ماذا في الفراغ الرقمي؟ (2)

قضايا

04  إبريل  2017

هل هناك ما يدل على التحول؟

يمكن أن تحل التكنولوجيا الرقمية محل العمال، مثلها في ذلك مثل كافة التطورات التكنولوجية السابقة تماما. ولكن علينا النظر في التأثير العام للابتكار التكنولوجي في المجمل، قبل قبول فكرة أن التكنولوجيا الرقمية تعني نهاية العمل. أولا، حينما فتك استخدام الكمبيوتر بوظائف عمال الجمع والتنضيد بالمعدن الساخن، وسع نطاق العمل والوظائف الصناعية عموما، ليس فقط في مجال الكمبيوتر والبرمجيات، ولكن أيضا في التليفونات المحمولة ووحدات التشغيل. ثانيا، حتى أكبر مشغلي اقتصاد “المنتج المستهلك”، مثل جوجل وفيسبوك وأمازون، سيعتمد على استغلال وقت حقيقي لقواه العاملة. يتكثف هذا الاستغلال في حالة أمازون داخل مخازن نصف مجهزة بالآلات، واستخدام “مجموعة كثيفة من العاملين” من الخارج، حيث يتولى العاملون مهام صغيرة لصالح أمازون على أساس نظام الأجر بالقطعة مقابل العمل بالمنزل عبر الاتصال من خلال الكمبيوتر(30). وربما يعتمد جوجل في استمراره، على عوائد الإعلانات من المشروعات في الاقتصاد “الحقيقي”، ولكنه سيحتاج في الوقت نفسه إلى استغلال قوة عمل خاصة به لمنافسة محركات البحث ومقدمي البريد الإلكتروني المنافسين مثل ياهو أو بايدو.

ثالثا، عندما نبحث الشواهد التطبيقية، سنجد أن البيانات لا تثبت صحة سيناريوهات “الطبقة المترفة” ولا “نهاية العمل”. إذ استعرض جون شيلد، الباحث في علم الاجتماع الصناعي المتوفر من شواهد، في دراسة نشرت عام 1975. ورفض النتائج المتعلقة بمجتمع وقت الفراغ، أو المجتمع المتحول هيكليا، واستخلص أن “منطق” أنظمة المعلومات المتقدمة “سيبدو أنه يوسع نطاق روتينية العمل، أو بقرطته في واقع الأمر، إلى مستويات الأعمال الكتابية، أو حتى الإدارية، التي ربما لا يكون قد وصل لها حتى هذه اللحظة(31). وبعبارة أخرى، بدلا من رؤية نهاية الوظائف المتدنية والعمل اليدوي، سنرى بدلا من ذلك تحول العمل إلى الروتينية بسبب استخدام الكمبيوتر. وكشف هاري برافرمان هذا السيناريو، وصاغه ببلاغة عام 1974، في كتابه “العمل ورأس المال القائم على الاحتكار”، الذي وصف فيه عمليات تخفيض المهارات والتايلورية في العمل المكتبي (32). وفي واقع الأمر، لقد أثار إدخال معالج الكلمات وترويج الروبوتات تجاريا في السبعينيات مخاوف، ليس فقط بشأن التحول إلى الروتينية، ولكن بسبب الشك في أن الآلة “ستستولي على عملك”. وفيما يلي ما تضمنه كتيب كتبه كريس هارمن حول هذه المسألة، نشره حزب العمال الاشتراكي البريطاني عام 1979:

يمكن بسهولة ملاحظة كيف أن نفس عملية تخفيض المهارات وزيادة التحكم الإداري تحدث في المتاجر، مع إدخال نظام الدفع بالكمبيوتر. لن يكون لدى مشغل آلة تسجيل المدفوعات النقدية عذر عن تأخره في مراجعة الثمن، بسبب تعبه من “عمل مريح بطبيعته”؛ ولن تكون هناك حاجة بعد ذلك لأمين المخازن الماهر، إذا كان الكمبيوتر سيتولى مهمة تفقد المخازن وإصدار أوامر جديدة؛ ولن يكون على المحاسب سوى قراءة الأرقام من الوحدة النهائية للكمبيوتر أو طباعتها. وسيتركون جميعا لمواجهة مهام مملة ومتكررة – الأمر الذي سيصبح أصعب عندما تزيد الإدارة سرعة الأجزاء المعتمدة على الكمبيوتر من عملية العمل(33).

وأصبح ظهور المصانع المكتبية الكبيرة وشيكا، مصانع معتمدة على الكمبيوتر، بدلا من خزانة الملفات.

وأيضا، وصلت الرؤى التاريخية اللاحقة للفترة التالية على استخدام الكمبيوتر، إلى النتائج نفسها فيما يتعلق بزيف يوتوبيا وقت الفراغ. فبعد استعراض مطول قام به بيتر برامهام للشواهد المتوفرة بكثرة، خلص إلى ما يلي: “أدركنا متأخرين جواز الالتفات عن مشروع مهمة تطوير وإدارة “مجتمع وقت الفراغ” الأساسي بسبب سذاجته المفرطة”(34). وتنبع هذه السذاجة الواضحة من إساءة فهم دوافع صاحب العمل في استخدام أشكال جديدة من التكنولوجيا، والنتائج المترتبة على ذلك. من منظور ماركسي، لا يجب اعتبار أي ابتكارات تكنولوجية، بما في ذلك تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والأشكال الأخرى لرقمنة العمل، أدوات محايدة للتغيير في إطار عملية العمل. بل سيلجأ رأس المال إلى الاستثمار في التكنولوجيا الجديدة، ليس لأن هذا قد يفيد الصالح العام، بل لأنه يرفع معدلات الربح. ونتيجة لذلك، لا تكون يوتوبيا مجتمع الفراغ في ظل الرأسمالية سوى وهما. يحتاج رأس المال للابتكار، للوصول إلى أثاره الخبيثة وليست الحميدة، من خلال تكثيف العمل وزيادة معدل الاستغلال، ليس فقط بسبب التكاليف المترتبة عليه، ولكن أيضا لأن رأس المال لابد له من خلق اتجاهات تعويضية في مكان العمل لركود ارتفاع الإنتاجية. وبالتالي، بدلا من أن نرى نقصا في ساعات العمل في العقود الماضية (بالتوازي مع الرقمنة وتكنولوجيا المعلومات والاتصال) في المجتمعات الصناعية المتقدمة، اتجه متوسط ساعات العمل التي يؤديها العامل إلى الارتفاع. ويجتمع هذا الميل جنبا إلى جنب أيضا مع ارتفاع عام في البطالة وزيادة الفقر بين العاملين (35).

رابعا، لم تؤد الحوسبة والرقمنة إلى طفرة كمية وكيفية طويلة المدى في إنتاجية العمل الإجمالية (مما قد يفسح المجال لحلول مجتمع وقت الفراغ). سيكون هناك بالتأكيد قفزة أولى في الإنتاجية التنظيمية نتيجة لإدخال، على سيل المثال، أشكال أحدث من تكنولوجيا المعلومات والاتصالات مثل ويب 2.0. ورغم هذا، فتلك التحسينات على الإنتاجية ليست مستديمة(36). وأكدت دراسة أجراها المعهد الوطني للبحوث الاقتصادية والاجتماعية، ومقره بريطانيا، للشركات في دولتين، نتائج الدراسات المشابهة التي أظهرت أن قرار اللجوء إلى العمل عبر الإنترنت في حد ذاته ليست له آثار طويلة المدى على الإنتاجية”(37).

ويعد روبرت جيه جوردون، الاقتصادي المقيم بأمريكا، ناقد من الاتجاه الرئيسي منذ وقت طويل للموقف الذي يرى أن تكنولوجيا المعلومات والاتصالات رفعت الإنتاجية الإجمالية بشكل ملموس. وفي دراسته الأساسية الأخيرة حول الاقتصاد الأمريكي، فند الادعاء بأن تكنولوجيا المعلومات كان لها تأثيرا جوهريا على رفع الإنتاجية في العقود التالية على إدخالها إلى أماكن العمل. وجه جوردن حجته إلى “المتفائلين بالتكنولوجيا”. ووفقا له فثورة تكنولوجيا المعلومات أدت إلى تغييرات أقل جوهرية في الإنتاجية مقارنة بكثير من أشكال التكنولوجيا الأخرى، والتي تتضمن التلغراف أو المصباح الكهربائي أو أنابيب المياه داخل المباني والصرف الصحي في المناطق الحضرية(38). والنقطة المهمة، أن أجهزة الكمبيوتر لا تمثل سوى نسبة قليلة نسبيا من رصيد رأس المال، والأهم، انخفاض الاستثمار في الكمبيوتر منذ أعلى نقطة له أثناء “ثورة تكنولوجيا المعلومات” في التسعينيات(39). وأشار ميشيل بورتر، المتخصص في علم الإدارة، إلى أنه فيما تبنت كل الشركات تكنولوجيا الإنترنت، ستصبح نفسها محايدة كمصدر للتميز(40). وبينما يُتوقع دائما إدخال تحديثات في البرمجيات والأجهزة، إلا أن الأثر الإجمالي لمثل تلك التحديثات من المرجح أن يكون ضئيلا مقارنة بالاستثمار الأولي. وسيكون على رأس المال الفردي الأخذ في الاعتبار “فترة حياة الرأسمال الثابت” التي تحدث عنها ماركس. ووفقا لهارمان:

نادرا ما يبدل الرأسماليون الآلات الموجودة فور ظهور تطور تكنولوجي جديد. إذ يحاولون الانتظار حتى تتم تغطية إنفاقهم على تلك الآلات وتحقيق ربح منها- الأمر الذي يستغرق منهم عادة عدة سنوات. وازداد هذا الميل إلى الانتظار، بسبب المخاطر الكامنة في أن يكونوا أول من يستخدم تكنولوجيا لم تتم تجربتها: ففرصة اغتراف السوق بسبب الانخفاض الكبير في التكاليف، ربما توازنها مخاطر فشل التكنولوجيا الجديدة (41).

وتشير التباشير الزائفة للتغير التكنولوجي إلى وجوب الحذر بالنسبة لمزاعم شمولية التطبيق.

علم الإنسان الآلي والذكاء الصناعي

وفي واقع الأمر، وجدنا أيضا عند بحث الشواهد أن الابتكار التقني في صورة الروبوتات والذكاء الصناعي محدود بالمثل في تأثيره المحتمل على عالم العمل. إذ تشير شواهد منشورة عام 2015، من قاعدة بيانات 17 شركة تم تجميعها في الفترة من 1993 إلى 2007، إلى أنه بينما ترتفع الإنتاجية مع الابتكار في مجال الروبوتات، ويتم التخلص من بعض الوظائف متوسطة المهارة وقليلة المهارة، إلا أن هناك بعض الدلائل أيضا على تناقص العوائد الحدية لاستخدام الروبوت- “تأثير المزاحمة” – وبالتالي فهي ليست الحل السحري لتحقيق النمو. وبالفعل يشير الباحثون إلى أن “هذا يجعل مساهمة الروبوتات في الاقتصاد الإجمالي تعادل تقريبا الأشكال التكنولوجية المهمة السابقة، مثل السكك الحديدية في القرن التاسع عشر، والطرق السريعة في أمريكا خلال القرن العشرين”(42).

ولا يعني هذا أن رأس المال لا يستثمر في علم الإنسان الآلي. فالعكس صحيح، حيث هناك توجه للتشغيل الأوتوماتيكي بواسطة الروبوت، يتضمن المعرفة الصناعية وتعلم الآلة(43). وتقود اليابان وكوريا الجنوبية هذا الطريق، إذ بلغت النسبة أكثر من 300 روبوت لكل 10 آلاف عامل صناعي. ورغم هذا، ما تزال قيمة استبدال وظائف العمال محدودة، وخاصة بالنظر إلى تكلفة الاستثمار الكبيرة المرتبطة بالروبوت. مشكلة أخرى متعلقة بالاستثمار في الربوتات، هي أن المهام التي تستطيع القيام بها بفاعلية مازالت محدودة. أما بالنسبة للمهام الأكثر تعقيدا، فلا بد من متابعة البشر للروبوتات، خشية تحطمها أو خطأها في الحركات الدقيقة، الأمر الذي يؤدي مرة أخرى إلى تقليل مساهمتها المحتملة في تحسين الإنتاجية. على سبيل المثال، بدأت مرسيدس- بنز الآن في استبدال روبوتاتها ببشر، لأنهم أكثر مرونة(44). وفي الواقع، يعود سبب محدودية استخدام الروبوتات في العمليات التقنية المتقدمة جزئيا إلى نقص مرونتها. وفي عام 2016، اكتشفت دراسة لمصانع السيارات الألمانية، أن استخدام الروبوتات لا يقدم الحل السحري لتحسين الإنتاجية، بل أدى استخدامها إلى قيام البشر بأعمال إضافية تضمنت المراقبة الدائمة للروبوتات: “في وردية العمل العادية، والخالية من العقبات من ناحية أخرى، يكون العامل مسئولا عن القيام بثمان عمليات لحام والتعامل مع تدخل الروبوتات من 20 إلى 30 مرة في فترة العمل – ليس بسبب وقوع حوادث فنية، ولكن من أجل منعها. ورغم تقلص العمل البشري من الناحية الكمية عبر السنين، إلا أن دوره الكيفي ازاد مع التشغيل الأوتوماتيكي”(45). وحاول أحد مصنعي الروبوتات الأساسيين –ريثينك روبوتس– إنتاج روبوت ذو تكلفة يمكن تحملها “يعمل بمجرد توصيله” بإمكانه تقليد حركات الإنسان للاستخدام على نطاق واسع في الصناعة، ولكن يبدو أن المحاولة توقفت. وتقلص حجم الشركة مؤخرا، وأعلنت عن تسريح ما يقرب ربع العاملين فيها(46). والمساعي متواصلة الآن لتطوير “كوبوتس” لتكون بديلا للروبوتس. وتشتغل تلك الآلات جنبا إلى جنب مع الإنسان لتمكين المرونة والإبداع من الازدهار(47).

المشكلة الثانية كما يذكرنا الاقتصادي الماركسي مايكل روبرتس، هي أن الروبوتات مازالت آلة، وبالتالي:

لا تملك الروبوتات شيئا إزاء التناقضات داخل التراكم الرأسمالي… تحيز رأس المال أو تقليص عدد العمال يعني انه يتم خلق قيمة أقل (إذ يمثل العمل السبيل الوحيد للقيمة) بالنسبة إلى تكلفة رأس المال المستثمر. وهناك ميل لانخفاض الربحية بينما ترتفع الإنتاجية… ولذا سيعني اقتصاد تهيمن عليه بشكل متزايد الإنترنت والروبوتات في ظل الرأسمالية، أزمات أكثر كثافة وعدم مساواة أعظم، ولن يعني وفرة فائقة ورخاء(48).

علاوة على ذلك، “المكنسة الكهربائية الروبوت “رومبا” ستنظف الأرض بسرعة وبتكلفة زهيدة وجودة متزايدة، ولكنها لن تحجز أبدا لقضاء عطلة باستخدام بطاقة الائتمان الخاصة بي”(49). رغم بساطة ملاحظة روبرتس، إلا إنها تلقي مزيدا من الضوء على القيود على التوقعات بوجود عالم يسيطر عليه ابتكار الروبوتات. على سبيل المثال، إذا كان من الممكن الانتقال إلى عالم تستطيع فيه الروبوتات إعادة إنتاج نفسها (روبوتات تصنع الروبوتات التي تصنع روبوتات) سنكون حينها إزاء عالم ستساوي فيه الأرباح صفرا (إذ لن تكون هناك قيمة تخلق من خلال عمل الإنسان)، إلى جانب الوفرة الفائقة والفراغ، إذ ستكون الروبوتات أقرب إلى العبيد. وستكون تداعيات النزاع بين رأس المال والعمل في الطريق إلى هذه النرفانا هائلة. ووفقا لمايكل روبرتس “مازلنا مواجهين بمستقبل قد يشبه إما واقع مرير شديد الرأسمالية، أو فردوسا اشتراكيا، ولم يحظ الاختيار الثاني بذكر”(50).

ويمثل الوعي إشكالية أيضا، إذ ينبغي علينا التفكير فيما إذا كان الوعي يفوق “الذكاء” الصناعي. عندما ينظر إنسان إلى مرآة، يرى نفسه؛ وعندما ينظر قرد إلى مرآة يرى قردا. ولكن ماذا “يرى” الروبوت، وماذا “يدرك”؟ في الواقع، الروبوت لا “يرى” إلا إذا برمجه ذكاء إنسان قبل ذلك ليسجل الفروق بين صورة معينة وصورا أخرى. قد يكون الروبوت مبرمجا لأداء مهام جديدة، ولكن لا يمكنه نقل المعرفة التي اكتسبها في إحدى المهمات إلى أخرى. ليس لدى الروبوت خيال، أو مشاعر، أو وعي، ويظل آلة. وكرر دانيال دينيت في كتاب “في تفسير الوعي” هذا السؤال المحير، وذكر أن الكمبيوتر يعمل بصورة مختلفة تماما عن العقل البشري – يعالج الكمبيوتر كمية متزايدة الضخامة من المعلومات بشكل متسلسل، بينما يحتوي العقل على تفاعلات متزامنة لآليات وعمليات مختلفة(51). ويمثل إنجاز هذا النوع الأخير من التعقيد التحدي الحقيقي بالنسبة للذكاء الصناعي.

وماذا عن الاستهلاك؟

بالطبع، لا يبدو أن التشغيل الآلي يتقدم بسرعة في عالم الإنتاج فقط. إذ نتعرض بشكل مستمر بصفتنا مستهلكين إلى قصف الإعلانات عن منتجات تكنولوجية جديدة، يفترض أنها ستحسن نمط حياتنا في مجتمع “الباركود” أو “التطبيقات”. وقد يتضمن هذا ساعات ذكية، وأجهزة تتبع اللياقة الدنية، ونظارات ذكية وملابس ذكية(52). وقد اجتازت سيارات جوجل بلا سائق الآن أكثر من مليون ميل في طرق نيفادا وكاليفورنيا، منذ إطلاقها عام 2012. ووفقا لمزاعم وسائل الإعلام، تتصدر الحكومة البريطانية مهمة استحداث أسلوب لإلغاء الضوابط على استخدامها، والبحث بحماس في كيفية جعلها آمنة (53). ولا تخلو السيارات بدون سائق من المشاكل، وإن كانت مبرمجة على الوقوف في إشارات المرور، إلا إنها في الوقت الحالي ليس بإمكانها إدراك الإشارات الضوئية المؤقتة عند وجود إصلاحات في الطرق، ولا ملاحظة الشرطي عندما يطلب منها التوقف! كما أنها ليست بدون سائق من الناحية الفنية، إذ لا يسمح لها حتى الآن بالحركة في الطرق العامة إلا بوجود سائق مسئول خلف مقودها معه ترخيص كامل بالقيادة. وبصرف النظر عن تلك المشاكل، تقدر جوجل أنها ستتجاوز تلك المسائل بحلول 2020 (أو بالأحرى سيتم التغاضي عن كل تلك العقبات التنظيمية)، بينما عبرت شركات جشعة أخرى في اقتصاد “المشاركة”، مثل أوبر، عن استعدادها لإدخال سيارات تاكسي بدون سائق (في الواقع)، والأساس الواضح في ذلك أنها لن تحتاج إلى دفع مال لسائق التاكسي.

ونستطيع الآن حساب كل ملمح من ملامح حركات جسدنا، وحتى المؤشرات الحيوية مثل ضغط الدم ومعدل ضربات القلب، من خلال أجهزة يمكن ارتداءها أو عبر تطبيقات على الهاتف الذكي. وظهرت حركة كاملة (الحساب الكمي الذاتي) مكونة من الأشخاص الذين يشاركون ويتداولون تلك البيانات بالتبادل(54). وعلى مستوى تجاري، كان أمام مثل تلك العملية من الحساب والتسجيل لحركات الجسد، بالطبع المزيد من إمكانيات التسليع. في المطبخ، قد ينظف الروبوت الأرض أو حتى يسجل السعرات الحرارية التي نتناولها في طعامنا. وربما يكون هناك استخدام لروبوت جنسي في حجرة النوم، أما بالنسبة للذكر المهووس بذاته تماما فيوجد الآن تطبيق يسمى “سكس فيت”، وهو “يركب في العضو أعضاء الذكر التناسلية ليساعد على تحقيق انتصاب أقوى، ويتصل مع تطبيق مصاحب على الهاتف الذكي عبر البلوتوث أو الواي فاي، وهكذا يكون بإمكانك قياس الأشياء المهمة الخاصة بإحدى اللحظات الرومانسية، مثل السعرات التي تم إحراقها، وعدد مرات الإيلاج في الدقيقة. ويتم إرسال المعلومات المجمعة إلى هاتفك”(55).

ويشير كل هذا إلى أننا ربما نتحرك بسرعة باتجاه عالم ستسيطر فيه الروبوتات والذكاء الصناعي والكمبيوتر على الأنشطة التي يحدثها الإنسان. ورغم هذا ففي معظم الأحيان، تستند توقعات تحقق التفرد (عندما يتفوق الذكاء الصناعي على الذكاء البشري) على استقراء قانون مور، والذي اتخذ اسمه من اسم جوردون مور المشارك في تأسيس شركة إنتل. ووفقا لهذا القانون يتضاعف عدد دوائر الترانزستور الذي يمكن إدخاله في جهاز كمبيوتر كل عامين، ويؤدي هذا إلى تخفيض التكلفة وزيادة قوة الحوسبة زيادة كبيرة على السواء. ورغم هذا، هناك إمداد محدود من المعادن النادرة في الأرض المستخدمة في صناعة الكمبيوتر(56) واعترف مور بنفسه أنه سيكون هناك أيضا حدود مادية لعدد دوائر الترانزستور التي يمكن إدخالها في دائرة متكاملة.

وهكذا، يبدو احتمال التوصل إلى التفرد، نتيجة لتطبيق الرقمنة وعلم الإنسان والذكاء الصناعي، بعيد المنال. ولا يرجع هذا فقط إلى المسار التكنولوجي الذي لا زالت هناك حاجة للالتزام به لتحقيق إمكانيات تلك الابتكارات بالكامل، ولكن أيضا بسبب التناقض بين السعي وراء إنتاجية متزايدة، وأزمة الربحية التي ستترتب عليها. وهناك أدلة واضحة تؤكد وجود تلك القيود. ففي دراسة ضخمة أجريت لتقييم مدى احتمال تحقق التفرد، تم إجراء سبعة اختبارات ذات أهمية للوقوف على البداية التي تمت ملاحظتها للتفرد خلال الخمسين عاما الماضية. ركزت الاختبارات في الدراسة على البيانات الاقتصادية التي تسجل معدلات التسارع في العرض والطلب على منتجات تكنولوجيا المعلومات مثل برمجيات الكمبيوتر والتطبيقات المرتبطة بها، وكذلك المواضيع المرتبطة بالعمل مثل زيادة الأجور والإنتاجية في قطاعات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الأساسية. واستخلص مؤلف الدراسة “سلبية خمسة اختبارات من الاختبارات السبعة بالنسبة للتفرد، في حين كان الاثنان الباقيان إيجابيين… بإجراء تقدير استقرائي بسيط للاختبارين الإيجابيين، يتضح أن الوقت الذي قد يحقق الاقتصاد بعده التفرد تحقيقا مقبولا، يبلغ مائة عاما أو أكثر”(57). والأهم، لم تنجح الاختبارات في أهم المقاييس المتعلقة بارتفاع الإنتاجية الإجمالية وارتفاع نمو الأجور.

باختصار، يمكنا إدراك أنه يبدو أنه لا توجد فروق واضحة بين تكنولوجيا المعلومات والرقمنة في تأثيرها على الإنتاجية والأداء والتوظيف في مكان العمل (وعلى الاقتصاد بوجه عام)، والأشكال السابقة للابتكار التكنولوجي. لقد أُدخلت التكنولوجيا في الديناميكية الرأسمالية تحديدا لتعزيز إنتاجية العمل وتخفيض تكاليف وحدة العمل، ولكن التوترات ستتصاعد لا محالة، مما يقلل من الآثار المباشرة. والأهم، أن تناقضات نمط الإنتاج الرأسمالي، وفقا لماركس في نظرية العمل للقيمة، وميل معدل الربحية للانخفاض على المدى الطويل، مازالا يظهران في عالم العمل الرقمي الجديد. ربما نكون في عاصفة عملية للانتقال العميق إلى الأوتوماتيكية في مكان العمل، ولكن الإنتاجية لم تتحسن إلى درجة يمكننا التنبؤ معها بنهاية العمل، أو يوتوبيا شيوعية للحرفيين الرقميين في عالم منعدم الوزن من العمل غير المادي. ومن ثم، هل يمكننا الوقوف على أي فرق في عالم العمل، حيث تسير الرقمنة بسرعة فائقة؟

نحو قياس كل شيء؟

يكمن مفتاح فهم التأثير الحقيقي للرقمنة على العمل والطبقة العاملة، في إعادة تحليل الآثار من خلال مفهوم ماركس حول وقت العمل الضروري اجتماعيا. صاغ ماركس مفهوم وقت العمل الضروري اجتماعيا للمساعدة في شرح ديناميكية المنافسة بين رؤوس المال. يضطر الرأسمالي الفرد، من أجل النجاح في المنافسة مع الرأسماليين الآخرين، إلى استغلال العمال إلى الحد الذي لا يقل إنتاج الشخص في وحدة الزمن عن متوسط القطاع أو الحرفة التي يشتغل الرأسمالي فيها. ويعرف هذا المتوسط بوقت العمل الضروري اجتماعيا لإنتاج سلعة معينة. ويكون خاضعا للتغيير المستمر حينما تستخدم تطبيقات تكنولوجية جديدة، أو طرق أحدث في تنظيم واستغلال قوة العمل. وأوضح ماركس العلاقة بين وقت العمل الضروري اجتماعيا والقيمة السوقية، المشتركة بالنسبة لكل السلع من نفس النوع: “لابد أن تتم معادلة القيم الفردية المختلفة عند قيمة اجتماعية واحدة، وهي القيمة السوقية المشار لها آنفا، وهذا يعني المنافسة بين منتجي النوع نفسه من السلع، وأيضا وجود سوق مشتركة يعرضون سلعهم فيها للبيع “(58).

وهكذا يقع ضغط متواصل على الرأسمالي حتى يحافظ على مواكبة منافسيه، من خلال مراجعة إجراءات العمل، والتحقق من أن العمال لهم نفس إنتاجية نظرائهم لدى المنافسين. وتكون العملية كلها مشمولة داخل ديناميكية الرأسمالية. والأهم، أن إدخال تكنولوجيا جديدة شيء محوري في العملية، ليس فقط لزيادة إنتاجية الفرد، ولكن أيضا كآلية أساسية للسيطرة على العمال من خلال تعزيز قدرة صاحب العمل على مراقبة مخرجات العمل في الوقت الحقيقي. فمن أجل تحقيق الحد الأقصى للفاعلية، وانتزاع أكبر فائض للقيمة من عملنا، لابد من مراقبة رأس المال وسيطرته على مدخلات ومخرجات كافة الجوانب المادية والذهنية للعمل.

وقدم ماركس مزيدا من الصياغات المفاهيمية لعملية انتزاع القيمة من العامل بالنسبة للعمل الملموس أو العمل المجرد. العمل الملموس أو النافع، هو فعل العمل نفسه لإنتاج شيء أو إحداث تأثير مفيد من نوع محدد، بينما يمثل العمل المطلق العملية التي تخلق بها القيمة خلال معادلة الأفعال الملموسة للعمال في ظل نظام المنافسة (داخل ديناميكية وقت العمل الضروري اجتماعيا). ومن المهم في تعريف العمل المجرد فهم قول ماركس إن العمل كله له طابع مزدوج ويوجد في آن واحد بشكليه؛ الشكل الملموس المجرد على السواء. ورغم هذا، فالعمل المجرد هو الذي يتم من خلاله تسويق ثمار عملنا، وذلك جذر انفصال منتج العمل عن العامل الفرد. ومن ثم، يكون العمل المجرد مصدرا للاغتراب.

ولذلك، بإمكاننا توقع وجود دافع متزايد دائما لدى أصحاب العمل نحو مراقبة وتسجيل وضبط عملنا، ووضع أهداف يتم تعميمها عبر المصنع والمكتب والقطاع والمهنة. ولا شك في أن القياس الكمي المتزايد لناتج العمل، والنابع من الديناميكية السالف ذكرها، هو جذر ثقافة المستهدف، والخبرات الاغترابية الأخرى التي تحيط حياة العمل الحديثة، ليس فقط في عملية الإنتاج في عنابر المصنع، ولكن أيضا في الوظائف الخدمية والإدارية. ويمتد تعطش أصحاب العمل للقياس الكمي إلى كافة أبعاد عملنا، بحيث لا يبدو أن هناك عمل أو مهنة يمكنها الهرب منه. وتوضع الأهداف داخل جداول عملنا، وتراقب وتضبط من خلال تقييم وتقدير الكفاءة والقدرة، والإجراءات العقابية.

يمثل القياس الكمي للعمل الكأس المقدسة لممارسات الموارد البشرية الحديثة. يتجاوز الأمر قياس المدخلات والمخرجات المادية إلى المجالات النفسية والاجتماعية والجوانب المتعلقة بطريقة اتخاذ مواقف. وعلى سبيل المثال، أعدت مايكروسوفت في مجال التعليم برنامجا يتضمن مصفوفة من 39 قدرة بالنسبة “للمدرسين وقادة المدارس”. هذه “القدرات” قابلة للقياس، وتتضمن ما يحمل تسميات غريبة مثل “التعليم على الطاير”، و”خفة حركة تنظيمية” و”التعامل مع الإبهام”. ويتضمن “التعليم على الطاير” فقط أربع مستويات منفصلة من القدرات تبدأ من “القدرات الأساسية” إلى “قدرات الخبير”، التي تتراوح بدورها عبر أربع قدرات فرعية أخرى.

ومن هذا المنظور التقليدي، يمكننا توقع مدى استيعاب رأس المال لأشكال تكنولوجيا المعلومات الجديدة، في السعي لمصالحه من خلال إخضاع العمال لرغبته في تعظيم الربح. وهكذا، يمكننا التنبؤ بأن رأس المال سيستخدم الرقمنة لتوسيع قدرته على استعراض ومراقبة وقياس وضبط عمل العامل الفرد. وهناك مسار مواز، يتكثف في التحول إلى الرأسمالية النيوليبرالية، التي تعزز الاتجاه نحو هيمنة أكثر كثافة لرأس المال، عن طريق قدرتها على فرض مزيد من التفتت والفردية على العامل، حتى تترك “القيمة المضافة” مكشوفة وقابلة للقياس. فعلى سبيل المثال، يشجع هذا التحول النيوليبرالي على التخلي عن التحديد الجماعي لمعدلات الأجر، ويدخل طريقة بعينها في تحديد الأجر بناء على الأداء الفردي، المصحوب بمؤشرات، أكثر قسوة من أي وقت مضى، للتقييم وتحديد القدرات والانضباط. ووفقا لبعض الباحثين، يكون لعملية المفاضلة والتفتيت دلالات اجتماعية وجسمانية وثقافية عميقة، حيث يتم قياسنا ليس فقط بمعنى مخرجات عملنا المادي، بل بمعنى مدخلاتنا النفسية والاجتماعية(59).

ومن وجهة نظر آخرين، مثل دير-ويزفورد قد تكون خلقت ضرورة لإعادة تعريف الحدود بين العمل (work) والشغل (labour) بخلق سيبرتريا “cybertariat” جديدة(60)، أو “السيبر بروليتاريا” “cyber-proletariat”، ويتم خلالها إخضاع العامل “المنتسب إلى جماعة” (collectivised) وتعديل طبعه من خلال وجود كتلة لا تتقاضى أجرا، من منافسين محتملين، تمتد خارج نطاق المصنع والمكتب(61). ورغم هذا، لا يخالف هذا التشخيص، في نواحي عديدة بالطبع، فهم ماركس وفريدريك انجلز الأصلي حول جيش العمل الاحتياطي، أو بالأحرى “فائض السكان”، الذي قد لا يتضمن فقط البطالة والبطالة الجزئية، ولكن أيضا من هم خارج العمل المأجور أو يشاركون بالمنزل في إعادة الإنتاج الاجتماعية للعمل. ويضفي التشابه في المفاهيم شكوكا على تفرد رؤية السيبر بروليتاريا. وعلى نحو مشابه، طرح ماركس أيضا مفهوم “العامل المنتسب إلى جماعة”، بوصفه نتيجة للعمليات المباشرة للإنتاج. إذ يخضع صاحب العمل العمال، كما تجعل عملية الإنتاج منهم جماعة في الوقت نفسه أيضا. إنها تلك الديناميكية المزدوجة التي عرفها ماركس باعتبارها جوهر عملية العمل الرأسمالية، والتي تستمر بدون منازعة من “العامل الرقمي”، طالما يواصل صاحب العمل سعيه إلى استغلال عملنا وانتزاع فائض القيمة منه.

ولكن ذلك لا يعني عدم وجود أبعاد للتحول إلى الرقمية تؤدي إلى اختلاف العمل عما كان عليه في الفترة السابقة على هذا التحول. لقد سعى رأس المال دائما إلى القياس والضبط. سعت الدراسات الأولى للوقت والحركة، النابعة من أعمل ليليان وفرانك جيلبرت وفريديريك وينسلو تايلور في بدايات القرن العشرين، إلى وضع مقاييس للحركات المادية داخل عملية الإنتاج. واستخدم الزوجان جيلبرت أجهزة تكنولوجية مثل كاميرا تعمل بمحرك إلكتروني، وكرونومتر دقيق لتسجيل الوقت “الضروري” للقيام بإحدى المهام وتحديده بشكل مسبق. وتقدم تايلور، وآخرون مثل تشارلز بيداو في عملية القياسات من خلال التطرق إلى الأبعاد الفسيولوجية والنفسية لمطابقة العامل الفرد مع مهام عمل محددة. ثم تواصلت الحركة خلال العشرينيات والثلاثينيات.

وامتدت مثل هذه الأشكال من القياس بسرعة إلى العمل الخدمي والمكتبي في فترة ما بعد الحرب. وتم استخدام قياس الوقت حتى في أبسط مهام العمل بمضاهاتها مع بنوك الصور الفوتوغرافية التي تم إنشائها في ظل نظام “قياس الأساليب- الوقت” (Methods-Time Measurement)، الذي تأسس في أمريكا عام 1948. سجلت بنوك الصور هذه كل العمليات المكتبية، مثل رفع قلم حبر أو وضع ملف في مجلد، وربطتها مع متوسط الوقت المتوقع للمهمة. إلا أن الرقمنة تسمح بأشكال أوسع وأعمق للقياس أكثر من أي وقت مضى، ليس فقط بمعنى دقة ناتجنا المادي القابل للقياس باعتباره عملا ملموسا، بل أيضا كأرقام موازية ممثلة لقيمتنا المضافة من خلال العمل المجرد. وتستوعب تلك الأرقام الممثلة أيضا ميلنا إلى إضافة قيمة في المجالات الاجتماعية والوظائفية والنفسية.

وفيما يتعلق بالقياس المباشر، يمكننا إدراج قائمة بمجموعة من “الأعمال القابلة للقياس” التي تصلح للتسجيل الرقمي وتقديم تغذية عكسية مباشرة لصاحب العمل. وتستخدم محلات السوبر ماركت وسيلة التعرف باستخدام موجات الراديو في تتبع حركة عمال المخازن، مع إصرار بعض الشركات حتى على زرع رقائق في الموظفين(62). وأمدت شركة التحليلات الأمريكية سوسيوميترك سولوشنز حوالي 20 شركة ببطاقات تعريف للموظفين مزودة بميكروفون وخاصية استشعار الموقع وقياس التسارع(63). ويستطيع جهاز قياس التسارع أو تطبيق على التليفون الذكي، تتبع حركات جسم الشخص، حتى يمكنه تسجيل التعبير بإيماءات الجسد في اجتماعات الشركة بغرض توفير تغذية عكسية “انفعالية”. وتعمل تلك الأداة، المخفية أحيانا، على قياس تعبيرات جسدك، وتتبع عدد المرات التي تركت فيها مكتبك: “وفي نهاية كل يوم، ستجمع البطاقة الموضوعة على الملابس ما يقرب من أربعة جيجابايت من البيانات الثمينة حول سلوكك في المكتب”(64).

يمكن للميكروفونات تسجيل نبرة وارتفاع الصوت، وتسجيل لغة الجسد في اجتماعات الشركة لنفس الغرض. تتوفر لدى أصحاب العمل كل تلك الأدوات وعديد غيرها من أجهزة التتبع الذاتي مثل فيتبيت وجاوبون، ويستخدمونها في زيادة الأرقام(65). ويستخدم أصحاب العمل أيضا تكنولوجية جديدة لتسجيل أشياء متعلقة بصحتنا البدنية والذهنية باعتبار أن ذلك يدعم مستويات التنبؤ بالأداء، ولكن تتخفى دائما في رداء “منفعة الموظفين”. وبالطبع، تتهافت شركات التأمين الخاصة على هيكلة جداول أسعار التأمين بناء على تلك البيانات. وقد تستخدم أنظمة تسجيل غير ظاهرة مثل جوجول جلاس في مقابلات المرشحين لوظائف، بما يعني أن من يقوم بالمقابلة بإمكانه تسجيل ومراجعة المقابلة ودراسة الإجابات على الأسئلة لتقييم مدى الملائمة لأدوار بعينها.

وبينما يبحث أصحاب العمل على أشياء لقياسها وتسجيلها (والمستشارون مستعدون لإرضاء رغباتهم مقابل تقاضي رسوم)، تتيح أشكال جديدة من تقييم “الكفاءة” إمكانيات التقييم النفسي وتوفر مجموعة من النتائج الطبية الحيوية حول وظائف الغدد الصماء العصبية. وكما يُزعم، يحدد ذلك التوقعات المحتملة حول “الذكاء العاطفي” الجيد، بمعنى الوعي الذاتي بالانفعالات والتحكم فيها(66). وقد أنتجت جوجول عدسات لاصقة من شأنها مراقبة مرض السكر والجلوكوما، وسجلت مؤخرا براءة اختراع جهاز سيقوم باختبار الدم بدون وخز. يعمل الجهاز عن طريق “إرسال موجة من الغاز في إسطوانة تحتوي على جسيمات صغيرة تخترق الجلد. وبمجرد خروج الدم من الجلد، يتم امتصاصه داخل اسطوانة الضغط السلبي”(67). ويمكن ارتداء الجهاز، ومعد لاختبار الجلوكوز. ويمكن أن يستخدمه أصحاب الأعمال لمراقبة صحة الموظفين. ومن الممكن أن يتم استغلال الرقمنة في هذا في المجال المادي من قبل رأس المال لتكثيف هيمنة صاحب العمل، بما يتيح للشركات، وفقا لما أشار إليه بيتر فلمنج، إمكانية ممارسة أشكال أكثر جدة من “السلطة الحيوية” على الموظفين (68). وبالطبع، يجب النظر إلى كثير من هذه الأشكال التكنولوجية باعتبارها أوهام في رؤوس أصحاب العمل؛ إذ سيقاوم العمال دائما العلامات والوخز والعدسات اللاصفة، بنفس الطريقة التي طالما قاوموا بها حافظة تسجيل الوقت والحركة والساعة التوقيتية. يمكن لنا العودة فقط بذاكرتنا إلى بداية استخدام أجهزة الاستدعاء “بيجر” للعمال، مثل مهندسي الاتصالات، باعتبار ذلك وسيلة لرصد أماكنهم حينما يكونون “رهن الاستدعاء”. وانتهى الأمر بكثير من أجهزة البيجر إلى مغسلة الملابس “عن طريق الخطأ”، وتوقفت عن العمل في اليوم التالي. والنقطة التي يجب فهمها هي أنه ليس هناك تكنولوجيا جديدة “محايدة” في تأثيرها بمجرد وصولها ليد صاحب العمل، ولكن استخدامها يمكن مقاومته.

تكثيف هيمنة صاحب العمل على أجسادنا وأنفسنا كما أوضحنا في هذه المقالة، هو من مصادر اغترابنا. يدمر رأس المال سيطرتنا على أفكارنا وأفعالنا لمصالحه الخاصة. ويمتد ذلك من الجانب المادي إلى النفسي والاجتماعي، ويعمل على تكثيف عمليات محاولة السيطرة، التي بدأت بدراسة الوقت والحركة منذ مائة عام. ولكن لن يمر هذا التخريب والاستلاب دون مواجهة، فمقاومة ما يفرضه رأس المال جزء لا ينفصل عن العداء البنيوي القائم في مكان العمل. وفي واقع الأمر، قامت مقاومة سيطرة الإدارة بالوسائل التكنولوجية بدور المحدد للعلاقات الصناعية وعلاقات العمل عبر التاريخ، سواء في شكل معارضة عمال السيارات للتايلورية في ثلاثينيات القرن العشرين، أو النضال ضد محاولات أصحاب العمل لتقليل أوقات الراحة خلال يوم العمل منذ ذلك الحين. الأهم، هو ضرورة إدراك أن النضال حول التكنولوجيا لا يمكن فصله عن النضال حول السيطرة على العمل. وسيستخدم رأس المال التكنولوجيا دائما لتعزيز هيمنته، ولكن يمكن للعمال استخدامها بالمثل في خلق مجتمع لا يقوم على الربح، بل على متطلبات وحاجات المجتمع. وقد تمثل المعركة حول السيطرة إلى حد كبير، كما قال ماركس، مفتاح تحرير الإنسان، ولكن مثل هذا النضال لا يكمن في جوانب “غير مادية”، بل أن جذوره ضاربة بقوة في المواجهة المادية للرأسمالية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  1. انظر Knaebel, 2016 للاطلاع على مزيد من الوصف لمجموعة العمل الكثيفة في أمازون.
  2. Child, 1975, p149.
  3. Braverman, 1974..
  4. Harman, 1979..
  5. Bramham, 2006, p379 وللاطلاع على مزيد من الرؤى التاريخية حول هذه المناقشات أنظر أيضا Veal, 2009.
  6. Pradella, 2015..
  7. أنظر UKCES, 2014 للاطلاع على مزيد من استعراض الشواهد الأحدث.
  8. Domenech, Rizov and Vecchi, 2015, p24..
  9. Gordon, 2016, pp441-461..
  10. Goodridge, Haskel and Wallis, 2009, p34..
  11. Porter, 2001, p62..
  12. Harman, 1991..
  13. Michaels and Graetz, 2015..
  14. وفقا للاتحاد الدولي للروبوت (IFR)، بلغ عدد الروبوتات الصناعية التي تعمل على مستوى العالم مليون ونصف عام 2014. بينما يتوقع الاتحاد إضافة 1.3 مليون جديدة على الإنترنت خلال العامين التاليين.
  15. انظر Gibbs, 2016..
  16. Pfeiffer, 2016, p16..
  17. Tobe, 2013.
  18. Roberts, 2015.
  19. Roberts, 2016a..
  20. Roberts, 2016b, p10..
  21. Dennett, 1991, p431..
  22. Fordham, 2015.
  23. Titcomb, 2015..
  24. انظر Moore, 2014, for a review and Nafus, 2016..
  25. Amlen, 2014..
  26. انظر الموقعtechradar.com/news/computing-components/the-pc-rare-metals-crisis-921363.
  27. Nordhaus, 2015, p28..
  28. Marx, 1966..
  29. See, for example, Moore, 2014..
  30. Huws, 2003.
  31. Dyer-Witheford, 2015..
  32. Cellan-Jones, 2015..
  33. انظر موقع http://slidingdoorcom.blogspot.co.uk/2015/09/spying-in-office-walls-have-ears.html.
  34. Kimura, 2015..
  35. انظر Moore and Upchurch, 2015,، للمزيد من الاطلاع على تلك الاتجاهات.
  36. Boyatzis and Akrivou, 2006..
  37. Duhaime-Ross, 2015,
  38. Fleming, 2015..

نشرت في الاشتراكية الدولية، مجلة ربع سنوية حول النظرية الاشتراكية. العدد 152، 7 أكتوبر 2016

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

الغذاء والزراعة والتغير المناخي (1) في ظل النظام الحالي، هناك إمكانية لإجراء تخفيض كبير في الانبعاثات. لكن هذه سوف تتطلب في الأغلب تطورات تكنولوجية أو تغيرات في الممارسات الزراعية، وهو ما قد ترفضه الشركات غير الراغبة في تقليل أرباحها، أو المزارعون الذين يفتقرون إلى رأس المال اللازم لاستخدام هذه الوسائل. لكن مجرد وجود هذه الوسائل يبين أن تبنّي نظام غذائي مرتكز على الحاجة وليس الربح، يمكنه تخفيض الانبعاثات.

مارتن إمبسون

الفصل الخامس من كتاب (رأسمالية الزومبي) يمثل الإنفاق العسكري شكلا خاصا من أشكال الهدر الذي يمكن أن يقبله الرأسماليون المنتمون لدولة ما، لأنه يعزز من قدرتهم على الصراع مع رأسماليي الدول الأخرى. ويُعتبر هذا الإنفاق مفيدا بالنسبة لمجموعات رأس المال المستندة إلى أساس قومي، بالرغم من أنه يؤدي إلى إهدار الموارد بالنسبة للنظام ككل.

كريس هارمان

أزمات الرأسمالية الديمقراطية إن الشكوك بأن الرأسمالية والديمقراطية لا يمكن الجمع بينهما بسهولة ليست جديدة على الإطلاق. فمنذ القرن التاسع العشر، وكذلك في القرن العشرين، كانت البرجوازية وقوى اليمين السياسي تخشيان من أن حكم الأغلبية، الذي بدوره سيرسي حكم الفقراء على الأغنياء، سيقتلع الملكية الخاصة ويتخلَّص من الأسواق الحرة.

وولفجانج ستريك

ماذا في الفراغ الرقمي؟ (1) يمكننا ملاحظة أن التكنولوجيا استخدمت دائما في أماكن العمل في أغراض القياس والتسجيل والمراقبة، بوصفها وسائل لتعظيم خلق القيمة وانتزاعها. ولكن في أحيان كثيرة يرى المعلقون، سواء من داخل التيار الماركسي أو من خارجه، أن التقنية الرقمية تمثل شكلا مميزا من الابتكار، وقد أسفرت عن نتائج مختلفة كيفيا في عالم العمل وخلق القيمة. فهل تختلف الرقمنة عن الأشكال الأخرى من الابتكار التكنولوجي؟ وحتى نصل إلى الإجابة، علينا أولا استعراض تاريخ التكنولوجيا نفسها.

مارتن ابتشيرتش

جون بيرجر (1926-2017) كان موقف جون بيرجر الثوري هو إصراره وإلحاحه على أن واقعنا يمكن أن نراه بشكل مختلف، ويمكن أن نغيره بتدخلنا.

مايك جونزاليس