الشريعة في دساتير ما بعد ثورة يناير… إعادة الجدل بشأن أسئلة الإسلام والسيادة والسلطة

قضايا

18  إبريل  2017

في يوم 8 فبراير 2011 وبينما كانت صيحات الحرية والعيش والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية ترج جنبات ميدان التحرير، ويسمع صداها في كل ركن في مصر، بل والعالم، انعقد مؤتمر حاشد لعدد من القوى الإسلامية السلفية في مدينة الإسكندرية لبلورة رؤية “إسلامية” حول الأزمة السياسية في مصر وليطرح من ضمن ما يطرح “التأكيد على هُويَّة مِصرَ الإسلاميةِ؛ كدَولةٍ إسلاميةٍ مرجعيةُ التشريع فيها إلى الشريعة الإسلامية، وكُلُّ ما يخالفها يُعَدُّ باطلا”، وكذلك الدعوة إلى “تفعيل المادة الثانية مِن الدُّستور، ومراجعةِ كافَّة التشريعات المخالفةِ للشريعة، وصياغتِها مِن جديد بصورةٍ تُوافِق الشريعةَ”. لم يعر المراقبون والمعلقون والنشطاء من مختلف المشارب، بما في ذلك الإخوان المسلمين أنفسهم، وقتها بالا يذكر للمؤتمر المذكور الذي شارك فيه الآلاف من منتسبي جماعة “الدعوة السلفية” بالإسكندرية – أقدم تشكيلات ما يسمى بالسلفية العلمية في مصر- وأنصارها، بل لم يظهر الخبر أصلا في أي من وسائل الإعلام المأخوذة بما يجري في ميدان التحرير. إلا أن تنحي مبارك وما أعقبه من تطورات شهد انتقال هذه الرؤية السلفية الساعية لما أسمته “تفعيل المادة الثانية من الدستور”، أو تعديلها على النحو الذي يسمح بما تراه تطبيقا حقيقيا أمينا للشريعة، من هامش الجدل العام في مصر إلى مركزه، بل وهيمنته على قسم معتبر من الجدل حول مرجعية الدستور الجديد ومواده. ثم سرعان ما انتهى الحال بقيادات جماعة الإخوان وممثليها في الجمعية التأسيسية إلى القبول برؤى “الدعوة السلفية”، وغيرها من الجماعات السلفية والإسلامية الثورية المبعثرة، حول موقع الشريعة الإسلامية في الدستور الجديد والتصويت عليها بالإجماع قبل تبنيها بالاستفتاء الشعبي في ديسمبر 2012.

تحول رؤية أحد الجماعات الإسلامية بشأن السيادة والتشريع وعلاقتهما بما يسمى “الشريعة” من مجرد تفصيل هامشي في مشهد الثورة المصرية إلى الرؤية الرسمية المعتمدة لعموم التيارات الإسلامية على تنوعها عادة ما يشار إليه في عدد من أطروحات المعلقين “المدنيين” أو “العلمانيين”، وكذلك في العديد من الأطروحات الإسلامية، كدليل إضافي على انتفاء التمايز بين فصائل التيار الإسلامي وأنها جميعا تشترك في جوهر واحد إما رجعي أو محافظ أو سلطوي أو شمولي أو حتى فاشي، من جانب، أو أصيل وهوياتي ووطني وشعبي من جانب آخر. إلا أن القراءة المتأنية لمسار هذا التحول، ولتاريخ الجدل حول السيادة والتشريع منذ نهاية القرن التاسع عشر، تشير إلى أن هذا التحول يعد في حقيقته مؤشرا على استمرار معضلة مؤسسة للفكر القانوني والدستوري الحديث في مصر تدفع مسألة “تطبيق الشريعة” لتطل برأسها دوما عند كل محاولة لإعادة تأسيس علاقة الدولة بالمجتمع أكثر من كونه مؤشرا على جوهر ثابت للتيارات الإسلامية.

فبينما أفضت عملية اندماج مصر في السوق الرأسمالي العالمي إلى نشأة طبقات مالكة وفئات حاكمة متحالفة معها، كالنخبة القانونية الحديثة، ترتبط عضويا بممارسة حديثة للسلطة ترى في الأمة المحل النهائي للسيادة التي تمارسها عبر دولتها دونما مرجعية إلا ما اتفقت عليه هذه الأمة، إلا أن تلك الفئات لم تقطع الصلة في أي لحظة من اللحظات مع المفاهيم والمناهج والممارسات المؤسسة للقانون الإسلامي بقدر ما أعادت بناءها وتطويعها لتشكل بصورة مطردة أحكام القانون الإسلامي المتراكمة محتوى لهذه الهياكل الحديثة لممارسة السلطة يؤمن لها الشرعية والاستمرارية اللازمين. والمنتج الذي انتهت إليه هذه العملية هو بناء قانوني يحتفظ بولاء دستوري عام للشريعة وبعض أحكامها التي استنبطها الفقهاء تاريخيا بعد صياغتها كقواعد قانونية آمرة حديثة البناء وفصلها عن افتراضاتها المؤسسة وسلطة العلماء/القضاة التي احتكرت عملية تعريفها وتفسيرها على مدى قرون. ويستدعي هذا النموذج احتكار مؤسسة دينية رسمية لعملية تعريف الشريعة وتحديد مناهج النظر فيها بالتوازي مع احتكار سلطات مدنية حديثة تشريعية وقضائية سلطة انفاذ أحكامها والفصل في تنازعها مع باقي مكونات البناء القانوني والدستوري الحديث. بعبارة أخرى، فاستمرار حضور الشريعة في البناء القانوني منذ بدايات التحول للتقنيات القانونية الحديثة كان في جوهره تقييدا للشريعة ورهنا لإنفاذ أحكامها بإرادة سيادة علمانية أكثر من كونه تقييدا لهذه السيادة بقيد إلهي متجاوز.

هذا الوضع المعلمن للشريعة في البناء القانوني والدستوري المصري الحديث، وحقل الممارسات المرتبط بهما، أنتج من الالتباسات أكثر بكثير مما أنتج من حلول، وهو ما سمح بإعادة تموضع الشريعة داخل البناء التشريعي المصري كبؤرة جدل تتطور حولها المشاريع القانونية والسياسية المتنافسة. وفي هذا السياق تشكلت الرؤية الإسلامية – على يد قطاعات من الفئات الوسطى مهمشة سياسيا وثقافيا – كمحاولة لتحرير الشريعة من أسر ممارسات السيادة والسلطة الحديثتين واستعادتها لمكانتها كحاكم على الدولة والمجتمع وليس كجسد يعتمد في حياته على الدولة، أو بعبارة أخرى، كمحاولة لإعادة بناء عالم الشريعة المؤسسي والمعرفي المفقود وفي القلب منه سلطة العلماء التفسيرية ومناهج استنباط الأحكام من نصوص الشرع السابقة على عالم الدولة الحديثة، وتقديم إعادة البناء تلك كمخرج لأزمة الفئات الحاكمة المتمثلة في عجزها الدائم عن بناء تحالفات اجتماعية واسعة ومشاريع هيمنة قابلة للاستمرار. وغني عن الذكر أن كلا الرؤيتين يلتقيا على أرضية ضرورة احتكار أجهزة الدولة الحديثة لصيغة من النظر في الشريعة سواء باتجاه علمنتها أو باتجاه خلق الظروف المواتية لإعادة بناء عالمها المفقود. وفي الحالتين يجري الحجر على إمكانية تعاطي عوام المسلمين مع “شريعتهم” تفسيرا وتطبيقا بدون توسط.

بعبارة أخرى، فالرؤية الإسلامية لم تشكل في أي لحظة من اللحظات جسما مقحما بشكل كامل على بناء قانوني علماني حديث – كما يحب المعلقين المدنيين والإسلاميين المذكورين أن يصوروا الأمر- بقدر ما أنها قد تبلورت تدريجيا من داخل نفس البناء القانوني الحديث وعبر التشققات في الرؤية المعلمنة للشريعة. ومن ثم فالبحث في أمر هذه العودة المتجددة للجدل حول الشريعة يقتضي بالأساس البحث في تاريخ تأسيس الدولة الرأسمالية وتنقاضات أطروحات فئاتها الحاكمة بشأن سؤال العلاقة بالإسلام كدين وحضارة وفكر. ويرتبط بوجهة البحث المقترحة تلك عددا من الأسئلة الأساسية، منها مثلا كيف استمرت هذه الرؤى الفقهية في هيمنتها على الرغم من تحطم أساسها المادي في أنماط الانتاج ما قبل الرأسمالية؟ وكيف أعيد انتاجها وتضفيرها مع أشكال جديدة من ممارسة السيادة والسلطة مختلفة كلية عن تلك الأشكال التي سمحت لها بالوجود؟ وما هي رؤية مشاريع الهيمنة المختلفة لهذه العلاقة وما هي تناقضاتها كذلك؟ وهل يوجد إمكانية لرؤى بديلة تتجاوز أفق الرؤى البرجوازية المأزومة تلك؟ وما هي شروط تلك الرؤى في الواقع؟

تقارب الدراسة المطولة بعض الشيء هذه الإشكاليات من خلال البدء في القسم الأول بعرض سريع للافتراضات المؤسسة للقانون الإسلامي كما تبلورت في مناهج “أصول الفقه” ومدى اختلافها الجذري عن الافتراضات المؤسسة للصيغة الدستورية/الديمقراطية في الحكم كما تطورت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر في أوروبا والعالم الإسلامي. كما تعرض في القسمين الثاني والثالث، لعملية إعادة إنتاج نفس الافتراضات في سياق مغاير تماما وهو سياق بناء دولة حديثة والانخراط في السوق الرأسمالي العالمي وما أنتجته عملية إعادة الإنتاج تلك من توترات نظرية وسياسية مختلفة، خصوصا مع صعود الحركة الإسلامية. ثم تتعرض في القسم الرابع للمقترحات المختلفة التي طرحت للتعامل مع تلك التوترات في سياق الجدل حول الدستور الجديد وما انتهت إليه عبر المساومات المختلفة داخل وخارج لجنة المائة لكتابة الدستور. ثم تعرض الورقة كذلك لمسار التراجع عن صياغات دستور 2012 في الوثيقة الدستورية المعدلة له والمستفتى عليها في يناير 2014 ودلالاته. وفي القسم الخامس والأخير منها، تعود الورقة لمناقشة الافتراضات السابقين التي هيمنت على الجماعات الأكاديمية، سواء الليبرالية منها أو الساعية لنقدها من موقع ماركسي أو ما بعد كولونيالي، في ضوء مسحها للتطورات الدستورية في الأعوام التالية على الثورة.

السيادة والتشريع والمعرفة قبل التحول للقانون الوضعي:

كثيرة هي الكتابات التي اهتمت بما يعرف بالإصلاحات القانونية في الربع الأخير من القرن التاسع عشر في مصر والتي أسفرت عن تأسيس المحاكم المختلطة في 1876 ثم الأهلية في 1883 وتقليص ولاية المحاكم الشرعية تدريجيا والبدء في مسار التقنين بدءا بالنقل المباشر عن مدونات قانونية أوروبية وصولا إلى التشريع الدستوري مع الاستقلال الرسمي عن الإدارة البريطانية في ١٩٢٣.[2] شكلت هذه العملية نهاية لمسار بطيء ومعقد من تحلل النظريات والمؤسسات والممارسات القانونية التي استمرت على مدى قرون والتي تطور من خلالها القانون الإسلامي كما نعرفه اليوم. فما هي ملامح هذه الممارسات المتنحية؟ وما هو الثابت والمتغير منها؟

من الدارج التمييز في الأدبيات المعاصرة بين الشريعة، وهي الأحكام الواردة بالقرآن والسنة حصريا، وبين القانون الإسلامي والذي يشير لخلاصة ما انتهى إليه الفقهاء والقضاة المسلمون من تخريجات مختلفة للتعاطي مع عدد متطور من المسائل المدنية والجنائية استنادا لمناهج وأدوات تطورت بدورها عبر النظر في القرآن والسنة. عبر هذه العملية ولد علم “أصول الفقه” والذي يقدم المنهجية الأساسية لاستنباط أحكام الشريعة من الأدلة الشرعية، أي الكتاب والسنة. ويجري هذا الاستنباط وفقا لقواعد صارمة تعرف بالقواعد الأصولية، وهي جملة من القواعد اللغوية التي تسمح بتمييز دلالة النص الذي يتعامل معه مستنبط الأحكام. فإذا اجتمعت معرفة القواعد الأصولية للمستنبط صار قادرا على الانتقال لمرحلة أعقد من معرفة وممارسة المنهج في استنباط الأحكام من النص.

ما يعنينا في تطور علم أصول الفقه ثلاثة ملامح رئيسية وثيقة الصلة بمناقشتنا. الملمح الأول أن أصول الفقه، ومنذ صك قواعده الأولى على يد الشافعي في كتابه العمدة “الرسالة في أصول الفقه”، قد أسس بشكل غير مباشر للافتراض الذي سيتطور على أساسه التشريع الإسلامي لاحقا وهو أن مصدر السيادة الذي يصدر عنه التشريع بالأساس هو مصدر مقدس متجاوز يخضع له الحكام والمحكومون معا، وأن العقد بين الأخيرين مرهون بالتزام الطرف الأول بالأحكام الشرعية الصادرة عن صاحب السيادة الأصلي. الأمة هنا وفقا لهذا التصور لا تشرع لنفسها ولا تملك شريعتها ولكنها موحدة على أساس عقائدي بالأساس يتمثل في التزامها بأحكام صاحب السيادة. والحكام هنا ليسوا مفوضين بشكل كامل من الأمة في إدارة معاشها ولكنهم مفوضين في ضوء الالتزام بهذه الأحكام.

الملمح الثاني يتمثل في آليات، أو منهجية، استنباط الأحكام من نصوص الشريعة -والتي يمارسها العارف بالقواعد الأصولية- والتي تتمثل في الإجماع ثم القياس على الترتيب، باعتبارها آليات كفيلة بتعزيز المفهوم غير الإقليمي لهذه الأمة الذي يربط ماضيها بحاضرها بشكل مباشر ويجعل مثلا مواطنا مصريا ملتزما بحكم صادر عن إجماع عدد من العلماء في زمن لم يعرف وحدة سياسية على شاكلة مصر اليوم. أما القياس، والذي لا يرى الشافعي فارقا بينه وبين الاجتهاد، فممارسته مرهونة بتوافر جملة من الملكات تتمثل في المعرفة باللغة العربية ابتداءً وبالنصوص المقدسة المتضمنة للشريعة وكذلك بموضوعات الإجماع السابقة على ممارسة الاجتهاد، أي أن السلطة هنا في ممارسة الاجتهاد هي سلطة معرفية الطابع بالأساس وتتأسس عبر المعرفة بالتقليد القائم وليست سلطة عامة تمثيلية الطابع كما هو الحال في الجماعات السياسية الحديثة، أو سلطة روحية الطابع على نفوس المؤمنين.

يقول الشافعي في هذا الصدد “قال فما القياس؟ أهو الاجتهاد أم هما مفترقان؟ قلت هما اسمان لمعنى واحد. قال فما جماعهما؟ قلت كل ما نزل بمسلم ففيه حكم لازم أو على سبيل الحق فيه دلالة موجودة وعليه إذا كان فيه بعينه حكم [وجب] اتباعه وإذا لم يكن فيه بعينه طلبت الدلالة على سبيل الحق فيه بالاجتهاد والاجتهاد القياس” (الشافعي 2014: 118).

واختزال الاجتهاد في القياس بالمعنى الذي ذكره الشافعي، أي “طلب دلالة النص بالأخبار”، أو رؤي السابقين ومنهجهم، يفضي لتضييق ممارسة النظر العقلي في النصوص قطعية الثبوت وفقا لقواعد لغوية صارمة، هي القواعد الأصولية، ووفقا لمعرفة الإجماع السابق على عمل المجتهد. ومن جماع المعرفة بالقواعد الأصولية والمعرفة بموضوعات الإجماع السابق تطورت آليات متعددة للقياس لم تتجاوز الحيز الضيق لما يسميه الفقهاء التاليين للشافعي بقياس “الشاهد على الغائب” ولا مجال للتفصيل في شأنها هنا.[3] وتضييق الاجتهاد على هذا النحو هو صنو رفض الشافعي للاستحسان، وهو ممارسة مدرسة الرأي السابقة عليه في العراق من أتباع الإمام أبي حنيفة، والتي ارتكزت على استخلاص الدلالة فيما ليس فيه حكم قطعي بإعمال النظر العقلي المحض. يقول الشافعي في هذا الصدد:

“وإنما الاستحسان تلذذ. ولا يقول فيه إلا عالم بالأخبار عاقل للتشبيه عليها. وإذا كان هذا هكذا كان على العالم أن لا يقول إلا من جهة العلم وجهة العلم الخبر اللازم والقياس بالدلائل على الصواب حتى يكون صاحب العلم أبدا متبعا خبرا وطالب الخبر بالقياس كما يكون متبع البيت بالعيان وطالب ما قصده بالاستدلال بالأعلام مجتهدا. ولو قال بلا خبر لازم ولا قياس كان أقرب من الإثم من الذي قال وهو غير عالم ولكان القول لغير أهل العلم جائزا…. ولا يقيس إلا من جمع الآلة التي له القياس بها وهي العلم بأحكام كتاب الله [تعالى] فرضه وأدبه وناسخه ومنسوخه وعامه وخاصه وارشاده. ويستدل على ما احتمل التأويل منه بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا لم يجد سنة فبإجماع المسلمين فإن لم يكن فبالقياس. ولا يكون لأحد أن يقيس حتى يكون عالما بما مضى قبله من السنن وأقاويل السلف وإجماع الناس واختلافهم ولسان العرب” (الشافعي 2014: 124).

وأخيرا، وبالارتباط بالملمحين السابقين، يتشكل ملمحا ثالثا محوريا ملازما لممارسة الاجتهاد وهو التمييز القاطع بين العلماء والعوام من حيث الأهلية والجدارة بالمشاركة في الشأن العام. فلمّا كان الاجتهاد ممارسة مغلقة على فئة بعينها من الممارسين يجري بالتالي استبعاد باقي الناس بشكل ممنهج من عملية التشريع ككل. فبالإضافة لما ذكره الشافعي في الاستشهاد السابق في صيغة الاستنكار من أن إهمال الإجماع لا يعني إلا فتح الباب لغير أهل العلم لممارسة القياس، يضيف في “باب العلم” في “الرسالة” تمييزا محوريا بين “علم العامة”، الذي يستطيع كل عاقل بلوغه، وهو موجود حصرا في الكتاب والسنة والإجماع، وعلم الخاصة والذي لا يستطيع العامة بلوغه، وهو المرهون بالقدرة على ممارسة القياس/الاجتهاد وفقا للشروط السابق ذكرها.[4]

من هنا تبلور في مرحلة لاحقة، وعلى يد فقهاء الشافعية بالأساس، مفهوم “أهل الحل والعقد” المنوط بهم المشاركة في اختيار الإمام أو الخليفة، ليس كمفهوم تمثيلي بقدر ما هو تجسيد لصيغة أقرب للأرستقراطية. فمن أوائل الأعمال المعروفة والتي تصدت لمسألة السلطة السياسية في الإسلام يأتي عمل الفقيه الشافعي ذائع الصيت الماوردي “الأحكام السلطانية والولايات الدينية” والذي ذكر فيه ثلاثة شروط حصرية لأهل الحل والعقد لم يخرج عنها، أو يضيف لها إضافة ذات دلالة، أحد من الفقهاء المتأخرين الذين تصدوا للتنظير في الموضوع، كالجويني مثلا.[5] وهذه الشروط هي العدالة الجامعة لشروطها، والعلم الذي يتوصل به إلى معرفة من يستحق الإمامة على الشروط المعتبرة فيها، والرأي والحكمة المؤديان لاختيار من هو للإمامة أصلح (الماوردي 2013: 14). بل إن هذا العلم المفضي للاجتهاد، بالمعنى الذي فصلّه الشافعي، يأتي كثاني الشروط الواجب توافرها في الإمام نفسه (الماوردي 2013: 14).

كانت رؤية الشافعي تلك دفاعية بالأساس إن جاز التعبير، وتسعى لتحقيق عدة أهداف فرعية مرتبطة بهدف مركزي هو الحفاظ على وحدة جماعة المسلمين التي كانت لا تزال أقلية في طور التكوين على الرغم من تمدد سيادة دولتها بشكل سريع ومباغت وإخضاعها لشعوب عريقة لها تجاربها المعقدة في الحكم والتشريع. ووحدة الجماعة تلك لا تتحقق فقط في مواجهة غير المسلمين بالمجمل الذين امتدت هيمنتهم سريعا على الإمبراطورية الوليدة نتيجة دراية نخبهم بالحكم والإدارة الاقتصادية – وهو ما مثل مقدمة طبيعية لظاهرة الشعوبية التي وسمت عصر الشافعي- ولكنها كذلك تتحقق في مواجهة اتجاه جماعة المسلمين الأقلوية تلك للتمايز الداخلي سريعا خصوصا مع ظاهرة التشيع السياسي منذ نهاية ما يعرف في الأدبيات الإسلامية بالفتنة الكبرى أو نتيجة لظهور الفرق الكلامية، وهي الفرق التي اتسمت بقربها وحظوتها لدى حكام الإمبراطورية العباسية تحديدا. يفسر ذلك تصدير الشافعي لرسالته بفصل عن “فضل اللغة العربية” على ما عداها وتشديده على ضرورة أن يكون المتصدي للاجتهاد عالما بالعربية، بل وبلغة قريش، وأحوال العرب قبل الإسلام.[6] والمضمر في هذا التشدد بالطبع هو محاولة تحجيم سلطة غير العرب المتنامية في مجالات انتاج المعرفة بشكل عام في عصر التدوين ذاك. كذلك فتفضيله لمدرسة الحديث في المدينة على مدرسة الرأي في العراق هو محاولة لشد هذه الجماعة لمرجعية لا تحتمل التأويل، وما يقترن بذلك من رفع السنة لمرتبة الوحي لتحوز نفس المكانة التأسيسية للنص القرآني، وذلك قبل البداية في جمع الصحاح من الأصل. وضيق الشافعي، وغيره من الأصوليين بعلم الكلام مثلا يستند إلى ما تنتجه ممارسة هذا العلم من تفكك للجماعة إلى فرق لا متناهية ومن ثم الإخلال بوحدتها في طورها التكويني نفسه.[7]

يتكامل الهدفان حول محاولة تحجيم دور الحكّام/الأباطرة في التشريع، أو الخروج على النص، دون قطع الصلة بالكامل مع هذه الدولة الإمبراطورية والتي قد يترتب على تفككها لسلطات محلية، عبر التشيع السياسي مثلا، أو انهيارها، تفكك جماعة المسلمين الوليدة. فكان المخرج هو إخضاع الدولة لسلطة الشريعة وحجز سلطة استنباط الأحكام من النص إلى العلماء المجتهدين حصرا بوصفهم الطرف الوحيد المؤتمن على النص وعلى مصالح الأمة في نفس الوقت. وليس في هذه الرؤية من غرابة أخذا في الاعتبار الموقع المتميز للعلماء/القضاة الذين لم يشغلوا في هذه المرحلة المبكرة أي موقع مؤسسي واضح، بل شغل بعضهم مهنا حضرية مرتبطة برأس المال التجاري والتصنيع البدائي كما تشي ألقابهم أنفسهم. وكانت سلطتهم المعرفية في الحواضر الرئيسية شخصية الطابع ومرتبطة بالقدرة على التأثير في جمهور المسلمين خارج أروقة الدولة أكثر من كونها مستمدة من مؤسسة أو تقاليد متوارثة.[8] أي أن ولادة ما يمكن تسميته “بالأرثوذكسية السنية” كانت خارج الدولة وبالجدل معها، وعلى يد نخبة مثقفة معارضة – وإن كانت غير جذرية تماما في معارضتها- في أغلب الأحوال ولم تكن نتاج فعل مباشر من الدولة.

تطور الفقه الإسلامي وتشعب لمذاهبه الأربعة المعروفة في العالم السنيّ على الأقل عبر ممارسة هذا المنهج. وتراكمت في سياق تطوره جملة من المبادئ العامة التي عرفت “بالقواعد الفقهية” لتشكل قاسما مشتركا لاجتهادات فقهاء المذاهب المختلفة. وهي على العكس من القواعد الأصولية لا تتعلق بما يجب معرفته لممارسة الاستنباط من قواعد لغوية ومنطقية، ولكنها تقدم تلخيصا لما استقرت عليه ممارسة الاستنباط تلك للفقيه حتى يصير عالما بالإجماع اللازم للتقرير عما إذا كان من الواجب ممارسة الاستنباط ابتداءً. هذه المبادئ هي التي ستلهم صناع القانون المدني المصري في مرحلة لاحقة صياغة المصطلح الغامض “مبادئ الشريعة” والذي سيعرف طريقه إلى صدر الدستور المصري منذ العام 1979. ويختلف عدد هذه القواعد زيادة ونقصانا تبعا لاجتهادات أتباع المذاهب المختلفة، إلا أن أكثرها شيوعا وتكرارا وثبوتا في المذاهب الأربعة هي القواعد الفقهية الخمس الأساسية: اليقين لا يزال بالشك، المشقة تجلب التيسير، الأعمال بمقاصدها، الضرر يزال، وأخيرا أن العادة، أو العرف، محكم (السيوطي 2015: 27، 28).

ظلت هذه الملامح الثلاثة، بما أنتجته من قواعد فقهية معتبرة، ملازمة لتجارب الحكم المختلفة في السياق الإسلامي ومشكلة حدودا على ممارسة السلطة العامة. فلم يخرج أي من الفقهاء التاليين على الماوردي في النظر لعقد الإمامة بوصفه عقدا بين الأمة والحاكم متوقف على شرط جوهري وهو الالتزام بأحكام الشرع سواء تلك القطعية الواردة في القرآن والسنة أو التي استنبطها فقهاء تتوافر لهم شروط الاجتهاد التي صكها الشافعي. حتى عندما بدأت هذه الحدود في التراجع مع تفكك الإمبراطورية منذ القرن العاشر واستتاب الأمر لأمراء التغلب وقدرتهم على التوسع في التشريع المباشر عبر الانتقاء بين أحكام المذاهب المختلفة وصولا إلى المحاولات الأولى في التقنين مع السلطنة العثمانية، ظلت هذه القدرة مقيدة على المستوى النظري بعدم مخالفة أحكام الشرع القطعية أو ما سبق من الإجماع. والفصل بشأن هذه المخالفة من عدمه كان دائما محجوزا للعلماء بالطبع. أي أن التحول من نموذج الخلافة المركزية إلى النماذج السلطانية في ممارسة الحكم وفقا لشرعية الأمر الواقع لم يرتبط بأي تحول يذكر على المستوى النظري في مفاهيم السيادة والسلطة. مراجعة الاجتهادات المتأخرة للغزالي أو ابن تيمية مثلا في التأصيل لمفهوم السياسة الشرعية -أي القدرة على الحكم والتشريع المباشر في حدود الشرع دون استشارة العلماء- توضح بجلاء أن مفهوم السيادة وما يرتبط به من مفاهيم الأمة والسلطة المعرفية للعلماء لم يتغير.

ويفصّل ابن تيمية -والذي سيكون ملهما فيما بعد بتفصيله ذاك لمشروع “استعادة الشريعة” كحاكم على الأمة والحكام معا في ظل تآكل سلطة المجتهدين- تصوره عن إمكانية التعايش مع أمراء التغلب دونما التنازل النظري عن التصور العام لعلاقة الشريعة بالسيادة والسلطة على النحو التالي:

“وأي شيء من الولايات عُمل فيها بطاعة الله ورسوله، كانت ولاية شرعية، وأي شئ عمل فيها بخلاف ذلك، أو ترك فيها ما يجب، لم تكن شرعية، لكن لما كان القاضي أقرب إلى العلم وأهله، [و] أكثر معرفة بالشريعة، صار كثر من الناس يظن أنه ليس من الولايات ما يجب أو يقع فيها حكم الشرع إلا هي، وصاروا يفهمون الشرع ما حكم به القاضي، وربما فروا من هذا الشرع؛ إما خروجا منهم عن الحق، أو لتقصير يقع من بعض القضاة، وليس الأمر كذلك، بل الشرع: اسم لما بعث الله تعالى به رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم، من الكتاب والحكمة، وحكمه لازم لجميع الخلائق…. وقد رؤي من الولاة من هو خير أكثر من القضاة، ورؤي من القضاة من هو شر من فساق الولاة. وعموم هذه الولايات وخصوصها هو بحسب ما يمكن من المولى، فإن المقصود هو أمانة الدين في جميع الأشياء، ولا يتم ذلك إلا بالاجتماع والسلطان، فإذا جعل سلطان يقام به الدين على الوجه المشروع كان ذلك مقصود الولاية” (ابن تيمية 2012: 226، 227).

هذه الصياغة التوفيقية المكثفة سمحت بالتعايش مع واقع الحكم بالتغلب عبر تحويل سلطة العلماء لسلطة سلبية الطابع إذا جاز التعبير، أي تقتصر على التنبيه عند الخروج بالتشريع عن مقتضيات عقد الإمامة، بعد أن ظلت قرونا، على المستوى النظري على الأقل، سلطة إيجابية تتمثل في الاضطلاع بأمر التشريع. هنا أفسح ابن تيمية مجالا نظريا يسمح بممارسة السلطة عمليا من قبل الحكام دون أن يذهب إلى اعتبار هؤلاء الحكام محلّ السيادة النهائي على النحو الذي تطور فيه الفكر السياسي في أوروبا مثلا بعد ذلك بذهاء قرنين أو ثلاثة من الزمان.[9] وهذه الصياغة النظرية ستستمر حتى زمن الإصلاحات القانونية التي انفتحت على القانون الوضعي الأوروبي، المرتكز على مبدأ السيادة الأرضية غير القابلة للتجزئة، منتجة من الالتباس أكثر بكثير مما أنتجت من الحلول والموائمات.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* كتبت بعض أجزاء هذه الدراسة، خصوصا في الأقسام الثاني والثالث منها، كفصل بعنوان “الشريعة في دساتير ما بعد الثورة: إعادة الجدل بشأن أسئلة الإسلام والسيادة والسلطة” في، عمرو الشلقاني، محرر، القانون والثورة في مصر (القاهرة: دار الشروق ومطبوعات الجامعة الأمريكية 2017).

[1] للاستزادة حول محاولات الدمج بين رؤى ميشيل فوكو ما بعد البنيوية، أو ما بعد الماركسية، وأفكار كل من أنطونيو جرامشي عن الهيمنة ورؤى جاك دريدا التفكيكية يمكن العودة إلى أعمال منظري ما يعرف بمدرسة “إيسكس” لتحليل الخطاب السياسي (هاورث، نورفال، ستافراكاكيس 2000) و(جلاينوس، هاورث 2007).

[2] يمكن هنا ذكر دراسات خالد فهمي عن ارتباط التحول للتقنين الوضعي بظهور تقنيات وممارسات معرفية جديدة كالطب الحديث مثلا (فهمي 2004)، وكذلك عمل تيموثي ميتشل الهام عن أثر تبلور ممارسات التدريس الحديثة على التحولات القانونية (ميتشل 1991)، ودراسات لايش آهارون عن التحول من نمط قانون القضاة إلى قانون الدولة والتي رصد فيها تآكل سلطة العلماء/ القضاء لصالح تشريعات الدولة القومية وعمل النخبة القانونية الجديدة (آهارون 2004)،وكذلك أعمال كل من فرحات زيادة (زيادة 1987) وسامرة إسمير (إسمير 2012) عن نشأة وتكوين النخبة القانونية الجديدة، وكذلك عمل طلال أسد الهام عن أثر تلك التحولات على ما أسماه مسار العلمنة (أسد 2003).

[3] يتضمن عمل الفقيه الشافعي الفخر الرازي “المحصول في علم الأصول” عرضا وافيا لتلك الآليات (الرازي 2014)

[4] يقول الشافعي في هذا الصدد أن “فقال لي قائل ما العلم؟ وما يجب على الناس في العلم؟ فقلت له العلم علمان علم عامة لا يسع بالغا غير مغلوب على عقله جهله…. وهذا الصنف كله من العلم موجود نصا في كتاب الله جل ثناؤه وموجودا عاما عند أهل الاسلام ينقله عوامهم عمن مضى من عوامهم يحكونه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يتنازعون في حكايته ولا وجوبه عليهم…. قال فما الوجه الثاني؟ قلت ما ينوب العباد من فروع الفرائض وما يخص به من الأحكام وغيرها مما ليس فيه نص من كتاب ولا في أكثره نص سنة وإن كانت في شئ منه سنة فإنما هي من أخبار الخاصة لا [من] أخبار العامة وما كان منه يحتمل التأويل ويستدرك قياسا (الشافعي 2014: 85 و86).

[5] خصوصا في عمله المعنون “بغياث الأمم في التيات الظلم” (الجويني 1979)

[6] يقول الشافعي في هذا الصدد “ولسان العرب أوسع الألسنة مذهبا، وأكثرها ألفاظا، ولا يعلمه ويحيط بجميع علمه إنسان غير نبي، ولكنه لا يذهب منه شيء على عامتها حتى لا يكون موجودا فيها من يعرفه. والعلم به عند العرب كالعلم بالسنة عند أهل الفقه، ولا تعلم رجلا جمع السنن فلم يذهب منها عليه شيء” (الشافعي 2014: 17).

[7] في هذا السياق، وعلى الرغم من التقدير البالغ لعمل أبي حامد الغزالي في أصول الفقه المعنون “بالمستصفى”، فعادة ما يأخذ عليه محققوه اعتماده على مقدمات كلامية للتأسيس لمبادئ علم أصول الفقه. على سبيل المثال يقول، محمد سليمان الأشقر، أحد محققو المستصفى “وقد استوقفني أثناء العمل فيه [المستصفى] بعض آراء كلامية في مسائل الاعتقاد، ذكرها الغزالي في أثناء كلامه الأصولي، تجري على مذهب الأشعرية، وتخالف عليه أهل السنة من تابعي السلف في الاعتقاد. وكاد ذلك يصرفني عن متابعة العمل في الكتاب، لئلا أكون ممن أحيا باطلا كاد أن يموت أو يندثر، بانتشار ضياء علم السلف، وتقبل أهل العلم له في مشارق الأرض ومغاربها” (الغزالي 2012: 6).

[8] يمكن الاستزادة بشأن تحليل السياق التاريخي/ الاجتماعي لعمل الشافعي بالعودة إلى عمل نصر أبو زيد “الشافعي وتأسيس الأيديولوجية الوسطية” (أبو زيد 2007).

[9] يقدم ابن القيم الجوزية في شرحه لمفهوم شيخه ابن تيمية عن” السياسية الشرعية” صياغة لا تقل وضوحا وصراحة عن صياغة شيخه، إذ يقول “فقال ابن عقيل: السياسة ما كان فعلا يكون معه الناس أقرب للصلاح، وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا نزل به وحي، فإن أردت بقولك: “إلا ما وافق الشرع” أي لم يخالف ما نطق به الشرع: فصحيح، وإن أردت: لا سياسة إلا ما نطق به الشرع: فغلط، وتغليط للصحابة، فقد جرى من الخلفاء الراشدين من القتل والتمثيل ما لا يجحده عالم بالسنن، ولو لم يكن إلا تحريق عثمان المصاحف، فإنه كان رأيا اعتمدوا فيه على مصلحة الأمة” (ابن القيم الجوزية 2014: 46).

التحول للتقنين الوضعي و”علمنة الشريعة”:

أخذًا في الاعتبار هذه الخلفية، كانت تحولات الربع الأخير من القرن التاسع عشر بمثابة تفكيكًا كاملًا لهذا النسق المفاهيمي المغلق وتأسيسًا لنمط جديد لممارسة السيادة والسلطة وإعادة مفصلة الشريعة مع عدد مختلف تمامًا من المفاهيم والممارسات. انتهت حركة التقنين الوضعي في مصر بعد تجارب عدّة إلى النسخ المباشر من المصادر الفرنسية أو الإيطالية كما هو الحال في القانون المدني الأول الذي تم نقله مباشرة من القانون المدني المطبق في المحاكم المختلطة ثم قانون العقوبات وغيرهم. واقترن ذلك بالطبع بصعود نخبة قانونية جديدة من المحامين المتدربين في مدارس التعليم الأوروبي سواء في فرنسا أو في مصر وقضاة وأساتذة قانون شكلوا نواة مدرسة قانونية مصرية متميزة. وبالتوازي كذلك، بدأت تتشكل نخبة سياسية، جلها من القانونيين المتعلمين تعليمًا غربيًا، تتنافس على شغل المساحة الموكولة لممارسة الأمة لسيادتها المطلقة وتشريعها لنفسها. لم يعن هذا التحول تغييبًا للشريعة أو قطيعة معها بالمعنى البسيط والمباشر للكلمة، كما يحلو للغالبية العظمى من المنظرين الإسلاميين توصيف الوضع، بقدر ما كان يعني تحويلًا عميقًا في معنى الشريعة وآليات تطور القانون الإسلامي وكيفية انتاجه. لم ينقطع المصريون عن تراثهم أو “شريعتهم” بقدر ما غُزلت علاقة مختلفة تمامًا مع هذه الشريعة نتيجة تحول كامل في آليات ممارسة الحكم وعلاقات السلطة. انتقلت الشريعة هنا من كونها قانونًا مقدسًا أقرب ما يكون للعهد بين المسلمين وبارئهم إلى قانون المسلمين أو إلى “تراث المسلمين” بالمعنى الحضاري للكلمة الذي يكتسب محوريته من كونه تقليدًا تاريخيًا متبعًا من الأغلبية أكثر من كونه نص مقدس. فما الدافع لهذا التحول؟ وكيف تم التأسيس له سواء على يد النخبة الأزهرية أو النخبة القانونية الحديثة؟ وما هي مواطن التوتر التي اعترت هذا التأسيس؟

جرى هذا التحول بشكل بطيء وتالٍ لميل القوى الغربية الاستعمارية لفرض امتيازات لرعاياها الأجانب الذين يعيشون في أرجاء الإمبراطورية العثمانية، ومن أهم تلك الامتيازات هو استثناء هؤلاء الرعايا من تطبيق أحكام الشريعة المتعارف عليها وتأسيس محاكم خاصة للنظر في منازعات الأجانب بما يستدعيه ذلك من قانون خاص لهذه المحاكم. كذلك كان الانخراط المتصاعد في السوق العالمي وما يستدعيه ذلك من التكيف مع ممارسات تجار من مشارب وخلفيات متنوعة عامل ضغط إضافي باتجاه التوسع في إمكانية التشريع في المساحة التي فتحها إجتهاد ابن تيمية ومفهومه للسياسة الشرعية (زيادة ١٩٨٧). على أن ما يميز هذا التوسع هنا أنه كان منحول بالكامل تقريبًا من قوانين العالم المسيحي، المنافس التقليدي للإمبراطورية العثمانية.

هذا التحول هو صنو التحول من نموذج دولة الفتح المحاربة إلى الدولة المنكفئة على حدودها والتي تتحول حربها إلى حرب داخلية تستهدف البقاء على النوع الإنساني وتعظيم انتاجية السكان، كالحرب على الأوبئة والأمراض وكافة مظاهر الانحلال الاجتماعي، وأي حرب خارجية فهي إما حرب دفاعية سواء بغرض الدفاع عن الإقليم أو الدفاع عن مصالح الدولة نفسها، ومن هنا جرى تبرير الحروب الاستعمارية بطبيعة الحال. هنا تفرض حدود خارجية على فعل سلطة الحكام لتشكل مقدمة طبيعية لتقييد هذه السلطة داخل الحدود عبر عمل الأسواق بالأساس ثم تبلور فكرة حكم القانون ونزع الشخصنة عن السيادة لتصبح مستقرة في مؤسسات لا في أشخاص الحكام (فوكو ٢٠٠٤). ومن هنا تطورت أجهزة الحكم بالطبع وتشعبت ونحت نحو المركزية والتعقيد وولدت الحاجة للتقنين للتعامل مع هذا التحول الاجتماعي الجديد.

أولى محاولات التقنين التي عكست هذا التحول كان ما يعرف “بمجلة الأحكام العدلية” العثمانية التي اكتملت أحكامها في ١٨٧٦. هذه المجلة تؤشر على التحول البطيء والمعقد من نموذج “السياسة الشرعية” الذي أصل له ابن تيمية لنموذج السياسة الدستورية الحديثة. فالمادة الأولى من الكتاب الأول من المجلة وإن كانت لا تتحدث من قريب أو من بعيد عن مبدأ السيادة الشعبية، إلا أن نقطة انطلاقها ليست كذلك الأحكام الشرعية وحتمية انفاذها في العالم بقدر ما أنها تنطلق من نقطة علمانية بالكامل تتمثل في ضرورة الحفاظ على النوع الإنساني ونظام العالم ورفاهية سكانه، في تعبير صافي عن غرض ممارسات السلطة الجديد. وتم تقديم الفقه كأحد المعارف الساعية لتحقيق هذه الأهداف الجماعية وليس بوصفه علم هادف للبحث في “أفعال المكلفين” وتقسيمها كما تم التعارف عليه على مدى قرون. تذكر المادة الأولى أن:

“الفقه علم بالمسائل الشرعية العلمية. والمسائل الفقهية إما تتعلق بأمر الآخرة وهي العبادات وإما أن تتعلق بأمر الدنيا وهي تنقسم إلى متناحكات ومعاملات وعقوبات. فإن الباري تعالى أراد بقاء نظام هذا العالم إلى وقت قدره وهو إنما يكون ببقاء النوع الإنساني. وذلك يتوقف على ازدواج الذكور مع الإناث للتوالد والتناسل. ثم إن بقاء نوع الإنسان إنما يكون بعدم انقطاع الأشخاص، والإنسان بحسب اعتدال مزاجه يحتاج في البقاء للأمور الصناعية، إلى الغذاء واللباس والمسكن وذلك أيضًا يتوقف على التعاون والتشارك بين الأفراد. والحاصل أن الإنسان من حيث هو مدني بالطبع لا يمكن أن يعيش على وجه الانفراد كسائر الحيوانات، بل يحتاج إلى التعاون والتشارك ببسط بساط المدنية… فلأجل بقاء العدل والنظام [بين الناس] محفوظين من الخلل يحتاج إلى قوانين مودة شرعية في قسم المناكحات من علم الفقه وفيما به من التمدن والتعاون والتشارك وهي قسم المعاملات منه ولاستقرار أمر التمدن على هذا المنوال لزم ترتيب أحكام الجزاء وهي قسم العقوبات من الفقه” (مجلة الأحكام العدلية ٢٠١٣).

هذا الميل لربط الفقه بما يسميه فوكو مجال عمل “السلطة الحيوية”، أي ربطه بمسار انكفاء الدولة داخليًا على شئون حفظ حياة ورفاه السكان ومضاعفة انتاجيتهم، اقترن بالميل الآخر للخروج بالتشريع من دائرة الاجتهاد الشخصي للعلماء لصالح صياغة هذا الاجتهاد في صورة قواعد آمرة مجردة. فبينما كانت القواعد الأصولية سابقة الذكر لا تعدو أن تكون منهجًا للمجتهد والقواعد الفقهية لا تعدو أن تكون مؤشرًا على الإجماع السابق على اجتهاده، فقد تم تحويل القواعد الفقهية في المجلة لصيغة القواعد القانونية الآمرة المجردة التي تشكل مرجعًا ضروريًا في التعامل مع موضوعات النزاع المدنية والجنائية كما لو كانت سوابق قضائية. فخُصص الكتاب الأول من المجلة للنص على هذه القواعد الفقهية في المذهب الحنفي، مذهب الدولة العثمانية، والتي جُمعت في ٩٩ قاعدة يأتي على رأسها القواعد الخمس الأساسية سابقة الذكر في القسم السابق من الدراسة. هنا نحن بصدد قانون حديث من حيث الشكل والمضمون وإن كان صامتًا عن مسألة السيادة، أو مصدرية التشريع، وعن مسألة سلطة التشريع نفسها ومدى إمكانية فتح مجالها للعامة. فقد تعاملت المجلة مع نصوصها كما لو كانت حصيلة اجتهاد جماعي ملزم للقائم على تنفيذه ولم تشغل بالها كثيرًا بالحديث عن إمكانية نقض هذا الاجتهاد في المستقبل إذ أنها ظلت إمكانية محجوزة حصرًا للحكام في ضوء اجتهادات الفقهاء. وهو ما يعني بالتبعية ضرورة مأسسة هذه الاجتهادات الفقهية لتتوائم بدورها مع حاجة التشريع المتغيرة في الواقع الجديد بعد أن كانت هذه الاجتهادات تجري بالانفصال أو التمايز عن عالم الحكم لقرون. هنا ولدت الأرثوذكسية الدينية الرسمية مرة أخرى بالارتباط الوثيق مع ولادة الدولة الحديثة وليس بالتمايز عن الدولة ومجال الحكم كما جرى في عصر التدوين في القرن التاسع الميلادي.

وفي مصر، وعلى يد مفكري عصر النهضة الأوائل كمحمد عبده، وبالتأثر بحركة التقنين العثماني والضغط الاستعماري الغربي كذلك، بدأت ترتسم ملامح تصور جديد للشريعة كمنتج حضاري لكل سكان العالم الإسلامي من مسلمين ومسيحيين والتركيز على طابعها الديناميكي المتطور في تفاعله مع مستجدات حياة سكان هذا العالم. ومن هنا بدأت تظهر الشريعة كذلك، وكما يرصد طلال أسد بحق، كمعيار موجه للحياة الأخلاقية لمواطني مجتمع برجوازي قيد التشكل[1] (أسد ٢٠٠٣٣) وكقانون على قدم المساواة يمكن  تصنيفه ومقارنته بغيره من القوانين ثم تقنينه اعتمادًا على نفس التقنيات الغربية وعبر ترجمة متبادلة يتم فيها تقريب مفاهيم أصول الفقه لأقرب مفاهيم متاحة في المعرفة القانونية الغربية والعكس بالعكس. وتحفل كتابات عبده بتحميل معضلة جمود الشريعة لعموم المسلمين الذين كفوا عن الابداع الحضاري وأن تأخر الشريعة عن مواكبة التطورات القانونية لا يعود لعيب مؤسس في العقيدة أو مناهج أصول الفقه بقدر ما يعود أساسًا لتخلف المسلمين. والمسئول عن هذا التخلف عدة عوامل يأتي على رأسها الاستبداد السياسي بالطبع وعجز العلماء المنوط بهم التجديد عن التصدي لمهامهم تلك نتيجة “آفة التمذهب والتقليد”.[2] وحل هذه المعضلة، من وجهة نظره، يتمثل في تبني  أشكال من الحكم الدستوري الحديث مع إطلاق حرية الاجتهاد في ضوء محددات أصول الفقه الموروثة حتى تواكب مؤسسات وممارسات القانون الإسلامي طبيعة التحولات في المجتمع.[3]

وكما كان الحال مع التجربة العثمانية التي قادت إلى ضرورة مأسسة وتحديث عملية الاجتهاد حتى توائم ضرورات الحكم المتغير في واقع يزداد تعقيدًا، كان عبده نفسه من أهم رواد الدعوة لإصلاح الأزهر باتباع أساليب التعليم الحديثة من حيث المناهج والامتحانات والتراتبية، وكذلك إصلاح نظام إدارة المساجد، والتي دائمًا ما تركت في فضاء الأوقاف بعيدًا عن تنظيم الدولة المركزية، وإصلاح المحاكم الشرعية بالطبع لتتبع قانونًا موحدًا يمثل خلاصة الاجتهاد عبر النظر في أحكام المذاهب الأربعة.[4] وهنا أيضًا  نلحظ تحول لجماعة العلماء من رقيب على الحكام إلى جزء عضوي من أجهزة الدولة الحديثة يقوم بأدوار تشريعية وتنفيذية أكثر من كونه معبرًا عن رأي عام أو جماعة ضغط. وهو ما جرى على مراحل بالفعل بدءًا بالقانون رقم ٢ لسنة ١٨٩٦ الخاص بنظام التعيين والتدريس في الأزهر والذي قنن عملية اختيار مجلس إدارة الأزهر بالتعيين من قبل الخديوي، والقانون رقم ١٠ لسنة ١٩١١ والذي حدد اختصاصات الأزهر وعلاقته بباقي سلطات الدولة كمرجع نهائي في العلوم الشرعية ترجع إليه مختلف الجهات التشريعية والتنفيذية عند تنازع التفسير. بالتوازي اتجهت القوانين الجديدة إلى اتباع نظم الدراسة الحديثة المعتمدة على مناهج ثابتة غير مشخصنة بعد قرون من نظام حلقة الدرس حول الشيخ القارئ لكتاب بعينه من اختياره. واختيار تلك المناهج بالطبع لم يخرج عن التقسيم التقليدي للعلوم الشرعية بدءًا بالتفسير ثم الحديث فأصول الفقه والفقه المقارن، بخلاف علوم اللغة بالطبع وعدد من العلوم الطبيعية. أي أن السعي للتقنين والمركزة السياسيين ارتبط بالسعي لمأسسة مناهج العلوم الشرعية وإكسابها طابع منتظم ونمطي لا يرتبط بشخص المجتهد.

وما بدأه عبده في شكل حجاج مع المستشرقين الغربيين، ثم في شكل “إصلاحًا” ومأسسة للأزهر وعلومه الشرعية، استمر وتعمق في كتابات النخبة القانونية المصرية كما تشير أعمال قدري باشا مثلًا. والأخير كان صاحب إسهام مهم في محاولة تقنين الشريعة الإسلامية على غرار تجربة “المجلة العثمانية” عبر عمله المرجعي “مرشد الحيران في معرفة أحوال الإنسان” والذي اشتمل على جمع لأحكام المذهب الحنفي في المعاملات المدنية دون المقدمة الشرعية المميزة للمجلة (محمد قدري باشا، ١٨٩١). وكما هو الحال في “المجلة”، كانت قوانين قدري باشا خطوة في اتجاه علمنة الشريعة بمعنى اعتمادها الكامل في حياتها على صاحب للسيادة منبت الصلة بأي مصدر مقدس وعلى آليات تقنين متغيرة بطبيعتها وزمنية بالمعنى الحرفي للكلمة. حتى ولو شكلت الشريعة محتوى هذه القوانين أو مصدرًا للحياة الأخلاقية للمواطنين المخاطبين بها، وحتى لو فرضت حدودًا وتقييدًا على أنماط بعينها من الحياة الدينية والأخلاقية والجنسية، كما كان الحال مع الحريات الدينية أو الجنسية في دستور ١٩٢٣ مثلًا،[5] فقد ظلت من  الناحية النظرية قابلة للتعديل دون حائل إلا إرادة الأغلبية. باختصار أصبحت الشريعة معتمدة في حياتها على الأمة بعد أن ظل التصور الراسخ في التجربة الطويلة للفقهاء المسلمين يرى في الشريعة حاكمًا على الأمة.

إلا أن هذا التحول وإن كان تأسس داخل النظريات القانونية والسياسية الحديثة إلا أنه لم يلق تأسيسًا قويًا داخل الحقل المعرفي الإسلامي التقليدي وظلت اجتهادات عبده، وتلميذه رشيد رضا، محصورة في نطاق ضيق للغاية داخل الأزهر الذي ظل يلهث وراء التطورات القانونية دون أن يقطع تمامًا وللأبد مع عالم الشريعة القديم ويتكيف مع طبيعة الشريعة المعلمنة. ظلت الأسئلة بخصوص توفيق المفهوم الجديد للشريعة مع الملامح الثلاثة لحياتها السابقة معلقة، أي كيف يمكن التمهيد لحسم مسألة السيادة بالكامل لجسد الأمة، وكيف يمكن التأسيس لتفكيك سلطة العلماء بالكامل والتمهيد لدخول “العوام” لساحة التشريع للمرة الأولى في تاريخ المسلمين. محمد عبده نفسه وعلى الرغم من اجتهاداته السابقة المحكمة نظريًا على صعيد تفكيك التمذهب وتقديم تصورات ليبرالية الطابع لأحكام الشريعة، لم يقدم اسهامات عميقة تذكر في التأسيس لهذا الشكل الجديد من أشكال السيادة والسلطة. وظلت محاولاته مبتورة ومفتقرة للتأصيل الشرعي.

 يتضح هذا الارتباك بجلاء عند مناقشة عبده لمفهوم السلطة السياسية والدينية في الإسلام واختلافها عن التاريخ المسيحي. فبينما ينفي عبده أي طابع ديني أو مقدس عن سلطة العلماء ويحصرها بالمجال المعرفي فقط، إلا أنه لم يتمكن من تجاوز الحدود الضيقة التي فرضها مؤسسو علم أصول الفقه على إمكانية الاجتهاد وتمييزهم القاطع بين العامة ومجتمع الفقهاء، وهو التمييز الذي يستدعي بدوره سلطة ممأسسة حتى ولو كانت معرفية الطابع. ففي معرض حجاجه مع فرح أنطون، يعلن محمد عبده في أحد المواضع أن “الإسلام لم يجعل لهؤلاء [علماء الشريعة] أدنى سلطة على العقائد وتقرير الأحكام. وكل سلطة تناولها واحد من هؤلاء، فهي سلطة مدنية قررها الشرع الإسلامي، ولا يسوغ لواحد منهم أن يدعي حق السيطرة على إيمان أحد أو عبادته لربه، أو ينازعه في نظره” (محمد عبده ٢٠٠٦ ج٣: ٣١١). إلا أنه عند مواجهة سؤال علاقة هذه “السلطة المدنية” بجمهور المسلمين المفترض تحولهم لمناط السيادة في عالم الدولة الحديثة لم يسعه إلا إعادة إنتاج ثنائيات أصول الفقه بين علم العامة وعلم الخاصة والأخير محجوز حصرًا لسلطة المجتهد بالطبع. يقول عبده في هذا الصدد:

“لكل مسلم أن يفهم عن الله من كتاب الله، وعن رسوله من كلام رسوله، بدون توسيط أحد من سلف ولا من خلف. وإنما يجب عليه قبل ذلك، أن يحصل من وسائله ما يؤهله للفهم: كقواعد اللغة العربية وآدابها وأساليبها، وأحوال العرب خاصة في زمن البعثة، وما كان الناس عليه زمن النبي – صلى الله عليه وسلم- وما وقع من الحوادث وقت نزول الوحي، وشيء من الناسخ والمنسوخ من الآثار. فإن لم تسمح له حاله بالوصول إلى ما يعده لفهم الصواب من السنة والكتاب، فليس عليه إلا أن يسأل العارفين بهما، وله أن يطالب المجيب بالدليل على ما يجيب به، سواء كان السؤال في أمر الاعتقاد أو في حكم عمل من الأعمال. فليس في الإسلام ما يسمى عند قوم من سلطة دينية بوجه من الوجوه” (محمد عبده ٢٠٠٦ ج٣: ٣٠٧).

والفقرة السابقة لا تخرج عن الشروط التي وضعها الشافعي من علم بالقواعد الأصولية وتاريخ العرب قبل الإسلام وغيرها من الشروط لممارسة الاجتهاد. وإذا ما وضعنا جانبًا مسألة السلطة على معتقدات الأفراد، والتي لم يدعيها أحد من المجتهدين على مدار تاريخ الفقه الإسلامي، فنحن لم نتقدم بعيدًا عن حالة سلطة المجتهد المعرفية التي يحوزها بمقتضى الأمر الواقع إذ لا تتوفر لأيٍ من العوام مهما بلغت درجة تعليمهم هذه المعرفة والتي لا يمكن تحصيلها إلا في مؤسسات متخصصة.

لم يقتصر التعاطي مع هذه المعضلة على النخبة الأزهرية الإصلاحية أو حتى على جماعة الأزهريين الأوسع، بل امتد هذا الشاغل ليهيمن على كتابات بعض الوجوه الشابة في النخبة القانونية نفسها التي سعت لاستئناف ما بدأه قدري باشا من تقنين لأحكام الشريعة وتراث القانون الإسلامي كخطوة لازمة على طريق الاستقلال الكامل. على رأس هذه المحاولات تأتي محاولة الفقيه القانوني عبد الرزاق السنهوري بالطبع والذي كرّس مقدمة شرحه للقانون المدني للدفاع الحار عن تقنين الشريعة الإسلامية بوصفه خطوة لازمة لتحقيق ما أسماه “الاستقلال القانوني” للمصريين. فوفق وجهة نظر السنهوري، لا يستقيم النضال من أجل حق تقرير المصير مع استمرار حرمان الأمة من الاغتناء من تراثها في كافة أوجهه وفي القلب منه تراثها القانوني.[6] بالتالي، كانت صياغته للقانون  المدني المصري، ومن قبله القانون المدني العراقي، محاولة للانتقاء والتوسط بين آراء المذاهب المختلفة والنفاذ مباشرة إلى عدد من المبادئ الكلية التي ترسبت عبر مسيرة التشريع والتقاضي الإسلاميين الطويلة. مبادئ “كالتعسف في استعمال الحق” أو “الشفعة” وغيرها احتلت مكانتها المحورية داخل بناء القانون المدني عبر إعادة انتاجها على يد السنهوري كمبادئ قانونية عامة تم اكتشافها عبر تصفية ركام الاجتهادات المختلفة. هي منتجات لممارسة عملية استنباط الأحكام من النصوص وفقًا للقواعد الأصولية والفقهية كما سلف الذكر ولكنها لا تعتمد في ظهورها مرة أخرى في عالم التشريع على نفس المنهج الذي انتجت من خلاله ابتداءً. هي بالأحرى تعتمد في حياتها على جملة من الممارسات مختلفة جذريًا عن الممارسات المستقاة من علم أصول الفقه. وفي المادة الأولى للقانون المدني، والكاشفة للمصادر المتاحة للقاضي عند الفصل في المنازعات بشأن القانون الجديد، نقابل للمرة الأولى الصياغة الملتبسة والمثيرة للجدل وهي “مبادئ الشريعة الإسلامية” بوصفها أحد مصادر الالتزام التالية على أحكام القانون الصادر من صاحب السيادة أو العرف الشائع. أي أن المبادئ هنا تشير لجملة من الأحكام الثابتة على أن منهج تنزيلها على الواقع يعتمد كليًا على التقنين الوضعي أو تفسير القاضي المدني.

إلا أن السنهوري وعلى الرغم من ذلك كان على دراية عميقة بالمعضلة التي تواجه محاولته نفسها لتقنين الشريعة، أي الافتقار للشرعية اللازمة وما يرتبط بها من سلطة معرفية. كان السنهوري في بداية عمله، كما يذهب محمد فاضل، مدركًا أن شيئًا ما من جوهر هذه الأحكام الشرعية يضيع للأبد عند إخضاعه لمفهوم السيادة الوطنية (فاضل ٢٠١٣: ٦٥٣). فيكتب السنهوري بوضوح في بحثه الأقل شهرة عن “الخلافة الإسلامية” المكتوب في ١٩٢٦، عن الجوهر الحقيقي للقانون العام الإسلامي وهو نفيه السيادة عن أي سلطة زمنية وإخضاع الجميع حكامًا ومحكومين لسيد أعلى. بل يؤسس السنهوري لتصوره عن الحرية بوصفها نفيًا لهذه السيادة عن الجميع والإقرار بها حصرًا لهذا المصدر المتجاوز وأن مجرد الاعتراف لأي طرف زمني بحقوق السيادة هو في حد ذاته مدخلًا للطغيان.[7] ثم يطور السنهوري فكرته عن السيادة ويرى أنها مفوضة للأمة وأن آلية  ممارسة الأمة لهذا التفويض هي الإجماع، بوصفه معبرًا عن فهم غالب لأحكام الشريعة متغير عبر الزمن، وأن آلية الإجماع، كدليل من أدلة أصول الفقه، ليس المقصود بها تقييد اجتهاد الأجيال التالية على الأجيال الأولى، بقدر ما هي آلية تستهدف تعميم فهم معين لأحكام الشريعة في مواجهة إرادة الحكام المنفردة وأهوائهم. اعتبار الإجماع أحد أصول الشريعة بهذا المعنى هو تعبير عن تفويض السيادة لعموم الأمة وليس للحكام، وهو كذلك المدخل لتطوير أحكام الشريعة الإسلامية نفسها تبعًا لتحولات الواقع إذ أن الإجماع متغير بطبعه. ولتدعيم أسس هذا المصدر، يدعو السنهوري إلى تقنين الإجماع المتحقق في زمن بعينه لإضفاء صفة الإلزام التي طالما غابت عن أعمال المجتهدين نتيجة الانفصال سابق الذكر بين عالم الحكم وعالم الفقه ولتشكيل دفعًا وتوازنًا واقعيًا بين السلطات.[8] وهنا السنهوري يعد معبرًا عن الاتجاه السابق الحديث عنه لمأسسة  ومركزة السلطة المعرفية للمجتهدين بالتوازي مع مأسسة ومركزة السلطة السياسية، وهو الاتجاه الذي بدأ في نهايات القرن التاسع عشر كما سبق الذكر. ويزيد عليه السنهوري بالدعوة لتأسيس مجامع فقهية تتولى عملية تقنين فقه المجتهدين وتعميمه على غرار مجلة الأحكام العدلية مثلًا.[9]

إلا أن محاولة الموائمة بين الإجماع وبين مبدأ السيادة الشعبية الحديث في فكر السنهوري تبقى مفتوحة على أوجه من الغموض تتعلق بكيفية اختيار هؤلاء المجتهدين المكلفين بتشكيل الإجماع وبالعلاقة بين سلطة المجتهدين وبين عموم الناس المفترض أنهم محل السيادة الإلهية المفوضة. هنا أيضًا، وكما هو الحال لدى محمد عبده، لم يتمكن السنهوري من تجاوز ميراث “أصول الفقه” العتيد – المرتكز على التمييز بين علم العامة وعلم الخاصة- باتجاه تفكيك تلك السلطة المعرفية للمجتهدين بالمجمل. فبعد تفصيل مفهومه عن السيادة الإلهية والإجماع، بوصفه تعبيرًا عن سيادة الأمة، يعود السنهوري ليرتبك في تحديد ماهية المكلفين بممارسة سلطة الإجماع ذاك. يقول السنهوري:

“إن اعتبار إجماع الأمة مصدرًا لتشريع الإسلامي هو نواة المبدأ الحديث الذي يجعل إرادة الأمة مصدر السلطات. والذي يعبر عنه بمبدأ سيادة الأمة في النظم العصرية. هذا المبدأ الذي يقوم عليه التشريع الإسلامي هو نفس المبدأ الذي يقوم عليه النظام النيابي الحديث. لكن الذي يميز النظام الإسلامي أن ممثلي الأمة في القيام بوظيفة التشريع هم المجتهدون، أي العلماء الذين يعترف لهم بالوصول لمرتبة الاجتهاد (أهل الحل والعقد). وقد أدى ذلك بالبعض إلى القول بإن الحكومة الإسلامية هي حكومة العلماء، ولكن وصول العلماء إلى مرتبة الاجتهاد بكفاءتهم العلمية والأخلاقية والعملية لا ينفي كونهم يمثلون الأمة” (السنهوري ٢٠٠٠: ٦٧).

 ولا يسع المرء هنا عند القراءة الثانية للمقطع السابق إلا ملاحظة التناقض بين كون سلطة العلماء تمثيلية وبين كون صاحبها يحوذها بمحض “كفاءته وأخلاقه وعلمه”! ويبدو أن السنهوري هنا يستند في تصوره عن تمثيلية العلماء لعموم المسلمين إلى سياق اجتماعي كان العلماء فيه غير منفصلين عن طبقات بعينها وسلطتهم فيه شخصية الطابع غير ممأسسة وغير مرتبطة بمجال ممارسات الحكم كجماعة لها دور تنفيذي أو تشريعي. إلا أن تحلل العلاقات الاجتماعية التي سمحت للعلماء بشغل هذا الموقع وصعود الحاجة للمأسسة، وتشكل علاقات اجتماعية جديدة لا مجال فيها لسلطة العالم الشخصية، تجعل من الصفة التمثيلية للعلماء محل شك كبير. يبدو السنهوري نفسه واعيًا لهذه المعضلة ويسعى لتجاوزها عبر دعوته لتأسيس مجلس آخر، أو ربما غرفة تشريعية أخرى، بخلاف “المجمع الفقهي” غير قاصرة في عضويتها على العلماء ويكون انتخابها من عموم الناس. يقول السنهوري في هذا الصدد:

المعروف أن الإجماع يشمل جميع الأحكام التي يحتاج إليها المجتمع الإسلامي. ووضع هذه الأحكام يستلزم علمًا بمصادر الشريعة وأحكامها وعلمًا بأحوال الناس وحاجاتهم. وبذلك يمكن التفرقة بين نوعين من المجتهدين: أولهم رجال الفقه الذين يختصون بالمسائل الفقهية النظرية. وثانيهم الخبراء ورجال العمل، من المختصين بمعرفة مختلف نواحي الحياة الاجتماعية المعقدة كرجال الزراعة، أو الصناعة، أو التجارة، أو المال، أو السياسة، أو الحرب وأمثالهم. فهؤلاء يمكن اعتبارهم من {أهل الذكر} الذين أمر القرآن باستشارتهم في قوله تعالى {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}. فهم مجتهدون من نوع خاص. فإذا وجدت مجالس شورية تضم رجالًا من هذا النوع فإننا بذلك ندخل في استنباط الأحكام الإسلامية، بجانب رجال الفقه النظريين، عنصرًا ضروريًا كي تجئ الأحكام الشرعية ملائمة لحاجات الناس من النواحي الاقتصادية والاجتماعية التي تستلزم وضع هذه الأحكام” (السنهوري ٢٠٠٠: ٧٥ و٧٦).

تبقى العلاقة بين المجلسين، أو المجلس الواحد المختلط أو المجلس ذي الغرفتين، غامضة ومفتوحة في فكر السنهوري: فمن يخضع لمن؟ أو من لديه الكلمة النهائية؟ وما العمل في حال التنازع بين الكيانين؟ تبقى إجابات هذه الأسئلة مفتوحة في فكر السنهوري مؤشرةً إلى معضلة ستعيد انتاج نفسها مرة أخرى في أكثر من حلقة من حلقات الجدل حول السيادة والسلطة في الإسلام وآخرها في الجدل الدستوري التالي ليناير ٢٠١١.[10]

قد يكون السنهوري تراجع عن هذا التصور أو أدخل عليه تعديلات جوهرية في حياته المتأخرة، بدليل ما طرحه في “الوسيط في شرح القانون المدني” الصادر في ١٩٥٢ من اعتبار القاضي هو المرجع النهائي في تفسير المصدر الثاني من مصادر القانون المدني حتى ولو كان ملزمًا “بالعودة لكتب الفقه الإسلامي المعتمدة” في حالة غياب قضاء يعتد به (السنهوري ٢٠١٠: ٤٩). لا ذكر في “الوسيط” لفكرة المجامع الفقهية أو لأي سلطة تفسيرية أخرى غير القضاء من قريب أو بعيد. إلا أن هذا لا يغير شيئًا في حقيقة أن أطروحته ظلت مسار إلهام لمخيال إسلامي نشط قد لا يدرك هو نفسه عمق الروابط التي تشدّه إلى السنهوري. مولد هذا المخيال ونضاله من أجل استعادة عالم الشريعة القديم هو موضوع القسم التالي من الورقة.

نصف قرن من النضال من أجل “أسلمة الشريعة”:

 إذا كان مسار الربع الأخير من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين هو مسار علمنة الشريعة بامتياز فمن الجائز التفكير في السنوات التالية على تفاقم أزمة المشروع الناصري وحتى ثورة يناير ٢٠١١ بوصفه مسارًا للنضال من أجل استعادة عالم الشريعة المفقود أو “أسلمة الشريعة” إذا جاز التعبير. طبعًا لم يغب هذا السعي منذ التحول للتقنين الوضعي كما سبق الذكر ولكنه كان سعيًا دعائي الطابع وكانت الاجتهادات التي صدرت عن أصحابه غامضة وفي كل الأحوال لم تنجح في وقف عملية العلمنة ولم تنفذ إلى أروقة التشريع. بالعكس من ذلك، قطعت عملية علمنة الشريعة أشواطًا إضافية مع المشروع الناصري سواء من حيث الشكل أو المضمون. ففي غمار التحولات يسارًا في مجال إدارة الإقتصاد، تم تأميم الأوقاف الخيرية والتي شكلت أحد الأسس الإجتماعية الأخيرة المتبقية لاستقلال العلماء عن مؤسسات الدولة. ثم كان الاتجاه للدمج الكامل لعلماء الأزهر داخل مؤسسات الحكم عبر إلغاء المحاكم الشرعية في ١٩٥٥ ثم إصدار قانون الأزهر الشهير للعام ١٩٦١ والذي تضمن إلغاء هيئة كبار العلماء واختيار شيخ الأزهر بالتعيين. كان هذا القانون بالطبع حلقة من حلقات نهج استبدادي سلطوي حكم علاقة نخبة الحكم الجديدة بكافة مكونات المجتمع المدني من نقابات عمالية ومهنية وجمعيات أهلية وجامعات بهدف إسناد نمط التنمية المتبع آنذاك. وانتهى الأمر بهذا النمط من الحكم والتنمية معًا، في مصر وغيرها من تجارب الكتلة الاشتراكية وما كان يعرف بالعالم الثالث، إلى أزمة طاحنة منذ نهاية الستينيات لا مجال للخوض في تفاصيلها بالطبع في هذا المقام.

عودة الدعوة لتقنين الشريعة في هذا الوقت، على العكس من محاولات السنهوري وقبله قدري باشا وغيرهم، لم تتبلور بوصفها أحد مستلزمات “الاستقلال القانوني” عن الغرب أو التمتع بحق تقرير المصير بقدر ما كانت رد فعل على تعثر هذه المحاولات ذاتها خلال سنوات الاستقلال وتبني النخب الحاكمة لأيديولوجيات ذات منشأ غربي سواء ليبرالية أو قومية أو اشتراكية. كان السعي لتقنين الشريعة هو محاولة لاستعادة عالم انتهى وإن كان تم إضفاء هالة أسطورية حوله وتقديمه كبديل عن الدولة الوطنية نفسها، أي محاولة لاستعادة التصور القديم عن السيادة والسلطة والشرعية بحذافيره. تحفل كتابات مفكرين إسلاميين بمحاولة دحض التصور الحداثي عن الإسلام المعلمن وتقديم هذا التصور التقليدي بعد ربطه بعدد من المفاهيم الحديثة نفسها عن النهضة والإحياء. الإحياء والنهضة والقدرة على الإسهام الحضاري في العالم، وفقًا لهذا التصور، مقترنان بإحياء المفهوم المحتضر عن السيادة نفسه لا بتجاوزه كما حاول بارتباك عبده والسنهوري. كثيرة هي الأدبيات التي تناولت بالتحليل والنقد أعمال مفكرين مركزيين في مسار تطور هذا الخطاب الإسلامي المعاصر حول الدولة والسيادة والتشريع، كسيد قطب بطبيعة الحال، أو أبو الأعلى المودودي وغيرهم. ولكننا في هذا المقام نود التركيز على أعمال مفكرين إسلاميين من أعضاء النخبة القانونية الحديثة نفسها أقل شهرة حاولوا – على العكس من سيد قطب مثلًا- ترجمة تصوراتهم عن السيادة والتشريع إلي لغة دستورية حديثة والتقدم خطوة باتجاه صياغة مشاريع لدساتير بديلة بالمجمل ترتكز إلى هذا التصور وعبر الإفادة من نقاط الغموض والتوتر في خطاب الشريعة المعلمنة والتي فصلناها في القسم السابق.

من ضمن أهم الأعمال التي تشكل قوام نظرية دستورية إسلامية متماسكة بالمعنى السابق ذكره والأكثر تأثيرًا في خطاب نخب التيار الإسلامي الحركي تأتي أعمال القاضي عبد القادر عودة والقاضي توفيق الشاوي والمفكر ضياء الريس على الترتيب. وهي أعمال كان لها تأثيرها المباشر على الجدل الدستوري الذي أعقب يناير ٢٠١١، حيث حفلت كتابات أعضاء لجنة المائة المدافعين عن ضرورة إعادة بناء الشريعة بعد عزلها عن حزمة المفاهيم العلمانية بالإحالة لمؤلفات الثلاثة (عبد القادر عودة وتوفيق الشاوي في حالة الإخوان وضياء الريس في حالة منتسبي الدعوة السلفية).[11]

تنطلق أدبيات المفكرين الثلاثة من نفس نقطة انطلاق عبد الرزاق السنهوري، وهي التمييز بين رؤية الشريعة لمفهوم السيادة ورؤية القانون الوضعي لنفس المفهوم، مع ما يترتب على هذا التمييز من نتائج على صعيد سلطة التفسير وقواعده والقيود على حق الأمة في التشريع. ولم تختلف العبارات التي حفلت بها أدبيات المفكرين الثلاثة عن عبارات السنهوري في “الخلافة” كثيرًا، إلا أنهم قد تجاوزوه في عدم إمكانية إعمال المنهج المقارن من الأصل عند دراسة الشريعة مع القوانين الوضعية، ومن ثم خلخلة أحد أركان التصور المعلمن للشريعة كتراث للمسلمين يمكن أن يدرس على قدم المساواة مع غيره من القوانين الجرمانية أو اللاتينية. يتحدث عبد القادر عودة مثلًا في مقدمة كتابه “التشريع الجنائي في الإسلام” الصادر في نهاية أربعينيات القرن الماضي، تحت عنوان “لا قياس بين مختلفين” فيقول “وإذا صح أن الشريعة تختلف عن القوانين باختلافات أساسية وتتميز عنها بمميزات جوهرية فقد امتنع القياس؛ لأن القاعدة أن القياس يقتضي مساواة المقيس بالمقيس عليه، فإذا انعدمت المساواة فلا قياس أو كان القياس باطلًا”[12] (عبد القادر عودة :١٣٣). بل ويذهب عودة أبعد من السنهوري في نفيه الطابع  “التراثي” عن الشريعة عندما يبدي عدم اكتراث واضح بأهمية تفاعل جماعة المسلمين مع الشريعة وأثر ذلك على تطور القانون الإسلامي، فيقول:

“أما الشريعة الإسلامية فقد علمنا أنها ليست من صنع الجماعة، وأنها لم تكن نتيجة لتطور الجماعة وتفاعلها كما هو الحال في القانون الوضعي، وإنما هي من صنع الله الذي أتقن كل شيء خلقه. وإذا لم تكن الشريعة من صنع الجماعة، فإن الجماعة نفسها من صنع الشريعة. إذًا الأصل في الشريعة أنها لم توضع لتنظيم شئون الجماعة فقط كما كان الغرض من القانون الوضعي، وإنما المقصود من الشريعة قبل كل شيء هو خلق الأفراد الصالحين والجماعة الصالحة، وإيجاد الدولة المثالية والعالم المثالي، من أجل ذلك جاءت نصوصها أرفع من العالم كله وقت نزولها، ولا تزال كذلك حتى اليوم” (عودة :٢٢).

 ويتصل بالأفكار السابقة القطعية عن السيادة ومصدرها وموقعها أطروحات أكثر قطعية وتحديدًا وأقل ارتباكًا بكثير عن قواعد تفسير الشريعة والسلطة التفسيرية المنوط بها إعمالها. فعبد القادر عودة مثلًا في “التشريع الجنائي” يضيف خطوة إضافية على منهج أصول الفقه في استنباط الأحكام بأدلته الأربعة المعروفة وقواعده الأصولية، وهي ضرورة العلم بمقاصد الشريعة عند التصدي للتفسير، فيما يبدو تأثرًا بعمل “الشاطبي” الفقيه المالكي. فيسير على خطى الشاطبي في تقسيم مقاصد الشريعة بترتيب الأهمية إلى ضروريات (لا يستقيم الوجود الإنساني بدونها)، وحاجيات (تحتاجها الجماعة من أجل رفاهيتها العامة)، وتحسينيات (تختص بالجانب الأخلاقي أو بأوجه السلوك المطلوبة لحفظ لحمة هذه الجماعة في غير الجانب المادي). ومثل الشاطبي، يضع عودة حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، كضروريات يسعى المفسر إلى حمايتها عند تصديه لتفسير الشريعة وفقًا لقواعد المنهج الأصولي. ومن ثم يقيد عودة عمل المفسر، سواء كان مشرعًا أو قاضيًا، بقواعد المنهج الأصولي وبمعرفة مقاصد الشريعة وترتيبها وفقًا لتلك الأولويات، التي تحدد أولويات للجماعة السياسية.

أما من حيث تشكيل السلطة التفسيرية نفسها، فقد ذهبت تلك الأدبيات خطوات أبعد من خطوات السنهوري بشأن سلطة ودور العلماء في التشريع والتفسير معًا. فكل من توفيق الشاوي وضياء الريس يذهبان إلى ضرورة تطوير اقتراح السنهوري بتشكيل “مجامع فقهية” تتولى مهمة تنظيم الإجماع باتجاه إيلاء مهمة تشريعية لهذه المجالس ترقى بها لمرتبة الشريك الفعلي في السلطة التشريعية، بل وفي بعض الأحيان لتحل محل الغرفة العليا في التشريع، كمجلس الشورى مثلًا. نقطة الانطلاق لدى الإثنين هي التمييز بين مفهوم “أهل الحل والعقد”، بوصفه مفهوم يتعامل حصرًا مع الهيئة الموكول إليها اختيار الإمام في الفقه الإسلامي التقليدي، وبين “المجتهدين” بوصفهم المشرعين الفعليين بما لهم من قدرة على استنباط الأحكام من الأدلة. فأهل الحل والعقد، بالنسبة لكل من الريّس والشاوي، هو مفهوم أوسع بكثير من أن يؤتمن على عملية التشريع، إذ تقتصر محدداته – منذ وضع الماوردي خطوطها العامة- على العدالة والحكمة والعلم العام بأحكام الشريعة وهي شروط لا تخول صاحبها بحد ذاتها التصدي لمهمة التشريع من وجهة النظر الأصولية التقليدية، وبطبيعة الحال من وجهة نظر الريس والشاوي. وبالتالي، فالحل الذي يطرحه كل منهم بلغتين مختلفتين، هو تشكيل سلطة تشريعية من غرفتين: أحدهما مخصصة لأعمال الرقابة وصياغة السياسات وتضم “أهل الحل والعقد”، أي كل من اجتمعت له شروط العدالة والحكمة والعلم، والأخرى هي هيئة من “المجتهدين” تتولى عملية التشريع بالكامل في بعض الأحيان، أو مراجعة كافة التشريعات في أحيان أخرى، للتأكد من تطابقها مع المبادئ العامة للشريعة.[13] يقدم  الشاوي التصور الأكثر تفصيلًا لهذا الفصل بين المفهومين، فيقول في كتابه “الشورى أعلى مراتب الديمقراطية”:

“إن اختلاف المجلس الأعلى – المتخصص بالتقنين والفقه فقط- عن المجلس الأدنى – المختص بالشئون السياسية والإشراف على السلطة الحكومية فقط- يتمشى مع اتجاه فقهائنا لعدم إيجاد علاقة عضوية بين الفقهاء وبين المؤسسات ذات الصلة بولى الأمر، ويمكننا أن نسميه مبدأ الفصل الشرعي أو العضوي بين هيئة الفقه والاجتهاد وهيئة أهل الحل والعقد… إن اقتراحنا لا يمكن أن يؤخذ على أنه يرمي إلى تكوين هيئة لها سلطة دينية من أي نوع كان؛ لأن روح الفقه الإسلامي توجب أن تكون تلك الهيئة مؤسسة علمية – اجتهادية- تكون علاقتها مع أهل الحل والعقد هي أنها تمثل الأمة التي تختارها كما تختارهم، فهي تستوي معهم في خضوعها لرقابة الأمة وإشرافها، وأن سلطتها مستمدة من تمثيلها للأمة لا من السماء. إن الفارق الأساسي بين المجلسين في الاختصاصات، هو أن أحدهما مهمته علمية فقهية – تشريعية في لغة العصر الحاضر- أما الآخر فمهمته سياسية إشرافية على سلطة الحكومة” (الشاوي ١٩٩٤: ٥٩، ٦٠)

هنا أيضًا نحن أمام نفس التناقض الذي رصدناه لدى السنهوري ما بين التضييق الشديد في شروط عضوية هذا “المجلس الأعلى” وما بين اعتباره ممثلًا للأمة. وهذا التناقض يجري التمويه عليه بالتشديد على أن سلطة المجلس هي محض سلطة علمية وليست دينية، وهو تمييز صحيح بالطبع ولكنه ليس محور القضية. ولمحاولة تجاوز هذا التناقض الظاهر، يطرح الشاوي انتخاب هذه الهيئة التشريعية انتخابًا مباشرًا على درجة واحدة من عامة الشعب بحيث يكون الاختيار من بين كل من توافرت لهم الشروط التي تفصل في صحتها هيئة علمية مستقلة. ولا يمانع الشاوي كذلك في انتخاب هذه الهيئة من قبل المجلس الأدنى، أي “أهل الحل والعقد”، شريطة أن يكون اختيارهم بين قائمة تطرحها تلك الهيئة العلمية المستقلة ذاتها. وفي الحالتين يصر الشاوي على أن للمجلس الأعلى، بجانب سلطته التشريعية الفعلية، سواء بالمبادرة بالتشريع أو بالتصديق على تشريعات مقترحة من المجلس الأدنى، حق النقض “الفيتو” على أي تشريع يراه مخالفًا لمبادئ الشريعة (الشاوي ١٩٩٤: ٦٣). وفي مواجهة حالة الصدام بين المجلس الأدنى والأعلى يطرح الشاوي حلًا مثيرًا وهو إمكانية استناد المجلس الأدنى لفتوى أخرى من خارج مجلس المجتهدين صادرة عمن تتوفر له شروط الاجتهاد، وإذا استمر الصدام يمكن أن يعرض الأمر على استفتاء شعبي للترجيح بين الآراء الفقهية المتصادمة (الشاوي ١٩٩٤: ٦١).

الملفت أيضًا، أن الشاوي قد أسند للمجلس الأعلى مهمة الإشراف على السلطة القضائية لضمان التزامها بأحكامه التي يستنبطها من الأدلة الشرعية. ويقترح الشاوي أن تشمل عضوية “مجلس المجتهدين” أعضاء مجلس القضاء الأعلى أو غيرهم من الهيئات القضائية المنوط بها تفسير القوانين (الشاوي ١٩٩٤: ٦٤).

هنا نحن أمام قلب كامل للتصور الشائع في أدبيات “الشريعة المعلمنة” لمفهوم “أهل الحل والعقد”. فبينما ماهت تلك الأدبيات، كما نرى في أعمال عبده أو السنهوري، بين مفهوم “أهل الحل والعقد” ومفهوم السلطة التشريعية في النظام الدستوري الحديث، يتعامل الشاوي والريّس مع مفهوم أهل الحل والعقد بوصفه أقرب لمفهوم الهيئة الناخبة في حين أن وظيفة التشريع تنحصر لديهم في المجتهدين. وهذا القلب للتصورات سيستمر ملهمًا لبعض الرؤى في التيار الإسلامي وضاغطًا على باقي الرؤى لما يحوذه من تأسيس شرعي أقوى بمراحل من باقي الرؤى المعلمنة، إذا ما تم إعمال القواعد الأصولية التقليدية.

كما هو معلوم كانت استجابة لجنة دستور ١٩٧١ لدعاوى “استعادة الشريعة”، التي اكتسبت تأييدًا متزايدًا في صفوف النخبة القانونية والسياسية، هو استعارة صياغة السنهوري المكثفة عن “مبادئ الشريعة الإسلامية” بوصفها مصدر رئيسي للتشريع، ثم تعديل المادة لتصبح الشريعة هي “المصدر الرئيسي” للتشريع في ١٩٨٠. هذه الاستعارة ستصبح مركزًا للجدل حول علاقة الشريعة بالدولة الوطنية ومفهومها عن السيادة والسلطة. فبينما كانت المادة في جوهرها كاشفة لواقع عملية التشريع أكثر من كونها منشأة لأوضاع جديدة – إذ ظلت الشريعة وفقًا لهذه الصياغة معتمدة بشكل كامل في تنزيلها على إرادة الأمة صاحبة السيادة – إلا أنها سمحت دائمًا بمحاولة الالتفاف على هذا الواقع إما باستدعاء الأزهر للإدلاء برأيه حول مدى موافقة تشريعات بعينها لنص المادة الثانية من الدستور، أو استدعاء القضاء الدستوري لفحص هذه الموافقة من عدمها، أو بالضغط على القضاء مباشرة لممارسة سلطة انفاذ المادة الثانية دونما انتظار لتشريع بعينه استلهامًا لنموذج القاضي المشرع القديم. وتمخض هذا السعي بالفعل عن عدد من السوابق القضائية المثيرة في بداية الثمانينيات لقضاة قرروا تطبيق تفسيرهم للمادة الثانية في نص الدستور دون التقيد بنص قانوني بعينه. [14]

في المقابل صدرت مشاريع لدساتير بديلة “إسلامية” لتؤسس لأوضاع متميزة لهيئات تشريعية/قضائية مشكلة بالكامل من العلماء. يمكن رصد عدّة محاولات لصياغة دساتير، أو إعلانات دستورية، إسلامية صدرت في نفس الفترة وتعكس نفس الملامح المذكورة في كتابات عودة والشاوي والريس. يأتي على رأس تلك المحاولات مشروع الدكتور علي جريشة القاضي السابق المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين، والذي انتهى منه في العام ١٩٨٤، ومشروع أعده مجمع البحوث الإسلامية وصدر في ١٩٧٧، ومشروع الأستاذ مصطفى كمال وصفي عام ١٩٨٠، ومشروع الدستور الإسلامي الصادر عن المجلس الإسلامي بإسلام آباد والذي شارك عدد من الفقهاء الدستوريين الإسلاميين المصريين في صياغته والمقر في ١٩٨٣.

تحفل المشروعات الأربعة جميعها بالتشديد على أن الدعوة لتطبيق الشريعة تنطلق بالأساس من واقع فشل تجارب نخب التحرر الوطني والنزوع الاستبدادي، أو الشمولي المتزايد، في الديمقراطيات الغربية والنظم الاشتراكية على حد سواء. لا تصدر تلك المحاولة إذن عن رغبة في اللحاق بتلك التجارب عبر علمنة الشريعة من الداخل، والبحث عن نقاط تقاطع مع القانون الوضعي تسمح بصياغة اسهام متميز للشريعة في القانون الحديث، ولكنها تقدم الشريعة هنا كبديل متكامل هدفه الحلول محل القانون الوضعي بالجملة.[15] كذلك، تشدد المشاريع الأربعة على ما تراه مصدر تميز الشريعة  الإسلامية الأصيل وهو نفي السيادة عن الأمة واعتبار الأمة والإمام معًا خاضعين للشريعة التي تشكل قيدًا موضوعيًا على أي شطط قد يصدر عن إرادتهم.[16]

كذلك انتقلت المشاريع الأربعة إلى ترجمة مقترحات كل من الشاوي والريس حول تقسيم السلطة التشريعية بين غرفتين إحداهما قاصرة في عضويتها على المجتهدين والأخرى مختصة بأعمال الرقابة وصنع السياسة العامة وتقتصر عضويتها على “أهل الحل والعقد”، إلى صياغات دستورية مكتملة. فعلى سبيل المثال، يخصص مشروع وصفي المواد من ٥٦ إلى ٥٨ للتمييز بين “مجلس التشريع” و “مجلس الرقابة”. فتتحدد مهمات الأول وفقًا للمادة ٥٦ بأنها “سن القوانين طبقاً لقواعد الاجتهاد الشرعية من قبل جماعة من كبار العلماء تسمى جماعة التشريع تختارهم المحكمة الدستورية العليا بناءًا على ترشيح الهيئات العلمية الرئيسية في البلاد بالطريقة التي يبينها القانون”. أما مجلس الرقابة فوفقًا للمادة ٥٨ يتحدد دوره بأنه “إقرار السياسة العامة للدولة والخطة  العامة للتنمية الاجتماعية والميزانية العامة للدولة، وكل ما يؤد إلى التزام المالية العامة. وذلك كله على الوجه الموافق للشريعة الإسلامية”. أما مشروع المجلس الإسلاميبإسلام آباد، فهو لا يفصل مهمة التشريع بين غرفتين ولكنه يدعو في الباب العاشر لتشكيل “مجلس للعلماء” تكون مهمته هي مراجعة تشريعات “مجلس الشورى” للتأكد من مطابقتها لأحكام الشريعة وتقتصر عضويته على المجتهدين بشكل حصري.[17]

في مواجهة هذه الضغوط باتجاه “الأسلمة” كُلف البرلمان بالمراجعة الدقيقة لعدد من التشريعات لضمان عدم مخالفتها للمادة الثانية من الدستور، وانتهت هذه العملية في عام ١٩٨٤. أشرف على هذه المحاولة الدكتور صوفي أبو طالب رئيس مجلس الشعب في ذاك الوقت وهو أحد أهم المنظرين القانونيين الذين تبعوا السنهوري في رؤيته لمسألة تقنين الشريعة كأحد متطلبات الاستقلال القانوني وشروط الحق في تقرير المصير. وكتب أبو طالب في هذا الصدد دراسة مبكرة ومهمة سار فيها على خطى السنهوري المبكرة ولم يصل لنتائج مخالفة للسنهوري في “الخلافة” حيث اتفق معه في مسألة ضرورة وجود نوع من إشراف العلماء على مسألة التشريع (أبو طالب ٢٠٠٤). اشتملت المراجعة على صياغة ستة تشريعات “كنماذج” لما يجب أن تكون عليه التشريعات المتوافقة مع أحكام الشريعة.

ما يعنينا هنا ليس المضمون الذي أتت عليه هذه التشريعات – وهو لم يختلف جذريًا بالمناسبة مع ما كان قائمًا من الأصل – ولكن الشكل الذي خرجت عليه هذه النصوص التشريعية. فقد استندت هذه العملية لمنهج السنهوري في التوفيق بين المذاهب. إلا أنها، وعلى خلاف التقاليد المتعارف عليها في التشريع، قد خرجت موادها مذيلة بإحالة إلى المصدر الذي استندت إليه في كتب المذاهب والفتاوى، كأن تأتي المادة الفلانية مثلًا من القانون المدني أو قانون العقوبات منتهية بفتوى للشافعي أو غيره من العلماء المؤسسين. كان لخروج التشريعات الستة على هذا الشكل دلالتين على قدر كبير من الأهمية. الدلالة الأولى، هي ربط تشريع الأمة بماضيها المفترض والخروج به من الزمن الحديث الذي قُيدت به منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر ولو على المستوى الرمزي. الدلالة الثانية، والأهم، والتي عبّر عنها أبو طالب بوضوح، هي الاستناد لهذه الآراء نفسها عند التنازع في التفسير. فكأن المشروع حدد كذلك بشكل غير مباشر قواعد التفسير المتبعة التي تلزم المحكمة الدستورية العليا المنشأة حديثًا، وهو منهج قريب للغاية من استراتيجية القوى السلفية الممثلة في لجنة المائة في تحديد منهج التفسير في متن دستور ٢٠١٢ كما سنرى (أبو طالب ٢٠٠٤).

لم يتم الأخذ بهذه المشروعات كما هو معلوم إلا في حالة مشروع قانون التجارة البحرية وظل تطبيق مشاريع هذه القوانين الستة مطلبًا على جدول أعمال دعاة الأسلمة لردح معقول من الزمن، وكان أهم ظهور لها، من وجهة نظرنا، في قائمة مطالب مؤتمر العدالة الأول عام ١٩٨٦. وقتها كان مقرر المؤتمر هو المستشار حسام الغرياني ذو التوجهات الإسلامية المعلنة والذي أصبح رئيسًا للجنة المائة عام ٢٠١٢. وأتت التوصية الأولى والتي حظيت بإجماع كافة القضاة المشاركين بضرورة الإسراع بوضع هذه المشاريع موضع التطبيق (توصيات مؤتمر العدالة).

على أن وصول هذا الجدل حول المادة الثانية إلى قاعة الحكمة الدستورية العليا في ١٩٨٥ كان مناسبة لإنتاج أكثر الصياغات اكتمالًا لتفسير المادة الثانية استنادًا إلى الآليات الخطابية لمشروع “الإسلام المعلمن” والتباساته. فبينما سعي التفسير لإعادة تفعيل الاجتهاد ونزع سلطته الحصرية من جماعة العلماء، عجز هذا التفسير عن تجاوز ضرورة التقيد بأدلة أصول الفقه ومناهجه بهدف الحفاظ على حد أدنى من السلطة والتماسك لتلك الاجتهادات. وبالرغم من هذا الالتباس، الشبيه بالتباس السنهوري، سيكون هذا التفسير موضع لهجوم واعي ومنظم يسعى للالتفاف عليه عند كتابة دستور ٢٠١٢. لم تنتج المحكمة الدستورية العليا تفسيرها في حكم واحد وبشكل كامل ولكنها صاغت تعريفها للشريعة وفهمها للمادة الثانية على مراحل امتدت منذ نظر أول قضية تتعلق بتفسير المادة الثانية في عام ١٩٨٥ وحتى العام ١٩٩٦.

اتبعت المحكمة في بعض أحكامها منهج السنهوري في التعامل مع “مبادئ الشريعة” كعدد من الأحكام الشرعية لا كمناهج في استخلاص هذه الأحكام. وزادت المحكمة على السنهوري في قصرها هذه المبادئ على الأحكام قطعية الثبوت وقطعية الدلالة أي الواردة في نصوص قرآنية غير متشابهة والواردة في أحاديث ثبتت صحتها وفقًا لمناهج علم الحديث المتعارف عليها. وهي في هذا الموضع قد أسقطت بوضوح دليل الإجماع المؤسس في علم أصول الفقه لتحرر نفسها عند النظر في أي منازعات دستورية من هذه الآراء المحمولة من عالم ما قبل الدولة الوطنية الحديثة. كما أسقطت ما يرتبط بهذا الدليل من قواعد فقهية متراكمة واستبدلت ذلك كله بصياغة فضفاضة للغاية للأحكام الواردة في القرآن والسنة بوصفها “مبادئ الشريعة الكلية وأصولها”، وهي صياغات لا تستند لأيٍ من التقسيمات المحددة التي وردت في كتب أصول الفقه والتي أبقت عليها صيغة الإسلام المعلمن وحاولت الأطروحات الإسلامية إعادة ربطها بعالمها المؤسسي التي صدرت عنه. تقول المحكمة في تعليقها على المادة الثانية في حكمها الصادر في ١٩٩٤:

“لا يجوز لنص تشريعي أن يناقض الأحكام الشرعية القطعية في ثبوتها ودلالتها، باعتبار أن هذه الأحكام وحدها هي التي يكون الاجتهاد فيها ممتنعًا، لأنها تمثل من الشريعة الإسلامية مبادئها الكلية وأصولها الثابتة التي لا تحتمل تأويلًا أو تبديلًا…. ذلك أن المادة الثانية من الدستور تقدم على هذه القواعد [القانونية] أحكام الشريعة الإسلامية في أصولها ومبادئها الكلية، وهي إطارها العام وركائزها الأصلية التي تفرض متطلباتها دومًا، بما يحول دون إقرار أية قاعدة قانونية على خلافها، وإلا اعتبر ذلك تشهيًا وانكارًا لما علم من الدين بالضرورة. وكذلك الأحكام الظنية غير المقطوع بثبوتها أو بدلالتها أو بهما معًا، ذلك أن دائرة الاجتهاد تنحصر فيها ولا تمتد لسواها، وهي بطبيعتها متطورة تتغير بتغير الزمان والمكان لضمان مرونتها وحيويتها” (قضية رقم ٢٩ لسنة ١١ قضائية دستورية، ١٩٩٤).

أما عند التعامل مع الدليل الرابع وهو القياس، أو الاجتهاد على قول الشافعي، فقد تعاملت المحكمة مع نفسها على أنها بحد ذاتها مجتهد من نوع خاص. فهي مجتهد لا يتقيد بقواعد أصول الفقه المتعارف عليها عند استنباط الحكم من الدليل ولكنها استبدلت هذه القواعد بصياغة شديدة التعميم للمقاصد الشرعية بوصفها الموجه الحصري والوحيد لاجتهادها وهي المقاصد الخمسة المتعارف عليها من حفظ الدين والمال والنفس والعرض والعقل.[18] لا يظهر في قضاء المحكمة حتى أيٍ من أدلة  المصالح المرسلة أو الاستحسان أو عمل الصحابي أو غيرها من الأدلة التي احتلت موقعًا هامشيًا في مناهج أصول الفقه منذ الشافعي، فقط تصور سريع عن المقاصد تسترشد به المحكمة عند استخلاص حكمها.

إلا أنها عادت في أحكام أخرى للحديث عن “الأدلة الشرعية العقلية والنقلية” بهدف ضبط عمل المجتهد والحيلولة دون تشعبه بما يخرج عن نطاق الحصر، ومن ضمن تلك الأدلة يأتي الإجماع كما هو معلوم. أي أن المحكمة قد انتزعت لنفسها الحق الحصري في تفسير المادة الثانية دونما لجوء إجباري للأزهر وعادت لتقيد نفسها بمناهج أصول الفقه في التفسير. وهو ما مارسته المحكمة بالفعل في أحكامها التالية حينما قضت بمخالفة عدد من مواد قوانين الأحوال الشخصية استنادًا لدليل الإجماع نفسه (الطعن رقم ٦ لسنة ٩ قضائية دستورية ١٩٩٥).[19]

بالتوازي مع ذلك، قضت المحكمة أن المادة الثانية تتوجه بخطابها للسلطة التشريعية ولا تتوجه للسلطة القضائية (قضية رقم ٢٠ لسنة ١ قضائية دستورية ١٩٨٥). وبالتالي أغلقت الباب أمام استراتيجية استدعاء القضاء في عملية الأسلمة الفعلية وتجاوزت التقاليد ما قبل الحداثية التي احتل فيها القاضي موقع المجتهد والمشرع معًا وعادت إلى التصور الحداثي عن التشريع بوصفه منتج صادر عن صاحب السيادة الممثل بالبرلمان المنتخب من عموم الناس دونما تفرقة. تقول المحكمة في هذا الصدد:

“المنوط به إعمال القيد المشار إليه [في المادة الثانية من الدستور] هو السلطة المختصة بالتشريع، بالإضافة إلى أن المشرع الدستوري لو أراد لجعل مبادئ الشريعة الإسلامية من بين القواعد المدرجة في الدستور على وجه التحديد أو قصد أن يجري إعمال تلك المبادئ بواسطة المحاكم التي تتولى تطبيق التشريعات دون ما حاجة إلى إفراغها في في نصوص تشريعية محددة مستوفاة للإجراءات التي عينها الدستور لما أعوزه النص على ذلك صراحةً، هذا فضلًا عن الإعمال المباشر لمبادئ الشريعة الإسلامية عن طريق تلك المحاكم لا يقف عند مجرد إهدار ما قد يتعارض مع هذه المبادئ من التشريعات السابقة المنظمة لمختلف النواحي المدنية والجنائية والاقتصادية والاجتماعية بل أن الأمر لا بد وأن يقترن بضرورة تقصي المحاكم للقواعد غير المقننة التي يلزم تطبيقها في المنازعات المفروضة عليها بدلًا من النصوص المنسوخة مع ما قد يؤدي إليه ذلك من تناقض بين هذه القواعد ويجر إلى تهاتر الأحكام وزعزعة الاستقرار (قضية رقم ٢٠ لسنة ١ قضائية دستورية ١٩٨٥).

 تفسير المحكمة الدستورية العليا بأوجهه السابقة، والتباساته، لم يقابل بارتياح من قبل القوى الإسلامية السياسية أو الدعوية ولا من قبل القضاة المحافظين في المحاكم الأخرى والتي نظرت للمحكمة الدستورية العليا كما لو كانت تنتزع من ولاية هذه المحاكم. إلا أن هذا التحفظ أو عدم الارتياح لم يتم التعبير عنه بشكل مباشر في حينه. بالعكس استمر المحامين الإسلاميين، وغيرهم بالمناسبة، في استخدام آليات الاستدعاء للمؤسسة الدينية وللقضاء عبر أشكال أخرى كقضايا الحسبة مثلًا. شهدت حقبتا الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي ذروة هذه المساعي لاستدعاء القضاء، كما يشي بذلك التضييق الدائم على هامش الحرية المتروك للمبدعين سواء في السينما أو الأدب أو داخل أروقة الجامعات وصولًا إلى منح الأزهر سلطة الضبطية القضائية، أي الحق في مصادرة كافة المطبوعات التي تخالف ما استقر عليه الرأي في مجمع البحوث الإسلامية، وذلك في فتوى شهيرة للمستشار طارق البشري صادرة عن قسم الفتوى والتشريع بمجلس الدولة عام ١٩٩٣.[20]

ما يعنينا هنا أن الاستجابة المحافظة للضغط الإسلامي كانت تتم عبر نفس الآليات الخطابية للإسلام المعلمن، أي إعادة تقديم الخطوط الحمراء الموروثة من التراث الإسلامي، والتي كانت تعد تعديًا على حدود الله، بوصفها تعديًا على حساسيات فردية بالأساس يتشكل من جماعها ما يسمى بالنظام العام. فما درجت المحاكم المصرية عليه من اعتبار الإسلام و “مبادئ الشريعة” مكونًا أساسيًا من مكونات النظام العام يعني أن الاحترام الواجب للشريعة هو احترام لمعتقد الأغلبية وحساسياتهم من قبل دولة هي في الأصل محايدة أو غير متورطة في هذه المعتقدات حتى ولو كانت تلتزم باحترامها. مناط الاحترام هنا هو في اعتناق أغلبية أفراد المجتمع لهذه المعتقدات لا في حجية مطلقة لهذه المعتقدات في حد ذاتها واحترام الدولة هنا ليس رأيًا في هذه المعتقدات بقدر ما هو محض نتيجة لرأي الأغلبية فيها.

وبالرغم من هذا الانغماس النشط في ديناميكية استخدام لغة وأدوات “الشريعة المعلمنة” في التقاضي، فلا يوجد أي دليل مكتوب، أو حتى من خلال مقابلات شفاهية أو تصريحات أو فتاوى، يشي بأن هؤلاء المحامين الإسلاميين قد أسقطوا هدف الأسلمة الكاملة للشريعة من جدول أعمالهم. بالعكس، كل الوقائع التالية على أحكام المحكمة الدستورية العليا كانت تؤشر بأن الانغماس مع الآليات القانونية والقضائية التقليدية هو محض استخدام نفعي لم يتجاوز ذلك للتأسيس الشرعي ولا حتى أنتج رؤية سياسية أو دعائية يعتد بها تمهد لاسقاط هدف الأسلمة أو تهذيبه على الأقل على طريقة صوفي أبو طالب. فعلى سبيل المثال، في خضم الفعاليات المطالبة بإصلاح سياسي ديمقراطي شامل في مصر في مطلع الألفية، والتي شارك الإخوان المسلمون بفعالية في قسم مهم منها، فوجئ مجتمع الدارسين بالنص على دور تشريعي لهيئة كبار العلماء في الأزهر الشريف في مشروع برنامج جماعة الإخوان المسلمين السياسي الصادر في ٢٠٠٧.[21] فبعد عقدين من العمل النقابي والحزبي الملتزم بكافة آليات الديمقراطية الإجرائية، والذي دفع الكثيرين لترويج فرضية إمكانية تحول الإخوان في مصر والمنطقة لأحزاب قريبة الشبه من الأحزاب الديمقراطية المسيحية، كان هذا الإعلان من قبل الإخوان مربكًا لهذه الفرضيات بالطبع. ودفع ذلك منظرين كناثان براون وعمرو حمزاوي مثلًا للمشاركة في جدل مع القيادي الإخواني في ذلك الوقت عبد المنعم أبو الفتوح لاستجلاء حقيقة “المناطق الرمادية” في خطاب الإخوان.[22] ظلت هذه “المناطق  الرمادية” كامنة وتتمدد إلى أن انفجرت بعيد ثورة يناير والتي أشرّت لانتفاء الموانع أمام تحقيق هذه الرؤية الإسلامية بشكل كامل.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]يتحدث عبده في هذا الصدد في معرض حجاجه الطويل مع المستشرق الفرنسي هانوتو متلمسًا دورًا للإسلام في صياغة حياة أخلاقية عامة جديدة في ضوء محددات الدولة الحديثة فيقول “ضل المسلم بعد ذلك في طلب العلم، فظن الرجل أن غاية ما يفرضه الدين منه معرفة الفرائض والوضوء والصلاة والصوم في صورة أدائها. أما ما يتعلق بسر الأخلاق فيها، ووسيلة قبولها عند الله، فذلك مما لم يخطر له ببال، إلا القليل النادر. وأما آداب الدين وتهذيب الروح، واستكمال الخصال الجليلة، مما جعله الإسلام غاية العبادات، وثمرة الأعمال الصالحات، فهو – مع أنه من أهم علوم الدين- مما لا تتوجه إليه عزيمة، ولا تنصرف نحوه إرادة، اللهم إلا من أشخاص قلائل منثورين في أطراف الأرض، لا ترقى بهم أمة ولا تسمو بهم كلمة” (محمد عبده ٢٠٠٦ ج٣: ٢٤٢).

[2]يتحدث عبده في نفس الرد على هانوتو قائلًا “أما الحكام – وقد كانوا أقدر الناس على انتشال الأمة مما سقطت فيه – فأصابهم من الجهل بما فرض عليهم في أداء وظائفهم ما أصاب الجمهور الأعظم للأمة من العامة. ولم يفهموا من معنى الحكم إلا تسخير الأبدان لأهوائهم، وإذلال النفوس لخشونة سلطانهم، وابتزاز الأموال لإنفاقها وإرضاء شهواتهم، لا يرعون في ذلك عدلًا، ولا يستشيرون كتابًا، ولا يتبعون سنة، حتى أفسدوا أخلاق الكافة بما حملوها على النفاق والكذب والغش والاقتداء بهم في الظلم، وما يتبع ذلك من الخصال التي ما فشت في أمة إلا حل بها العذاب” (محمد عبده ٢٠٠٦ ج٣: ٢٤٥).

[3]يتحدث محمد عبده في رده المطول على فرح أنطون مدافعًا عن ما يراه صفاء ومرونة للشريعة أهدره الفقهاء مرددًا حججًا شبيهه بصياغة ابن تيمية السابق التعرض لها عن ضرورة فتح المجال لمرونة تتجاوز تمذهب ومناهج الفقهاء التقليدية، دون منازعة أسسها النظرية أو شرعيتها، وإلا كان المآل هو إهمال الشريعة برمتها والنظر إليها على أنها لا تصلح للتعاطي مع تطورات الواقع. يقول محمد عبده “هذا الجمود في أحكام الشريعة، جر إلى عسر حمل الناس على إهمالها: كانت الشريعة الإسلامية، أيام كان الإسلام إسلامًا، سمحة تسع العالم بأسره، وهي اليوم تضيق عن أهلها، حتى يضطروا إلى أن يتناولوا غيرها، وأن يلتمسوا حماية حقوقهم فيما لا يرتقي إليها، وأصبح الأتقياء من حملتها يتخاصمون إلى سواها. صعب تناول الشريعة على الناس، حتى رضوا بجهلها عجزًا عن الوصول إلى علمها. فلا ترى العارف بها من الناس إلا قليلًا لا يعد شيئًا إذا نسب إلى من لا يعرفها. وهل يتصور من جاهل بشريعة أن يعمل بأحكامها؟! فوقع أغلب العامة في مخالفة شريعتهم. بل سقط احترامها من أنفسهم، لأنهم لا يستطيعون أن يطبقوا أعمالهم بمقتضى نصوصها، وأول مانع لهم ضيق الطاقة عن فهمها لصعوبة العبارات وكثرة الاختلاف” (محمد عبده ٢٠٠٦ ج٣: ٣٤٥).

[4]يمكن الاطلاع على اجتهادات محمد عبده في هذا الصدد في الجزء الثاني من أعماله الكاملة والذي يشمل تقريره الهام حول إصلاح المحاكم الشرعية والجزء الثالث الذي يشمل اجتهاداته حول إصلاح الأزهر والأوقاف (محمد عبده ٢٠٠٦).

[5]على الرغم من طابعه الليبرالي المميز لمسألة نظام الحكم والعلاقة بين السلطات، من منظور هذا الزمن، إلا أن دستور ١٩٢٣ قد حفل بعدد من القيود على حزمة الحريات العامة والخاصة الواردة بأحكامه متذرعًا بقيود النظام العام والآداب العامة و”العادات المرعية في الديار المصرية” والتي تم تفسيرها بالإحالة للأديان التوحيدية الثلاثة المتعارف عليها في الإسلام بالطبع. المادة ١٣ مثلًا تقيد حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر الدينية بقيود النظام العام المفسر في ضوء أحكام الشرائع الثلاث وهكذا. لمناقشة أكثر تفصيلًا لأوجه الغموض في دستور ١٩٢٣ انظر (عبد الرحمن، ٢٠١٢).

[6]تقدم لجنة القانون المدني بمجلس الشيوخ في تقريرها التعبير الأكثر اكتمالًا عن رؤية الشريعة “كتراث” إذ تقول “ولا ينكر ما للفقه الإسلامي من مكانة رفيعة بين مذاهب الفقه العالمي، فكيف وقد كان ولايزال معتبرًا القانون العام في كثير من المسائل في مصر، وفي تقوية الصلة بين المشرع وبين أحكام الشريعة إبقاء على تراث روحي حري بأن يصان وأن ينتفع به… وهذه الأحكام جميعًا تتضمن من القواعد ما يعتبر شاهدًا من شواهد التقدم في التقنيات الغربية، وإن كان فقهاء الشريعة قد فطنوا إلى ما حدث من أحكام وأحكموا سبكه وتطبيقه على ما عرض في عصورهم من أقضية لقرون خلت قبل أن يخطر شئ من ذلك ببال فقهاء الغرب أو من تولوا أمر التشريع فيه… وفي حدود هذا المصدر الثاني [من مصادر القانون المدني] كان مسلك المشروع قويمًا ارتاحت إليه اللجنة وآنست فيه اتجاهًا على تقدير ما للفقه الإسلامي من مزايا أدركها علماء الغرب منذ زمن بعيد، وبقي على دول الشرق أن تحلها المحل الخليق بها وأن تعبر عمليًا عن اعتزازها بها وحرصها على استدامتها” (السنهوري ٢٠١٠: ٤٧).

[7]يقول السنهوري في هذا الصدد “إن الله هو الرحمن الرحيم القوي القادر، لم يتركنا بغير مرشد بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم. بل إنه استخلفنا في الأرض، ومنحنا شرف خلافته، بأن اعتبر إرادة الأمة مستمدة من إرادة الله، وجعل إجماع الأمة شريعة ملزمة. فكأن السيادة الإلهية والحق في التشريع أصبح بعد انقطاع الوحي وديعة في يد مجموع الأمة، لا في يد الطغاة من الحكام أو الملوك، كما كان الشأن في الدول المسيحية التي ادعى ملوكها حقًا إلهيًا. بذلك يمكن القول أن السيادة في الإسلام لا يملكها فرد مهما تكن مكانته -سواء كان خليفة أو أميرًا أو ملكًا أو حاكمًا- أو هيئة من أي نوع، وإنما هي لله القدير الذي فوضها للأمة في مجموعها” (السنهوري ٢٠٠٠: ٦٨).

[8]يلخص السنهوري وجهة نظره في الإجماع قائلًا “الإجماع أساس لإعطاء أحكام الشريعة التي تستمد من الاجتهاد صفة أكثر إلزامية، إذا أجمع عليه المجتهدون (في عصر معين)، وذلك في المسائل المستحدثة التي لم يرد بشأنها نص في الكتاب والسنة. فالإجماع يسد حاجات المجتمع الإسلامي إلى أحكام جديدة، وهذه الحاجات تزداد بمضي العصور وتغير الظروف. فهو إذن أداة فنية ضرورية لصياغة أحكام الشريعة (وتقنينيها) ونموها وملائمتها مع حاجات المجتمع وظروفه” (السنهوري ٢٠٠٠: ٧٤).

[9]يقول السنهوري في دعوته تلك أن “فقهاؤنا لم يصلوا إلى مرحلة تنظيم الهيئة التي تتولى الإجماع في صورة مجلس للحوار والتشاور، ولم يعرف الإسلام في تاريخه مجالس للعلماء، أو المجتهدين، مثل المجامع التي وجدت في الكنيسة الكاثوليكية. بل وقف علماؤنا أمام هذه الخطوة الضرورية مما أوشك أن يصيب هذا المصدر الشرعي بالعقم رغم أنه يحمل في ثناياه قابلية الفقه الإسلامي للنمو والتطور” (السنهوري ٢٠٠٠: ٧٥).

[10]تعود نفس الإشكالية لتطرح نفسها مجددًا على السنهوري عند الحديث عن كيفية اختيار الخليفة في صورته المحدثة وإمكانية فتح المجال لعموم المسلمين للمشاركة في هذه العملية – بوصفهم المفوضون بالسيادة في التحليل الأخير- أو قصرها على نخبة بعينها من “أهل الحل والعقد”. يطرح السنهوري حلًا لهذه الإشكالية من خلال اقتراح نظام انتخابي على درجتين يسمح بتوفير شروط الحكمة والعلم بأحكام الشريعة والعدالة لناخبي الخليفة. يقول السنهوري “إن الناخبين الذين تتوفر فيهم هذه الشروط الثلاثة، قد لا يوجدون بكثرة في عامة الشعب، وإنما بين النخبة المثقفة ولذلك تسمى هيئة الناخبين هذه أهل الاختيار أو (أهل الحل والعقد)، وهم الذين بيدهم زمام أمور جماعتهم، ومعنى ذلك أن الانتخابات تتم على درجتين: فالناخبون “أهل الاختيار” هم أنفسهم ينتخبون بمعرفة الجمهور، ولكن بشروط معينه فيهم، وهذه هي الدرجة الأولى، ثم يقومون باختيار الخليفة (الرئيس)، وهذه هي الدرجة الثانية” (السنهوري ٢٠٠٠: ١٠٨).

[11]حفلت كتابات عبد المنعم الشحات المتحدث الرسمي باسم جماعة الدعوة السلفية بالإسكندرية، أكثر جماعات ما يعرف بالسلفية العلمية نفوذًا والتي ستلعب دورًا محوريًا في صياغة الإجماع الإسلامي حول مواد “الهوية” في دستور ٢٠١٢، بالإحالة لمؤلفات الريّس تحديدًا عند مناقشاته النظرية لعلاقة الديمقراطية بالشورى. انظر مثلًا مقاله المعنون “الإسلام والديمقراطية: مواطن الاتفاق ومواطن الاختلاف” بتاريخ ٣١ مايو ٢٠١٣ على الرابط التالي: http://www.anasalafy.com/play.php?catsmktba=40815

 كذلك يمكن العودة لمقال جمعة أمين، عضو مكتب إرشاد جماعة الإخوان المسلمين، في رده على أطروحات منظري جماعة “الدعوة السلفية” بشأن الدستور، والمعنون “بخلافات في ظلال الحب في الله”، والذي حفل بإشارات متعددة للشاوي وعودة. المقال على الرابط التالي https://is.gd/ltm8TN

[12]يذهب الشاوي في معالجته لقضية السيادة باتجاه مماثل لعودة، ويسير على خطى أستاذه السنهوري في التأسيس لمفهوم الحرية السياسية من خلال نفي السيادة عن البشر وإثباتها حصرًا لله. يقول الشاوي في هذا الصدد في مؤلفه ذي العنوان الدال “سيادة الشريعة الإسلامية في مصر” وتحت عنوان السيادة الشعبية “وبما أن الشريعة ذات مصدر سماوي – لأنها شريعة الله سبحانه وتعالى- فإنها تصبح مظهر السيادة الإلهية، وبذلك نصل إلى ما قاله كثير من العلماء، من أن السيادة لله وحده. ويقصد بذلك أن الله سبحانه وتعالى هو صاحب السيادة المطلقة والكلمة العليا، وإرادته هي المرجع الأسمى. أما ما ينسب إلى البشر من أي صنف كانوا، وبأي صفة عملوا – فلا يمكن أن يكون سيادة مطلقة بأي حال من الأحوال، وإذا كان لابد من نسبة السيادة لجماعة أو هيئة من البشر- فلابد من التأكيد على أنها سيادة نسبية محدودة بحدود الشريعة الإلهية، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تكون بغير حدود ولا قيود… وبذلك نصل إلى الغاية التي يسعى إليها العالم في العصر القديم والحديث، وهي سد الطريق أمام السلطة المطلقة التي يدعيها فرد أو هيئة إنسانية في هذا العالم- وحماية الشعوب والأفراد من طغيان الحكام واستبدادهم” (الشاوي ١٩٨٧: ٨٤). ويذهب ضياء الريس في نفس الاتجاه، ويزيد عليه نفي الطابع الإسلامي حتى عن الأفكار والنظم الديمقراطية الخالصة تحديدًا لجهة حصرها للسيادة في الأمة بشكل حصري ومن ثم نزعها أي كوابح أخلاقية على الاستبداد باسم الأمة نفسها. وينسب الريس النزوع الشمولي الذي وسم النظم الغربية عشية الحرب العالمية الثانية، والنظم الاشتراكية غداتها، بالتحديد إلى هذا الطابع العلماني الكامل للسيادة، والتي لا تعترف بأي قيود على الأمة في التشريع. يقول الريس في هذا الصدد في كتابه “النظريات السياسية في الإسلام” الصادر في ١٩٥٢ “أين إذن مقر السيادة؟ أو من هو صاحب السيادة – بالمعنى الدستوري الحديث- في الدولة الإسلامية؟ فما دمنا قد أثبتنا أن الإسلام لا يتطابق مع أي من النظم السابقة التي عددناها، فليس الحاكم إذن هو صاحب السيادة؛ لأن الإسلام ليس “أوتوقراطية”؛ ولا رجال الدين أو الآلهة لأنه ليس “ثيوقراطية”؛ ولا القانون وحده لأنه ليس “نوموقراطية”؛ ولا الأمة وحدها، لأنه ليس “ديمقراطية” بهذا المعنى الضيق. وإنما الجواب الصحيح أن “السيادة” فيه مزدوجة: فالسيد أمران مجتمعان، ينبغي أن يظلا متلازمين. ولا يتصور قيام الدولة وبقاؤها إلا بوجود هذا التلازم. هذان الأمران هما: ١- الأمة- ٢- القانون أو شريعة الإسلام. فالأمة والشريعة معًا هما أصحاب السيادة في الدولة الإسلامية” (الريس ١٩٧٦: ٣٨٥).

[13]يتحدث الريس عن قراءته لمفهوم الفقهاء المؤسسين عن “أهل الحل والعقد” وتمايز وظيفتهم عن وظيفة “المجتهدين” قائلًا “ويستنتج من كلام الفقهاء في الموضوع، أن الهيئة التي يتحدث عنها في باب “الإمامة” هي غير تلك التي تذكر في كتب علم الأصول- وإن كانت كل منهما تسمى بنفس الاسم. ذلك لأنه لا يشترط في الأفراد الذين تتكون منهم الهيئة الأولى أن يحصلوا من العلم إلا على القدر الذي يؤهلهم لأن يكونوا عارفين بظروف المجتمع وأحواله السياسية، وقادرين على اختيار الأصلح من بين المرشحين الأكفاء. أما في الأعضاء الذين تتكون منهم الهيئة الثانية فلا يكتفى إلا بأن يشترط أن يكون الفرد “مجتهدًا”، والاجتهاد له شروطه المقررة، وهو يعني بلوغ أعلى مستوى في العلم؛ فإذا قيل “أهل الحل والعقد” فليس يعني ذلك في عرف الأصوليين “المجتهدين”. ففي أبحاث الشريعة الإسلامية يوجد إذن مكان لهيئتين، مختلفة إحداهما عن الأخرى، وإن كانت تسمى كل منهما “أهل الحل والعقد”، ومدلول الأولى – ويمكن أن نسميها الهيئة السياسية- أعم من مدلول الأخرى – ويمكن أن نسميها الهيئة التشريعية” (الريس ١٩٧٦: ٢٢٥).

[14]في أحد المنازعات المنظورة أمام محكمة القضاء الإداري والمختصة بقرار المجلس الشعبي لمحافظة بورسعيد في بداية عام ١٩٨١ حظر بيع الخمور في المحافظة، أيد القاضي الإداري قرار المحافظ على الرغم من افتقاره لأي سند قانوني وذلك بالإحالة المباشرة للمادة الثانية من الدستور، وكانت رؤية القاضي في هذه الحالة أن إعمال المادة الثانية لا يتوقف على ضرورة وجود تشريع قائم وأنها تخاطب كل من السلطتين التشريعية والقضائية على حد سواء. ويقول القاضي الإداري في تعليق بالغ الدلالة ويبدو كما لو كان بيانًا سياسيًا في مواجهة قرن كامل على الأقل من تحويل الشريعة لتراث يستند في انفاذه على إرادة الأمة، أن  من خطل القول وساقطه الزعم بأنه لا  يتأتى إعمال المادة الثانية من الدستور إلا بإصدار قوانين وضعية تتفق مع أحكام الشريعة الإسلامية، لأن مؤدى ذلك ولازمه أن تصبح مشيئة الخالق وتطبيق شريعته رهناً بمشيئة المخلوق وإرادته، وهو قول لم يقل به ولا يسوغ أن يقول به أحد“. (ق.د.٢٨/٦/١٩٨١، ق ٤٣ مجموعة السنة الثالثة)

[15] يقول مصطفى كمال وصفي في مقدمة مشروعه “إن النظم الوضعية التي اتبعتها  الدول الأخرى، كان فرضها في كل مرة مقترناً بالثورات العارمة والقتل الجماعي والاضطهاد والحروب الشاملة والدمار الواسع، وفي كل مرة بعد أن يتكبد العالم هذه التضحيات الجسيمة، يتبين بعد فترة أن النظرية ليست صائبة، فيعدل العالم عنها لغيرها وتتكرر مأساة استنزاف الأرواح والنفوس والأموال، دون أن يستقر العالم على أحدها، وأقرب ما كان من ذلك مذابح الثورة الفرنسية عام 1789 وما عقبها من حروب، ثم قيام ماركس بعد ذلك بما يقرب من نصف قرن ففضح معايب النظام الذي أرسته الثورة الفرنسية، وأنشأ نظاماً جديداً تكررت بسببه الفوضى والدمار والحروب، ثم سارت الأيام فلم تلبث إلا قليلاً حتى فضحت معايب نظام ماركس وأتت الانتقادات تنقص أطرافه فأوشك العالم أن يعدل عنه بدوره ليحل بدله اتجاه جديد مقترناً أيضاً بكوارث التدمير وسيول الدماء ” https://is.gd/LDfNMW

[16] تذكر المادة الأولى من مشروع جريشة مثلاً أن “الإسلام دين الدولة، وعقيدته مصونة، وشريعته واجبة، ومشروعيته هي العليا فوق كل النصوص، ومصدره الأساسي الوحي: قرآناً وسنة، وكل ما يخالفه رد وباطل”. في حين تذكر المادة الثالثة من نفس المشروع أن “تستمد شرعية السلطة من: إقامتها لشرع الله ورضى الأمة بها”. أما المادة الرابعة من مشروع وصفي فتذكر أن “دولة….. دولة إسلامية والحكم الأعلى فيها لله سبحانه وتعالى، وهو مصدر السلطات، والشريعة الإسلامية هي مشروعيتها العليا، ويتولى أمورها إمام يتولى الحكم بالبيعة ويعاونه أهل الشورى ويحكم بالسياسةالشرعية”. https://is.gd/LDfNMW

[17]https://is.gd/LDfNMW

[18]تقول المحكمة في هذا الصدد بخصوص تحديد شروط ومناهج الاجتهاد “على أن يكون الاجتهاد دومًا واقعًا في إطار الأصول الكلية للشريعة بما لا يجاوزها، ملتزمًا ضوابطها الثابتة، متحريًا مناهج الاستدلال على الأحكام العلمية والقواعد الضابطة لفروعها، كافلًا صون المقاصد العامة للشريعة بما تقوم عليه حفاظًا على الدين والنفس والعقل والعرض والمال” (قضية رقم ٢٩ لسنة ١١ قضائية دستورية، ١٩٩٤).

[19]تقول المحكمة في تسبيبها “وحيث إن المدعين ينعون على النص المطعون فيه في النطاق المتقدم مخالفته لحكم المادة الثانية من الدستور التي تقضي بأن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع. وذلك من عدة وجوه، أولها: أن الشريعة الإسلامية وإن حثت على صلة الرحم، إلا أنها لا تعتبر أقارب أحد الزوجين أقرباءً للآخر، ومِن ثَمَّ يكون اعتداد النص المطعون عليه بقرابة المصاهرة مخالفًا للدستور. ثانيها: أن إجماع فقهاء الشريعة الإسلامية منعقد على أن عقد الإيجار ينصب على استئجار منفعة لمدة مؤقتة يحق للمؤجر بانتهائها أن يطلب إخلاء العين من مستأجرها بما مؤداه امتناع تأبيد هذا العقد. ثالثها: أن عقد الإيجار ينقلب بالنص المطعون فيه، من عقد يقوم على التراضي إلى عقد يُحمل فيه المؤجر على تأجير العين بعد انتهاء إجارتها إلى شخص لم يكن طرفًا في الإجارة، بل يعد غريبًا عنها، ولا يتصور أن يُقحم عليها”. ثم قال في نهاية الحكم “وحيث إن الدعوى الموضوعية كانت قد أقيمت في ظل العمل بأحكام القانون رقم 136 سنة 1981م المشار إليه، الصادر بعد تعديل الدستور في 22 مايو سنة 1980م، ويصم النص المطعون فيه بإهدار أحكام المواد 2، 7، 23، 34 من الدستور” (الطعن رقم ٦ لسنة ٩ قضائية دستورية ١٩٩٥).

[20]صدرت الفتوى بناءً على طلب من شيخ الأزهر بالاستفسار حول اختصاصات كل من مجمع البحوث الإسلامية ووزارة الثقافة في الرقابة على المصنفات الفنية. في رده على سؤال الأزهر يتأمل المستشار البشري في موقع المادة الثانية من الدستور وشرعيتها وعلاقتها بالتشريع في كل ما يتعلق بالحياة “المعنوية” للأمة أو في جانبها الأخلاقي. يقول البشري معيدًا انتاج محددات الرؤية المعلمنة للشريعة “والإسلام دين الغالبية الغالبة من الشعب المصري، بحسبان أن الشعب هو الركن الركين للدولة التي ينظمها الدستور، ومن ثم تقوم خصائصه الثابتة في الواقع بحسبانها من خصائص الدولة المعترف بها في القانون، وقد نص دستور ١٩٧١ في المادة (٢) على أن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع. وبهذا يظهر أن الإسلام ومبادئه وقيمه إنما يتخلل النظام العام والآداب وهو كذلك مما تتضمنه المصالح العليا للدولة، حسب الصيغة التي أقام بها قانون الرقابة على المصنفات ركن الغاية في القرار الصادر بشأن الترخيص بأي من هذه المصنفات”. (فتوى رقم ١٢١ في ١٠/٢/١٩٩٤)

[21]في مقدمة البرنامج وتحت عنوان “السياسات والاستراتيجيات” يذكر تفسير للمادة الثانية من الدستور وهو “يجب على السلطة التشريعية أن تطلب رأي هيئة من كبار علماء الدين في الأمة على أن تكون منتخبة أيضاً انتخاباً حراً ومباشراً من علماء الدين ومستقلة استقلالا تاماً وحقيقياً عن السلطة التنفيذية في كل شئونها الفنية والمالية والإدارية، ويعاونها لجان ومستشارين من ذوي الخبرة وأهل العلم الأكفاء في سائر التخصصات العلمية الدنيوية الموثوق بحيدتهم وأمانتهم، ويسري ذلك على رئيس الجمهورية عند إصداره قرارات بقوة القانون في غيبة السلطة التشريعية ورأي هذه الهيئة يمثل الرأي الراجح المتفق مع المصلحة العامة في الظروف المحيطة بالموضوع، ويكون للسلطة التشريعية في غير الأحكام الشرعية القطعية المستندة إلى نصوص قطعية الثبوت والدلالة القرار النهائي بالتصويت بالأغلبية المطلقة على رأي الهيئة، ولها أن تراجع الهيئة الدينية بإبداء وجهة نظرها فيما تراه أقرب إلى تحقيق المصلحة العامة، قبل قرارها النهائي ويتم، بقانون، تحديد مواصفات علماء الدين الذين يحق لهم انتخاب هيئة كبار العلماء والشروط التي يجب أن تتوافر في أعضاء الهيئة”. البرنامج متاح على الرابط التالي https://is.gd/KH26lV

[22]يمكن الاطلاع على تعليق ناثان براون وعمرو حمزاوي المفصل على البرنامج على الرابط التالي http://carnegieendowment.org/files/cp89_muslim_brothers_final.pdf

التوترات تتفجر… الصعود السريع والتراجع الأسرع لمشروع أسلمة “دستور الثورة”:

لا يمكن فهم الجدل الذي تفجر بمجرد تنحي مبارك عن السلطة في فبراير ٢٠١١ بشأن موقع الشريعة في الدستور الجديد وقواعد تفسيرها ومن له سلطة هذا التفسير إلا على خلفية هذا التاريخ المعقد والمتوتر لعلمنة الشريعة ومحاولات “أسلمتها”، أي استعادة عالمها المؤسسي والمعرفي المفقود. فعلى الرغم من عدم احتلال مسألة تطبيق الشريعة أي حيز يعتد به من خطاب وشعارات القوى الإسلامية المشاركة في الفعاليات التي أطاحت بمبارك، إلا أن الانتفاء المفاجئ والتام للشروط السلطوية التي حكمت مشاركة الإسلاميين في المجال السياسي، والتي شكلت بدورها كابحا على دعاوى تطبيق الشريعة، كان مقدمة طبيعية لتفجر التوترات السابق التفصيل بشأنها والتي لم تخضع لأي محاولة جادة لحلها بشكل نهائي، ولكن فقط تم كبتها تحت طبقات من الممارسات السلطوية.

فقد أسفرت الترتيبات التي أقرها المجلس الأعلى للقوات المسلحة، كما هو معلوم، إلى إسناد مهمة كتابة الدستور الجديد لجمعية تأسيسية يختارها البرلمان بمجرد انتخابه. كان هذا الترتيب يعني عمليا انتقال القوى الإسلامية، بوصفها صاحبة الأغلبية البرلمانية المحتلمة، في غضون شهر واحد من الزمان من طرف إما مقموع بشكل كامل أو مهمش في العملية السياسية المقيدة إلى طرف أوكلت إليه مهمة كتابة دستور يؤسس لما عرف وقتها بعقد اجتماعي جديد بين الدولة ومواطنيها. ثم سرعان ما اتضح أن كل ما يتعلق بالجدل حول المادة الثانية بشكل خاص، أو حول هوية الدولة وموقع الإسلام منها والشريعة بوجه عام، سوف يوكل إلى القوى الأكثر جذرية في رفضها لصيغة “الشريعة المعلمنة” أي القوى السلفية. وبدى أن جماعة الإخوان وممثليها قد سلموا بشكل كامل بقيادة هذه القوى السلفية في هذا الملف. لا نعنى هنا بالبحث المفصل في دوافع الإخوان ولا بما إذا كانت هذه الرؤي السلفية محل إجماع داخل الإخوان والتيار العريض الذي يمثلوه. ما يعنينا أن التنظيم الأكبر داخل التيار الإسلامي وصاحب الأغلبية البرلمانية الصريحة والأغلبية داخل الجمعية التأسيسية سوف يقبل بشكل شبه كامل بالأطروحات السلفية وسيصوت عليها نوابه داخل الجمعية بالإجماع دون إثبات تحفظ واحد.

هذا الميل لتبني تصور موحد للقوى الإسلامية تصوغه وتروج له القوى السلفية لم يظهر دفعة واحدة في مشاورات لجنة المائة، ولكنه تطور على مدى عام ونيف حتى اتخذ شكله النهائي الذي صاغه الشيخ ياسر برهامي، أحد ممثلي جماعة “الدعوة السلفية” في الجمعية التأسيسية. أتت أولى المبادرات المبكرة التي ألمحت إلى ضرورة صياغة دستور جديد “إسلامي” الطابع من قبل جماعة الدعوة السلفية ذاتها في الإسكندرية، عقب تشكيل الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك للجنة قانونية لتعديل بعض مواد دستور ١٩٧١ في خضم التظاهرات الحاشدة المنادية بتنحيه. استشعرت الدعوة السلفية فيما يبدو أن المبادرة تتسرب من يد القوى الإسلامية باتجاه تصدي وجوه النخبة المدنية للحراك السياسي وقتها على الرغم من مشاركة التيار الإسلامي في هذه الاحتجاجات. فعقدت مؤتمرها في ٨ فبراير ٢٠١١ بالإسكندرية لتنتزع لرؤيتها مكانا في ترتيبات ما بعد رحيل مبارك ولتقطع الطريق على ما ارتأته إمكانية كتابة دستور علماني بالكامل يتجاوز صيغة دستور ١٩٧١ الملتبسة. لم يتطرق البيان لأي تفصيلات حول رؤيته عن تفاصيل الدستور الجديد ولكنه اكتفى بالدعوة إلى “التأكيد على هُويَّة مِصرَ الإسلاميةِ؛ كدَولةٍ إسلاميةٍ مرجعيةُ التشريع فيها إلى الشريعة الإسلامية، وكُلُّ ما يخالفها يُعَدُّ باطلا”، وكذلك الدعوة إلى “تفعيل المادة الثانية مِن الدُّستور، ومراجعةِ كافَّة التشريعات المخالفةِ للشريعة، وصياغتِها مِن جديد بصورةٍ تُوافِق الشريعةَ”.[1]

لم تخرج بيانات الدعوة السلفية وغيرها من الكيانات الإسلامية عن هذه الصيغة الدفاعية في الأسابيع التي تلت تنحي مبارك. وجاءت أغليها كردود أفعال لتصريحات رسمية، كتصريح الدكتور يحيى الجمل نائب رئيس الوزراء المعين من قبل المجلس الأعلى للقوات المسلحة، حول طرحه على لجنة التعديلات الدستورية المشكلة في الأيام الأخيرة من حكم مبارك، والسابق الإشارة إليها، ضرورة إدخال تعديل على المادة الثانية سواء بالعودة لصيغة ١٩٧١ الأصلية – أي اعتبار الشريعة “مصدرا رئيسيا من مصادر التشريع”- أو إضافة فقرة تنص على الاحترام والقداسة لكافة التشريعات السماوية وأن يحتكم أتباعها لأحكامها فيما يتعلق بالأحوال الشخصية.[2] إلا أن انتهاء اللجنة المكلفة من قبل المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإعداد مشروع التعديلات على دستور ١٩٧١١، وصياغة خريطة طريق لكتابة دستور جديد عن طريق جمعية تأسيسية من مائة عضو يختاروا من قبل البرلمان الجديد، عظمت من ضرورة تنسيق المواقف بين القوى الإسلامية المختلفة لتأمين أغلبية مريحة تسمح بالتحكم في عملية كتابة الدستور.

في هذا السياق، تشكلت “الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح” لتمثل إطارا تنسيقيا بين علماء مختلف الجماعات الإسلامية تحت الرعاية المباشرة لنائب المرشد العام لجماعة الإخوان، خيرت الشاطر، وبهدف تنسيق المواقف بشأن مسألة كتابة الدستور على وجه التحديد. ضمت الهيئة أهم رموز الخطاب الدعوي الإسلامي في شقه السلفي العلمي (جماعة الدعوة السلفية) أو السلفي الدعوي، أو السلفي الثوري وحتى الخطاب الإخواني التقليدي. وبمتابعة بيانات الهيئة الأولى، يتضح أن إجماعا إسلاميا كان يتشكل حول ضرورة التعامل مع الدستور نفسه بوصفه أحد أهم أدوات تفعيل التصور الإسلامي عن السيادة والسلطة والاجتماع. وحفلت بيانات الهيئة وآراءها المعلنة في المسألة بمثل هذه الآراء والإشارات وإن كانت لم تخض في التفاصيل حول التعديلات المطلوب إدخالها على الدستور من أجل تحقيق هذه الرؤية. أحد الإشارات المبكرة لأطروحات الهيئة قيد التبلور تمثلت في التركيز على ضرورة تعديل قانون الأزهر ليسمح بانتخاب شيخ الأزهر وعودة هيئة كبار العلماء التي ألغاها القانون الصادر عام ١٩٦١.[3] هذه  الترتيبات كانت توطئة ضرورية لتمرير دور ما للعلماء في عملية التشريع أو تفسير المادة الثانية والتي تقتضي فك “الارتباط العضوي” بينهم وبين السلطة التنفيذية.

واستنادا إلى نصرها الحاسم في استفتاء ١٩ مارس ٢٠١١ والذي ترتب عليه تمرير تعديلات لجنة البشري دون تعديل، ومن ثم رهن مهمة كتابة الدستور الجديد بتوافقات القوى الإسلامية في المقام الأول، لم تبد الهيئة أو غيرها من القوى السلفية مرونة يعتد بها في التعامل مع أي من المبادرات لصياغة وثائق حد أدنى للتوافق حول الدستور واعتبرتها محاولة للالتفاف على الإرادة الشعبية التي تم تفسيرها كتصديق على مشروع أول دستور إسلامي في التاريخ المصري الحديث.[4]

من أهم المبادرات ذات الصلة بمناقشتنا هنا تأتي وثيقة الأزهر الشهيرة الصادرة في ١٩ يونيو ٢٠١١ والتي سعت لتقديم صياغة، تحظى بالشرعية الرمزية اللازمة، للقواسم المشتركة بين التيارات الفكرية والسياسية المختلفة حول المسألة الدستورية، وخصوصا حول مسألة الشريعة وموقعها من الدستور، وهي المبادرة التي لم يلتزم بمضمونها ممثلي الأزهر أنفسهم في الجمعية التأسيسية. فأعلنت الوثيقة عن قناعة الأزهر وسعيه لبناء دولة دستورية ديمقراطية حديثة لا تفرق بين مواطنيها على أساس الدين، وأنه لا يرى ضرورة في إضافة أي نصوص دستورية شارحة للمادة الثانية أو تعديلها. أُسقطت الإشارة لمدنية الدولة عن عمد طبعا ولكن كان هذا هو التنازل الوحيد في الواقع الذي قدمته الوثيقة للقوى الإسلامية. بل وزادت الوثيقة في إعلانها عن التزامها باعتبار المحكمة الدستورية العليا هي المرجع الوحيد المعتمد لتفسير المادة الثانية من الدستور على غير رغبة القوى السلفية. فتحت عنوان “دعم تأسيس الدولة الديمقراطية الدستورية الحديثة”، تذكر الوثيقة أن الأزهر يدعم تأسيس دولة:

“تكون سلطة التشريع فيها لنواب الشعب؛ بما يتوافق مع المفهوم الإسلامي الصحيح، حيث لم يعرف الإسلام لا في تشريعاته ولا حضارته ولا تاريخه ما يعرف في الثقافات الأخرى بالدولة الدينية الكهنوتية التي تسلطت على الناس، وعانت منها البشرية في بعض مراحل التاريخ، بل ترك للناس إدارة مجتمعاتهم واختيار الآليات والمؤسسات المحققة لمصالحهم، شريطة أن تكون المبادئ الكلية للشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع” (وثيقة الأزهر حول مستقبل مصر ٢٠١١).

وبعد حسم موقفها الرافض لأي وصاية على السلطة التشريعية من قبل جماعة العلماء، أو على الأقل دور تشريعي ولو في صيغة “الغرفة العليا” للعلماء والتي طرحها بعض المفكرين الدستوريين الإسلاميين وكذلك مسودات بعض الدساتير الإسلامية، تعود الوثيقة لرفض أي دور ملزم للعلماء في عملية التفسير والمراجعة الدستوريين. تشدد الوثيقة في هذا الصدد على:

“اعتبار الأزهر الشريف هو الجهة المختصة التي يرجع إليها في شؤون الإسلام وعلومه وتراثه واجتهاداته الفقهية والفكرية الحديثة، مع عدم مصادرة حق الجميع في إبداء الرأي متى تحققت فيه الشروط العلمية اللازمة، وبشرط الالتزام بآداب الحوار، واحترام ما توافق عليه علماء الأمة” (وثيقة الأزهر حول مستقبل مصر ٢٠١١).

انتقدت الدعوة السلفية علنا من خلال ممثلها في اجتماع الإمام أحمد الطيب مع عدد من ممثلي القوى السياسية لمناقشة هذه الوثيقة رؤية الأزهر المطروحة في الوثيقة. بل ورفض ممثل الدعوة السلفية، الشيخ عبد المنعم الشحات، التوقيع على الوثيقة في نهاية الأمر. وأكدت “الدعوة” في بيانها الصادر في ١٨ أغسطس ٢٠١١، أن خلافها مع الوثيقة ينصب تحديدا على عدم وجود تصور منضبط للمقصود بمبادئ الشريعة الإسلامية. فبينما يبدو النص متطابقا مع صياغة المحكمة الدستورية العليا الملتبسة، سعى ممثل الدعوة السلفية لصيغة مستقاة مباشرة من علم أصول الفقه وما يرتبط به من منهج لاستنباط الأحكام يلزم السلطة التفسيرية بالعودة للقواعد الأصولية والفقهية قبل مباشرة عملية التفسير. يقول البيان أن لفظة “المبادئ الكلية للشريعة الإسلامية، والتي لا بد أن تكون: “والشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع”، فالشريعة مبادؤها الكلية والجزئية، وأحكامها: أصولها وفروعها؛ لا بد أن تكون هي المصدر الرئيسي للتشريع”.[5]

مع مرور الوقت بدأت تتبلور مناطق التوتر التي ستتشكل حولها الرؤية الإسلامية البديلة حول موقع الشريعة في الدستور وهي لا تخرج عن المحاور القديمة لنفس الإشكالية المتجددة: اعتبار الأمة هي مناط السيادة وأن لها مطلق الحرية في التشريع لنفسها دون حدود، وأن سلطة التفسير الحصرية موزعة على سلطات هي علمانية بالكامل سواء كانت سلطة تشريعية أو قضائية. مع بداية أعمال الجمعية التأسيسية الأولى التي تم حلها بحكم قضائي من المحكمة الإدارية أعلن الشيخ ياسر برهامي وغيره من مشايخ الدعوة السلفية والهيئة الشرعية تصوراتهم – التي ستتبناها القوى الإسلامية في الجمعية دون أن تمرر بالكامل في نص الدستور النهائي. وكما هو متوقع، سارت التصورات المقترحة بشكل مواز لتفسير المحكمة الدستورية العليا بهدف نقضه ركنا ركنا. فتحت عنوان “ماذا نريد في الدستور؟” كتب ياسر برهامي بتاريخ ٢٤ إبريل ٢٠١٢، معبرا عن معارضته الكاملة لتفسير المحكمة الدستورية العليا تحديدا لجهة إسقاطه دليل الإجماع وقصره “مبادئ الشريعة” على الأحكام قطعية الثبوت، والتي تعني خروج قسم معتبر من السنة النبوية، كأخبار الآحاد، من متن تلك الأحكام. هذا بخلاف انتزاع المحكمة لنفسها السلطة التفسيرية المطلقة للمادة الثانية دونما اعتبار لسلطة المجتهدين. يقول برهامي في مقاله المذكور:

“نحرص أن تكون صياغة المادة الثانية تنص على أن (الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع) ونرتضي حذف كلمتي (المبادئ والأحكام)، وما ذلك إلا لأن تفسير المحكمة الدستورية العليا لكلمة مبادئ الشريعة الإسلامية بأنها تعني ما كان قطعي الثبوت والدلالة معا، مما فهم منه الليبراليون أن السنة كلها خارجة خارج المصدرية؛ لأن عامتها ظني الثبوت اصطلاحا، وأما القرآن فهو عندهم (حمّال أوجه) وهناك اختلافات في التفسير، فإن زماننا يشهد عجبا في مخالفة الكتاب والسنة والإجماع باسم الاجتهاد وعدم التقليد. فهذا التفسير العجيب لكلمة مبادئ مع أنها لا تعني ذلك لغة ولا شرعا ولا عرفا، قد أضاع أكثر من ٩٥٪ من الشريعة المنزلة… ونحن لا نرى إلزاما للناس بمنهج معين، بل نقول إنما نعني بالشريعة ما أنزله الله وليست آراء الرجال أو مذاهب العلماء الاجتهادية، لكن ما كان نصا من كتاب أو سنة وما كان مجمعا عليه عند أهل العلم المعتبرين فلا يجوز مخالفته، والذي يحدد ذلك قانونيا ودستوريا هو المؤسسة الدينية الرسمية ممثلة في الأزهر الشريف ومجمع البحوث الإسلامية” (برهامي ٢٠١١).

وفي مقال آخر تضمن بعض الاقتراحات التفصيلية بشأن مواد الدستور منشور في ١٣ يوليو ٢٠١٢، بادر برهامي باقتراح اسقاط لفظ “مبادئ” من المادة الثانية لتقتصر على أن “الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع” وذلك تفاديا لتفسير المحكمة الدستورية جملة وتفصيلا. هذا بخلاف تعديل المادة الخاصة بسيادة الأمة في الدستور للنص على أن السيادة المطلقة لله وأن الأمة مجرد وكيل يسعى لإنفاذ هذه السيادة في الأرض.[6] هذا التصور مستدعى بحذافيره من المشاريع التي تحدثنا عنها في القسم  السابق من الورقة وله ما يتبعه بالطبع. وهذه التبعات بدأت تتضح مع مقترحات برهامي التفصيلية للجنة المائة عند بداية أعمالها.[7] على رأس هذه المقترحات يأتي تقييد  سلطة المجلس التشريعي عبر اقتراح آخر بالمشورة الوجوبية لهيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف ورئيسها وهو إمام الجامع الأزهر – والذي أصبح غير قابل للعزل وفقا لآخر تشريع أصدره المجلس الأعلى للقوات المسلحة منفردا في يناير ٢٠١٢ – في كل ما يتعلق بالتشريعات المتعلقة بالمادة الثانية من الدستور. وفي المقابل يجري تقييد السلطة التفسيرية للمحكمة الدستورية العليا عبر اقتراح مادة تنص بشكل تفصيلي على منهج التفسير الواجب اعتماده عند التصدي للمنازعات الدستورية الخاصة بالمادة الثانية يلزم المحكمة بالعودة للقواعد الأصولية والفقهية الممثلة للإجماع السابق على اجتهادها.

اقتراح برهامي كان يعني ببساطة العودة لمنهج علم أصول الفقه والذي ينطلق من استنباط الأحكام عبر العودة المباشرة للقرآن والسنة والإجماع ثم ممارسة القياس وفقا لذات القواعد الأصولية والفقهية المتراكمة في مذاهب أهل السنة والجماعة. بعبارة أخرى، استعادت المادة المقترحة من قبل برهامي حجية الإجماع الذي يربط الأمة ربطا وثيقا بماضيها المفترض – وهي الحجية التي تعامل معها تفسير المحكمة الدستورية العليا بشكل متناقض كما سبق الذكر- وحددت مسار محدد تسير عليه المحكمة في استنباطها للأحكام الشرعية. وبالتالي، فإذا أفلت تشريع من الرقابة السابقة لهيئة كبار العلماء وعرف طريقه للمحكمة الدستورية العليا لممارسة رقابتها اللاحقة عليه أصبح واجبا على المحكمة أن تمارس هذه السلطة التفسيرية كمجتهد أصولي، حتى ولو لم تكن هيئة المحكمة مشكلة من علماء ذوي تكوين فقهي معتمد.

هذا التصور المكتمل كان موضوعا لضغوط مختلفة بمجرد البدء في أعمال الجمعية التأسيسية من طرفيّ الاستقطاب السياسي في هذا الوقت، الأمر الذي أسفر عن تهجينه بشكل من الأشكال ولكن تم الإبقاء على محدداته العامة وأغلب مضامينه. فقد أسفر ضغط معسكر واسع شمل ممثلين لمؤسسات قضائية وبعض الأحزاب غير الإسلامية الممثلة في الجمعية، علاوة على الكنائس المصرية، عن اسقاط اقتراح النص على أن السيادة لله وأن الأمة موكولة لإنفاذها في الواقع. وخرجت المادة الخامسة من دستور ٢٠١٢ لتنص بوضوح على أن السيادة للأمة تمارسها على الوجه المبين في الدستور. كذلك أسفرت هذه المساومات عن إدراج مادة ثالثة في الدستور أقرت الحرية لغير المسلمين من أتباع الديانات السماوية اتباع شرائعهم الخاصة في الأحوال الشخصية واختيار قياداتهم الروحية. لم يخرج نص المادة الثالثة عن المستقر من ممارسات تشريعية وقضائية اعتمدت اجتهادات قديمة تقرّ أهل الكتاب على مذاهبهم في هذه الأمور. على العكس، كانت هذه المادة خطوة للخلف بشكل عام تخصم من مدنية الدولة ومساواة المواطنين أمام القانون إذ أنها تميز بشكل صارخ بين رعايا الكنائس المصرية وعموم المواطنين المسلمين. ولم تثر هذه المادة أي تحفظ يذكر من قبل القوى الإسلامية الممثلة في الجمعية وجرى التصويت عليها بالإجماع. كذلك جاءت المادة الرابعة المنظمة لكيفية اختيار شيخ الأزهر وهيئة كبار العلماء لتنص على “أخذ رأي” هيئة كبار العلماء في التشريعات المتعلقة بالمادة الثانية دون تحديد إذا ما كان “أخذ الرأي” هنا وجوبيا أو جوازيا وتركت المسألة لتفاعلات البرلمان لتحديد المقصود بهذه الصياغة.

في المقابل أسفر الضغط من الطيف الإسلامي الأوسع، سواء الجهادي أو الثوري أو السلفي غير المنظم، والساعي لاستبدال صياغة السنهوري عن “المبادئ” بالنص على الشريعة فقط، أي الكتاب والسنة، أو “أحكام الشريعة”، أي ما تراكم من اجتهادات الفقهاء المسلمين منذ الشافعي، عن إضافتين ذوي دلالة عرفوا طريقهم للمسودة النهائية للدستور في اللحظات الأخيرة. الإضافة الأولى هي المادة ١٧٦ في باب سيادة القانون والتي نصّت على “ألا عقوبة إلا بنص دستوري أو قانوني” بالمخالفة للتقاليد الدستورية والتشريعية المصرية التي درجت على النص “بألا عقوبة إلا بنص قانوني فقط”. تمثل هذا المادة، كما تحدث برهامي نفسه في تسجيل لاحق خلال مشاورات الجمعية،[8] مقدمة طبيعية لإطلاق يد القضاة مرة أخرى في التطبيق المباشر للمادة الثانية من الدستور وهي الإمكانية التي نفتها بالكامل المحكمة الدستورية العليا في تفسيرها وقصرت المخاطبين بالمادة الثانية على السلطة التشريعية فقط. الإضافة الثانية هي المادة ٨١ في نهاية باب الحقوق والحريات والتي نصت على أن كافة الحقوق والحريات الواردة في ذاك الباب تمارس بما لا يتعارض مع الأحكام الواردة في باب المقومات الأساسية للدولة والمجتمع، والمشتمل على المادة الثانية بالطبع. وهو ما يعني، وفقا لبرهامي في تسجيله المشار إليه، تحويل المادة الثانية “لقيد عام على كافة أحكام هذا الباب”. أما مقترحات برهامي حول منهج تفسير المادة الثانية فقد تم تبنيها بالكامل في المادة ٢١٩ من الدستور والتي نصت على أن مبادئ الشريعة الإسلامية تعني “أدلتها الكلية وقواعدها الأصولية والفقهية وأصولها المعتبرة في مناهج أهل السنة والجماعة”.

هكذا وللمرة الأولى منذ اعتماد التشريع الدستوري في مصر يتشكل ما يمكن تسميته بدستور “إسلامي” بالفعل، أي دستور يجسد القدر الأعظم من الرؤي الإسلامية الرئيسية التي سعت لاستعادة عالم الشريعة القديم وانتزاع الشريعة من مفاهيم الدولة الوطنية وربطها بسياق مفاهيمي معاد بناءه من خلال قراءة خاصة لتاريخ المسلمين. بل وأظهرت الشهور التالية على إقرار الدستور نية للأخذ بأحكامه تلك بجدية وحرفية كاملة وعدم الاقتصار على الانتصار الرمزي. ففي مارس ٢٠١٣ أعلن نواب حزب النور بمجلس الشورى، الذي لم يطله مفعول قرار البطلان الفوري الذي أصدرته المحكمة الدستورية العليا وكان من المفترض أن يظل منعقدا حتى انتخاب مجلس نواب جديد، عن فهمهم للمادة الرابعة بوصفها تلزم البرلمان باللجوء لهيئة كبار العلماء عند كل تشريع تقريبا. تجلى ذلك في إصرار نواب حزب النور على إحالة مشروع “قانون الصكوك”، الذي تقدم به حزب الحرية والعدالة، ومشروع اتفاقية قرض من المملكة العربية السعودية لتمويل “صوامع لإنتاج القمح” إلى هيئة كبار العلماء للبت في شبهة ما إذا كان كلا المشروعين يتضمنان شكلا من أشكال الربا.[9] والمثير أن نواب الإخوان كانوا هم من  تصدى لهذه المحاولة على اعتبار أن الإحالة هي محض تعطيل لإجراء اقتصادي لا يحتمل التأجيل. هذه المفارقة ربما تدعم فرضية قدرة الآليات الديمقراطية على تفكيك الخطاب الإسلامي بشأن الشريعة والذي عبر عن نفسه في صياغات الدستور. إلا أن نفس الآراء تسقط تماما من حساباتها ما قد يثيره هذا التلاعب الواضح بالنصوص الدستورية في ظل هشاشة تكوين المؤسسات الدستورية نفسها وغياب تقاليد راسخة لعملها من فتح الباب على مصراعيه للحلول السلطوية عموما للصراعات السياسية، وهو ما حدث بالفعل بعد شهور من هذه الوقائع من تدخل الجيش لعزل مرسي والنص في خريطة الطريق التي شرعنت هذا العزل على النية لتعديل دستور ٢٠١٢ بما يضع حدا لهذا الارتباك التشريعي.

في هذا السياق، وبعد عزل مرسي يأيام، أطلقت الإدارة الانتقالية عملية لإدخال تعديلات جوهرية على دستور ٢٠١٢. هذه العملية كانت أقل ديمقراطية من سابقتها بشكل جليّ. وهي وإن كانت أكثر تمثيلية لأقليات دينية وجماعات سياسية تم تهميشها في الجمعية التأسيسية التي صاغت دستور ٢٠١٢ إلا أن العملية كلها كانت مدفوعة بالميل لاستعادة الاستقرار معرفا بإنهاء حالة الاستقطاب مرة واحدة وللأبد. وبالتبعية كان من المنطقي السعي لعودة صيغة الشريعة المعلمنة، بكل التباساتها، بشكل كامل كما استقرت عليها المؤسسات التشريعية والقضائية قبل تحولات يناير العاصفة.

بالتالي، تم إلغاء المادة ٢١٩ المفسرة للمادة الثانية وكذلك المادة ١٧٦ سريعا ودون مقاومة تذكر من حزب النور الذي أيد ترتيبات ٣ يوليو وكان ممثلا في لجنة الخمسين التي صاغت هذه التعديلات الدستورية. بل زادت اللجنة وأضافت في ديباجة الدستور نصا يعتبر مجموع أحكام المحكمة الدستورية العليا هو التفسير الوحيد المعتمد للمادة الثانية. أما المادة الرابعة الخاصة بتشكيل واختصاص هيئة كبار العلماء فقد عرفت طريقها للدستور الجديد بعد أن تغير رقمها للمادة ٧ التي تنص على أن الأزهر هو المرجع الوحيد المعتمد في “علوم الشريعة” وحُذف منها النص على أي دور للهيئة في عملية التشريع. في المقابل تم الابقاء على عدم قابلية شيخ الأزهر للعزل واعتبار الأزهر مرجعا نهائيا في “الشئون الإسلامية”. هنا لا نرى خروجا عن التقاليد المتعارف عليها بشأن دور المؤسسة الدينية الرسمية في صنع السياسة العامة واعتبارها مسئولة عن تقديم التفسير المعتمد الوحيد للشريعة بوصفها مكونا من مكونات النظام العام. كذلك تم الابقاء على المادة الثالثة الخاصة باحتكام غير المسلمين من أتباع الديانات السماوية لشرائعهم فيما يخص الأحوال الشخصية واختيار القيادات الروحية كما هي دونما تعديل إذ لم يكن من المتصور التخلي عن مكسب استراتيجي للكنيسة القبطية كهذه المادة بعد الدور المحوري الذي لعبته الكنيسة في تأييد إجراءات عزل مرسي وما جرّه عليها ذلك من مواجهات مع مجمل الطيف الإسلامي.

نحن إذن بصدد العودة لصيغة الشريعة المعلمنة بالتباساتها المعهودة التي تعرضنا لبعض أوجهها منذ إقرار المادة الثانية في دستور ١٩٧١ وتعديلاتها في ١٩٨٠. التراجع عن بعض صياغات دستور ٢٠١٢ سريعا لا يعني حلا لتناقضات قائمة إذن بقدر ما يعني إعادة انتاجها في سياق جديد يتسم بعودة التيارات الإسلامية لموقع الدفاع مرة أخرى، وهو موقع شبيه بالموقع الذي احتلته منذ ١٩٧١ وحتى يناير ٢٠١١. وبالتالي فمستقبل الجدل حول معاني السيادة والسلطة والشريعة في دستور ٢٠١٤ لا يبدو سلسا بأي حال من الأحوال ولا تبدو منتجات هذا الجدل ديمقراطية أو ليبرالية بالضرورة. وآية ذلك فهم رموز “الدعوة السلفية” الفكرية، والذين قبلوا ببراجماتية المشاركة الفعالة في أعمال لجنة الخمسين من منطلق الحفاظ على أعظم قدر ممكن من مكتسبات دستور ٢٠١٢. فوفقا لهذه الفهم، لا ينبغي المبالغة في تقدير دلالة التراجع عن صياغات دستور ٢٠١٢ لأن أحكام المحكمة الدستورية العليا نفسها المشار إليها في ديباجة الدستور تحفل بنقاط الغموض والالتباس التي يمكن الإفادة منها في استئناف مشروع أسلمة الشريعة- وهو الغموض الذي أشرنا إليه عند التعرض لأحكام المحكمة في هذا الصدد. كما أن المادة السابعة الخاصة بالأزهر، وفقا لهذا الفهم، لا تختلف كثيرا عن المادة الرابعة من دستور ٢٠١٢، خصوصا عند إشارتها لعلوم الشريعة، والتي تتضمن حكما مناهج أصول الفقه- أصل الغموض وبدايته.

ففي معرض دفاعه عن مشاركة “الدعوة السلفية” في أعمال لجنة الخمسين وقبول ممثليها بإلغاء المادة ٢١٩ المفسرة للمادة الثانية وقبولهم بذكر مجموع أحكام المحكمة الدستورية العليا كتفسير للمادة الثانية من الدستور، يشير عبد المنعم الشحات، المتحدث الرسمي باسم “الدعوة السلفية” في مقال بتاريخ ٢٧ ديسمبر ٢٠١٣، إلى التناقض الواضح في أحكام المحكمة بين اسقاطها دليل الإجماع في موضع، وبين اعتباره دليلا لا غنى عنه في موضع آخر. ويشدد الشحات على أن ذكر “مجموع” الأحكام في ديباجة الدستور الجديد يلزم القاضي الدستوري بالعودة إلى تلك الأحكام التي تعتد بدليل الإجماع على قدم المساواة مع تلك الأحكام التي تهدره. بل ويسوق الشحات الحكم الذي استندت فيه المحكمة الدستورية العليا على دليل الإجماع، والسابق الإشارة إليه، للتدليل على صحة وجهة نظره. يقول الشحات في هذا الصدد:

“تبين الأحكام الأخرى المتعلقة بالإجماع: أن المحكمة تجعله هو الآخر مما لا تجوز مخالفته، فيكون الاجتهاد مقبولا في المسائل التي دليلها ظني في الثبوت أو الدلالة أو فيهما معا؛ ما لم يجمع عليه، وبالنص على مجموع أحكام المحكمة الدستورية مع إيداع حكم أو أكثر من كل نوع منها في المضبطة يكون تفسير المبادئ قد عُبِّر عنه بأفضل ما يكون، ولكن في المقابل ونتيجة حساسيات وضغوط وموازنات، ورفض كل صور التلخيص التي قدمناها لهذه الأحكام “لا سيما من قِبَل الكنيسة”، كان الحل هو ما ذكرنا، وهو رغم طول مسار الإحالة فيه إلا أنها إحالة ملزمة على النحو الآتي: توجد مادة في الدستور تؤكد حجية الديباجة، والديباجة تؤكد أن التفسير بمجموع أحكام المحكمة الدستورية، وهامش الديباجة يبيِّن أن هذه الأحكام موضوعة في مضبطة (الجلسة الختامية)، ومضبطة الجلسة الختامية فيها هذه الأحكام التي بيناها” (الشحات ٢٠١٣).

أما فيما بتعلق باستبدال المادة الرابعة من دستور ٢٠١٢، والمتعلقة بوجوب أخذ رأي هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف في كل التشريعات التي تتطلب تفسيرا للمادة الثانية من الدستور بالمادة السابعة من دستور ٢٠١٤ التي نصت على أن الأزهر هو المرجع الأساسي في العلوم الدينية والشئون الإسلامية، فيقلل الشحات كذلك من أثر هذا التغير إذ يشدد على أن الطابع الإلزامي بالعودة للأزهر في المادة السابعة حاضر كذلك، وأن رأي الأزهر ستعكف عليه هيئة كبار العلماء في كل الحالات، ومن ثم فالتغيير غير جوهري في النهاية، وفقا لوجهة نظره (الشحات ٢٠١٣).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]البيان منشور على موقع أنا السلفي بتاريخ ٨ فبراير ٢٠١١http://www.anasalafy.com/play.php?catsmktba=24015

[2]نشر الحوار كاملا على الرابط التالي https://www.youtube.com/watch?v=a_clBe0LKEM

[3]على سبيل المثال، أشارت النقطة الثالثة من بيان الهيئة الصادر في ١٧ فبراير ٢٠١١ إلى ضرورة “اختيار شيخ الأزهر ومفتي الديار المصـرية بالانتخاب من قبل كبار علماء الأزهر الشريف المعروفين بالرسوخ في العلم والجرأة في الحق”. http://www.anasalafy.com/play.php?catsmktba=24132

[4]انظر على سبيل المثال بيان ما يسمى بائتلاف القوى الإسلامية الصادر في ١٦ يوليو ٢٠١١، والرافض لوضع وثيقة مبادئ حاكمة للدستور، وهي الفكرة التي طرحها الدكتور علي السلمي نائب رئيس الوزراء الأسبق لشئون التحول الديمقراطي والتنمية السياسية. ووقع على هذا البيان كل القوى الإسلامية ذات النفوذ في الطيف الإسلامي العريض وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين. http://www.anasalafy.com/play.php?catsmktba=27630

[5]http://www.anasalafy.com/play.php?catsmktba=28621

[6]http://www.anasalafy.com/play.php?catsmktba=35077

[7]أصدر كل من “الدعوة السلفية” وحزب النور بيانا مشتركا في ٢٣ أكتوبر ٢٠١٢ بعنوان “الدعوة السلفية وحزب النور… والدستور والشريعة” يتضمن شرحا لهذه المقترحات بالتفصيل وشرحا لمنطقها وذلك ردا على أحد المسودات المعلنة للرأي العام والتي جاءت خلوا من هذه المقترحات. انظر http://www.anasalafy.com/play.php?catsmktba=36314

[8]انظر الفيديو كاملا على الرابط التالي http://www.jadaliyya.c.jadaliyya.com/pages/index/9260/egypt%E2%80%99s-anti-freedom-constitution_the-borhami-vide

[9]في ٢١ مارس ٢٠١٣ أصدر حزب النور بيانا تفصيليا يتضمن وجهة نظره في قانون الصكوك وضرورة عرضه على هيئة كبار العلماء بالأزهر وإلا اعتبر مخالفا لنص المادة الرابعة من الدستور. جاء في البيان:

 “(10) وإذا استحضرنا أن المادة الرابعة من الدستور تخاطب جميع السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية؛ فإن هذا يعني أن إغفال السلطة التشريعية لهذا الأمر لا يعفي الرئيس من الالتزام به؛ ولذلك نطالب السيد الرئيس بعدم إصدار القانون إلا بعد عرضه على هيئة كبار العلماء وليأخذ العبرة من قانون الانتخابات. على أننا نعلن ابتداء على عزمنا حال صدور القانون تقديم طعن عليه بعدم الدستورية، بل متى أُقر سنجعل في برنامجنا الانتخابي للبرلمان القادم إلغاء هذا القانون.

 (11) وفي هذا الصدد نؤكد أن القانون يعتمد على عقود فيها جدل شرعي، بل تخالف رأي جمهور العلماء: كالبيع باشتراط إعادة البيع للمالك والتي تعتبر بيعتين في بيعة، ومثل عقود الاستصناع التي لم يجيزها غير الأحناف، وعقود المغارسة التي لا يجيزها غير الظاهرية؛ ولذلك فإن اجتهاد هيئة كبار العلماء مهم جدا هنا ليعتبر رافعا للخلاف في المسألة.

 (12) وعلى فرض أن القانون خال من العوار تماما؛ فإننا نؤكد أن العرض على هيئة كبار العلماء يمثِّل امتثالا للدستور، كما يمثِّل تكريسا لمرجعية الشريعة التي نعتبرها قضيتنا الأولى”.

انظر البيان كاملا على http://www.anasalafy.com/play.php?catsmktba=39085.

 كذلك يمكن العودة لرد الدكتور عصام العريان، النائب عن حزب الحرية والعدالة، في مجلس الشورى على الرابطين التاليين: https://www.youtube.com/watch?v=fDlemaHCZXk

 https://www.youtube.com/watch?v=9SjI3GesMz4

الجدل حول الشريعة في مرآة الفكر القانوني والسياسي:

من المفيد في هذا الجزء الختامي الإطلالة على رؤى الاتجاهات المهيمنة في المجال الأيديولوجي لمعضلة علاقة ما يسمى بالشريعة والقانون الإسلامي مع القانون الوضعي كما تكثفت وتجلّت بشكل صارخ في الجدالات الدستورية التي أعقبت يناير ٢٠١١. ولن يكتمل فهمنا في الواقع لهذه المعضلة إلا بفحص تصوراتها وتمثيلاتها في الأعمال الفكرية والقانونية بوصفها، أي تلك الأعمال، تلعب دورا محوريا في إعادة انتاج المواقف السابق ذكرها والتي تنعت نفسها بالعلمانية أو المدنية أو الإسلامية، إذ تمدّ الفاعلين بتصوراتهم عن مواقعهم الاجتماعية والسياسية واللغة الممكنة لصياغة أطروحات تدافع عن هذا الموقع أو ذاك.

والملاحظة الأولية في هذا الشأن أن القراءة الماركسية المُطورة التي حاول العرض السابق تقديمها للمعضلة، بوصفها مظهرا لعجز الفئات الحاكمة في مصر، والعالم العربي في الحقيقة، عن قطع الصلة مع الممارسات السائدة في الحقل القانوني ما قبل الرأسمالي وحملها رأسا لعالم الدولة الرأسمالية الحديثة، هذه القراءة تكاد تغيب بشكل كامل عن الجدل القانوني والفكري. أما الهيمنة شبه المطلقة على هذه الجدالات فتنعقد لرؤى ليبرالية أو إسلامية تنهل من نفس المنبع، الذي يعتقد في خصوصية إسلامية ثقافية واجتماعية لا تاريخية، ولكنها تختلف في الخلاصات.

لسنا هنا في وارد التعرض بالتفصيل لأسباب غياب النَفس الماركسي، أو النقدي عموما، عن الجدل الفكري بشأن موقع الشريعة في عالم الدولة الرأسمالية العربية، وهو ما قد يكون موضوع لكتابة أخرى منفصلة، ولكن يمكن بشكل سريع هنا التنبيه للغياب السياسي والتنظيمي للقوى الماركسية واليسارية بشكل عام في العالم العربي منذ انهيار الاتحاد السوفيتي في بداية التسعينيات وما يرتبط بذلك حُكما من تراجع للإسهام الفكري المستقل. أما ما تبقى من هذه المجموعات، أو من تشكل حديثا منها، فلازالت تعتمد في تحليلها على مقولات متقادمة جرى انتاجها في خضم الانشغال الفكري بتجربة الحداثة الرأسمالية عقب هزيمة مشاريع التحرر الوطني التي تصدت لقيادتها نخب من البرجوازية الصغيرة أو الفئات الوسطى، عسكرية ومدنية، في العام ١٩٦٧، أو أنها تعتمد على تحليلات ماركسية غربية أكاديمية الطابع جرى انتاجها بشكل متسرع في خضم دفع تهمة الإرهاب عن عموم المسلمين والتصدي لموجة شيطنتهم في الإعلام والممارسة السياسية عقب أحداث سبتمبر ٢٠١١.

وفي الحالتين يتردد صدى مقولات سابقة عن تبعية البنى الفوقية مثلا -أي بنى الأفكار والمعتقدات والمشاعر والحساسيات- للبنى التحتية -أي أشكال النشاط المنتج للحياة عموما- بشكل ميكانيكي، وأن المعضلة التي فصّلنا في شأنها ستنحل من تلقاء نفسها بمجرد التحول في البنى التحتية. ومن ثم يجري تقييم المواقف المختلفة للفاعلين السياسين على هذا الأساس. فمن جانب أول، انخرط المفكرين المتأثرين بالموجة العالمثالثية في الفكر الماركسي في اختبار مواقف الفاعلين العلمانيين والإسلاميين لجهة قدرتها على تسريع وتيرة الانتقال الرأسمالي الوطني وبناء رأسمالية مستقلة غير تابعة. ومن هنا مثلا يجري نقد الرؤى الإسلامية في مصر بوصفها أحد أصوات البرجوازية التابعة في طور انحطاطها الساداتي (أعمال محمود أمين العالم والطيب تيزيني وبدرجة أقل مهدي عامل تعد المثال الأبرز على ذلك) دون مجهود يذكر في تفكيك مقولات هذه التيارات والانخراط الجاد في محاولة بلورة مقولات قانونية بديلة. كما لو أن نعتها بالتبعية أو اللاعقلانية هو بحد ذاته غاية مهمة المفكر أو الباحث.

وعلى الجانب الآخر، يجري إعادة تدوير نفس مقولات الارتباط الميكانيكي بين البنى التحتية والبنى الفوقية للانخراط في دفاع عن إمكانية متوهمة، من وجهة نظري، لا تدعمها أي شواهد في الواقع، عن دور ما للحركة الإسلامية في التعبير عن هموم وحساسيات الطبقات الشعبية في مواجهة نفس الرأسمالية التابعة، وذلك على اعتبار أن تلك الحركات لا تحوذ على جوهر فكري واحد وأن تنوع مواقفها مرتبط ميكانيكيا بدوره بتنوع الأساس الطبقي لعضويتها (أعمال كريس هارمن المفكر الماركسي البريطاني تعد مثالا بارزا هنا وأصداء هذا العمل كذلك في معالجات سريعة لبعض منتسبي تيار الاشتراكيين الثوريين في مصر مثل سامح نجيب مثلا). ومن ثم فالانشغال بالجدال الفكري مع هذه التيارات يحتل مرتبة ثانوية في حين أن المرتبة الأولى تنعقد للعمل الحركي المباشر مع الطبقات الشعبية والذي يتسع بدوره لأشكال من التنسيق، وربما التحالف، مع الحركات الإسلامية المتنوعة، بالتغاضي الجزئي عن ما ترفعه تلك القوى من شعارات بشأن علاقة الشريعة بالقانون الوضعي وما يتصل بها من قضايا الحريات العامة والخاصة.

ما حاولت أن تدافع عنه معالجتنا الطويلة هو أن الاستقلالية النسبية للمجال الأيديولوجي في نمط الإنتاج الرأسمالي بشكل عام، وكذلك خصوصية التطور الرأسمالي وتشكل الدولة الحديثة في مصر بشكل خاص، والتي قيدت النخب القانونية الحديثة والفئات الحاكمة بتاريخ الممارسات القانونية السابقة على الحداثة، قد حوّلا الشريعة إلى معضلة دائمة تطرح نفسها بشكل مستقل على الفكر وتشكل حدودا على ما يمكن قوله وبلورته من أطروحات. الفكاك النهائي من أسر هذه المعضلة مرهون بالطبع بتحولات في علاقات الانتاج القائمة، ولكن هذه التحولات لن تحدث من تلقاء نفسها بقدر ما أنها ستتأثر حُكما بالمقولات المهيمنة في المجال الأيديولوجي والتي تشكل قيدا عليها بقدر ما ستسهم في صياغة وجهتها وضبط إيقاعها. ومن ثم فمهمة النقد الموجه لطرفي الاستقطاب هنا ليست ترفا أو تهويما أيديولوجيا يعتقد في أسبقية الفكر على الواقع، بقدر ما هي مهمة نضالية تُخضِع المهيمن من مقولات أيديولوجية للفحص في ضوء حركة الواقع نفسها وما تنبئ به، ومن ثم فقد تسهم بالجدل مع الفاعلين السياسيين، الذين تضاعف وتغير تركيبهم بشكل ملحوظ في أعقاب الثورات العربية، على النحو الذي يشكل جمهورا متفاعلا مع هذا النقد إن جاز التعبير، وبالتالي قد تتمكن أخيرا من تسريع وتيرة تطورات بعينها وبلورة اتجاهات جديدة ومدّ هؤلاء الفاعلين بتصورات عن مواقعهم الاجتماعية ولغة تسمح ببلورة هذه التصورات.

وبناء عليه، فنحن الآن في حاجة ماسّة، أكثر من أي وقت مضى، لاستئناف البحث في هذه الإشكاليات ليس انطلاقا من نقطة محمود أمين العالم وتيزيني ومهدي عامل وغيرهم، على ما بينهم من اختلافات وتناقضات في الطرح، وهي النقطة التي تبلورت في أعقاب هزيمة ١٩٦٧ كما سبق الذكر، ولكن من نقطة ما بعد الثورات العربية والتي برزت على خلفية تحولات جذرية في بناء العلاقات الاجتماعية في العالم والإقليم والمجال السياسي والأيديولوجي بطبيعة الحال. النقطة الأقرب التي قد تمدنا بعدّة مفاهيمية في هذه الرحلة هي أعمال الراحل نصر حامد أبو زيد والتي أشرنا إليها عرضا في مناقشتنا في الأجزاء السابقة. وهي الأعمال التي تتميز بجمعها المتفرد بين فهم الأصول الاجتماعية للرؤى الإسلامية والعلمانية المهيمنة وبين قدرتها في الوقت ذاته على استكشاف الاستقلالية النسبية لهذه الرؤى وما تستتبعه من ضرورة الاشتباك معها من خلال نفس عدّتها المفاهيمية القانونية أو الفقهية بهدف كشف تناقضها الداخلي وبلورة مناهج قانونية أو فقهية بديلة.

هذا فيما يخص “الجيب الماركسي” في الجدل حول الشريعة. أما فيما يخص الرؤى الليبرالية المهيمنة، والتي تستدعي منّا اشتباكا نشطا، فيمكن تقسيمها لآراء فريقين رئيسيين من الباحثين- ليسوا متناقضين وتتكامل وجهات نظرهم أحيانا- غلبت على رؤاهم التفاؤل بشأن مستقبل الجدل حول موقع الشريعة بل والتبشير بإمكانية ميلاد مدرسة دستورية إسلامية. وهي رؤى جرى انتاجها بالأساس في المحيط الأكاديمي الغربي ويجري تبنيها بشكل ميكانيكي في الكثر من الأحيان بين النخب الفكرية والقانونية المصرية. الفريق الأول يؤمن بإمكانية تصدي نفس السلطات والمؤسسات والمناهج السارية منذ نهاية القرن التاسع عشر لمهمة التوفيق بين الشريعة والقانون الوضعي عبر ممارسة اجتهاد من نوع جديد. فمثلا يذهب “مشود بدرين”، أستاذ القانون بكلية الدراسات الإفريقية والشرقية بجامعة لندن، إلى القول بقدرة هذه الاجتهادات على تقديم ما يسميه برؤية “تطورية” للشريعة في مواجهة الرؤية “التاريخية” السائدة، ويعني بالأخيرة الرؤية التي تلتزم بحرفية الموروث وتنزيله على الواقع المعاصر دونما نظر لسياقه الاجتماعي والسياسي (بدرين ٢٠٠٥)، ويذهب خالد أبو الفضل، أستاذ القانون بجامعة كاليفورنيا، في نفس الاتجاه عبر التمييز بين ما يسميه برؤى “تطهرية”، وهي صياغة تشير بشكل من الأشكال لنفس الظاهرة التي يصفها بدرين “بالتاريخية”، وأخرى “معتدلة” (أبو الفضل ٢٠٠٥). في هذا السياق، يجري الاحتفاء بأعمال “مجددين” من ذوي التكوين الأزهري، كيوسف القرضاوي مثلا، أو حتى منهج المحكمة الدستورية العليا في تفسير المادة الثانية باعتباره إما استئنافا لتراث الأصوليين الأوائل (أسامة عربي ٢٠٠١)، أو اجتهادا مرتكزا لمنهج عبده التلفيقي بين المذاهب المختلفة (براون ولومباردي ٢٠٠٦). أما الفريق الآخر، فيؤمن بقدرة المؤسسات الدستورية نفسها على استيعاب دعاوى تطبيق الشريعة، ونزع الطابع الجذري والصدامي عنها، وطبعها بطابعها الديمقراطي الليبرالي إذا ما أتيحت لهذه المؤسسات الفرصة للحياة والتطور (براون ولومباردي ٢٠٠٦، لومباردي ٢٠١٣، فيلدمان ٢٠٠٨). والعرض السابق قد يفيد في إثارة بعض الملاحظات النقدية على هذه الأدبيات المتفائلة دون طرح رؤية بديلة بالضرورة وهو ما يخرج عن نطاق البحث في هذه الورقة.

فبخصوص أنصار الرأي القائل بقدرة المجتهدين المعاصرين على إبداع تفسيرات معتدلة أو تطورية تقدم حلا للتوتر بين الشريعة والقانون الوضعي، يبدو التناقض الآن واضحا بين الإيمان بقدرة إطار مفاهيمي بعينه، وهو إطار أصول الفقه، على إلهام رؤية دستورية حديثة، والقفز لتحديد وجهة هذا الاجتهاد بشكل قبلي واستباقي كالقول بأن الاجتهاد الأصولي يجب أن يصل لتبني مبدأ الفصل بين السلطات وكفالة الحريات العامة والخاصة. ما حاولنا توضيحه، أن هذه النتيجة المعدّة سلفا تقتضي في الواقع ضرورة تجاوز هذا الإطار الأصولي نفسه ورؤيته لمفهوم السيادة الإلهية وطبيعة الأمة وما يستتبعه من مركزية الإجماع والتفرقة بين رأي العالم ورأي العوام حتى يمكن التأسيس لصيغة دستورية في الحكم من الأصل. فالجمع بين الرؤية الأصولية بحذافيرها والرؤية الدستورية الحديثة هو باختصار ضرب من المستحيل. يتضح هذا التناقض جليّا عند تأمل حقيقة أن هذه الرؤى “المعتدلة” أو “التطورية” لا تعدو أن تكون إعادة تدوير لرؤى عبده والسنهوري فيما يتعلق بحقوق المرأة المدنية والسياسية وحقوق الأقليات والحريات الدينية وغيرها، والتي تم انتاجها منذ قرن كامل على الأقل، في حين أن فشلها الدائم في تسييد نفسها طوال هذه المدة يعود تحديدا إلى عوزها للسلطة المعرفية التي تسمح لها بذلك وإحجامها هي نفسها عن تفكيك المقولات الأصولية المؤسسة لهذه السلطة، كما رأينا في حالة عبده مثلا. بل في بعض الأحيان، وكما رأينا مع عبده كذلك ومن بعده وثيقة الأزهر وبعض أحكام المحكمة الدستورية العليا، تبدو هذه الرؤي المعتدلة وكأنها حريصة على الدفاع عن هذه السلطة المعرفية للعلماء المعتمدين المرتبطين بمؤسسات الدولة في مواجهة حالة السيولة التي كانت ولا تزال تسم مجال الاجتهاد رغم كل محاولات المأسسة، وما تؤدي إليه من سيادة تفسيرات أخرى جذرية تستند لنفس الإطار المفاهيمي لعلم أصول الفقه.

يتكامل هذا الإحجام الأزهري مع تحرك نشط لإعادة انتاج هذا المنهج الأصولي ذاته من قبل النخبة الحاكمة حاليا بالتحالف مع هذه القيادة الأزهرية نفسها بوصفه “إسلاما وسطيا” وفي صيغة أخرى “إسلاما مصريا” في مواجهة الصعود غير المسبوق من يسارها للقراءات السلفية قبل وبعد يناير ٢٠١١ وبشكل خاص بعد يوليو ٢٠١٣. هنا يعاد انتاج المنهج الأصولي في ارتباط مع الدولة الحديثة في سياق تاريخي مغاير. فكما جرى مأسسة هذا المنهج في الربع الأخير من القرن التاسع عشر بغرض إسناد عملية التقنين الوضعي والتحكم في الرأي المعتمد الذي تعتمد عليه النخبة الحاكمة في عملية التقنين، ثم جرت إعادة المأسسة مرة أخرى مع التحولات “الاشتراكية” في سياق تأميم الأوقاف والتحكم في المجال الديني عموما، ثم أخيرا في سياق التنافس مع الرؤى الإسلامية بعد تبني المادة الثانية في ١٩٧١ وتعديلها في ١٩٨٠كما سبق الذكر، تجري عملية المأسسة الآن بهدف السيطرة على ما يمسى “بفوضى الفتاوى” أو الاجتهادات في سياق محلي وإقليمي ودولي تشكل فيه السلفية الجهادية تحديدا عنصرا جاذبا للكثير من منتسبي التيار الإسلامي والمسلمين عموما. بهذا المعنى تبدو العلاقة العضوية بين المؤسسة الدينية الرسمية وباقي مؤسسات الدولة في ظل ظرف سياسي كالذي نمر به عبئا على هذا “الاجتهاد الجديد”، إذ أن المهمة الأولى على جدول أعمال هذه المؤسسات حاليا هي تثبيت رؤية واحدة بوصفها رؤية معتمدة بهدف قطع الطريق على التفسيرات التي تناصب النخبة الحاكمة العداء سواء على أرضية “اغتصابها للسلطة” أو على أرضية مخالفتها لأحكام الشريعة. وهذه الرؤية المعتمدة لا يمكن إلا أن تكون أشعرية في العقيدة وأصولية في الفقه حتى إشعار آخر يبدو بعيدا. بل إن هذا السعي لاحتكار ممارسة الاجتهاد وفقا للمنهج الأصولي من قبل الأزهر أنتج في واقع ما بعد يوليو ٢٠١٣ قد أنتج مزيدا من التضييق على أصحاب الرؤى “الليبرالية” والمعتدلة التي تسعى إليها رؤى الفريق الليبرالي الأول سواء من داخل النخبة الأزهرية أو خارجها. وفي الكثير من الأحيان تورط الأزهر نفسه في الملاحقة القضائية لبعض الباحثين والإعلاميين الليبراليين ذوي الرؤى المناقضة لمنهجه بدعوى أن دعايتهم تلك تضعف من موقف الأزهر في مواجهة القوى السلفية الجهادية وتعطي تلك الأخيرة ذريعة للتشهير بمنهج الأزهر، كما حدث مع إسلام البحيري مثلا.[1]

بعبارة أخرى، وكما يذهب وائل حلاق بحق في تعليقه على دعوة مماثلة للمستشرق الأشهر جولدتسيير، تهدر هذه المقولات المتفائلة بميلاد “إسلام معتدل” تاريخ كامل، حاولنا عرض ملامحه العامة، من الهيمنة الأيديولوجية لمقولات معرفية جرى إعادة انتاجها كما أسلفنا في واقع الدولة الحديثة. وتفترض تلك الرؤي أن مسلمي اليوم، مثلهم مثل مسلمي مرحلة التدوين، قادرين على التصدي لتلك الأسئلة دونما عبء من تقاليد وميراث سابقين. لم يواجه الفقهاء المؤسسون، كالشافعي مبتدع منهج أصول الفقه، سؤال الشرعية الذي يواجهه فقهاء اليوم والذي يتسبب في إرباك سعيهم التجديدي على النحو الذي أشرنا إليه مع كل من محمد عبده والسنهوري والمحكمة الدستورية العليا نفسها. يقول حلّاق في هذا الصدد:

“عندما بدأ المسلمون في بناء نظام قانوني وفقهي كانوا بشكل غير واعٍ بالطبع غير محكومين، وبالأحرى متحررين، من سوابق تاريخية مقيدة وتقاليد حاكمة. ليست هذه الحالة حاليا على الإطلاق. هذه الحركة [التجديدية] الحالية محكومة، إن لم تكن محدودة، بحقيقة أن القطيعة مع اتجاهات ومذاهب دينية راسخة تحتاج إلى تبرير نفسها بشكل دائم…. وهنا فمناهج أصول الفقه تقبض بقوة على أدمغة المسلمين اليوم، وذلك تحديدا نتيجة ارتباطها الحميمي بالنص المقدس. ولا يمكن في هذا السياق لأي اتجاه أو مذهب فقهي جديد أن ينطلق بدون إيلاء الاعتبار اللازم والاشتباك مع محددات نظريات أصول الفقه” (حلاق ٢٠٠٤).

 تأخذنا تلك التحفظات على رؤى الباحثين عن إسلام “معتدل” أو “تطوري” أو “وسطي” إلى استكشاف تناقضات الفريق القائل بقدرة المؤسسات الدستورية على انتاج رؤية دستورية يتبناها بالأساس التيار الإسلامي، في حالة انتفاء شروط القمع أو توفر “الشروط السياسية الملائمة”. تستند هذه الرؤية المتفائلة، كما في أعمال نواه فيلدمان، الأستاذ بجامعة هارفارد والمستشار السابق للإدارة الأمريكية في العراق عقب غزو ٢٠٠٣، وبدرجة أقل في أعمال كلارك لومباردي، الأستاذ بجامعة واشنطن، إلى قراءات متسرعة ومجتزأة لآراء هذه النخب الإسلامية. فيذهب فيلدمان مثلا في كتابه ذائع الصيت “انهيار وصعود الدولة الإسلامية”، الصادر في ٢٠٠٧، في خضم تفاؤل إدارة جورج بوش بقدرتها على دفع عملية إصلاح ديمقراطي سياسي وثقافي شامل في العالم العربي عقب غزوها للعراق، إلى القول بأن الحركات الإسلامية المعاصرة قد أسقطت من حساباتها بشكل كامل أي دور مفترض للعلماء كفئة اجتماعية وكمؤسسة في ممارسة دفعا أو حدودا على عمل السلطات الأخرى وأنها، أي تلك التيارات، قد سلمت بأن هذه الممارسة أصبحت موكولة للقضاء الدستوري.[2] وقادت الحماسة فيلدمان في بعض الأحيان لغض  النظر عن التململ المعلن من تفسيرات المحكمة الدستورية العليا في أوساط الإسلاميين أو عن أوجه التناقض والغموض في أحكام المحكمة نفسها والتي التقطها عبد المنعم الشحات، كما سبق الذكر، بهدف استئناف مهمة “أسلمة الدستور والقانون” بعد خسارة معركة الحفاظ على المادة ٢١٩ المفسرة للمادة الثانية. بل وفي مقال أحدث كُتب في خضم أزمة تمسك القوى الإسلامية بالمادة الرابعة من دستور ٢٠١٢ وإصرار “الدعوة  السلفية” و “حزب النور” على تفسيرها على نحو يجعل رأي هيئة كبار العلماء بالأزهر ملزما للمجلس التشريعي وللمحكمة الدستورية العليا، كتب لومباردي مجادلا بأن غالبية القوى الإسلامية في طريقها للقبول بسلطة المحكمة الدستورية العليا التفسيرية على المادة الثانية من الدستور. يقول لومباردي:

“قاوم أكثر إسلاميي مصر تأثيرا، أي الإخوان المسلمون، الدعوة القائلة بأن العلماء ذوي التدريب التقليدي هم فقط من يمكن ائتمانهم على تفسير القانون الإسلامي. في الحقيقة، فالكثير من قيادات الإخوان لم يحوذوا تعليما تقليديا، وبعضهم كان من القضاة. العديد من الإسلاميين إذن كانوا مستعدين، على المستوى النظري على الأقل، لقبول أن قضاة لم يحوذوا تدريبا فقهيا تقليديا يتصدوا لمهمة تفسير الشريعة. ولكن لم يكن واضحا أنهم على استعداد لقبول تفسيرات هذه النخبة القضائية الليبرالية بالذات. مع الوقت يبدو أنهم قد قبلوا ببطء هذا التفسير ” (لومباردي ٢٠١٣٦٣٠).

حاولنا التدليل بالعديد من الأمثلة خلال العرض السابق على أن أحدا من وجوه النخبة الإسلامية المعروفة، وليس فقط جناحها السلفي، لم يقل بذلك صراحة ولم يقدم على أي اجتهاد يؤصل لهذه الرؤية التي يطرحها لومباردي حتى ولو طرحها عرضا في حوار صحفي أو ما شابه. بالعكس، حفلت وثائق هذه التيارات التي تعاملت مع سؤال الدولة الدستورية والديمقراطية بالإحالة لدور العلماء وضرورة دسترته وتأسيسه. وهو ما يعني أن التفاعل الديناميكي، والذي لا ننكره بالطبع، بين النخب الإسلامية والمؤسسات الدستورية الحديثة لم ينتج حتى الآن وعيا موازيا يسنده ويحصنه ضد الانقلاب عليه. ولهذا كان من الطبيعي تفجر الجدل مرة أخرى حول دور المحكمة الدستورية العليا وسلطتها التفسيرية في مواجهة سلطة العلماء بمجرد انتفاء شروط القمع السافر والسماح للأغلبية الإسلامية بالهيمنة على عملية كتابة أول دساتير ما بعد يناير ٢٠١١. بالطبع، كشف الجدل حول قانون الصكوك أو قرض الصوامع السعودي في ٢٠١٣ عن  تمايزات بين الفصائل الإسلامية المختلفة، إلا أن هذه التمايزات لا تعدو أن تكون حتى الآن مظهرا من مظاهر التوظيف النفعي والظرفي المحض لنصوص الدستور. بل إن جماعة الإخوان، كما رأينا، كانت المبادرة لتشكيل “الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح” في مارس ٢٠١١ من علماء ذوي تكوين تقليدي بالكامل بهدف بناء إجماع إسلامي خلف  رؤيتها السياسية في هذا الوقت وسعيها لمقاعد الحكم. ورأينا كذلك كيف كانت هذه الهيئة رأس حربة المحاولات الهادفة لدسترة دور رقابي لهيئة كبار العلماء والنص على قواعد تفسير المادة الثانية في الدستور. هذا التأرجح النفعي في قراءة الإخوان لمواد الدستور يعني بالتبعية إرباكا للسياق القانوني والدستوري يتناقض مع أبسط مبادئ المراجعة الدستورية المستقرة كمبدأ “الأمان القانوني”، أو اليقين القانوني في لغة المحكمة الدستورية المصرية، والذي يعني أن القواعد القائمة سيجري تطبيقها بغض النظر عن الحالات الخاصة المحددة. بعبارة أخرى، فالصياغات الملتبسة لمواد الشريعة في دستور ٢٠١٢، والتي استمرت في وثيقة ٢٠١٤ المعدلة كما أوضحنا، ستبقى مهيمنة  لبعض الوقت حتى مع استمرار المؤسسات الدستورية في العمل، بل إنها قد تربك عمل هذه المؤسسات وتسمح بحرية حركة أكبر للسلطة التنفيذية أو التشريعية في تفسير الدستور وفقا لتحولات الصراع السياسي بما يخل بجوهر مفهوم الفصل بين السلطات والرقابة على دستورية القوانين.

عادة ما يهوّن أصحاب الرهان على المؤسسات الدستورية من رؤى الإسلاميين السابق ذكرها، بل وأحيانا يقفز البعض إلي افتراض أن العلماء أنفسهم قد يقوموا بدور إيجابي في مهمة المراجعة الدستورية “كسلطة رابعة”، في لغة فيلدمان، إذا ما تم دسترة هذا الدور وضمان استقلالية مؤسسة الأزهر في مواجهة باقي سلطات الدولة. هنا تبدو التناقضات أوضح وأكثر حدة، إذ تتأسس هذه الرؤية على افتراض دور متوهم لفئة لم تعد تحوز الاستقلالية اللازمة للعبه أو أنها غير راغبة أساسا في لعب هذا الدور كما تشير تصريحات شيخ الأزهر وممثليه في لجان كتابة الدستور السابق التعرض لها. فإدماج الأزهر وعلماءه داخل مؤسسات الدولة وتحويل العلماء لمكون من مكونات بيروقراطية الدولة الحديثة، كما أسلفنا، هو عملية عميقة الجذور لا يمكن محو آثارها بمجرد إقرار عدم قابلية شيخ الأزهر للعزل أو اختيار أعضاء هيئة كبار العلماء بالانتخاب، كما ذهبت ترتيبات مواد دستوري ٢٠١٢ و ٢٠١٤. هذا الدور الموكول للعلماء في كتابات فيلدمان يفترض بالضرورة استقلالية كاملة لسلطة العلماء انتفت شروطها الاجتماعية بالكامل، وإجماعا اجتماعيا على هذه السلطة الرابعة أوضحت جدالات ٢٠١٢ ثم أحداث ٣٠يونيو٢٠١٣ أنه أبعد ما يكون عن التحقق. هنا تبرز المشكلة الأكبر، وهو أن قدرة العلماء  على لعب هذا الدور المفترض يستدعي بالضرورة قيام الدولة بعملية تحويل اجتماعي كبرى عبر إخضاع القانون لسلطتها – كما جرى الحال في التجربة الناصرية مثلا- تخلق الأساس الاقتصادي والاجتماعي، بل والثقافي والشعوري، لهذا الدور وهي عملية تتناقض حكما مع فكرة الدولة الدستورية القائمة على الحد من تغول الدولة على الحياة العامة وخضوعها لمبدأ حكم القانون وليس إخضاع القانون نفسه لمقتضيات سياساتها، أو ما يعرف في الأدبيات بمبدأ “الحكم بالقانون”. يعبر حلّاق عن هذا التناقض بصفاء:

“فقط الدولة هي من يمكنها إحياء القانون الإسلامي، ولكن ذلك لن يتم إلا عبر مشاركة الانتلجنسيا الدينية ولن يتم كذلك طالما بقيت تلك الأنظمة الحالية في السلطة. تظهر الخبر ة الإيرانية مثالا بليغا على الدمج بين مساري الحكم السياسي والقانوني، ولكن النخبة الدينية الشيعية تختلف عن النخبة السنية في أوجه أساسية. الحل إذن للبلاد السنية يكمن في قدرة الدولة المسلمة الجديدة على استيعاب الانتلجنسيا الدينية في صفوفها. حماية القانون الإسلامي، كما أظهر لنا التاريخ، قد استقر في يد هيراركية منفصلة عن السلطة السياسية. أما الدولة فيجب أن تعيد الظروف الضرورية لتطور طبعة جديدة من القانون الإسلامي بمعزل عن السلطة السياسية كذلك. وهو ما يقتضي دعم مالي للمؤسسات الدينية، وخصوصا مدارس وكليات الشريعة، وكذلك إعادة زرع تلك الهرمية الدينية في الهياكل الاجتماعية والسياسية حتى تتمكن من استيعاب وعكس الهموم المجتمعية على كافة المستويات. كذلك يجب أن تسمح بهامش أوسع لتلك النخب لتحديد معنى القانون واحترام أحكامه. ولا يمكن انجاز أي من السابق بدون وجود جماعة سياسية إسلامية من الأصل” (حلاق ٢٠٠٤).

وهنا تبرز بوضوح العلاقة الإشكالية بين الرؤى الدستورية الإسلامية المعاصرة وبين الدولة الحديثة: فبينما يكون الهدف المعلن هو تجاوز التنظيم القانوني لهذه الدولة القائم على مبدأ الفصل بين السلطات بهدف استعادة علاقة عضوية مفترضة بين المجتمع والعلماء، ينعقد الرهان على أجهزة هذه الدولة نفسها، بكل ما تختزنه من إرث وقدرات شمولية غير مسبوقة، في انتاج الشروط الملائمة لهذا التجاوز. وهذا النزوع الشمولي لن يحدث بدون مقاومة بالطبع وبدون انتاج المزيد من الصراعات السياسية وما مثال الثورة الإيرانية عنا ببعيد.

 خاتمة وأجندة للبحث:

اقتصر سعي هذه الورقة على إعادة تقديم وتحرير الإشكاليات المتعلقة بموقع ما تعارف الفقهاء على تسميته بالشريعة في البناء الدستوري والقانوني المنظم لعمل أجهزة الدولة الحديثة كما كشف عنها الجدل الدستوري التالي لتحولات يناير ٢٠١١ عبر منهجية ماركسية مطورة. ولم تتجاوز ذلك إلى التفكير في مخارج لهذه الإشكاليات، إلا عرضا بالطبع وفي معرض إشارتها لاجتهادات قائمة بالفعل كوثيقة الأزهر الصادرة في يونيو ٢٠١١. وهذه الإشكاليات تنبع من هيمنة منهج معين في تعريف الشريعة والتعاطي معها تم صكه في القرن التاسع الميلادي، وهو منهج علم أصول الفقه بمحدداتها الثلاثة: حصر السيادة في مصدر إلهي متجاوز ونزعها عن الأمة، بل اعتبار تلك الأخيرة تتشكل عبر خضوعها لتعاليم وأحكام صاحب السيادة، و اعتبار كل من الإجماع والقياس، مختزلا في طلب الخبر بالعلامات على قول الشافعي، كمقاربات حصرية للتعامل مع ما لم يذكره النص صراحة، وأخيرا التمييز القاطع بين العلماء القادرين على ممارسة الاجتهاد/القياس وبين العوام، وضرورة احتكار الأولين لمهمة التشريع ولو على المستوى النظري. وهي ملامح تصطدم مع ثلاثة مكونات أساسية للإطار الدستوري والقانوني الحديث الحاكم لممارسة السلطة: أي اعتبار الأمة محل السيادة النهائي والحصري، وأن السلطات النابعة منها هي ذات طبيعة تمثيلية لعوام الأمة، وأن هؤلاء العوام هم أصحاب الحق الحصري، نظريا على الأقل، في التشريع.

هذا التوتر أعيد انتاجه عبر مؤسسات الدولة الرأسمالية الحديثة وتشريعاتها ومجالها السياسي بدلا من تجاوزه. حدث ذلك في البداية لأسباب تتعلق بضرورة مركزة عملية التشريع والقضاء واحتكارها في مؤسسات حديثة تستند لتفسير واحد معتمد، ثم أعيد انتاج هذا المنهج في حلقة لاحقة للسيطرة على المجال الديني وتأميمه بالكامل خلال التجربة الناصرية، ثم في مرحلة ثالثة في إطار التنافس مع الرؤى الإسلامية السياسية والسلفية الجهادية منذ إقرار المادة الثانية في دستور ١٩٧١. أسفرت إعادة انتاج المنهج الأصولي عن رؤيتين متنافستين: الأولى هي رؤية الشريعة المعلمنة التي تعتمد في حياتها على إرادة صاحب السيادة الأرضي، أو الشريعة “كتراث” كما أعاد السنهوري تقديمها، ثم الرؤية الإسلامية للشريعة التي حاولت، ولا زالت، إعادة بناء العالم المؤسسي والمعرفي الذي تطورت عبره الشريعة لقرون بمحدداته الثلاثة سالفة الذكر. تفجر التناقض بين الرؤيتين في سياق معركة كتابة دساتير ما بعد يناير ٢٠١١ دون حل  واضح أو مقبول وعلى نحو ينبئ باستمرار هذا التوتر في المستقبل.

هذه الملاحظات النقدية لا تعني القفز لاستنتاج باستحالة ميلاد ممارسات دستورية مستقرة في المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة والتي تحتل فكرة “تطبيق الشريعة” حيزا معتبرا من اهتمامات وشواغل نخبها السياسية. هي بالأحرى تعني أن هذه الإمكانية ما زالت بعيدة وأن تحققها في الواقع يتوقف على القدرة على تجاوز الإطار المنهجي لعلم أصول الفقه، وليس فقط الاعتماد على اليقين المريح بقدرة العلماء على ابداع تصورات “ليبرالية” و”ديمقراطية” اعتمادا على نفس المنهج الأصولي أو قدرة المؤسسات الدستورية على حسم هذه الإشكاليات العالقة. هذا التجاوز مرهون بتحولات أعمق في بنى السلطة المعرفية وبقدرة المسلمين المعاصرين على حسم سؤال السيادة لصالح الأمة بشكل كامل ونهائي، أي امتلاك أفراد الأمة لشريعتهم وتحريرها من سيطرة العلماء والدولة الحديثة في ذات الوقت. وهو صراع تخوضه جماعات من المسلمين في الواقع في مواجهة سلطة العلماء المعرفية سواء كانت أزهرية أو سلفية؛ جماعات تعيد اختراع هويتها كمسلمين علمانيين و مسلمين ديمقراطيين، أو سلفيين مناهضين لسلطة الدولة الحديثة من حيث المبدأ ورافضين للتعاطي معها ولو بشكل مؤقت، أو متصوفة جدد، أو أزهريين متمسكين بالمنهج الأزهري ورافضين لسلطة الأزهر في نفس الوقت، وغير ذلك الكثير. والبحث في خريطة تلك الهويات وشروط نجاح محاولتها يخرج عن نطاق بحثنا بالطبع ويمثل موضوع لكتابة قادمة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]    يمكن الإطلاع على تفاصيل هذه القضية على الرابط التالي http://www.eipr.org/pressrelease/2015/12/29/2486

[2]    يقول فيلدمان في مقدمة كتابه “إسلاميو اليوم – أولئك الذين يسعون لتصميم دولة إسلامية- لا يدعون لاستئناف سلطة العلماء. ففي العالم السني، ينظر هؤلاء للعلماء التقليديين كضعفاء تم احتوائهم من قبل أنظمة غير عادلة نزعت أسنانهم…. أكثر من ذلك، بينما يستمر الإسلاميون المعاصرون في الالتزام بفكرة القانون الإلهي، فالكثير يسعون أيضا للبناء على المبادئ الديمقراطية، ومن ثم فإيلاء سلطة سياسية معتبرة لعلماء غير منتخبين لا تبدو جذابة لهم” (فيلدمان ٢٠٠٨١١).

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

ثورة بغير منظمات ثورية، وسياسة بلا أحزاب سياسية… محاولة نحو فك اللغز المصري في 25 يناير 2011 انفجر المجال السياسي فجأة، مندفعا كالبركان من تحت القشرة الأرضية الجرداء المتكلسة والمتعفنة للرأسمالية المصرية وحكمها الأوليجاركي، ولد كالعنقاء، مشتعلا، صاخبا، متوهجا، رائعا في بهائه، مدهشا في خصوبته وابداعه ونبل قيمه؛ ولد يصرخ بالحرية والعدالة الاجتماعية ويكشف عن بطولة واقدام واستعداد للتضحية يندر لها مثيل في التاريخ الإنساني كله

هاني شكر الله

قراءات في ثورة يناير 2011: إن الكاتب ﻻ يطلق أشباحه باتجاه المستجوبين.. إنه في الحقيقة لا يستجوب بل يجرد، يشكك في كل الأيديولوجيات –دون أن يقترب من أي أيديولوجيا فعلية– ويعلن من علياء عالمه أننا –في بلد جهول- طبعا عدا كاتبنا.

أحمد حسن

اضطهاد الأقباط: دعوة للنقاش من أجل المواجهة يعني هذا المقال بمحاولة تفسير وتوصيف الطائفية في المجتمع المصري، انطلاقا من مفهوم المواطنة كمشروع سياسي، يضمن المساواة التامة لجميع المواطنين في الحقوق .والواجبات بغض النظر عن المعتقد أو الطائفة، وبغض النظر عن الجنس أو العرق أو اختيارات المواطنين في حياتهم الشخصية

رامي صبري

اضطهاد الأقباط: دعوة للنقاش من أجل المواجهة ليست السطور التالية مقالا تقليديا عن الطائفية وأسبابها، بل هي مزيج من تأملات وانطباعات ذاتية، وقراءة من وجهة نظر علم النفس وعلم الاجتماع، وتلخيص لنقاشات موسعة داخل الحركة الديمقراطية، أتمنى أن تكون مفيدة في إثراء النقاشات حول الموضوع.

سالي توما

الهوامش والحدود: حالتان من مصر الهامشية حالة معقدة وأثرها على الجماعات التي تعايشها ليس خطا مستقيما. للطبيعة المركبة ومتعددة الأبعاد للهامشية أثارا على العمليات الاجتماعية الأوسع. ليست الهامشية في حد ذاتها قوة تغيير اجتماعي، ولكنها يمكن أن تخدم كمحفز وأحد المحددات لاتجاه التغيير.

ريم سعد