لماذا لم تقطر غزل المحلة الحركة العمالية في إضرابها الأخير؟

خبرات

04  إبريل  2017

عندما أضرب جزء من عمال غزل المحلة (والتي تفاوت تقدير عددهم ما بين المئات والآلاف) كتب الكثيرون عن عودة الاحتجاجات لقطاع الغزل والنسيج، وانتشرت هشتاجات مثل “شدي حيلك يا محلة، عاش نضال غزل المحلة، عاش نضال العمال”، وطالب الكثيرون بدعم إضراب العمال، واستبشر آخرون خيرا، حيث وصفوا المشهد بأنه مشابه لما قبل ثورة يناير. ولكن في اليوم التالي مباشرة فض العمال إضرابهم، وكان السببان الظاهران للفض هما أولا: تحرير إدارة الشركة محضر ضد خمسة من العاملات (حيث بدأ الإضراب بالعاملات) وأخذهم من بوابة الشركة أثناء دخولهم في اليوم الثاني للإضراب وتهديدهم بكونهم حسب ما ذكر أحد العمال “بأنهم هيشيلوا الليلة إذا لم يتم فض الإضراب”، والثاني: هو إحضار إدارة الشركة لعربة محملة بالزيت والسكر أمام باب الشركة، صباح اليوم الثاني للإضراب وذلك لبيعها بأسعار مخفضة، وذلك لشغل العاملات والعمال عن الإضراب.

ولما كانت هذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها القبض على عدد من عمال غزل المحلة أثناء الإضراب لتخويف العمال، وكان العمال سابقا يتحدون الإدارة والأمن ويكملون إضرابهم مثلما حدث في عام 2007 عندما هتف العمال بعد أخذ زملائهم “الإفراج قبل الإنتاج” وخرج زملائهم بالفعل، ولما كانت عربة السلع الرخيصة ما كانت تمنع العمال من مواصلة إضرابهم –حتى بعد شراء البضائع- رأينا أنه لا بد من البحث عن المتغيرات التي حدثت سواء في صفوف العمال أو في بنية الشركة نفسها لمعرفة ما آل إليه الوضع، ولماذا لم يقطر عمال غزل المحلة بما لهم من تراث نضالي طويل الحركة العمالية كما حدث في عام 2006 و2008؟ وما دور النقابات الموجودة بالنسبة للعمال؟

الإضراب الأخير وحقوق العمال

جاء إضراب عمال غزل المحلة ضمن احتجاج عمال العديد من الشركات -والتي تم قمعها جميعا بحبس وفصل دائرة واسعة من قيادات العمال- للمطالبة بزيادة أجورهم. وتأتي احتجاجات العمال على خلفية الزيادات الكبيرة في أسعار كل السلع والخدمات -والتي وصلت في بعض الحالات لأكثر من الضعف- وذلك بعد إقرار حزمة من السياسات التقشفية كان في مقدمتها قرار تعويم الجنيه، وسياسات رفع الدعم عن الطاقة، وإقرار ضريبة القيمة المضافة، بالإضافة لزيادة الرسوم الجمركية على الكثير من السلع.

ويشير البيان الصحفي الصادر عن الجهاز المركزي للمحاسبات في 11 فبراير 2017، إلى ارتفاع المعدل الشهري للتضخم في يناير 2017 بنسبة 4.3% عن الشهر السابق له مباشرة، لتصل نسبة التضخم إلى 29.6%، بينما كانت في يناير 2016، 10.7%، ووصلت نسبة التضخم على الطعام والمشروبات في يناير 2017 إلى 38.6% بعد أن كانت في العام السابق 13.9%.

أضرب حوالي أربعة آلاف عاملة وعامل، من أجمالي 16800 عامل بشركة غزل المحلة (طبقا لما ذكر أحد العمال -طلب عدم ذكر اسمه- هو وآخرون ما زالوا يعملون داخل الشركة خوفا من التعسف بهم وفصلهم مثل عدد من زملائهم بعد إضرابات سابقة)، لمدة يوم واحد وهو 7 فبراير 2017، وذلك للمطالبة بـ: صرف العلاوة الاجتماعية 10% وتطبيقها بأثر رجعي منذ عام 2016، ورفع بدل الغذاء أسوة بباقي شركات القطاع العام، وتشكيل لجنه الترقيات وتسوية المؤهلات، وضم حافز الـ220 جنيها المتجنب للراتب الأساسي وصرف فروقه كما جاء في نص حكم المحكمة العمالية بدائرة المحلة. ورغم فض الإضراب بدون تنفيذ أي مطلب من المطالب، إلا انه اعتبر أن الإضراب جيد، فهو بمثابة إنذار لإدارة الشركة.

وعن مدى إمكانية تحقيق مطالب الإضراب، ذكر الدكتور أحمد مصطفى، رئيس الشركة القابضة للغزل والنسيج، بعد فض الإضراب أن مطالب العمال خارج قدرات الشركة القابضة، ومنها صرف علاوة الـ10% لغير الخاضعين للخدمة المدنية، والتي لها مشروع قانون معروض على البرلمان ولم يخرج حتى الآن، وأنه لا يمكن تحقيق المطالب بضم حافز الـ220 جنيها إلى الأساسي، لأنه سيؤدي إلى تدرج الحافز وارتفاع قيمته ليكون 600 جنيها، وهو صعب التحقق وفيما يخص مطلب الترقيات أكد أنه سيجري تحقيقه خلال الفترة المقبلة، ولن تكون هناك أية معوقات في تحقيقه.

وعن الإرهاب وتخويف العمال، قال عامل آخر “أيام أبو علاء يمكن كان فيه حرية شوية، دولا حطوا كاميرات على بوابات الشركة، وفيه احتمال يعمموها داخل العنابر، عندهم فلوس يصرفوها في الحاجات دي وما عندهمشي فلوس يدوا العمال حقها”.

يكمل عامل ثالث “هما بيتعلموا من أخطائهم، وبيستفيدوا من تجارب الإضرابات اللي فاتت، في الإضرابات اللي فاتت لما كان مهندس بينزل يقول للعمال اشتغلوا، كانت العمال ما بتسمعش كلامه، ويطردوه من العنبر. المرة دي نازل للعمال رئيس القطاع ومعاه ظابط وغفر علشان يشوف مين اللي هيشغل المكنة ومين لأ. ده بيخوف العمال اللي هما أصلا بيحاولوا يشوفوا شغلانة ثانية جنب الشغلانة دي علشان يقدروا يعيشوا -والدنيا قفلت بره- فلازم العامل يحافظ علي الشغلة اللي في إيده”. ويكمل العامل “كمان هما استخدموا نظام الإشاعات، رموا إشاعات إنه المكان الفلاني اشتغل (أحد الأماكن المضربة عن العمل)، ده يخلي العمال المضربة تحس إنها لوحدها، والباقيين فكوا، ودا معناه أنهم هما اللي هيشيلوا الليلة”.

 تحدث عامل رابع عن الأحكام القضائية التي حصلوا عليها “لينا متجمد أكثر من عشرة آلاف جنيه لكل عامل، وده لو نفذوا حكم المحكمة الخاص بضم المتجمد لأساسي للمرتب، وهذا المتجمد هو فروق ضم الحافز من سنة 2011 لحد دلوقت”. وقد ذكر العمال بأن كل خمسة عمال قد قاموا برفع دعوي قضائية معا للمطالبة بضم الحافز، وصرف فروقه، وأن أخر حكمين حصل عليهما العمال بتاريخي 31 ديسمبر 2016، و26 يناير 2017.

تحدث ناجي حيدر -القيادي العمالي بشركة غزل المحلة والذي تم فصله تعسفيا بعد الإضراب في بداية عام 2015- عن تلاعب إدارة الشركة بحقوقهم، قائلا “العمال لها حقوق كثير طبقا لقانون العمل، منها أنهم بيحسبوا ساعة العمل يوم الجمعة بساعة وربع، رغم أن القانون بيقول أن يوم الجمعة يتحسب بيومين”.

واختتم عامل خامس الحديث عن الإضراب قوله “دلوقت هما مش راضيين يدونا العلاوة اللي هي مش حاجة جنب زيادات الأسعار، أنا بعد 12 سنة خدمة الـ10% بتاعتي هتكون 80 جنيه، وهما موقفين الترقيات، لأن الترقية معناها علاوة 7%، والأسعار عماله بتزيد، كيلو السكر نط من 3 جنيه لـ11 جنيه، الفرخة البيضا وصل سعرها 70 و80 جنيه، اللحمة عدت الـ120 جنيه، ده حتى كيلو العدس بقى بـ40 جنيه، كل ما نفتح التلفزيون يقولك الناس اللي بتحرض، الحقيقة إن الغلا هو اللي بيحرض”.

نبذة عن أوضاع صناعة الغزل والنسيج وأجور العاملين بشركات القطاع العام

صناعة الغزل والنسيج من الصناعات المتدهورة منذ عشرات السنين، والتي يصف البعض ترك الدولة لها بهذا الشكل هو تخريب وتخسير متعمد -خصوصا في شركات القطاع العام- حتى يتسنى لها خصخصتها. ولعل الفساد الذي حاول عمال غزل المحلة محاربته منذ سنوات، هو الذي حول الشركة من مصدر العملة الصعبة، على حسب ما ذكر أحد العمال، إلى شركة خاسرة الآن.

ونحن إذ نبحث في هذا الجزء، لكون أوضاع الشركة تؤثر بشدة على أوضاع العمال، ففي الحالات التي تكون فيها الشركات منتجة وتحقق أرباحا نجد أن مطالب وضغوط العمال يكون لها مردود. أما في الحالات التي تكون أوضاع الشركة لا تسمح بذلك، فيكون تحقيق المطالب أصعب خصوصا في أوضاع اقتصادية كالموجودة حاليا.

سوف نورد أولا رأي بعض المسئولين وأصحاب الأعمال عن أزمة الصناعة، وأسبابها من وجهة نظرهم، ثم نذكر بعد ذلك أراء العمال في الأوضاع التي وصلت إليها شركة غزل المحلة.

انتقد محمد على القليوبي، رئيس جمعية مصدري ومستثمري المحلة الكبرى مطالبة العمال بالأرباح في حين أن الشركات تخسر، وذكر عدد من أسباب خسائر الشركات منها ارتفاع نسبة الأجور بالنسبة للمبيعات، والتسويق السيء جدا في ظل المنافسة الشديدة في الداخل والخارج. عن الخسائر أيضا أوردت جريدة اليوم السابع ما جاء في تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات من أسباب خسائر شركة غزل المحلة، منها بيع معظم المنتجات بأسعار تقل عن التكلفة الصناعية لها، وعدم استغلال الطاقات الإنتاجية المتاحة الاستغلال الأمثل، وذلك لعدم توافر مستلزمات الإنتاج وغياب العمال بسبب الإضرابات (طبقا لما جاء في الجريدة) إلى جانب تحميل الشركة الزيادات السيادية في الأجور دون أن يقابلها زيادة في الإنتاج، كما ذكرت من أسباب الخسائر المخزون الراكد من منتجات الشركة.

كما صرح الدكتور أشرف الشرقاوي، وزير قطاع الأعمال العام، بأن “بعض الشركات الماكينات فيها حاجة تضحك، وعدد كبير منها مر على صناعتها مئات السنين، وهناك ماكينات من سنة 1904، وأغلبها لا ترتبط بالتكنولوجيا، وأوضح الشرقاوي أن العمالة الزائدة في شركات الغزل والنسيج تُعد أحد أهم معوقات هذه الصناعة، لافتا إلى أن تلك الشركات يعمل بها 60 ألف و500 عامل، وأن عدد العمالة المعاونة أكبر من عدد العمالة الفنية، موضحا أن خسائر شركات القطاع العام بالغزل والنسيج تتمثل في أجور العمالة.

أوضح ناجي حيدر أن الشركة تعمل بكفاءة 30% فقط من قوتها الإنتاجية بسبب عدم التطوير، وضرب مثالا على الإهدار “إذا جت لهم طلبية بـ120 ألف متر قماش، فعلشان الطلبية ما ترجعش لو فيها عيوب بيقرروا أنهم يعملوا 140 ألف متر، ياخدوا المطلوب ويرموا الباقي في المخازن، ويفرموه “. وأضاف “العمال اللي شغالين في العنابر 5 آلاف عامل فقط، والباقي في الإدارة والأمن، ومحطة المياه والكهرباء…”. كما تحدث عن محاولات إيقاف الشركة تمهيدا لبيعها، منها محاولات الإدارة إيقاف وفك ماكينات نسيج 14 في عام 2013، ونقل العمال للأقسام الأخرى بحجة ركود المنتج في المخازن، وأن العمال أوقفوا ذلك واستطاعوا إعادة الماكينات التي تم فكها بالفعل.

وعن تخسير شركة غزل المحلة، تحدث حيدر عن أهدار مليار 954 مليون جنيه، من أموال غزل المحلة (عن الفترة من 2006 حتى 2013) الواردة في تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات عام 2013، ضمنها 100 مليون لحساب فريق كرة القدم التابع للشركة في الوقت الذي تقف فيه الماكينات لعدم وجود قطع غيار. وعما جاء في التقرير ذكرت جريدة اليوم السابع أن خسائر الشركة بلغت في عام 2013 وحده، 343 مليون جنيه مقابل 185 في العام السابق عليه.

تحدث عامل سادس عن بعض أوجه الصرف لحساب الإدارة “الشركة معاها فلوس تجيب تكييف لرئيس الشئون القانونية بـ9 آلاف جنيه، والمفوض العام يروح يتغدى هو والحاشية بتاعته في الفور سيزون بـ10 آلاف جنيه على حساب الشركة، بس ممعهاش تدي العمال حقوقها”. ويكمل “الشركة دايما بتدعي الخسارة، لأنها لو قالت أنا بتكسب هقولها فين حقي، بيأخر القبض كام يوم علشان أنا أحمد ربنا إني بقبض، وما أطالبش بأي زيادة. أزاي شركة زي غزل المحلة تكون بتخسر، واللي عنده ماكينة تحت بير السلم بيكسب ويبني عمارة، وشركة زي غزل المحلة ميتها عندها، وكهربتها من عندها تكون بتخسر؟”

وعن ضعف الأجور ذكر عامل سابع بأن أجره الشامل بعد 18 سنة خدمة بالشركة يتراوح بين 1600 و1700 جنيه شهريا، ضمنها 600 جنيه كأجر أساسي فقط، وأنه لولا الحوافز والآجر المتغير لا يستطيع العيش، وتحدث كيف يؤثر مرض العامل على أجره، فالإجازة المرضية يتم خصمها مرتين، مرة من الحافز، ومرة من الحافز المجمع، ويضيف “هما بيمنعوا عننا العلاوة الـ10% علشان ما أطالبش بزيادة الأجر 50%، علشان لما يرميلي الـ10% بعد كده أخدها وأحمد ربنا وأسكت”.

وتحدث ناجي حيدر، عن أن أجره قبل الفصل بعد 34 سنة خدمة “كان 2000 جنيه ضمنهم 850 جنيه أجر أساسي… مطلوب مني أعيش بيهم، طب إزاي؟!”.

وفي مواجهة ما قاله المسئولون عن أن سبب خسارة الشركة هو أجور العمال، وعدم ارتباط الزيادة بالإنتاجية -على الرغم من أنه لا يوجد تناسب بين ما يتقاضاه العمال وما تتقاضاه القيادات العليا في الشركات والشركات القابضة- رأينا أن نورد مثالا واحدا يوضح بأن القطاعات التي تتقاضى أجورا مرتفعة هي القطاعات الأقل في تحقيق القيمة المضافة.

طبقا للتعداد الاقتصادي لعام 2012-2013 الصادر عن الجهاز المركزي للمحاسبات حقق نشاط الصناعات التحويلية (والتي يعمل بها 25% من إجمالي العاملين في القطاع طبقا للجدول رقم 1-2) طبقا للشكل رقم 60 من التقرير أعلي نسبة إنتاج وهي 64.1%، إلا أن متوسط أجور العاملين فيه حوالي 63 ألف جنيه سنويا، في الوقت الذي تصدر أجر العاملين في المالية والتأمين أعلى متوسط حيث وصل إلى 198.4 ألف جنيه سنويا، تلاه التعدين والمحاجر 95.1 ألف جنيه سنويا. هذا في الوقت الذي يساهم فيه قطاع الصناعات التحويلية بنسبة 26.2% من القيمة المضافة، بينما يساهم الأخيران بنسب 4.7%، 21.6% فقط على التوالي. وبالنسبة للأجور في الوجه البحري الذي منه مدينة المحلة الكبرى التابعة لمحافظة الغربية، فإن متوسط الأجر السنوي للعاملين في القطاع العام والخاص هي 18.3 ألف جنيه سنويا فقط.

تطور أوضاع العمال

سألنا العديد من العمال اللذين تواصلنا معهم عن وجه نظرهم فيما آل إليه حال العمال في شركة غزل المحلة والتي أدت لفض الإضراب بدون تحقيق مطالبه، فركز معظمهم على تخويف العمال وربطوا ذلك بالجو العام الذي يتعرض فيه كل من يحتج من العمال للفصل والحبس. قال أحدهم “دلوقت الشركة بتعمل للعمال محاضر بره الشركة، وبتحولهم للشئون القانونية جوه الشركة. كمان كل القيادات المهمة بره الشركة، إما مفصولة، أو منقولة بعيد عن العمال. العمال في 2007 لما خدوا القيادات كانت العمال بتهتف (الإفراج قبل الإنتاج) ودا اللي خرج زمايلنا، دلوقت زمايلهم مفصولين والعمال ولا سائلة، ده لو حتى كانوا هتفوا وهما مروحين –ما بنقولش يضربوا- بعودة العمال المفصولين بالاسم اقسم بالله كانوا رجعوا”.

وكان لناجي حيدر رأي في نجاح هذه السياسات في تخويف العمال “التفكك في وسط القيادات السابقة هو السبب، وده كان نتيجة لعدة عوامل وهي: أن الإدارة بتاعة الشركة وكمان الاتحاد الحكومي اشتروا معظم القيادات العمالية اللي ظهرت بعد إضراب 2006، وكمان انقسام القيادات العمالية حسب تبعيتها للعديد من القوى السياسية، وكذلك تبعية بعضهم لعدد من مراكز المجتمع المدني العاملة في مجال العمال، وأن هذا الانقسام جعل هذه القيادات أصبحت لا تلتفت للعمال ومصالحهم. كمان النجومية بقت آفة هذه القيادات، بعد عام 2008 ما بقاش فيه غزل المحلة خلاص؟؟!!”.

وأكمل ناجي موضحا أحد أشكال استيعاب عدد من القيادات من قبل إدارة الشركة والذي تمثل في استدعاء رئيس الشركة بعد 2011 لهم ووعدهم برد كل ما تم خصمه منهم سابقا بسبب تصديهم لإدارات الشركة السابقين والمطالبة بحقوق العمال، كما قام بمنحهم الترقيات التي كانوا محرومين منها بسبب مواقفهم، وكان ذلك بشروط منها عدم دعوتهم لأي إضرابات في المستقبل.

وأضاف حيدر لكلامه سبب آخر من أسباب تفكك العمال، وهو نقص الوعي العمالي، وضرب مثالا لذلك، بعدم وعيهم بأهمية النقابة، حتى أنهم عندما طرحوا على العمال -سابقا- عدم صرف الراتب لو كان مخصوما منه اشتراك النقابة الحكومية التي لا تدافع عن حقوقهم، رد عليه العمال “هو ده وقت نقابة يا عم ناجي”.

وعن فشل الإضراب أشار ناجي بأنه في السابق كانت القيادات العمالية الموجودة داخل الشركة تقوم بتخطيط للإضراب سواء المواعيد المناسبة، كما كان لدي هذه القيادات رؤية، ومرونة في التعامل مع المواقف التي تطرأ ولم يكن مخطط لها من قبل. وكان لديهم طريقة لمعرفة مدي استجابة العمال للإضراب المدعو إليه من عدمه. كذلك كانوا يستطيعون تطويع محاولات الإدارة لاستخدام إضراب العمال لصالحهم. فقد كانت الإدارة في السابق تحاول استخدام العمال لكي تتخلص من رئيس شركة لا تريده، أو لتلميع المحافظ فتمتنع عن صرف أجر الشهرين من الحافز السنوي لكي يضرب العمال، ولكن عندما يضرب العمال يرفعون مطالبهم. ويضيف ناجي افتقاد العمال للجرأة التي كان يتحلى بها القيادات السابقة، هو سبب الوضع الحالي، بس العمال هتفرز قيادات جديدة بس مش دلوقت”.

ويرى عامل آخر ضرورة توحيد عمال قطاع الغزل والنسيج معا للمطالبة بحقوقهم، ذلك كون المطالب الأربعة التي رفعوها تخص القطاع كله، وليس غزل المحلة وحدها. وفي إشارة إلى اتكال عمال الشركات الأخرى على عمال المحلة في الحصول على الحقوق دون اللجوء للإضراب قال “واحد من المديرين في الشركات الثانية بيقول لعماله، (إحنا ما نعملش إضراب، واللي هما هياخدوه إحنا هناخده)”، ويكمل “أنا مش هشيل لوحدي، السنة اللي فاتت بعد إضراب دام 12 يوم، طلع القرار بصرف مطالبنا لكل الشركات ما عدا غزل المحلة وكفر الدوار، لو كان القطاع كله وقف وقتها، كان بدل ما إحنا أضربنا لوحدنا 12 يوم كانوا هيستجيبوا بعد يومين بس”.

عمال غزل المحلة والنقابات

ولما كان موضوع الترابط والتنسيق بين عمال غزل المحلة بشكل عام، والترابط بين قيادات العمال بالشركة بشكل خاص أحد أهم العوامل التي ساعدت العمال في السابق في انتزاع جزء من حقوقهم، وهو ما لم يعد موجودا حاليا، كان سؤال النقابات ودورها في حماية حقوق العمال لا بد من طرحه، فيما يلي رأي العمال الذين تواصلنا معهم في كل من النقابتين.

أولا: فيما يخص النقابة التابعة للاتحاد العام المدعوم من الحكومة

تحدث ناجي حيدر “إحنا عملنا من 2006 لحد دلوقت أكثر من 30 إضراب، هي فين النقابة في الإضرابات دي كلها، دي حتى ما بتحضرش التحقيق مع العامل، دي ما ينفعش نقول عليها نقابة أصلا، إحنا جمعنا 4700 توقيع لسحب الثقة منها في 2007، وبعدها تم شراء سكوت القيادات العمالية بالشركة لعدم المطالبة بتفعيل سحب الثقة من النقابة التابعة لنقابة عمال الغزل والنسيج، أو المطالبة بعمل انتخابات جديدة. النقابة مش بس ما بتدافعش عن حقوق العمال، كمان بتساهم في إهدار أموال الشركة، دي كتبت طلب بصفتها ممثل العمال، أن العمال موافقين على شراء اللعيبة، وعلى منح النادي 100 ألف جنيه، في الوقت اللي الماكينات بتقف علشان قطعة غيار إدارة الشركة بتدعي أنها ممعهاش فلوس تشتريها!”.

وأكد عامل آخر على كلام ناجي بالنسبة للنقابة، مضيفا “النقابة دي مش شرعية، دي مسحوب منها الثقة، وكمان ما فيش أي انتخابات ليها من سنة 2006”.

وتحدث ثالث فقال “دي ما اسمهاش نقابة، دي اتعينت بالشكل ده علشان مصالح أعضاء مجلس إدارتها، اللي ياخد تفرغ من العمل واللي الإدارة تظبطه. النقابة دي طول الوقت كانت بتاخد مواقف عدائية من العمال، لما العمال كانوا بيضربوا علشان يطالبوا بحق من حقوقهم كانت النقابة بتقول لهم إنتوا ما لكوش حق”، ويضيف عن موقف النقابة في الإضراب الأخير، كونها قامت بتعليق منشور صباح اليوم الثاني للإضراب عن بداية ملء استمارات المصايف، ولمن يريد الحجز يتوجه لمقر النقابة “ده كان علشان يلهوا العمال عن الإضراب زي الزيت والسكر كدة”.

ثانيا: النقابة المستقلة التي تأسست في 21 يناير 2013

تحدث أحد العمال اللذين ساهموا في تأسيس النقابة المستقلة عن سبب عدم التفاف العمال حولها فقال “تفكير النقابة من الأول في جذب العضوية كان غلط، بدل ما يقولوا للعمال تعالوا علشان نشوف إزاي هناخد حقوقنا كانوا بيجيبوا العمال على الرحلات والدورات التدريبية. ده حتى قبل عيد العمال في 2013 اقترحت أنا وعضو ثاني في مجلس الإدارة إننا نعمل مؤتمر كبير ونجيب ناس تكلم العمال عن أهمية النقابة وعن حقوقهم، فدا يساعد على أن العمال تنضم للنقابة، ولكن باقي الأعضاء رفضوا اقتراحنا، بحجة إنهم مش عاوزين يخوفوا العمال، وإن مركز المحروسة (منظمة مجتمع مدني ظهرت بعد الثورة بقوة في مجال تدريب العمال وتدور حولها شبهات حول علاقتها بالجهات الأمنية) كانت هي اللي ورا موقف النقابة ده، فكانت بتزق النقابة أنها تقوم بنفس الأدوار اللي كانت بتقوم بيها النقابة القديمة من رحلات ومصايف وغيرة بعيد عن المطالبة بحقوق العمال”.

ويستكمل بأنه نظرا للدورات التدريبية للنقابة الحرة في الفنادق بدأ ينتشر بين العمال أنها ممولة، وبدأت الإدارة تهدد العمال بالفصل في حال الانضمام إليها، مما دفع العمال للاستقالة منها خصوصا بعد أن علقت الإدارة منشورا بطول متر× 60 سم في أكتوبر 2014 تعلن فيه بأن هناك نقابة آخرى بالشركة ومن سينضم إليها سوف يتم فصله من العمل.

وأكد عامل آخر على ما قاله زميله بشأن النقابة المستقلة، وأضاف “هما كانوا بيلموا الناس بأنهم يقولوا لهم تعالوا نادي الصيد في المحلة هنحضر ندوة وتاخد بدل 30 جنيه ووجبة، كمان المحروسة جابت السفير الهولندي المحلة (كون المحروسة يتم تمويلها من السفارة الهولندية) علشان يقعد مع عدد من العمال وأنا كنت واحد من اللي حضروا، وبعدها أنا حسيت أني مش مقتنع، وكمان الكلام كتر علينا دول بياخدوا تمويل فبعدت”.

وعن الأسباب الأخرى التي أدت لعدم استمرار النقابة المستقلة قال “دخل بينهم ناس مش كويسة، منهم ناس من أمن الشركة. وفيه ناس كانت بتاخدني على جنب وتقولي سيبك منهم تعالى نعمل واحدة ثانية، النقابة دي مش نافعة. وأنا قلت لزملائي اللي كانوا بيأسسوا النقابة الكلام ده، وهما ما اهتموش، فهمت بعد شوية أن الخناقة على السفريات فيما بينهم لتونس والمغرب هو اللي كان سايد”.

وتحدث بعض العمال عن ضغوط على العمال المنضمين إلى النقابة الحرة من الإدارة والنقابة التابعة للاتحاد العام خصوصا العمال الذين ليس لهم صوت، فلغوا لهم علاج العائلات، بحيث عندما يذهب العامل للمستشفى لا يجد أسمه ممن لهم حق في العلاج الأسري.

وتحدث ثالث عن دور رئيس النقابة المستقلة في حلها فقال “كمان رئيس النقابة الحرة الإدارة نقلوه بره الشركة وقالوله لو عاوز ترجع تفك النقابة ونرجعك، بالفعل مع الضغوط على العمال، لما كان العمال بيروحوا يشتكوله، كان بيقول لهم اللي خايف يقدم استقالته وأنا همضيله عليها، بالفعل الناس قدمت استقالات وتم فض النقابة”.

ذكر ناجي بأن إقبال العمال على النقابة المستقلة كان ضعيفا، ذلك كون القيادات التي أسست النقابة لم تكن مصدر ثقة بشكل كاف لدى العمال، كما أنهم لم يستطيعوا إقناع العمال بأهميتها. بالإضافة لما سبق ذكره من الصراع بين قيادات النقابة المستقلة فيما بينهم من أجل السفر للتمثيل وغيره.

هكذا شكل تفريغ الشركة من القيادات التي ظهرت بعد إضراب 2006، سواء بالفصل أو الاحتواء، مع حرمان العمال من نقابة تدافع عن حقوقهم في ظل حالة من التخويف والإرهاب لكل من يفكر في الاحتجاج، أداتان أثبتتا فاعليه في توقف شركة غزل المحلة عن لعب دورها في قيادة الحركة العمالية. وكما رأينا لم تنحسر أسباب ما حدث في الأسباب الخارجية، بل كانت هناك أخطاء ومشاكل داخل صفوف الحركة نفسها ساهمت في نجاح مخططات الإدارة أو الاتحاد العام أو الأمن.. نحن في انتظار موجه جديدة –في ظل موجه ثورية جديدة- تفرز قيادتها، وعلى هذه القيادات في المستقبل ألا تقع فيما وقع فيه من سبقوهم.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

يمكن للنساء الشعور بقوتهن جلبت الثورة الروسية تحولات ضخمة للبعض ممن كانوا الأكثر اضطهادا. تحدثت مجلة سويشاليست ريفيو إلي إيما دايفيز عن الكيفية التي بدأت بها النساء في السيطرة على حياتهن والقيام بدور قيادي في النضال.

إيما دايفيز  ,  مجلة سويشاليست ريفيو

قراءات في ثورة يناير 2011: كان الأمر غيرُ عاديّ.. ولم يكُن هناك تفسيرٌ لما يحدث بالشارع لدى كُلٌ منا.. ولم تكن هناك –في نفس الوقت- أية تنبؤات لما ستؤول إليه الأوضاع قُدُما.. إلا أن الاهتمام كان مُنصَبا على جلال اللحظة وهيبتها..

محمد هشام

تجربة محمد منير بين انتفاضتي (يناير “1977 و2011”) ما قدمه منير من أغنيات يمكن وصفها بالحب التقدمي أو واقعة تحت سيطرة حالة شجن رهيبة ظلت تصل ما ساد بعد نكسة يونية، هي نتاج موهبة شعراء وملحنين مثلما حدث مع عبد الحليم حافظ في تجربته، ولكن هذه المرة ممزوجة بطعم الشعور بالمرارة والإحباط حتى لو كانت تتوق للحلم والآتي.

أيمن عبد المعطي

الشريعة في دساتير ما بعد ثورة يناير… اقتصر سعي هذه الورقة على إعادة تقديم وتحرير الإشكاليات المتعلقة بموقع ما تعارف الفقهاء على تسميته بالشريعة في البناء الدستوري والقانوني المنظم لعمل أجهزة الدولة الحديثة كما كشف عنها الجدل الدستوري التالي لتحولات يناير ٢٠١١ عبر منهجية ماركسية مطورة. ولم تتجاوز ذلك إلى التفكير في مخارج لهذه الإشكاليات، إلا عرضا بالطبع وفي معرض إشارتها لاجتهادات قائمة بالفعل كوثيقة الأزهر الصادرة في يونيو ٢٠١١.

عمرو عبد الرحمن

هل الاشتراكية أوروبية الطابع؟ إن الراديكالية التي تعتقد أن الاشتراكية فكرة غريبة على البلدان غير الغربية هي بذلك تنكر رد الفعل الإنساني الأصيل المتمثل في محاربة القهر الممارس مع العمال في هذا الجزء من العالم. فهي نقول إن الشعوب غير الغربية غير قادرة على تصور مجتمع حر يسوده العدل

نيفديتا ماجومدار