المرضى ومعالجتهم.(4) ومنذ ذلك الحين، يروج عالم المستقبليات ريموند كورزويل لوضع “الفردية” بوصفه مستقبل واقعي.(5) وزُعم أن ذكاءنا سيصبح في هذا العالم “غير بيولوجي”، ولن يكون الإبداع مقيدا بالقيود البشرية. وستهيمن الآلات على الإنتاج عبر عمليات تطوير ذاتية، وإعادة كتابة البرمجيات الخاصة بها، حتى تتجاوز القدرات الوظيفية للعقل البشري. ومن الواضح، أن توقعات تفوق الآلات على الرجل/المرأة كارثية. وبالتالي، فعلينا حسم الحدود بين الواقعي فيها، وما ينتمي إلى الخيال العلمي.

ونستعرض في هذا المقال كل هذه النقاشات، قديمها وجديدها، ونقدم تفسيرا ماركسيا. وقد تناولنا العلاقة بين التكنولوجيا والابتكار والتراكم الرأسمالي، قبل أن نركز على الحوسبة والرقمنة باعتبارهما شكلين مميزين من الابتكار. وتساعد النظرية الماركسية، وخاصة مفاهيم وقت العمل الضروري اجتماعيا، والعمل المجرد في إيضاح الدور الحقيقي لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات في العمل. إذ لا يعتبر الكمبيوتر والأشكال التكنولوجية المرتبطة به وسائط محايدة للتغيير؛ بل يستخدمها رأس المال باعتبارها جزءا غير منفصل عن ممارسات العمل الاستغلالية والتراكم الرأسمالي.

التكنولوجيا والرأسمالية

يمكن أن يعمل الابتكار التكنولوجي على تخفيض تكاليف وحدة العمل برفع إنتاجية العمل، إلى حد يغطي تكاليف إدخال التكنولوجيا الجديدة في المدى القصير، ويزيد عليها (رغم أن النتائج على المدى الطويل قد تختلف كما سنرى فيما بعد). ويمثل الميل لتقليل تكاليف وحدة العمل ورفع إنتاجية العامل شيئا محوريا في المنافسة المتأصلة في ديناميكية الرأسمالية، وبالتالي يمثل الابتكار التقني شيئا حاسما في بقاء رؤوس الأموال الفردية. ويكون لأشكال تكنولوجية بعينها تأثير أكبر من غيرها على عالم العمل، وتؤدي أحيانا إلى طفرة في عمليات الإنتاج. على سبيل المثال، أحدث اختراع جيمس هارجريف لماكينة الغزل في انجلترا عام 1764، تحولا في عملية النسيج. وأتاحت طاقة البخار إمكانية التوسع في السكك الحديدية، وجعلت استغلال المصادر الطبيعية أرخص، كما أحدثت المحركات البخارية تحولا في إنتاج النسيج. ومن الأمثلة الرئيسية على الابتكار التقني غير الرقمي في زمن الصناعة الحديثة، أن أصبح خط الإنتاج أوتوماتيكيا، بالتحكم الإلكتروني (بدلا من التحكم اليدوي). ويمكننا الإشارة إلى ابتكارات تقنية أخرى حفزت عمليات التحول الحضري، مثل إنشاء شبكات الصرف الصحي والمياه النقية تحت الأرض، وإلى أشكال أخرى من تكنولوجيا الاتصالات مثل التلغراف والتليفون والمحرك النفاث الذي اختصر كلا من الوقت والمسافة.

التكنولوجيا والعمل

يترتب على كل الابتكارات التقنية، القديمة والجديدة على السواء، درجة من الاستغناء عن العمل، إذ تحل الماكينة مكان العامل الفرد، مما يؤدي إلى ارتفاع مواز في التركيب العضوي لرأس المال، إذا قمنا بقياسه على أساس النسبة بين رأس المال الثابت (وهو في ذاته نتاج العمل الماضي أو العمل “الميت”) ورأس المال المتغير (عمل العمال “الحي” في عملية الإنتاج). واعتبر ماركس أن هذا الارتفاع المطرد في تركيب رأس المال العضوي، عاملا أساسيا في تفسير ميل الرأسمالية نحو الأزمة. وهذا لأن القيمة الجديدة يخلقها العمل الحي، أي أنشطة العمال في العمل. ولا يخلق العمل الميت، المجسد في الآلات والمواد الخام المستخرجة في السابق، أي قيمة جديدة؛ بل ينقل قيمته فقط إلى المنتج النهائي خلال عملية استخدام العمل الحي له. وبينما تتغير النسبة لصالح استثمارات رأس المال الثابت في الماكينات، ويبقى التحيز لرأس المال ساري المفعول، سيتضاءل النصيب النسبي للعمل في أي عملية إنتاج، وبالتالي ينخفض معدل العائد على استثمار رأس المال (أو معدل الربحية) بالتناظر مع ذلك. وهكذا، بينما تكون رؤوس المال الفردية مجبرة دائما على تبني ابتكارات تقنية حتى تستطيع المنافسة، فهي في الوقت نفسه تنثر فعليا بذور الركود والهبوط، من خلال الاستناد المفرط إلى رأس المال الثابت على حساب رأس المال المتغير. وسيتوجب على رأس المال الاستعانة بعوامل تعويضية للتغلب على هذه النزعة، قد تتضمن على المستوى الفردي محاولة الحصول على “أكثر في مقابل أقل” من العمال الأفراد.

وبناء على هذا، سيفضي الابتكار التقني في عملية العمل الرأسمالية إلى خلق التوترات حتما، إلى جانب آفاق لتشكل استراتيجيات للمقاومة بين العمال المضارين. ومع أخذ هذا التوتر في الاعتبار، ربط ماركس إنتاج وإعادة إنتاج المجتمع الإنساني عموما مع “تغير وتطور وسائل الإنتاج المادية، وقوى الإنتاج”، وبالتالي “نمط إنتاج ظروف الحياة المادية يشكل طريقة الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية عموما”.(6) وفي الواقع، غالبا ما حددت مقاومة عمال المهن والحرف المتوقفة عن النمو، كلا من العلاقات الصناعية والظروف المجتمعية للفترة التاريخية. والأهم، يمكننا ملاحظة استمرار تغير وتبدل تركيب الكتلة العمالية نتيجة للابتكارات التقنية. وصف إي بي تومسون ببراعة في كتابه “صناعة الطبقة العمالية الانجليزية” إحدى عمليات هذا التغير عندما سجل مقاومة ظهور نظام المصنع في الحرف القائمة على القطن. إذ كان تحطيم صانعي الجوارب وعمال الجني المشردين للآلات الجديدة في أواخر القرن الثامن عشر، “أكثر بكثير من مجرد دفاع مجموعة بعينها من العمال المهرة عن مصدر رزقهم… يمكن رؤية فكرة الاحتجاج بتحطيم الآلات (اللودية) باعتبارها عنفا منبعثا عن شعور معاد للرأسمالية الصناعية الجامحة، وعودة إلى قواعد أبوية متهالكة”.(7)

ويمكن ذكر أمثلة أخرى أحدث للمقاومة، من بينها إيقاف عمال الموانئ للعمل في السبعينيات، خارج إطار النقابة. كانوا يقاومون تكنولوجيا الحاويات، التي أدت إلى طردهم من العمل (أفضت الإضرابات إلى سجن عمال السفن في بينتونفيل، وفي نهاية الأمر إلى سقوط قانون العلاقات الصناعية لعام 1971).(8) وقبل إقامة محطات الحاويات، كانت السفن تقضي نصف وقتها تقريبا في حوض الميناء، وترفع الأجولة والطبالي التي تحتوي البضائع عن السفينة بواسطة أوناش وتربط بخطاطيف إلى الشاطئ، ويستخدم في ذلك عمال الموانئ الأفراد.

وأتاح إنشاء محطات الحاويات أن يتم النقل على نطاق واسع من خلال المنصات العلوية وتخزين البضائع على رصيف الميناء وتحميلها مباشرة على اللوريات. وتطلب هذا أيضا موانئ في المياه العميقة لاستضافة سفن أكبر، والاستفادة من وفورات الحجم. ونتيجة لتلك التغييرات، أغلق العديد من الموانئ الصغيرة، وانتقل العمل باتجاه البحر إلى المياه الأعمق، وتركت مداخل الأنهار. وعلى سبيل المثال، انخفض عدد عمال الموانئ بواقع 150 ألف عامل خلال عشرة أعوام من 1966 إلى 1976، في إحدى الموانئ الواقعة شرق لندن.(9)

ونجد مثالا أقوى للتأثير المباشر لإدخال تكنولوجيا جديدة على وسائل الإعلام “القديمة” في الثمانينيات. إذ حل الإدخال الرقمي باستخدام الكمبيوتر محل الجمع والتنضيد باستخدام “المعدن الساخن”. وسبق المواجهات الكبرى التي استغرقت عاما في ويبينج- شرق لندن، بين عمال الطباعة وصحيفة “نيوز إنترناشونال”، المملوكة لروبرت ماردوخ، قيام إيدي شاه مالك مجموعة صحف “ستوكبورت ميسنجر” بمعركة لكسر النقابة داخل مجموعته للصحف في1983. إذ استخدم شاه بنجاح القوانين الجديدة المضادة للنقابات لإنهاء سريان اشتراط النقابة تشغيل نقابيين في ورشه، ثم اتجه فيما بعد لإنشاء صحيفة جديدة، “توداي”، التي تصدر باستخدام الكمبيوترات في إدخال المادة.

وفي عام 1983، قاد روبرت ماردوخ نزاعا ضد نقابات الطباعة التقليدية بمنطقة ويبنج (وبالفعل، صوتت نقابة العاملين بالصحف، NUJ، لصالح الانتقال إلى الورش الجديدة، بينما أخمد ماردوخ أصوات الرافضين قليلة العدد). ثم تم فصل حوالي 5500 رجلا وامرأة من العاملين في شارع “فليت” لأنهم احتجوا على خطة انتقال إنتاج صحف (ذا تايمز، وذا صن، ونيوز أوف ذا وورلد) إلى الورش الجديدة في المناطق المخصصة بالطرف الشرقي من لندن، والتي كرست بالكامل لاستخدام التكنولوجيا الجديدة. وفشل اعتصام للتضامن، نظم ليلا بالقرب من بوابات الورشة، في إيقاف ماردوخ، حيث أحضر عمالا لكسر التضامن تدعمهم نقابة الكهربائيين. وأثبتت نزاعات أخرى شبيهة بهذا النزاع، والتي تلت هزيمة عمال المناجم التي وقعت قبل عام، على أنها اللحظات المميزة في تأسيس أساليب جديدة للإنتاج وتنظيم العمل. ورغم هذا، لم تكن المقاومة الحماسية للعمال المنظمين في مجموعة كافية دائما لمنع التغيير التكنولوجي.

وبناء على هذا، كيف يمكننا تقديم مزيد من الإيضاح حول التكنولوجيا باعتبارها مكون محدد لنظام الإنتاج؟

هل التقنية الرقمية (الرقمنة) متفردة؟

يمكننا ملاحظة أن التكنولوجيا استخدمت دائما في أماكن العمل في أغراض القياس والتسجيل والمراقبة، بوصفها وسائل لتعظيم خلق القيمة وانتزاعها. ولكن في أحيان كثيرة يرى المعلقون، سواء من داخل التيار الماركسي أو من خارجه، أن التقنية الرقمية تمثل شكلا مميزا من الابتكار، وقد أسفرت عن نتائج مختلفة كيفيا في عالم العمل وخلق القيمة. فهل تختلف الرقمنة عن الأشكال الأخرى من الابتكار التكنولوجي؟ وحتى نصل إلى الإجابة، علينا أولا استعراض تاريخ التكنولوجيا نفسها.

ولادة الحوسبة

في نهاية الستينيات، بدأ دخول أنظمة المعلومات المعتمدة على الكمبيوتر، إلى مكان العمل لأول مرة. ومثل إدخال الكمبيوتر عند عديد من الناس قطيعة جوهرية مع التكنولوجيا القديمة، إذ يسمح بوجود عالم عمل مختلف، يقوم على التحكم الأوتوماتيكي (السيبرنيطيقا) بما يتضمنه ذلك من حلقات للتغذية الراجعة، التي تتيح مزيدا من الفاعلية في صناعة القرار. توقع الفين توفلر في كتابه “صدمة المستقبل”، الذي حقق أعلى مبيعات، أن إدخال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الجديدة، ستحدث تحولا هائلا في العمل، يستلزم تفكيك الوظائف “التقليدية”، أو توفير مزيد من وقت الفراغ للعمال إجمالا، حيث “انتهى” العمل، وآلت البطالة إلى وقت فراغ.(10) وخلال السبعينيات، انتقلت عدوى صيحة التنبؤ بوجود “مجتمع وقت الفراغ” حتى إلى أقسام من النقابات العمالية. وكان أشهر ما يعبر عن ذلك، كتاب “انهيار العمل” المنشور في 1979 والذي كتبه كليف جينكينز وباري شيرمان، من نقابة أصحاب الياقات البيضاء. (11) كما حققت الأطروحات بأن هناك تحولا جوهريا يحدث للعمل تقدما أيضا في الدوائر الأكاديمية، مع نشر كتاب دانيل بيل “مجيء مجتمع ما بعد الصناعة” عام 1973. وتنبأ فيه الكاتب بمجتمع تغلب عليه العمالة الخدمية، وتدفعه تكنولوجيا “ذهنية” جديدة، يتحقق فيها صعود مهني للعلماء والمهندسين.(12) وبعدها بعقدين، تم توسيع رؤية بيل، مع تكهنات جيريمي ريفكين حول “نهاية العمل”، وافتراضات آندريه جورز حول نهاية “المجتمع القائم على الأجر”.(13) وكان العامل المشترك في تلك الدراسات، التي تمت في فترة مدتها 300 عاما، التأكيد على صعود “العمل المرتبط بالمعرفة” وحلوله محل العمل اليدوي، والطبقة العاملة “التقليدية”. ودفع مانويل كاستلز فكرة الحتمية التكنولوجية قدما في ثلاثيته التاريخية “عصر المعلومات”، وجعل من تكنولوجيا المعلومات جذرا للتغير الاجتماعي الحديث، قائلا إن الشبكة ستحل محل التراتبية بوصفها الشكل المهيمن للتنظيم الاجتماعي، وإن الفرد سيؤسس هويته الذاتية في إطار العملية نفسها المستندة على التكنولوجيا.(14)

التحول إلى العمل الرقمي و”غير المادي”

واتخذ الجدل صيغة جديدة في القرن الجديد، فطرح أن التقنية الرقمية (الرقمنة) خلقت نموذجا مختلفا من الرأسمالية يقوم على العمل “الحر” و”غير المادي”. وطورت تيزيانا تيرانوفا، في مقالها المنشور عام 2000، أطروحة حول العمل الثقافي والتقني بوصفه جزء لا ينفصل عن الإنترنت، وأن الكثير من الأعمال مثل “أنشطة إنشاء مواقع إلكترونية، وتعديل حزم البرمجيات، وقراءة قوائم الإرسال والمشاركة فيها، وبناء فضاءات افتراضية من البرامج التي تتيح مجالات تواصل لمستخدمين متعددين، ومساحات لتفاعل أكثر من مستخدم في الوقت نفسه”، يتم إنجازها “مجانا”.(15) وعُرف العمل الرقمي أيضا على النحو التالي:

نموذج مهيمن لتراكم رأس المال في منصات الإنترنت المعاصرة للشركات… يقوم على استغلال عمل المستخدمين بدون مقابل، إذ يشاركون في إنشاء المحتوى، واستخدام المدونات ومواقع التواصل الاجتماعي والويكي والمدونات الصغيرة والمواقع الترفيهية التي تتيح مشاركة المحتوى. ويخلق هؤلاء خلال هذه الأنشطة قيمة ذات علاقة أساسية بتوليد الدخل. (16)

وعلى سبيل المثال، يقال إن بداية الفيسبوك، تعتمد على العمل المجاني للأفراد الذين ينشرون تدويناتهم عليه، بما يتيح لمالكي الموقع جني مكاسب من مبيعات وعوائد الإعلانات. ومع ذلك، هناك ما يفوق ذلك في مفهوم تحول العمل إلى النظام الرقمي، بما يتجاوز أبعاد “عدم دفع أجر” مقابل العمل الرقمي. الأطروحة هي أن الرأسمالية تحولت من نظام للتراكم الرأسمالي القائم على المصنع ومكان العمل الجماعي إلى نظام قائم على تراكم ونشر المعرفة خلال شبكة الإنترنت. وبالتالي الانتقال من العمل “المادي” إلى العمل “غير المادي”.

وعلى نحو مشابه، فسر باحثون نظريون في مجال الإدارة من التيار السائد، انتشار الشبكات المعتمدة على الإنترنت والتقنية الرقمية، كفرصة لإعادة ابتكار هياكل تنظيمية لصناعة القرار في مكان العمل لصالح رأس المال. كما جادلوا بأن الإنترنت تساعد في نشر آفاق التقنية الرقمية وتوسعها أيضا، من خلال توفير فرص “للتراتب الأفقي، وتعزيز ترتيبات مفتوحة قائمة على المساواة في مكان العمل”.(17) ورغم هذا، لا تصمم مثل تلك الترتيبات من أجل التغلب على امتيازات الإدارة، ولكن بالأحرى تهدف إلى الاستفادة من ملكة الابتكار لدى العامل لصالح القدرة التنافسية للشركة. ووصل آخرون بالنموذج إلى أبعد من ذلك، من منظور يساري، فأيدوا تأثيرات التحول إلى النظام الرقمي المتعلقة بالمساواة. فزعم البعض أن العمل الرقمي وتولي المستهلكون للإنتاج، سيؤدي إلى تمكين الاقتصاد “المشترك”، الذي يخلق فيه المستهلكون القيمة لصالح الشركات دون تلقي أجر.

وسنجد للتأكيد على الحاجة المتصورة لكسر الثنائيات والتركيز على “الشبكات”، أصلا في تراث العمالوية الإيطالي. إذ يؤكد هذا التراث على أولوية الشبكة والتطبيق العملي للخطاب الثقافي على القوة الاقتصادية للطبقة العاملة المنظمة. وخفف بعض المعلقين المتعاطفين منهج “ما بعد العمالوية” هذا. على سبيل المثال، طرح نيك داير-ويذفورد منظور “ما بعد بعد العمالوية” في كتابه “بروليتاريا السيبر” المتميز بالبحث الجيد. اتخذ داير-ويذفورد نقطة انطلاقه “ليس من “العامل” ولا “مجموع المواطنين” بل “البروليتاريا”، حيث تشمل البروليتاريا، التي ظهرت نتيجة للتحكم الأوتوماتيكي، العمال مع تجاوز مكان العمل باعتباره أداة تحويلية أساسية”(18)، وعندما يقترن هذا بعلم الروبوت والذكاء الصناعي، تصبح الادعاءات حول المستقبل مهولة. وفي هذا السيناريو الطوباوي، سيكون العمل البشري فائضا عن الحاجة، مما يحررنا جميعا لنعيش حياة رفاهية، وصيغة من الشيوعية الأناركية القائمة على شبكات السيبر والإبداع الرقمي المشترك.

وإذا أصبحت مشاركة المعرفة العامل الدافع لنظام، سيحدث حينها تغييرا جوهريا في نظام التراكم الرأسمالي. والأكثر أهمية، هو الزعم بعدم الحاجة لنظرية العمل للقيمة لماركس، إذ ستغلب الآلات والكمبيوتر والروبوت والذكاء الصناعي على الإنتاج كله. وكانت هذه النقطة صلب فرضية العمل الرقمي التي قدمها بول ماسون، بصيغة أكثر رواجا، في كتابه ما بعد الرأسمالية، إذ كتب “يميل الإنتاج الذي توجهه المعرفة إلى خلق الثروة بشكل غير محدود ومستقل عن العمل المبذول”(19). وهذا على أساس توقع أن التكلفة الحدية للإنتاج ستؤول إلى أن تصبح صفرا، حيث “قد تتجه المواد التي يمكن صناعتها بقدر ضئيل من العمل البشري في النهاية لأن تصبح مجانية، خاضعة للمشاركة ومملوكة بشكل جماعي”(20). وستكون طوباوية “ما بعد الرأسمالية” تلك (أو واقعها المرير) عالما يرتفع فيه التكوين العضوي لرأس المال بشدة (سيتقلص رأس المال إلى روبوتات وأشكال من الذكاء الصناعي)، حتى أن خلق فائض القيمة سيتقلص إلى الصفر. ويقدم كارل شابيرو وهال فاريان تفسيرا اقتصاديا تقليديا لهذه الظاهرة، إذ طرحا أن إنتاج المعلومات مكلف، ولكن إعادة إنتاجها بعد ذلك منخفضة التكلفة(21). وبالتالي، قد تكون تكلفة إنتاج النسخة الأولى من المعلومات كبيرة، ولكن تكلفة إنتاج (أو إعادة إنتاج) نسخ إضافية ستكون ضئيلة. وفي مرحلة “إعادة الإنتاج” هذه، ربما تتجه التكلفة الحدية المصاحبة للتحول الرقمي إلى الصفر، بموجب “اقتصاديات الوفرة”.

ويعود أنصار فرضية العمل الرقمي في كثير من الأحيان إلى مقال “نبذة عن الآلات” في كتاب ماركس “في نقد الاقتصاد السياسي”، وفيه صاغ ماركس مفاهيم حول ميل الرأسمالية المستمر إلى تطوير القوى المنتجة باستخدام التكنولوجيا. وأشار بصفة خاصة إلى إمكانية سيطرة الميكنة على عملية الإنتاج. إذ تظهر الآلة بوصفها قوة كلية السطوة، سواء في تفتيت مُدخل العامل الفردي في عملية الإنتاج، أو بما تؤدي إليه من علاقة خاضعة مع التكنولوجيا عبر تقسيم العمل:

ولكن، بمجرد اعتماد أدوات العمل في عملية إنتاج رأس المال، ستمر عبر تحولات مختلفة، تصل في ذروتها إلى الآلة، أو بالأحرى، النظام الأوتوماتيكي للآلية (ولا يعد النظام الأوتوماتيكي سوى الأكثر كمالا في النظام الآلي، والشكل الأكثر ملاءمة، والوحيد الذي يحول الآلية إلى نظام)، إذ يسيره فاعل آلي، أو قوة تشغيل تشغل نفسها؛ ويتكون هذا الفاعل الآلي من عدد هائل من الأجهزة الميكانيكية والذكية، ولذا لا يزيد العمال أنفسهم عن مجرد روابط واعية له (22).

ورغم ذلك، فقد تكهن ماركس بميكنة عملية الإنتاج، ليس فقط كنقطة نهاية من حيث المفهوم للمنطق تراكم رأس المال، بل أيضا كدافع للاغتراب، بعده لا يمكن تحقيق للتحرر إلا باستعادة العمال السيطرة على الإنتاج والتحكم فيه. ولكن كثيرون من المذهب الاستقلالي فسروا معنى النقطة الحدية هذه، باعتبارها تعني بالضرورة الانهيار “الحتمي” للرأسمالية، وأشاروا بوجه خاص لفرضية ماركس عن “الإنتاج الشيوعي”، الذي يبرز من خلال المنهج الاستقلالي باعتباره مرحلة خاصة من الرأسمالية، يفتح الحرفيون الرقميون فيها المجال للأناركية الشيوعية. ووفقا لهذا التفسير، لن تتعرض قوة رأس المال لتحدي مباشر كما تنبأ ماركس، بل سيتم إخضاعه بأشكال منتشرة عبر شبكات المحرومين من الملكية. ويفترض في هذه النيرفانا المتوقعة أن يتم تحقيق السيطرة دون الاستيلاء على السلطة.

ومرة أخرى، يمكننا إرجاع أصول هذا المنهج إلى حركة العمالوية الإيطالية في السبعينيات، التي صورت المجتمع كما لو كان “مصنعا اجتماعيا”، حيث انتقل العمل إلى خارج المصنع، “وانطلقت بذلك آلة معقدة بالفعل”(23). وطور ميشيل هاردت وتوني نيجري هذا المفهوم في كتاب “الإمبراطورية”، وصورا عصر “ما بعد الحداثة”، الذي تبخر فيه الإنتاج المادي إلى عالم منعدم الوزن(24). ومع الاتصالات الرقمية، بوصفها مصدرا بديلا للمعلومات (والسلطة المحتملة المصاحبة لمثل تلك المعلومات)، أصبح تحدي هياكل السلطة المهيمنة ممكنا. ومرة أخرى، جادلا بأنه لا يوجد الآن حدود ثابتة أو مراكز إقليمية للسلطة. وبدلا من ذلك، فنحن مقيدون بعالمٍ تكمن فيه السلطة “في كل مكان، وليس في أي مكان على السواء”، ويهيمن عليه العمل الخدمي والعمل غير المادي المتضمن “منتجات” ثقافية عالمية والمعرفة والاتصالات. وفي تلك الرؤية، يستخدم الاستعمال المكثف لتكنولوجيا المعلومات مرة أخرى، باعتباره مؤشرا على مجتمع أكثر استرخاء، توجهه أوقات الفراغ، حيث تقوم الآلات بالأعمال الدنيا، ويتم العمل بشكل جماعي، ويتم تجاوز تقسيم العمل السائد في مرحلة الإنتاج الكبير الفوردية. وأسيء استخدام ماركس في كتاب جروندريز مرة أخرى، لتبرير مثل هذا الموقف(25).

وبالطبع، علينا الحذر في قبول فكرة ما بعد الحداثة، دون بحثٍ في شواهد ما يحدث بالفعل في عالم العمل المعاصر. فعلى سبيل المثال، بالنظر إلى صناعة تكنولوجيا المعلومات نفسها فقط، وليس إلى شكل الرأسمالية المجزأ المرتبط في شبكة، كما تنبأ به كاستلز وآخرون، سنجد بدلا من ذلك شكلا ذو تركيز عال للرأسمالية، تهيمن فيه على الصناعة شركات عملاقة مثل ميكروسوفت وجوجل، من خلال عمليات استبعاد وشراء كافة المنافسين المشابهين. ويحابي التنظيم القانوني للمشاركة في المعلومات مصالح رأس المال والشركات الكبرى، كما تعوق قوانين الملكية الفكرية وخصوصية الشركات الكبرى قدرة الخارجين منها على فضح سوء أدائها. وبينما يملك رأسماليون مغامرون فيسبوك الآن، اشترت شركة جوجول تطبيق يو تيوب (26).

وهذه الحقيقة، انفصال الواقع عن الرطانة حول شكل الرأسمالية المجزأ المرتبط في شبكة، يمكن ملاحظتها بوضوح في حالة ما يطلق عليه “اقتصاد التطبيقات”، إذ أصبح لدينا من خلاله أكبر شركة لسيارات التاكسي (أوبر)، والتي لا تمتلك ولا تقود أي سيارات تاكسي؛ وكالة (أيربنب) لحجز أماكن للإقامة في العطلات، لا تمتلك أي أماكن للإقامة أثناء العطلات؛ ووكالة سياحية (بوكينج دوت كوم) لا تقوم بتنظيم العطلات. وفوق هذا، عندما يتعلق الأمر بإعادة إنتاج البرمجيات، نجد على سبيل المثال، أن تحديثات برامج شركة ميكروسوفت، مصممة عمدا ليظل المستهلك دائما غير راض، لا يملك اختيار ما إذا كانت النسخ القديمة وجب تجاوزها أم لم يجب. وبدلا من أن تكون السلطة موزعة، يبدو أنها أكثر تركزا لدى شركات ضخمة في نمط يحظى بالتقدير ومستمر لفترات طويلة متصلة، بينما تنمو الصناعة.

وتعرضت مفاهيم “انعدام الوزن” و”اللامادية” لانتقادات من اليسار. إذ فندت أورسولا هوز عام 1999 مفهوم “انعدام الوزن”. وبينت أن “من أخطر الأوهام الراسخة بهذا الصدد، فكرة أن أشكال تكنولوجيا المعلومات الجديدة تعني إمكانية قيام أي شخص بأي شيء في أي مكان؛ حيث أصبح سكان العالم بالكامل قوة عمل افتراضية محتملة” (27). يكمن الخطر الذي نشير إليه في خطأ فكرة استقلال العمل بالكامل عن المكان، بما يؤدي إلى أن يصبح رأس المال طليقا وفائق القدرة، وبالتالي يصبح العامل الذي يعمل بين جماعة في وضع أضعف. ويمكن التشكيك في مثل تلك الأفكار حتى إذا طبقت على الظواهر الجديدة مثل “اقتصاد التطبيقات”. إذ تكشف لنا النزاعات التي أثارها مؤخرا سائقو سيارات التاكسي “أوبر”، ووكلاء “ديليفرو” لتوصيل الطلبات في لندن، أن المادية حقيقية جدا، وأن ممارسة الإضراب الجماعي يمكن أن تدخل تحسينات على شروط عمل العمال. وتابع كيفن دوجان البحث في هذه النقطة، ووصف بدوره سيناريو العالم منعدم الوزن باعتباره مفهوما مضللا. ووفقا له، أدى الاختفاء المفترض للمسافة والزمن المتولد عن ثورة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، إلى انفصال زائف تماما بين الحركة والموضوع. وذكر إننا نبدو في تلك الرؤية وكأننا نتحرك لما وراء محورية التكنولوجيا، إلى عالم أصبح انتقال المعرفة فيه صنما في حد ذاته. وهذا يصرف هذا النظر عن واقع أن “إنتاج واستهلاك المعرفة ظلا ماديين، حتى وإن أصبح التوزيع غير مادي”(28).

ووجهت أيضا بعض الانتقادات لمفهوم، “العمل المجاني” المرتبط بالاقتصاد الرقمي. بالطبع، يمكننا جميعا الإشارة إلى وقت “العمل غير مدفوع الأجر” المرتبط بأنشطة العمل التي نقوم بها؛ ومثاله البسيط هو ركوب وسائل المواصلات العامة أو الخاصة عند الذهاب إلى العمل. ويتضمن العمل المهني، في مجال التعليم والطب والقانون مثلا، الإطلاع على وثائق ودراسة مقالات وما إلى ذلك، خارج أوقات العمل المقررة. وصحيح أيضا أن عديد من صور المجتمع المدني لن يكون لها وجود دون أنشطة تطوعية؛ مثل إدارة الكشافة والمرشدات، وتنظيم النوادي الرياضية والجمعيات.. الخ. ويدخل الجهد البشري في كثير من تلك الأنشطة، مما يمكن اعتباره عملا بالمعنى العام، ولكنه أقرب إلى عمل شيء نحبه – هواية، أكثر منه “عملا مجانيا” في سياق عالم ما بعد الحداثة. وهناك ما هو أكثر دلالة: وفقا للباحثة ديان فان دان بروك، في نقدها لفكرة “العمل المجاني”:

العمل الرقمي ليس مجانيا ولا غير مادي، لأن ما يعطي العمل “وزنا” وقيمة ليس محتواه نفسه، بل علاقته مع رأس المال… يظل العمل مقيدا بعلاقة العمل وعملية العمل، سواء تم أداء العمل في فضاء السيبر أو في مواقع أكثر “ثباتا”. وفي الحقيقة، نظرا للاعتماد المتبادل بين أجر العامل ورأس المال، سيصبح كلا من المفهومين بلا معنى دون الآخر(29).

ولننتقل الآن من بعض الخلافات النظرية، ونبحث في الشواهد على تحول العمل المرتبط بالتقنية الرقمية والذكاء الصناعي والروبوت.

هل هناك ما يدل على التحول؟

يمكن أن تحل التكنولوجيا الرقمية محل العمال، مثلها في ذلك مثل كافة التطورات التكنولوجية السابقة تماما. ولكن علينا النظر في التأثير العام للابتكار التكنولوجي في المجمل، قبل قبول فكرة أن التكنولوجيا الرقمية تعني نهاية العمل. أولا، حينما فتك استخدام الكمبيوتر بوظائف عمال الجمع والتنضيد بالمعدن الساخن، وسع نطاق العمل والوظائف الصناعية عموما، ليس فقط في مجال الكمبيوتر والبرمجيات، ولكن أيضا في التليفونات المحمولة ووحدات التشغيل. ثانيا، حتى أكبر مشغلي اقتصاد “المنتج المستهلك”، مثل جوجل وفيسبوك وأمازون، سيعتمد على استغلال وقت حقيقي لقواه العاملة. يتكثف هذا الاستغلال في حالة أمازون داخل مخازن نصف مجهزة بالآلات، واستخدام “مجموعة كثيفة من العاملين” من الخارج، حيث يتولى العاملون مهام صغيرة لصالح أمازون على أساس نظام الأجر بالقطعة مقابل العمل بالمنزل عبر الاتصال من خلال الكمبيوتر(30). وربما يعتمد جوجل في استمراره، على عوائد الإعلانات من المشروعات في الاقتصاد “الحقيقي”، ولكنه سيحتاج في الوقت نفسه إلى استغلال قوة عمل خاصة به لمنافسة محركات البحث ومقدمي البريد الإلكتروني المنافسين مثل ياهو أو بايدو.

ثالثا، عندما نبحث الشواهد التطبيقية، سنجد أن البيانات لا تثبت صحة سيناريوهات “الطبقة المترفة” ولا “نهاية العمل”. إذ استعرض جون شيلد، الباحث في علم الاجتماع الصناعي المتوفر من شواهد، في دراسة نشرت عام 1975. ورفض النتائج المتعلقة بمجتمع وقت الفراغ، أو المجتمع المتحول هيكليا، واستخلص أن “منطق” أنظمة المعلومات المتقدمة “سيبدو أنه يوسع نطاق روتينية العمل، أو بقرطته فيي واقع الأمر، إلى مستويات الأعمال الكتابية، أو حتى الإدارية، التي ربما لا يكون قد وصل لها حتى هذه اللحظة(31). وبعبارة أخرى، بدلا من رؤية نهاية الوظائف المتدنية والعمل اليدوي، سنرى بدلا من ذلك تحول العمل إلى الروتينية بسبب استخدام الكمبيوتر. وكشف هاري برافرمان هذا السيناريو، وصاغه ببلاغة عام 1974، في كتابه “العمل ورأس المال القائم على الاحتكار”، الذي وصف فيه عمليات تخفيض المهارات والتايلورية في العمل المكتبي (32). وفي واقع الأمر، لقد أثار إدخال معالج الكلمات وترويج الروبوتات تجاريا في السبعينيات مخاوف، ليس فقط بشأن التحول إلى الروتينية، ولكن بسبب الشك في أن الآلة “ستستولي على عملك”. وفيما يلي ما تضمنه كتيب كتبه كريس هارمن حول هذه المسألة، نشره حزب العمال الاشتراكي البريطاني عام 1979:

يمكن بسهولة ملاحظة كيف أن نفس عملية تخفيض المهارات وزيادة التحكم الإداري تحدث في المتاجر، مع إدخال نظام الدفع بالكمبيوتر. لن يكون لدى مشغل آلة تسجيل المدفوعات النقدية عذر عن تأخره في مراجعة الثمن، بسبب تعبه من “عمل مريح بطبيعته”؛ ولن تكون هناك حاجة بعد ذلك لأمين المخازن الماهر، إذا كان الكمبيوتر سيتولى مهمة تفقد المخازن وإصدار أوامر جديدة؛ ولن يكون على المحاسب سوى قراءة الأرقام من الوحدة النهائية للكمبيوتر أو طباعتها. وسيتركون جميعا لمواجهة مهام مملة ومتكررة – الأمر الذي سيصبح أصعب عندما تزيد الإدارة سرعة الأجزاء المعتمدة على الكمبيوتر من عملية العمل(33).

وأصبح ظهور المصانع المكتبية الكبيرة وشيكا، مصانع معتمدة على الكمبيوتر، بدلا من خزانة الملفات.

وأيضا، وصلت الرؤى التاريخية اللاحقة للفترة التالية على استخدام الكمبيوتر، إلى النتائج نفسها فيما يتعلق بزيف يوتوبيا وقت الفراغ. فبعد استعراض مطول قام به بيتر برامهام للشواهد المتوفرة بكثرة، خلص إلى ما يلي: “أدركنا متأخرين جواز الالتفات عن مشروع مهمة تطوير وإدارة “مجتمع وقت الفراغ” الأساسي بسبب سذاجته المفرطة”(34). وتنبع هذه السذاجة الواضحة من إساءة فهم دوافع صاحب العمل في استخدام أشكال جديدة من التكنولوجيا، والنتائج المترتبة على ذلك. من منظور ماركسي، لا يجب اعتبار أي ابتكارات تكنولوجية، بما في ذلك تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والأشكال الأخرى لرقمنة العمل، أدوات محايدة للتغيير في إطار عملية العمل. بل سيلجأ رأس المال إلى الاستثمار في التكنولوجيا الجديدة، ليس لأن هذا قد يفيد الصالح العام، بل لأنه يرفع معدلات الربح. ونتيجة لذلك، لا تكون يوتوبيا مجتمع الفراغ في ظل الرأسمالية سوى وهما. يحتاج رأس المال للابتكار، للوصول إلى أثاره الخبيثة وليست الحميدة، من خلال تكثيف العمل وزيادة معدل الاستغلال، ليس فقط بسبب التكاليف المترتبة عليه، ولكن أيضا لأن رأس المال لابد له من خلق اتجاهات تعويضية في مكان العمل لركود ارتفاع الإنتاجية. وبالتالي، بدلا من أن نرى نقصا في ساعات العمل في العقود الماضية (بالتوازي مع الرقمنة وتكنولوجيا المعلومات والاتصال) في المجتمعات الصناعية المتقدمة، اتجه متوسط ساعات العمل التي يؤديها العامل إلى الارتفاع. ويجتمع هذا الميل جنبا إلى جنب أيضا مع ارتفاع عام في البطالة وزيادة الفقر بين العاملين (35).

رابعا، لم تؤد الحوسبة والرقمنة إلى طفرة كمية وكيفية طويلة المدى في إنتاجية العمل الإجمالية (مما قد يفسح المجال لحلول مجتمع وقت الفراغ). سيكون هناك بالتأكيد قفزة أولى في الإنتاجية التنظيمية نتيجة لإدخال، على سيل المثال، أشكال أحدث من تكنولوجيا المعلومات والاتصالات مثل ويب 2.0. ورغم هذا، فتلك التحسينات على الإنتاجية ليست مستديمة(36). وأكدت دراسة أجراها المعهد الوطني للبحوث الاقتصادية والاجتماعية، ومقره بريطانيا، للشركات في دولتين، نتائج الدراسات المشابهة التي أظهرت أن قرار اللجوء إلى العمل عبر الإنترنت في حد ذاته ليست له آثار طويلة المدى على الإنتاجية”(37).

ويعد روبرت جيه جوردون، الاقتصادي المقيم بأمريكا، ناقد من الاتجاه الرئيسي منذ وقت طويل للموقف الذي يرى أن تكنولوجيا المعلومات والاتصالات رفعت الإنتاجية الإجمالية بشكل ملموس. وفي دراسته الأساسية الأخيرة حول الاقتصاد الأمريكي، فند الادعاء بأن تكنولوجيا المعلومات كان لها تأثيرا جوهريا على رفع الإنتاجية في العقود التالية على إدخالها إلى أماكن العمل. وجه جوردن حجته إلى “المتفائلين بالتكنولوجيا”. ووفقا له فثورة تكنولوجيا المعلومات أدت إلى تغييرات أقل جوهرية في الإنتاجية مقارنة بكثير من أشكال التكنولوجيا الأخرى، والتي تتضمن التلغراف أو المصباح الكهربائي أو أنابيب المياه داخل المباني والصرف الصحي في المناطق الحضرية(38). والنقطة المهمة، أن أجهزة الكمبيوتر لا تمثل سوى نسبة قليلة نسبيا من رصيد رأس المال، والأهم، انخفاض الاستثمار في الكمبيوتر منذ أعلى نقطة له أثناء “ثورة تكنولوجيا المعلومات” في التسعينيات(39). وأشار ميشيل بورتر، المتخصص في علم الإدارة، إلى أنه فيما تبنت كل الشركات تكنولوجيا الإنترنت، ستصبح نفسها محايدة كمصدر للتميز(40). وبينما يُتوقع دائما إدخال تحديثات في البرمجيات والأجهزة، إلا أن الأثر الإجمالي لمثل تلك التحديثات من المرجح أن يكون ضئيلا مقارنة بالاستثمار الأولي. وسيكون على رأس المال الفردي الأخذ في الاعتبار “فترة حياة الرأسمال الثابت” التي تحدث عنها ماركس. ووفقا لهارمان:

نادرا ما يبدل الرأسماليون الآلات الموجودة فور ظهور تطور تكنولوجي جديد. إذ يحاولون الانتظار حتى تتم تغطية إنفاقهم على تلك الآلات وتحقيق ربح منها- الأمر الذي يستغرق منهم عادة عدة سنوات. وازداد هذا الميل إلى الانتظار، بسبب المخاطر الكامنة في أن يكونوا أول من يستخدم تكنولوجيا لم تتم تجربتها: ففرصة اغتراف السوق بسبب الانخفاض الكبير في التكاليف، ربما توازنها مخاطر فشل التكنولوجيا الجديدة (41).

وتشير التباشير الزائفة للتغير التكنولوجي إلى وجوب الحذر بالنسبة لمزاعم شمولية التطبيق.

علم الإنسان الآلي والذكاء الصناعي

وفي واقع الأمر، وجدنا أيضا عند بحث الشواهد أن الابتكار التقني في صورة الروبوتات والذكاء الصناعي محدود بالمثل في تأثيره المحتمل على عالم العمل. إذ تشير شواهد منشورة عام 2015، من قاعدة بيانات 17 شركة تم تجميعها في الفترة من 1993 إلى 2007، إلى أنه بينما ترتفع الإنتاجية مع الابتكار في مجال الروبوتات، ويتم التخلص من بعض الوظائف متوسطة المهارة وقليلة المهارة، إلا أن هناك بعض الدلائل أيضا على تناقص العوائد الحدية لاستخدام الروبوت- “تأثير المزاحمة” – وبالتالي فهي ليست الحل السحري لتحقيق النمو. وبالفعل يشير الباحثون إلى أن “هذا يجعل مساهمة الروبوتات في الاقتصاد الإجمالي تعادل تقريبا الأشكال التكنولوجية المهمة السابقة، مثل السكك الحديدية في القرن التاسع عشر، والطرق السريعة في أمريكا خلال القرن العشرين”(42).

ولا يعني هذا أن رأس المال لا يستثمر في علم الإنسان الآلي. فالعكس صحيح، حيث هناك توجه للتشغيل الأوتوماتيكي بواسطة الروبوت، يتضمن المعرفة الصناعية وتعلم الآلة(43). وتقود اليابان وكوريا الجنوبية هذا الطريق، إذ بلغت النسبة أكثر من 300 روبوت لكل 10 آلاف عامل صناعي. ورغم هذا، ما تزال قيمة استبدال وظائف العمال محدودة، وخاصة بالنظر إلى تكلفة الاستثمار الكبيرة المرتبطة بالروبوت. مشكلة أخرى متعلقة بالاستثمار في الربوتات، هي أن المهام التي تستطيع القيام بها بفاعلية مازالت محدودة. أما بالنسبة للمهام الأكثر تعقيدا، فلا بد من متابعة البشر للروبوتات، خشية تحطمها أو خطأها في الحركات الدقيقة، الأمر الذي يؤدي مرة أخرى إلى تقليل مساهمتها المحتملة في تحسين الإنتاجية. على سبيل المثال، بدأت مرسيدس- بنز الآن في استبدال روبوتاتها ببشر، لأنهم أكثر مرونة(44). وفي الواقع، يعود سبب محدودية استخدام الروبوتات في العمليات التقنية المتقدمة جزئيا إلى نقص مرونتها. وفي عام 2016، اكتشفت دراسة لمصانع السيارات الألمانية، أن استخدام الروبوتات لا يقدم الحل السحري لتحسين الإنتاجية، بل أدى استخدامها إلى قيام البشر بأعمال إضافية تضمنت المراقبة الدائمة للروبوتات: “في وردية العمل العادية، والخالية من العقبات من ناحية أخرى، يكون العامل مسئولا عن القيام بثمان عمليات لحام والتعامل مع تدخل الروبوتات من 20 إلى 30 مرة في فترة العمل – ليس بسبب وقوع حوادث فنية، ولكن من أجل منعها. ورغم تقلص العمل البشري من الناحية الكمية عبر السنين، إلا أن دوره الكيفي ازاد مع التشغيل الأوتوماتيكي”(45). وحاول أحد مصنعي الروبوتات الأساسيين –ريثينك روبوتس– إنتاج روبوت ذو تكلفة يمكن تحملها “يعمل بمجرد توصيله” بإمكانه تقليد حركات الإنسان للاستخدام على نطاق واسع في الصناعة، ولكن يبدو أن المحاولة توقفت. وتقلص حجم الشركة مؤخرا، وأعلنت عن تسريح ما يقرب ربع العاملين فيها(46). والمساعي متواصلة الآن لتطوير “كوبوتس” لتكون بديلا للروبوتس. وتشتغل تلك الآلات جنبا إلى جنب مع الإنسان لتمكين المرونة والإبداع من الازدهار(47).

المشكلة الثانية كما يذكرنا الاقتصادي الماركسي مايكل روبرتس، هي أن الروبوتات مازالت آلة، وبالتالي:

لا تملك الروبوتات شيئا إزاء التناقضات داخل التراكم الرأسمالي… تحيز رأس المال أو تقليص عدد العمال يعني انه يتم خلق قيمة أقل (إذ يمثل العمل السبيل الوحيد للقيمة) بالنسبة إلى تكلفة رأس المال المستثمر. وهناك ميل لانخفاض الربحية بينما ترتفع الإنتاجية… ولذا سيعني اقتصاد تهيمن عليه بشكل متزايد الإنترنت والروبوتات في ظل الرأسمالية، أزمات أكثر كثافة وعدم مساواة أعظم، ولن يعني وفرة فائقة ورخاء(48).

علاوة على ذلك، “المكنسة الكهربائية الروبوت “رومبا” ستنظف الأرض بسرعة وبتكلفة زهيدة وجودة متزايدة، ولكنها لن تحجز أبدا لقضاء عطلة باستخدام بطاقة الائتمان الخاصة بي”(49). رغم بساطة ملاحظة روبرتس، إلا إنها تلقي مزيدا من الضوء على القيود على التوقعات بوجود عالم يسيطر عليه ابتكار الروبوتات. على سبيل المثال، إذا كان من الممكن الانتقال إلى عالم تستطيع فيه الروبوتات إعادة إنتاج نفسها (روبوتات تصنع الروبوتات التي تصنع روبوتات) سنكون حينها إزاء عالم ستساوي فيه الأرباح صفرا (إذ لن تكون هناك قيمة تخلق من خلال عمل الإنسان)، إلى جانب الوفرة الفائقة والفراغ، إذ ستكون الروبوتات أقرب إلى العبيد. وستكون تداعيات النزاع بين رأس المال والعمل في الطريق إلى هذه النرفانا هائلة. ووفقا لمايكل روبرتس “مازلنا مواجهين بمستقبل قد يشبه إما واقع مرير شديد الرأسمالية، أو فردوسا اشتراكيا، ولم يحظ الاختيار الثاني بذكر”(50).

ويمثل الوعي إشكالية أيضا، إذ ينبغي علينا التفكير فيما إذا كان الوعي يفوق “الذكاء” الصناعي. عندما ينظر إنسان إلى مرآة، يرى نفسه؛ وعندما ينظر قرد إلى مرآة يرى قردا. ولكن ماذا “يرى” الروبوت، وماذا “يدرك”؟ في الواقع، الروبوت لا “يرى” إلا إذا برمجه ذكاء إنسان قبل ذلك ليسجل الفروق بين صورة معينة وصورا أخرى. قد يكون الروبوت مبرمجا لأداء مهام جديدة، ولكن لا يمكنه نقل المعرفة التي اكتسبها في إحدى المهمات إلى أخرى. ليس لدى الروبوت خيال، أو مشاعر، أو وعي، ويظل آلة. وكرر دانيال دينيت في كتاب “في تفسير الوعي” هذا السؤال المحير، وذكر أن الكمبيوتر يعمل بصورة مختلفة تماما عن العقل البشري – يعالج الكمبيوتر كمية متزايدة الضخامة من المعلومات بشكل متسلسل، بينما يحتوي العقل على تفاعلات متزامنة لآليات وعمليات مختلفة(51). ويمثل إنجاز هذا النوع الأخير من التعقيد التحدي الحقيقي بالنسبة للذكاء الصناعي.

وماذا عن الاستهلاك؟

بالطبع، لا يبدو أن التشغيل الآلي يتقدم بسرعة في عالم الإنتاج فقط. إذ نتعرض بشكل مستمر بصفتنا مستهلكين إلى قصف الإعلانات عن منتجات تكنولوجية جديدة، يفترض أنها ستحسن نمط حياتنا في مجتمع “الباركود” أو “التطبيقات”. وقد يتضمن هذا ساعات ذكية، وأجهزة تتبع اللياقة الدنية، ونظارات ذكية وملابس ذكية(52). وقد اجتازت سيارات جوجل بلا سائق الآن أكثر من مليون ميل في طرق نيفادا وكاليفورنيا، منذ إطلاقها عام 2012. ووفقا لمزاعم وسائل الإعلام، تتصدر الحكومة البريطانية مهمة استحداث أسلوب لإلغاء الضوابط على استخدامها، والبحث بحماس في كيفية جعلها آمنة (53). ولا تخلو السيارات بدون سائق من المشاكل، وإن كانت مبرمجة على الوقوف في إشارات المرور، إلا إنها في الوقت الحالي ليس بإمكانها إدراك الإشارات الضوئية المؤقتة عند وجود إصلاحات في الطرق، ولا ملاحظة الشرطي عندما يطلب منها التوقف! كما أنها ليست بدون سائق من الناحية الفنية، إذ لا يسمح لها حتى الآن بالحركة في الطرق العامة إلا بوجود سائق مسئول خلف مقودها معه ترخيص كامل بالقيادة. وبصرف النظر عن تلك المشاكل، تقدر جوجل أنها ستتجاوز تلك المسائل بحلول 2020 (أو بالأحرى سيتم التغاضي عن كل تلك العقبات التنظيمية)، بينما عبرت شركات جشعة أخرى في اقتصاد “المشاركة”، مثل أوبر، عن استعدادها لإدخال سيارات تاكسي بدون سائق (في الواقع)، والأساس الواضح في ذلك أنها لن تحتاج إلى دفع مال لسائق التاكسي.

ونستطيع الآن حساب كل ملمح من ملامح حركات جسدنا، وحتى المؤشرات الحيوية مثل ضغط الدم ومعدل ضربات القلب، من خلال أجهزة يمكن ارتداءها أو عبر تطبيقات على الهاتف الذكي. وظهرت حركة كاملة (الحساب الكمي الذاتي) مكونة من الأشخاص الذين يشاركون ويتداولون تلك البيانات بالتبادل(54). وعلى مستوى تجاري، كان أمام مثل تلك العملية من الحساب والتسجيل لحركات الجسد، بالطبع المزيد من إمكانيات التسليع. في المطبخ، قد ينظف الروبوت الأرض أو حتى يسجل السعرات الحرارية التي نتناولها في طعامنا. وربما يكون هناك استخدام لروبوت جنسي في حجرة النوم، أما بالنسبة للذكر المهووس بذاته تماما فيوجد الآن تطبيق يسمى “سكس فيت”، وهو “يركب في العضو أعضاء الذكر التناسلية ليساعد على تحقيق انتصاب أقوى، ويتصل مع تطبيق مصاحب على الهاتف الذكي عبر البلوتوث أو الواي فاي، وهكذا يكون بإمكانك قياس الأشياء المهمة الخاصة بإحدى اللحظات الرومانسية، مثل السعرات التي تم إحراقها، وعدد مرات الإيلاج في الدقيقة. ويتم إرسال المعلومات المجمعة إلى هاتفك”(55).

ويشير كل هذا إلى أننا ربما نتحرك بسرعة باتجاه عالم ستسيطر فيه الروبوتات والذكاء الصناعي والكمبيوتر على الأنشطة التي يحدثها الإنسان. ورغم هذا ففي معظم الأحيان، تستند توقعات تحقق التفرد (عندما يتفوق الذكاء الصناعي على الذكاء البشري) على استقراء قانون مور، والذي اتخذ اسمه من اسم جوردون مور المشارك في تأسيس شركة إنتل. ووفقا لهذا القانون يتضاعف عدد دوائر الترانزستور الذي يمكن إدخاله في جهاز كمبيوتر كل عامين، ويؤدي هذا إلى تخفيض التكلفة وزيادة قوة الحوسبة زيادة كبيرة على السواء. ورغم هذا، هناك إمداد محدود من المعادن النادرة في الأرض المستخدمة في صناعة الكمبيوتر(56) واعترف مور بنفسه أنه سيكون هناك أيضا حدود مادية لعدد دوائر الترانزستور التي يمكن إدخالها في دائرة متكاملة.

وهكذا، يبدو احتمال التوصل إلى التفرد، نتيجة لتطبيق الرقمنة وعلم الإنسان والذكاء الصناعي، بعيد المنال. ولا يرجع هذا فقط إلى المسار التكنولوجي الذي لا زالت هناك حاجة للالتزام به لتحقيق إمكانيات تلك الابتكارات بالكامل، ولكن أيضا بسبب التناقض بين السعي وراء إنتاجية متزايدة، وأزمة الربحية التي ستترتب عليها. وهناك أدلة واضحة تؤكد وجود تلك القيود. ففي دراسة ضخمة أجريت لتقييم مدى احتمال تحقق التفرد، تم إجراء سبعة اختبارات ذات أهمية للوقوف على البداية التي تمت ملاحظتها للتفرد خلال الخمسين عاما الماضية. ركزت الاختبارات في الدراسة على البيانات الاقتصادية التي تسجل معدلات التسارع في العرض والطلب على منتجات تكنولوجيا المعلومات مثل برمجيات الكمبيوتر والتطبيقات المرتبطة بها، وكذلك المواضيع المرتبطة بالعمل مثل زيادة الأجور والإنتاجية في قطاعات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الأساسية. واستخلص مؤلف الدراسة “سلبية خمسة اختبارات من الاختبارات السبعة بالنسبة للتفرد، في حين كان الاثنان الباقيان إيجابيين… بإجراء تقدير استقرائي بسيط للاختبارين الإيجابيين، يتضح أن الوقت الذي قد يحقق الاقتصاد بعده التفرد تحقيقا مقبولا، يبلغ مائة عاما أو أكثر”(57). والأهم، لم تنجح الاختبارات في أهم المقاييس المتعلقة بارتفاع الإنتاجية الإجمالية وارتفاع نمو الأجور.

باختصار، يمكنا إدراك أنه يبدو أنه لا توجد فروق واضحة بين تكنولوجيا المعلومات والرقمنة في تأثيرها على الإنتاجية والأداء والتوظيف في مكان العمل (وعلى الاقتصاد بوجه عام)، والأشكال السابقة للابتكار التكنولوجي. لقد أُدخلت التكنولوجيا في الديناميكية الرأسمالية تحديدا لتعزيز إنتاجية العمل وتخفيض تكاليف وحدة العمل، ولكن التوترات ستتصاعد لا محالة، مما يقلل من الآثار المباشرة. والأهم، أن تناقضات نمط الإنتاج الرأسمالي، وفقا لماركس في نظرية العمل للقيمة، وميل معدل الربحية للانخفاض على المدى الطويل، مازالا يظهران في عالم العمل الرقمي الجديد. ربما نكون في عاصفة عملية للانتقال العميق إلى الأوتوماتيكية في مكان العمل، ولكن الإنتاجية لم تتحسن إلى درجة يمكننا التنبؤ معها بنهاية العمل، أو يوتوبيا شيوعية للحرفيين الرقميين في عالم منعدم الوزن من العمل غير المادي. ومن ثم، هل يمكننا الوقوف على أي فرق في عالم العمل، حيث تسير الرقمنة بسرعة فائقة؟

نحو قياس كل شيء؟

يكمن مفتاح فهم التأثير الحقيقي للرقمنة على العمل والطبقة العاملة، في إعادة تحليل الآثار من خلال مفهوم ماركس حول وقت العمل الضروري اجتماعيا. صاغ ماركس مفهوم وقت العمل الضروري اجتماعيا للمساعدة في شرح ديناميكية المنافسة بين رؤوس المال. يضطر الرأسمالي الفرد، من أجل النجاح في المنافسة مع الرأسماليين الآخرين، إلى استغلال العمال إلى الحد الذي لا يقل إنتاج الشخص في وحدة الزمن عن متوسط القطاع أو الحرفة التي يشتغل الرأسمالي فيها. ويعرف هذا المتوسط بوقت العمل الضروري اجتماعيا لإنتاج سلعة معينة. ويكون خاضعا للتغيير المستمر حينما تستخدم تطبيقات تكنولوجية جديدة، أو طرق أحدث في تنظيم واستغلال قوة العمل. وأوضح ماركس العلاقة بين وقت العمل الضروري اجتماعيا والقيمة السوقية، المشتركة بالنسبة لكل السلع من نفس النوع: “لابد أن تتم معادلة القيم الفردية المختلفة عند قيمة اجتماعية واحدة، وهي القيمة السوقية المشار لها آنفا، وهذا يعني المنافسة بين منتجي النوع نفسه من السلع، وأيضا وجود سوق مشتركة يعرضون سلعهم فيها للبيع “(58).

وهكذا يقع ضغط متواصل على الرأسمالي حتى يحافظ على مواكبة منافسيه، من خلال مراجعة إجراءات العمل، والتحقق من أن العمال لهم نفس إنتاجية نظرائهم لدى المنافسين. وتكون العملية كلها مشمولة داخل ديناميكية الرأسمالية. والأهم، أن إدخال تكنولوجيا جديدة شيء محوري في العملية، ليس فقط لزيادة إنتاجية الفرد، ولكن أيضا كآلية أساسية للسيطرة على العمال من خلال تعزيز قدرة صاحب العمل على مراقبة مخرجات العمل في الوقت الحقيقي. فمن أجل تحقيق الحد الأقصى للفاعلية، وانتزاع أكبر فائض للقيمة من عملنا، لابد من مراقبة رأس المال وسيطرته على مدخلات ومخرجات كافة الجوانب المادية والذهنية للعمل.

وقدم ماركس مزيدا من الصياغات المفاهيمية لعملية انتزاع القيمة من العامل بالنسبة للعمل الملموس أو العمل المجرد. العمل الملموس أو النافع، هو فعل العمل نفسه لإنتاج شيء أو إحداث تأثير مفيد من نوع محدد، بينما يمثل العمل المطلق العملية التي تخلق بها القيمة خلال معادلة الأفعال الملموسة للعمال في ظل نظام المنافسة (داخل ديناميكية وقت العمل الضروري اجتماعيا). ومن المهم في تعريف العمل المجرد فهم قول ماركس إن العمل كله له طابع مزدوج ويوجد في آن واحد بشكليه؛ الشكل الملموس المجرد على السواء. ورغم هذا، فالعمل المجرد هو الذي يتم من خلاله تسويق ثمار عملنا، وذلك جذر انفصال منتج العمل عن العامل الفرد. ومن ثم، يكون العمل المجرد مصدرا للاغتراب.

ولذلك، بإمكاننا توقع وجود دافع متزايد دائما لدى أصحاب العمل نحو مراقبة وتسجيل وضبط عملنا، ووضع أهداف يتم تعميمها عبر المصنع والمكتب والقطاع والمهنة. ولا شك في أن القياس الكمي المتزايد لناتج العمل، والنابع من الديناميكية السالف ذكرها، هو جذر ثقافة المستهدف، والخبرات الاغترابية الأخرى التي تحيط حياة العمل الحديثة، ليس فقط في عملية الإنتاج في عنابر المصنع، ولكن أيضا في الوظائف الخدمية والإدارية. ويمتد تعطش أصحاب العمل للقياس الكمي إلى كافة أبعاد عملنا، بحيث لا يبدو أن هناك عمل أو مهنة يمكنها الهرب منه. وتوضع الأهداف داخل جداول عملنا، وتراقب وتضبط من خلال تقييم وتقدير الكفاءة والقدرة، والإجراءات العقابية.

يمثل القياس الكمي للعمل الكأس المقدسة لممارسات الموارد البشرية الحديثة. يتجاوز الأمر قياس المدخلات والمخرجات المادية إلى المجالات النفسية والاجتماعية والجوانب المتعلقة بطريقة اتخاذ مواقف. وعلى سبيل المثال، أعدت مايكروسوفت في مجال التعليم برنامجا يتضمن مصفوفة من 39 قدرة بالنسبة “للمدرسين وقادة المدارس”. هذه “القدرات” قابلة للقياس، وتتضمن ما يحمل تسميات غريبة مثل “التعليم على الطاير”، و”خفة حركة تنظيمية” و”التعامل مع الإبهام”. ويتضمن “التعليم على الطاير” فقط أربع مستويات منفصلة من القدرات تبدأ من “القدرات الأساسية” إلى “قدرات الخبير”، التي تتراوح بدورها عبر أربع قدرات فرعية أخرى.

ومن هذا المنظور التقليدي، يمكننا توقع مدى استيعاب رأس المال لأشكال تكنولوجيا المعلومات الجديدة، في السعي لمصالحه من خلال إخضاع العمال لرغبته في تعظيم الربح. وهكذا، يمكننا التنبؤ بأن رأس المال سيستخدم الرقمنة لتوسيع قدرته على استعراض ومراقبة وقياس وضبط عمل العامل الفرد. وهناك مسار مواز، يتكثف في التحول إلى الرأسمالية النيوليبرالية، التي تعزز الاتجاه نحو هيمنة أكثر كثافة لرأس المال، عن طريق قدرتها على فرض مزيد من التفتت والفردية على العامل، حتى تترك “القيمة المضافة” مكشوفة وقابلة للقياس. فعلى سبيل المثال، يشجع هذا التحول النيوليبرالي على التخلي عن التحديد الجماعي لمعدلات الأجر، ويدخل طريقة بعينها في تحديد الأجر بناء على الأداء الفردي، المصحوب بمؤشرات، أكثر قسوة من أي وقت مضى، للتقييم وتحديد القدرات والانضباط. ووفقا لبعض الباحثين، يكون لعملية المفاضلة والتفتيت دلالات اجتماعية وجسمانية وثقافية عميقة، حيث يتم قياسنا ليس فقط بمعنى مخرجات عملنا المادي، بل بمعنى مدخلاتنا النفسية والاجتماعية(59).

ومن وجهة نظر آخرين، مثل دير-ويزفورد قد تكون خلقت ضرورة لإعادة تعريف الحدود بين العمل (work) والشغل (labour) بخلق سيبرتريا “cybertariat” جديدة(60)، أو “السيبر بروليتاريا” “cyber-proletariat”، ويتم خلالها إخضاع العامل “المنتسب إلى جماعة” (collectivised) وتعديل طبعه من خلال وجود كتلة لا تتقاضى أجرا، من منافسين محتملين، تمتد خارج نطاق المصنع والمكتب(61). ورغم هذا، لا يخالف هذا التشخيص، في نواحي عديدة بالطبع، فهم ماركس وفريدريك انجلز الأصلي حول جيش العمل الاحتياطي، أو بالأحرى “فائض السكان”، الذي قد لا يتضمن فقط البطالة والبطالة الجزئية، ولكن أيضا من هم خارج العمل المأجور أو يشاركون بالمنزل في إعادة الإنتاج الاجتماعية للعمل. ويضفي التشابه في المفاهيم شكوكا على تفرد رؤية السيبر بروليتاريا. وعلى نحو مشابه، طرح ماركس أيضا مفهوم “العامل المنتسب إلى جماعة”، بوصفه نتيجة للعمليات المباشرة للإنتاج. إذ يخضع صاحب العمل العمال، كما تجعل عملية الإنتاج منهم جماعة في الوقت نفسه أيضا. إنها تلك الديناميكية المزدوجة التي عرفها ماركس باعتبارها جوهر عملية العمل الرأسمالية، والتي تستمر بدون منازعة من “العامل الرقمي”، طالما يواصل صاحب العمل سعيه إلى استغلال عملنا وانتزاع فائض القيمة منه.

ولكن ذلك لا يعني عدم وجود أبعاد للتحول إلى الرقمية تؤدي إلى اختلاف العمل عما كان عليه في الفترة السابقة على هذا التحول. لقد سعى رأس المال دائما إلى القياس والضبط. سعت الدراسات الأولى للوقت والحركة، النابعة من أعمل ليليان وفرانك جيلبرت وفريديريك وينسلو تايلور في بدايات القرن العشرين، إلى وضع مقاييس للحركات المادية داخل عملية الإنتاج. واستخدم الزوجان جيلبرت أجهزة تكنولوجية مثل كاميرا تعمل بمحرك إلكتروني، وكرونومتر دقيق لتسجيل الوقت “الضروري” للقيام بإحدى المهام وتحديده بشكل مسبق. وتقدم تايلور، وآخرون مثل تشارلز بيداو في عملية القياسات من خلال التطرق إلى الأبعاد الفسيولوجية والنفسية لمطابقة العامل الفرد مع مهام عمل محددة. ثم تواصلت الحركة خلال العشرينيات والثلاثينيات.

وامتدت مثل هذه الأشكال من القياس بسرعة إلى العمل الخدمي والمكتبي في فترة ما بعد الحرب. وتم استخدام قياس الوقت حتى في أبسط مهام العمل بمضاهاتها مع بنوك الصور الفوتوغرافية التي تم إنشائها في ظل نظام “قياس الأساليب- الوقت” (Methods-Time Measurement)، الذي تأسس في أمريكا عام 1948. سجلت بنوك الصور هذه كل العمليات المكتبية، مثل رفع قلم حبر أو وضع ملف في مجلد، وربطتها مع متوسط الوقت المتوقع للمهمة. إلا أن الرقمنة تسمح بأشكال أوسع وأعمق للقياس أكثر من أي وقت مضى، ليس فقط بمعنى دقة ناتجنا المادي القابل للقياس باعتباره عملا ملموسا، بل أيضا كأرقام موازية ممثلة لقيمتنا المضافة من خلال العمل المجرد. وتستوعب تلك الأرقام الممثلة أيضا ميلنا إلى إضافة قيمة في المجالات الاجتماعية والوظائفية والنفسية.

وفيما يتعلق بالقياس المباشر، يمكننا إدراج قائمة بمجموعة من “الأعمال القابلة للقياس” التي تصلح للتسجيل الرقمي وتقديم تغذية عكسية مباشرة لصاحب العمل. وتستخدم محلات السوبر ماركت وسيلة التعرف باستخدام موجات الراديو في تتبع حركة عمال المخازن، مع إصرار بعض الشركات حتى على زرع رقائق في الموظفين(62). وأمدت شركة التحليلات الأمريكية سوسيوميترك سولوشنز حوالي 20 شركة ببطاقات تعريف للموظفين مزودة بميكروفون وخاصية استشعار الموقع وقياس التسارع(63). ويستطيع جهاز قياس التسارع أو تطبيق على التليفون الذكي، تتبع حركات جسم الشخص، حتى يمكنه تسجيل التعبير بإيماءات الجسد في اجتماعات الشركة بغرض توفير تغذية عكسية “انفعالية”. وتعمل تلك الأداة، المخفية أحيانا، على قياس تعبيرات جسدك، وتتبع عدد المرات التي تركت فيها مكتبك: “وفي نهاية كل يوم، ستجمع البطاقة الموضوعة على الملابس ما يقرب من أربعة جيجابايت من البيانات الثمينة حول سلوكك في المكتب”(64).

يمكن للميكروفونات تسجيل نبرة وارتفاع الصوت، وتسجيل لغة الجسد في اجتماعات الشركة لنفس الغرض. تتوفر لدى أصحاب العمل كل تلك الأدوات وعديد غيرها من أجهزة التتبع الذاتي مثل فيتبيت وجاوبون، ويستخدمونها في زيادة الأرقام(65). ويستخدم أصحاب العمل أيضا تكنولوجية جديدة لتسجيل أشياء متعلقة بصحتنا البدنية والذهنية باعتبار أن ذلك يدعم مستويات التنبؤ بالأداء، ولكن تتخفى دائما في رداء “منفعة الموظفين”. وبالطبع، تتهافت شركات التأمين الخاصة على هيكلة جداول أسعار التأمين بناء على تلك البيانات. وقد تستخدم أنظمة تسجيل غير ظاهرة مثل جوجول جلاس في مقابلات المرشحين لوظائف، بما يعني أن من يقوم بالمقابلة بإمكانه تسجيل ومراجعة المقابلة ودراسة الإجابات على الأسئلة لتقييم مدى الملائمة لأدوار بعينها.

وبينما يبحث أصحاب العمل على أشياء لقياسها وتسجيلها (والمستشارون مستعدون لإرضاء رغباتهم مقابل تقاضي رسوم)، تتيح أشكال جديدة من تقييم “الكفاءة” إمكانيات التقييم النفسي وتوفر مجموعة من النتائج الطبية الحيوية حول وظائف الغدد الصماء العصبية. وكما يُزعم، يحدد ذلك التوقعات المحتملة حول “الذكاء العاطفي” الجيد، بمعنى الوعي الذاتي بالانفعالات والتحكم فيها(66). وقد أنتجت جوجول عدسات لاصقة من شأنها مراقبة مرض السكر والجلوكوما، وسجلت مؤخرا براءة اختراع جهاز سيقوم باختبار الدم بدون وخز. يعمل الجهاز عن طريق “إرسال موجة من الغاز في إسطوانة تحتوي على جسيمات صغيرة تخترق الجلد. وبمجرد خروج الدم من الجلد، يتم امتصاصه داخل اسطوانة الضغط السلبي”(67). ويمكن ارتداء الجهاز، ومعد لاختبار الجلوكوز. ويمكن أن يستخدمه أصحاب الأعمال لمراقبة صحة الموظفين. ومن الممكن أن يتم استغلال الرقمنة في هذا في المجال المادي من قبل رأس المال لتكثيف هيمنة صاحب العمل، بما يتيح للشركات، وفقا لما أشار إليه بيتر فلمنج، إمكانية ممارسة أشكال أكثر جدة من “السلطة الحيوية” على الموظفين (68). وبالطبع، يجب النظر إلى كثير من هذه الأشكال التكنولوجية باعتبارها أوهام في رؤوس أصحاب العمل؛ إذ سيقاوم العمال دائما العلامات والوخز والعدسات اللاصفة، بنفس الطريقة التي طالما قاوموا بها حافظة تسجيل الوقت والحركة والساعة التوقيتية. يمكن لنا العودة فقط بذاكرتنا إلى بداية استخدام أجهزة الاستدعاء “بيجر” للعمال، مثل مهندسي الاتصالات، باعتبار ذلك وسيلة لرصد أماكنهم حينما يكونون “رهن الاستدعاء”. وانتهى الأمر بكثير من أجهزة البيجر إلى مغسلة الملابس “عن طريق الخطأ”، وتوقفت عن العمل في اليوم التالي. والنقطة التي يجب فهمها هي أنه ليس هناك تكنولوجيا جديدة “محايدة” في تأثيرها بمجرد وصولها ليد صاحب العمل، ولكن استخدامها يمكن مقاومته.

تكثيف هيمنة صاحب العمل على أجسادنا وأنفسنا كما أوضحنا في هذه المقالة، هو من مصادر اغترابنا. يدمر رأس المال سيطرتنا على أفكارنا وأفعالنا لمصالحه الخاصة. ويمتد ذلك من الجانب المادي إلى النفسي والاجتماعي، ويعمل على تكثيف عمليات محاولة السيطرة، التي بدأت بدراسة الوقت والحركة منذ مائة عام. ولكن لن يمر هذا التخريب والاستلاب دون مواجهة، فمقاومة ما يفرضه رأس المال جزء لا ينفصل عن العداء البنيوي القائم في مكان العمل. وفي واقع الأمر، قامت مقاومة سيطرة الإدارة بالوسائل التكنولوجية بدور المحدد للعلاقات الصناعية وعلاقات العمل عبر التاريخ، سواء في شكل معارضة عمال السيارات للتايلورية في ثلاثينيات القرن العشرين، أو النضال ضد محاولات أصحاب العمل لتقليل أوقات الراحة خلال يوم العمل منذ ذلك الحين. الأهم، هو ضرورة إدراك أن النضال حول التكنولوجيا لا يمكن فصله عن النضال حول السيطرة على العمل. وسيستخدم رأس المال التكنولوجيا دائما لتعزيز هيمنته، ولكن يمكن للعمال استخدامها بالمثل في خلق مجتمع لا يقوم على الربح، بل على متطلبات وحاجات المجتمع. وقد تمثل المعركة حول السيطرة إلى حد كبير، كما قال ماركس، مفتاح تحرير الإنسان، ولكن مثل هذا النضال لا يكمن في جوانب “غير مادية”، بل أن جذوره ضاربة بقوة في المواجهة المادية للرأسمالية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:
  1. انظر Moulier Boutang, 2012، صفحة 57، وانظر أيضا Dean, 2005.
  2. Barbrook, 1998.
  3. انظر للإطلاع على مواد حول الاتحادات والعمل المشتركhttp://tinyurl.com/zb85naw.
  4. Kirkup, 2016..
  5. Kurzweil, 2005.
  6. Marx, 1977..
  7. Thompson, 1982, pp599-601.
  8. Darlington, 2016.
  9. El-Sahli and Upward, 2015, p2..
  10. Toffler, 1970.
  11. Jenkins and Sherman, 1979، وتعني (ASTMS) “رابطة العاملين في المجالات العملية والتقنية والإدارية” (Association of Scientific, Technical and Managerial Staffs).
  12. Bell, 1973.
  13. Rifkin, 1995; Gorz, 1999..
  14. انظر: Castells, 1996.
  15. Terranova, 2000, p33.، MUDs and MOOs تعني نظم للواقع الافتراضي على الانترنت، يمكن أن تستوعب مستخدمين متعددين (لاعبين) متصلين في الوقت انفسه.
  16. Fuchs, 2010..
  17. Attwood-Charles and Schor, 2015.
  18. Dyer-Witheford, 2015.
  19. Mason, 2015, p136. See also Choonara, 2015, and Green, 2016.
  20. Mason, 2015, p164..
  21. Shapiro and Varian, 1998..
  22. Marx, 1973..
  23. Negri, 1989, p92.
  24. Hardt and Negri, 2000..
  25. انظر نقد Hardt’s and Negri’s حول استخدام مقال “نبذة عن الآلات” في Callinicos, 2014, pp198-204..
  26. اطلع على موقع http://whoownsfacebook.com/.
  27. Huws, 1999, p47..
  28. Doogan, 2009, p50 يشير هنا إلى “انهاء الطابع المادي”.
  29. Van den Broek, 2010, pp123-124.
  1. انظر Knaebel, 2016 للاطلاع على مزيد من الوصف لمجموعة العمل الكثيفة في أمازون.
  2. Child, 1975, p149.
  3. Braverman, 1974..
  4. Harman, 1979..
  5. Bramham, 2006, p379 وللاطلاع على مزيد من الرؤى التاريخية حول هذه المناقشات أنظر أيضا Veal, 2009.
  6. Pradella, 2015..
  7. أنظر UKCES, 2014 للاطلاع على مزيد من استعراض الشواهد الأحدث.
  8. Domenech, Rizov and Vecchi, 2015, p24..
  9. Gordon, 2016, pp441-461..
  10. Goodridge, Haskel and Wallis, 2009, p34..
  11. Porter, 2001, p62..
  12. Harman, 1991..
  13. Michaels and Graetz, 2015..
  14. وفقا للاتحاد الدولي للروبوت (IFR)، بلغ عدد الروبوتات الصناعية التي تعمل على مستوى العالم مليون ونصف عام 2014. بينما يتوقع الاتحاد إضافة 1.3 مليون جديدة على الإنترنت خلال العامين التاليين.
  15. انظر Gibbs, 2016..
  16. Pfeiffer, 2016, p16..
  17. Tobe, 2013.
  18. Roberts, 2015.
  19. Roberts, 2016a..
  20. Roberts, 2016b, p10..
  21. Dennett, 1991, p431..
  22. Fordham, 2015.
  23. Titcomb, 2015..
  24. انظر Moore, 2014, for a review and Nafus, 2016..
  25. Amlen, 2014..
  26. انظر الموقعtechradar.com/news/computing-components/the-pc-rare-metals-crisis-921363.
  27. Nordhaus, 2015, p28..
  28. Marx, 1966..
  29. See, for example, Moore, 2014..
  30. Huws, 2003.
  31. Dyer-Witheford, 2015..
  32. Cellan-Jones, 2015..
  33. انظر موقع http://slidingdoorcom.blogspot.co.uk/2015/09/spying-in-office-walls-have-ears.html.
  34. Kimura, 2015..
  35. انظر Moore and Upchurch, 2015,، للمزيد من الاطلاع على تلك الاتجاهات.
  36. Boyatzis and Akrivou, 2006..
  37. Duhaime-Ross, 2015,
  38. Fleming, 2015..
المراجع
  1. Amlen, Deb, 2014, “SexFit: Because We Don’t Have Enough Things to Measure”, www.yahoo.com/tech/sexfit-because-we-dont-have-enough-things-to-measure-94172149719.html
  2. Attwood-Charles, Will, and Juliet B Schor, 2015, “The Tyranny of Levelled Workplaces”, American Sociological Association (17 August), http://workinprogress.oowsection.org/2015/08/17/the-tyranny-of-leveled-workplaces/#more-3152
  3. Barbrook, Richard, 1998, “The Hi-tech Gift Economy”, First Monday, issue 3, www.firstmonday.org/ojs/index.php/fm/article/view/631/552
  4. Bell, Daniel, 1973, The Coming of Post-Industrial Society (Basic Books).
  5. Boyatzis, Richard, and Kleio Akrivou, 2006, “The Ideal Self as the Driver of Intentional Change”, Journal of Management Development, volume 25, issue 7.
  6. Bramham, Peter, 2006, “Hard and Disappearing Work: Making Sense of the Leisure Project”,Leisure Studies, volume 25, number 4.
  7. Braverman, Harry, 1974, Labor and Monopoly Capital: The Degradation of Work in the Twentieth Century (Monthly Review).
  8. Callinicos, Alex, 2014, Deciphering Capital: Marx’s Capital and Its Destiny (Bookmarks).
  9. Castells, Manuel, 1996, The Rise of the Network Society: The Information Age: Economy, Society and Culture, Volume 1 (Blackwell).
  10. Cellan-Jones, Rory, 2015, “Office Puts Chips Under Staff’s Skin”, BBC News (29 January), www.bbc.co.uk/news/technology-31042477
  11. Child, John, 1975, “Technical Progress”, in Brian Barrett, Rhodes Beishon, and John Beishon (eds), Industrial Relations and the Wider Society (Open University Press).
  12. Choonara, Joseph, 2015, “Brand New, You’re Retro”, International Socialism 148 (autumn), http://isj.org.uk/brand-new-youre-retro
  13. Darlington, Ralph, 2016, “Official and Unofficial Action in the Fight Against Anti-union Laws”, International Socialism 151 (summer), http://isj.org.uk/the-fight-against-anti-union-laws/
  14. Dean, Jodi, 2005, “Communicative Capitalism: Circulation and the Foreclosure of Politics”,Cultural Politics, volume 1, issue 1, https://commonconf.files.wordpress.com/2010/09/proofs-of-tech-fetish.pdf
  15. Dennett, Daniel, 1991, Consciousness Explained (Penguin).
  16. Domenech, Josep, Marian Rizov, and Michela Vecchi, 2015, “The Impact of Companies’ Websites on Competitiveness and Productivity Performance” (Conference Paper: First International Conference on Advanced Research Methods and Analytics).
  17. Doogan, Kevin, 2009, New Capitalism? The Transformation of Work (Polity).
  18. Duhaime-Ross, Arielle, 2015, “Google Wants your Blood”, The Verge (3 December), www.theverge.com/2015/12/3/9846088/google-needle-free-blood-draw-patent
  19. Dyer-Witheford, Nick, 2015, Cyber-Proletariat: Global Labour In The Digital Vortex (Pluto).
  20. El-Sahli, Zouheir, and Richard Upward, 2015, “Off the Waterfront: The Long-run Impact of Technological Change on Dock Workers”, Working Paper 2015:11, Department of Economics, Lund University.
  21. Fleming, Peter, 2015, Resisting Work: The Corporatization of Life and Its Discontents (Temple University Press).
  22. Fordham, Louise, 2015, “What Place does Wearable Technology Have in Workplace Health Strategies?”, Employee Benefits (15 September), www.employeebenefits.co.uk/what-place-does-wearable-technology-have-in-workplace-health-strategies/
  23. Fuchs, Christian, 2010, “Labor in Informational Capitalism and on the Internet”, The Information Society, volume 26, issue 3.
  24. Gibbs, Samuel, 2016, “Mercedes-Benz Swaps Robots for People on its Assembly Lines”, Guardian (26 February), www.theguardian.com/technology/2016/feb/26/mercedes-benz-robots-people-assembly-lines
  25. Goodridge, Peter, Jonathan Haskel, and Gavin Wallis, 2009, “UK Innovation Index: Productivity and Growth in UK Industries”, Nesta Working Paper 12/09.
  26. Gordon, Robert J, 2016, The Rise and Fall of American Growth (Princeton University Press)
  27. Gorz, André, 1999, Reclaiming Work: Beyond the Wage-Based Society London (Polity).
  28. Green, Pete, 2016, “Paul Mason’s PostCapitalism: A Response to Joseph Choonara”, International Socialism 149 (winter), http://isj.org.uk/paul-masons-postcapitalism-a-response-to-joseph-choonara/
  29. Hardt, Michael, and Antonio Negri, 2000, Empire (Harvard University Press).
  30. Harman, Chris, 1979, “Is a Machine After Your Job?” (SWP), www.marxists.org/archive/harman/1979/machine/index.htm
  31. Harman, Chris, 1991, “A Class of Robots?”, Socialist Review (November), www.marxists.org/archive/harman/1991/11/robots.htm
  32. Huws, Ursula, 1999, “Material World: The Myth of the Weightless Economy”, Socialist Register 1999: Global Capitalism vs Democracy.
  33. Huws, Ursula, 2003, The Making of a Cybertariat: Virtual Work in a Real World (Monthly Review).
  34. Jenkins, Clive, and Barry Sherman, 1979, The Collapse of Work (Eyre Methuen).
  35. Kimura, Tara, 2015, “How New Data-collection Technology Might Change Office Culture”, CBC News (14 September), www.cbc.ca/news/technology/how-new-data-collection-technology-might-change-office-culture-1.3196065
  36. Kirkup, James, 2016, “Strike All You Like, Doctors—Technology will Soon Take Away your Power”, Daily Telegraph (12 January), http://tinyurl.com/zkh78bq
  37. Knaebel, Rachel, 2016, “Germany Looking for Ways to Defend the Workers of the Digital Age”, Equal Times (9 May), www.equaltimes.org/germany-looking-for-ways-to-defend
  38. Kurzweil, Raymond, 2005, The Singularity Is Near (Viking).
  39. Marx, Karl, 1977 [1859], Preface to A Contribution to the Critique of Political Economy(Progress Publishers), www.marxists.org/archive/marx/works/1859/critique-pol-economy/preface.htm
  40. Marx, Karl, 1966, Capital, Volume 3 (Penguin), www.marxists.org/archive/marx/works/1894-c3/
  41. Marx, Karl, 1973 [1857], Grundrisse: Foundations of the Critique of Political Economy(Penguin), www.marxists.org/archive/marx/works/download/Marx_Grundrisse.pdf
  42. Mason, Paul, 2015, PostCapitalism: A Guide to Our Future (Allen Lane).
  43. Michaels, Guy, and Georg Graetz, 2015, “Industrial Robots have Boosted Productivity and Growth, but their Effect on Jobs Remains an Open Question”, http://blogs.lse.ac.uk/politicsandpolicy/robots-at-work-the-impact-on-productivity-and-jobs
  44. Moore, Phoebe, 2014, “Tracking Bodies, the ‘Quantified Self’ and the Corporeal Turn”, in Kees van der Pijl (ed), Handbook of the International Political Economy of Production (Edward Elgar).
  45. Moore, Phoebe, and Martin Upchurch, 2015, “Feedback, Performance and the Quantified Self”, unpublished paper available from the authors.
  46. Moulier Boutang, Yann, 2012, Cognitive Capitalism (Polity).
  47. Nafus, Dawn (ed), 2016, Quantified: Biosensing Technologies in Everyday Life (MIT Press).
  48. Negri, Antonio, 1989, The Politics of Subversion: A Manifesto for the Twenty-first Century(Polity).
  49. Nordhaus, William, 2015, “Are We Approaching an Economic Singularity? Information Technology and the Future of Economic Growth”, Cowles Foundation Discussion Paper number 2021, Yale University, http://papers.ssrn.com/sol3/papers.cfm?abstract_id=2658259
  50. Paul-Choudhury, Sumit, 2016, “Outsmarted?’”, New Scientist (25 June).
  51. Pfeiffer, Sabine, 2016, “Robots, Industry 4.0 and Humans, or Why Assembly Work is more than Routine Work”, Societies, volume 6, issue 2, www.mdpi.com/2075-4698/6/2/16/htm
  52. Porter, Michael, 2001, “Strategy and the Internet”, Harvard Business Review (March), https://hbr.org/2001/03/strategy-and-the-internet
  53. Pradella, Lucia, 2015, “The Working Poor in Western Europe: Labour, Poverty and Global Capitalism”, Comparative European Politics, volume 13, issue 5.
  54. Rifkin, Jeremy, 1995, The End of Work: The Decline of the Global Labor Force and the Dawn of the Post-Market Era (Putnam).
  55. Roberts, Michael, 2015, “Robots and AI: Utopia or Dystopia? Part One”, (23 August), https://is.gd/wu3vR1
  56. Roberts, Michael, 2016a, “Robert J Gordon and the Rise and Fall of American Capitalism” (14 February), https://thenextrecession.wordpress.com/2016/02/14/robert-j-gordon-and-the-rise-and-fall-of-american-capitalism/
  57. Roberts, Michael, 2016b, “Can Robots Usher in a Socialist Utopia or only a Capitalist Dystopia?”, Socialist Review (July-August), http://socialistreview.org.uk/415/can-robots-usher-socialist-utopia-or-only-capitalist-dystopia
  58. Shapiro, Carl, and Hal Varian, 1998, Information Rules: A Strategic Guide to the Network Economy (Harvard Business School Press).
  59. Terranova, Tiziana, 2000, “Free Labor: Producing Culture for the Digital Economy”, Social Text, volume 18, number 2.
  60. Thompson, E P, 1982 [1963], The Making of the English Working Class (Penguin).
  61. Titcomb, James, 2015, “Google’s Meetings with UK Government over Driverless Cars Revealed”, Telegraph (12 December), www.telegraph.co.uk/technology/2016/01/21/googles-meetings-with-uk-government-over-driverless-cars-reveale/
  62. Tobe, Frank, 2013, “Rethink Robotics is Downsizing”, http://robohub.org/rethink-robotics-is-downsizing/
  63. Toffler, Alvin, 1970, Future Shock (Bodley Head).
  64. UKCES (UK Commission for Employment and Skills), 2014, “The Future of Work: Jobs and Skills in 2030”, Evidence Report 84 (February), www.gov.uk/government/uploads/system/uploads/attachment_data/file/303334/er84-the-future-of-work-evidence-report.pdf
  65. van den Broek, Diane, 2010, “From Terranova to Terra Firma: A Critique of the Role of Free Labour and the Digital Economy”, The Economic and Labour Relations Review, volume 20, number 2.
  66. Veal, Anthony, 2009, “The Elusive Leisure Society, 4th Edition”, School of Leisure, Sport and Tourism Working Paper 9, Sydney University of Technology, https://opus.lib.uts.edu.au/handle/10453/19821
كشاف بالأعلام
  1. Barbrook, Richard ريتشارد باربروك
  2. Bedaux, Charles تشارلز بيداكس
  3. Bell, Daniel دانيل بيل
  4. Bramham, Peter بيتر برامهام
  5. Braverman, Harry هاري برافرمان
  6. Broek, Diane van den ديان فان دان بروك
  7. Castells, Manuel مانويل كاستلز
  8. Child, John جون تشيلد
  9. Dyer-Witheford درير-ويزفورد
  10. Dyer-Witheford, Nick نيك داير-ويذفورد
  11. Fleming, Peter بيتر فلمنج
  12. Gilbreth, Frank فرانك جيلبرث
  13. Gilbreth, Lillian ليليان جيلبرث
  14. Gordon, Robert J روبرت جيه جوردون
  15. Gorz, André اندريه جورز
  16. Hardt, Michael ميشيل هاردت
  17. Hargreave, James جيمس هارجريفز
  18. Harman, Chris كريس هارمن
  19. Huws, Ursula أورسولا هوز
  20. Jenkins, Clive كليف جينكينز
  21. Kurzweil, Raymond ريموند كورزويل
  22. Mason, Paul بول ماسون
  23. Moore, Gordon جوردون مور
  24. Negri, Toni وتوني نيجري
  25. Porter , Michael ميشيل بورتر
  26. Rifkin, Jeremy جيريمي ريفكين
  27. Roberts, Michael مايكل روبرتس
  28. Shapiro, Carl كارل شابيرو
  29. Sherman, Barry باري شيرمان
  30. Taylor, Frederick Winslow وفريديريك وينسلو تايلور
  31. Terranova, Tiziana تيزيانا تيرانوفا
  32. Thompson, E P إيي بي طومسون
  33. Toffler, Alvin ألفين توفلر
  34. Varian, Hal وهال فاريان

 

نشرت في الاشتراكية الدولية، مجلة ربع سنوية حول النظرية الاشتراكية. العدد 152، 7 أكتوبر 2016

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

الفصل الخامس من كتاب (رأسمالية الزومبي) النظام والإنفاق الحكومي يمثل الإنفاق العسكري شكلا خاصا من أشكال الهدر الذي يمكن أن يقبله الرأسماليون المنتمون لدولة ما، لأنه يعزز من قدرتهم على الصراع مع رأسماليي الدول الأخرى. ويُعتبر هذا الإنفاق مفيدا بالنسبة لمجموعات رأس المال المستندة إلى أساس قومي، بالرغم من أنه يؤدي إلى إهدار الموارد بالنسبة للنظام ككل.

كريس هارمان

الشريعة في دساتير ما بعد ثورة يناير… إعادة الجدل بشأن أسئلة الإسلام والسيادة والسلطة (4) نحن الآن في حاجة ماسّة، أكثر من أي وقت مضى، لاستئناف البحث في هذه الإشكاليات ليس انطلاقا من نقطة محمود أمين العالم وتيزيني ومهدي عامل وغيرهم، على ما بينهم من اختلافات وتناقضات في الطرح، وهي النقطة التي تبلورت في أعقاب هزيمة ١٩٦٧ كما سبق الذكر، ولكن من نقطة ما بعد الثورات العربية والتي برزت على خلفية تحولات جذرية في بناء العلاقات الاجتماعية في العالم والإقليم والمجال السياسي والأيديولوجي بطبيعة الحال.

عمرو عبد الرحمن

ماذا في الفراغ الرقمي؟ (2) يمكن أن تحل التكنولوجيا الرقمية محل العمال، مثلها في ذلك مثل كافة التطورات التكنولوجية السابقة تماما. ولكن علينا النظر في التأثير العام للابتكار التكنولوجي في المجمل، قبل قبول فكرة أن التكنولوجيا الرقمية تعني نهاية العمل.

مارتن ابتشيرتش

ماذا في الفراغ الرقمي؟ (1) يمكننا ملاحظة أن التكنولوجيا استخدمت دائما في أماكن العمل في أغراض القياس والتسجيل والمراقبة، بوصفها وسائل لتعظيم خلق القيمة وانتزاعها. ولكن في أحيان كثيرة يرى المعلقون، سواء من داخل التيار الماركسي أو من خارجه، أن التقنية الرقمية تمثل شكلا مميزا من الابتكار، وقد أسفرت عن نتائج مختلفة كيفيا في عالم العمل وخلق القيمة. فهل تختلف الرقمنة عن الأشكال الأخرى من الابتكار التكنولوجي؟ وحتى نصل إلى الإجابة، علينا أولا استعراض تاريخ التكنولوجيا نفسها.

مارتن ابتشيرتش

الربيع العربي: ضد التفاؤل والتشاؤم السطحيين “عرض لكتابي جيلبير أشقر وجويل بينين” إن استيعاب القصة بعقدتها متعددة الجوانب لن يحمينا فقط من العواطف السياسية السطحية، بل سيوفر لنا أيضا الدروس الصحيحة المستفادة للتعامل مع صراعات المستقبل. ويعد كتاب "الأعراض المرضية" لجلبير أشقر، وكتاب "عمال ولصوص" لجويل بينين، نموذجين جيدين للتحليلات الهامة التي تهدف للفهم الصحيح لما حدث.

عاطف سعيد