اضطهاد الأقباط: دعوة للنقاش من أجل المواجهة

أفكار

29  مارس  2017

مشهد 1: ليلة رأس السنة 2011، قضيتها وزميلين نتابع تغطيتنا الصحفية في “أهرام أون لاين” لمذبحة كنيسة القديسين في الإسكندرية، وأكتب مقالا ينشر صبيحة 1 يناير 2011 بعنوان: J’accuse، أو “أني أتهم”، والعنوان مقتبس عن عنوان الرسالة المفتوحة الشهيرة للكاتب الفرنسي أميل زولا (13 يناير 1898) رفضا لاضطهاد اليهود في فرنسا والمتمثل لحظتها في التهمة الملفقة بالجاسوسية للضابط اليهودي ألفرد درايفوس وحكم جائر عليه بالسجن المؤبد. من بين ما كتبت في المقال، أننا ولأول مرة في التاريخ نعيش تهديدا فعليا بإخلاء مصر من مسيحييها وقلت: “إن مصرا كهذه هي مصر لا أعرفها ولا أرغب في الانتماء إليها.”

مشهد 2: ميدان التحرير 25 يناير-11 فبراير وبعدها. مسيحيون يشكلون دروعا بشرية لحماية المتظاهرين المسلمين وهم يؤدون مناسك الصلاة، متظاهرون يرفعون المصحف مع الصليب، ويقاتلون كتفا بكتف من أجل مصر الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية.

مشهد 3: الأحد الأسود، 9 أكتوبر 2011: وروح ثورة يناير حية في عقول ووجدان الملايين، آلاف من الأقباط ونشطاء مسلمين يتجمعون ويعتصمون أمام مبنى التلفزيون المصري في ماسبيرو احتجاجا على اعتداء همجي على كنيسة في أسوان وتحطيمها. فرصة سانحة لتعليم الثورة المصرية درسا قاسيا فقد استطال التمرد وحان وقت عودة الجميع لحظائر الاستكانة والخضوع، وقتل الأقباط يبدو سهلا، مقبولا – خاصة إذا ما “استكبروا” وطالبوا بحقوقهم – وتبدأ المذبحة ليلا، وسلاح القتل مستجد بقدر ما هو متوحش: الدهس بالعربات المصفحة، بينما تصرخ مذيعة من تلفزيون الدولة تدعو المصريين (المسلمين بطبيعة الحال) للنزول للدفاع عن جيشهم ضد “عدوان الأقباط”.

مشهد 4: يوم من أيام أواخر السبعينيات أو أوائل الثمانينيات، والشيخ شعراوي (وقد نصبه الرئيس أنور السادات الداعية الإسلامي الأول في البلاد، ليحاط حتى يومنا هذا بهالات القداسة والعصمة) يلقي بمحاضرته الأسبوعية، المذاعة بالتلفزيون والراديو. يدعو صراحة ودون مواراة لاستعادة “الجزية” على الأقباط، وليس في الأمر ما يضيرهم، يقول الشيخ، فهو مبلغ زهيد يقابله إعفائهم “من فريضة الجهاد” أي الانضمام للقوات المسلحة أو أداء الخدمة العسكرية في دولة أعلنها ربيبه السادات دولة “العلم والايمان” بعد أن لقب نفسه بـ”الرئيس المؤمن”، ونشهد في عهد وقبل شهور من اغتياله على أيدي “الجهاديين” الإسلاميين، أولى المذابح الكبرى للأقباط في منطقة الزاوية الحمراء بالقاهرة وقتل فيها ما يربو عن 80 مواطنا قبطيا، رجالا ونساء وأطفال.

النفاق وتقبيل اللحى وترويج أساطير الوحدة الوطنية الأزلية وتعانق الهلال مع الصليب لا يترتب عليها غير التغطية على المزيد من المذابح، في زمن لم يعد فيه قتل الأقباط وتدمير بيوتهم ومحلاتهم وحرق كنائسهم موضوعا لتطبيق القانون، ولكن لجلسات الصلح العرفية والتهجير ثم التهجير ثم التهجير.

المشرق العربي كله (وليس مصر وحدها) مهدد اليوم، وبعد قرابة 1400 سنة من الفتح الإسلامي، بإخلائه من مسيحيه. المسيحيون يقتلون ويهجرون ويهاجرون طلبا للنجاة من القتل والترويع والاضطهاد في مصر وفلسطين المحتلة وسوريا والعراق، بل ولبنان نفسه. فما العمل؟

هذه دعوة ملحة من أسرة تحرير “بالأحمر” للتدبر والحوار حول المذبحة الجارية والكارثة المحدقة وكيفية المواجهة

راسلونا بمقالاتكم ودراساتكم حول قضايا اضطهاد الأقباط على العنوان التالي: belahmar@elmaraya.net

رئيس التحرير

هاني شكر الله

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

الهوامش والحدود: حالتان من مصر الهامشية حالة معقدة وأثرها على الجماعات التي تعايشها ليس خطا مستقيما. للطبيعة المركبة ومتعددة الأبعاد للهامشية أثارا على العمليات الاجتماعية الأوسع. ليست الهامشية في حد ذاتها قوة تغيير اجتماعي، ولكنها يمكن أن تخدم كمحفز وأحد المحددات لاتجاه التغيير.

ريم سعد

اضطهاد الأقباط: دعوة للنقاش من أجل المواجهة طرح الأستاذ محمد مختار قنديل هذا السؤال في مقاله، والإجابة السريعة على هذا السؤال هي نعم لأن لمصر تاريخ طويل في التمييز بين المواطنين على أساس الدين وهو أساس الفرز والعنف الطائفيين اللذين يميزان الوضع الحالي في مصر ويجعلها دولة طائفية، وسوف نحاول فيما بقي من هذا المقال استعراض مظاهر التمييز الديني في مصر.

محمد منير مجاهد

هل الاشتراكية أوروبية الطابع؟ إن الراديكالية التي تعتقد أن الاشتراكية فكرة غريبة على البلدان غير الغربية هي بذلك تنكر رد الفعل الإنساني الأصيل المتمثل في محاربة القهر الممارس مع العمال في هذا الجزء من العالم. فهي نقول إن الشعوب غير الغربية غير قادرة على تصور مجتمع حر يسوده العدل

نيفديتا ماجومدار

الشريعة في دساتير ما بعد ثورة يناير… إعادة الجدل بشأن أسئلة الإسلام والسيادة والسلطة (3) ما يعنينا أن التنظيم الأكبر داخل التيار الإسلامي وصاحب الأغلبية البرلمانية الصريحة والأغلبية داخل الجمعية التأسيسية سوف يقبل بشكل شبه كامل بالأطروحات السلفية وسيصوت عليها نوابه داخل الجمعية بالإجماع دون إثبات تحفظ واحد.

عمرو عبد الرحمن

لماذا لم تقطر غزل المحلة الحركة العمالية في إضرابها الأخير؟ شكل تفريغ الشركة من القيادات التي ظهرت بعد إضراب 2006، سواء بالفصل أو الاحتواء، مع حرمان العمال من نقابة تدافع عن حقوقهم في ظل حالة من التخويف والإرهاب لكل من يفكر في الاحتجاج، أداتان أثبتتا فاعليه في توقف شركة غزل المحلة عن لعب دورها في قيادة الحركة العمالية.

فاطمة رمضان