رؤية اشتراكية حول حرية التعبير

قضايا

17  يوليو  2017

نشر المقال في موقع: jacobin

بالرغم من أن الدفاعات الليبرالية عن حرية التعبير تُعد جوفاء، إلا أنه ليس بوسع الاشتراكيين التخلي عن هذا المبدأ

في أعقاب القمع التاريخي الذي مارسته إدارة أوباما ضد المسؤولين الحكوميين الذين كشفوا الفساد، والهجمات المتكررة من جانب دونالد ترامب على وسائل الإعلام، والمجادلات داخل الجامعات في جميع أنحاء البلاد، جاء كتاب تيموثي جارتون آش “حرية التعبير: عشرة مبادئ لعالم متصل ببعضه  Free Speech: Ten Principles for a Connected World  في وقته.

يقدم جارتون آش شرحا موسعا للحق في التعبير عن الذات، ودفاعا متماسكا عن  حرية التعبير من منظور ليبرالي صريح. غير أن الاشتراكية، كنظرية وكممارسة، لم تعط قط حرية التعبير المكانة التي تستحقها داخل النضال من أجل التغيير الاجتماعي، وفي المجتمع الاشتراكي في المستقبل، وهو ما يمثل سببا أدعى للاشتباك مع التحدي الذي طرحه كتاب جارتون آش الجديد.

أسس حرية التعبير

يستند تحليل جارتون آش لحرية التعبير على مصدرين أساسيين: أشعيا برلين، الذي طرح أن حرية التعبير أساسها التعاطف والتسامح مع القيم المتعددة والمتعارضة، وجون ستيوارت ميل، الذي ارتكز دفاعه عن حرية التعبير على التأكيد على المنافع التي تنجم عنها، بدلا من اعتبارها قيمة أساسية، أي حق. لكن أيا من هذين المنظورين لا يمثل أساسا قويا للدفاع عن حرية التعبير.

إن التعاطف والتسامح ـــــ وهما حالتان عقليتان ـــــ يمثلان ضمانتين سيئتين لحرية التعبير. ذلك أن التعاطف لا يمكن تحويله بسهولة إلى إجراءات مؤسسية يمكن أن تدافع عن حرية التعبير. كما أن التسامح يمثل بديلا هشا لوجود ثقافة صلبة تتعلق بالحقوق. وعلى خلاف ذلك، يجب أن تؤدي الحقوق إلى تمكين الشعوب، بغض النظر عن النوايا الحسنة للحكام.

وبهذه الروح، امتدح توماس بين الدستور الفرنسي الجديد لأنه “تخلى أو  تنازل عن التسامح، وكذلك التعصب، وأنشأ حق الضمير العالمي”. وكما أوضح، “التسامح ليس عكس التعصب، لكنه النسخة المزيفة منه. ويمثل الاثنان نوعا من الاستبداد، حيث يفترض أحدهما أن لديه الحق في قمع حرية التعبير، بينما يفترض الآخر أن لديه الحق في منح هذه الحرية”.

وعلى عكس ذلك، يدافع جون ستيوارت ميل في كتابه حول الحرية On Liberty عن حرية التعبير استنادا إلى أن الحقيقة سوف تظهر نتيجة ما يُسمى بالسوق الحرة للأفكار، جاعلا من هذه الفرضية الحجة الرئيسية للدفاع عن حرية التعبير. ومن الواضح أن غياب حرية التعبير والحريات السياسية يمثل عقبة في طريق البحث عن الحقيقة. لكن السوق الحرة للأفكار لدينا تحتكرها القلة، وبالتالي فهي ليست حرة تماما، بل إنها مكبلة بالقيود الناتجة عن المجتمع الطبقي. وبناء على ذلك، هل يتعين علينا اعتبار حرية التعبير أقل قيمة؟

ويمكن القول ـــــ بدلا من الاعتماد على المبدأ الذي يحكم على أخلاقية الفعل وفقا للعواقب الناجمة عنه ــــــ إن الحقوق تمثل أمرا جيدا في حد ذاته، وجوهريا بالنسبة لكرامة الأفراد وتقريرهم لمصيرهم، كما تُعتبر مهمة بالنسبة للديمقراطية. وقد تساعد الحقوق ــــ بما فيها الحق في حرية التعبير ــــ في التوصل إلى أقرب نقطة من الحقيقة وإلى مجتمع أفضل. لكن الأهم كثيرا من ذلك أنها تمثل عناصر مكونة للمجتمع الجيد.

وكما هو الحال مع المفاهيم الأخرى للحقوق التي تعتمد على أسس ميتافيزيقية ولا تاريخية، مثل الطبيعة البشرية أو قانون الطبيعة، فإن اعتماد جارتون آش على التعاطف والتسامح لا يمكن أن يخلق أساسا متماسكا للحق في حرية التعبير، يكون محميا من التآكل بواسطة اللاعبين المؤثرين، الاقتصاديين أو الحكوميين.

إننا نحتاج إلى رؤية بديلة للحقوق لا تعتمد على التجريدات، وهو ما تقدمه روزا لوكسمبورج:

إن كل حق من حقوق الاقتراع، مثله مثل أي حق سياسي آخر، لا يمكن قياسه بنوع ما من المخطط المجرد “للحقوق”، أو على أساس أي عبارات برجوازية-ديمقراطية أخرى، ولكن على أساس العلاقات الاجتماعية والاقتصادية التي صُمم من أجلها.

وتفهم لوكسمبورج الحقوق باعتبارها تجسيدا لعلاقات اجتماعية وسياسية ملموسة. وفي المجتمعات الرأسمالية الليبرالية، يؤدي التفاوت في إمكانية الحصول على السلطة إلى تقييد هذه الحقوق. وفي مجتمع اشتراكي ديمقراطي حقيقي، تختفي هذه القيود.

وفي الحقيقة، فإن أشد ما يفتقر إليه كتاب حرية التعبير هو الفهم المتماسك الذي لدى لوكسمبورج للعلاقة بين الحقوق والسلطة. وفي السطور التالية، سوف أتناول بالتفصيل ثلاثة من عشرة مبادئ تنظم هذا الكتاب، كي أوضح كيف فشل تأويله الليبرالي للحق في حرية التعبير في تقدير أثر بنى السلطة على حرية التعبير.

أولا، يطرح جارتون آش، بناء على فلسفة التشريع الأمريكي، أن حرية التعبير يمكن تقييدها في حالة وجود نية واحتمالية كبيرة وتهديد وشيك باستخدام العنف، أي عندما يتحول خطاب الكراهية إلى خطاب خطير. وثانيا، يطالب بحماية حق الخصوصية طالما لا يمنع البحث في المصلحة العامة. وأخيرا، يدعو إلى الدعم المطلق للتعبير المفتوح عن الاختلافات الإنسانية كافة، طالما حافظ المشاركون في ذلك على “أصول اللياقة الصلبة“، بمعنى تعبير المرء عن قناعاته في ظل التحلي بضبط النفس من أجل الحفاظ على السلم الأهلي الضروري كي تعمل الديمقراطية الليبرالية بصورة لائقة.

وبالرغم من أن هذه المبادئ الثلاثة تبدو واضحة بما يكفي، فإن التحليل المدقق يكشف أن التفاوت الاجتماعي والاقتصادي الذي تجاهله جارتون آش بدرجة كبيرة يلعب أيضا أدوارا حاسمة في تقييد حرية التعبير. وتكشف رغبة آش الواضحة لقبول هذا التفاوت عن اعتقاده بأن السلطة ملتصقة بالدولة، وليس بالعلاقات الاقتصادية الاجتماعية.

النية والاحتمالية الكبيرة والتهديد الوشيك

يصبح اللبس الذي لدى جارتون آش حول حرية التعبير والسلطة أكثر وضوحًا في دفاعه عن لاري سومرز، أستاذ الاقتصاد الذي أُجبر على الاستقالة من رئاسة جامعة هارفارد بعدما اقترح أن “نسبة النساء المنخفضة في مجالات العلوم الطبيعية والهندسة قد تعود إلى اختلافات فطرية في القدرات والميول، إلى جانب ضغوط الحياة الأسرية وعوامل أخرى”.

ويعود جارتون آش إلى جون ستيوارت ميل كي يطرح أن تعليقات سومرز كانت تهدف إلى تعزيز المعرفة. ويتساءل، “هل كان سومرز يحاول أن يهين المرأة أو يحقر من شأنها؟  أم أنه كان يحاول بصدق تعزيز الفهم العلمي؟ ويخلص جارتون آش في ظل “بحثه عن الدليل” إلى التالي: “أرى أنه [سومرز] كان يهدف إلى الأمر الثاني”. وبغض النظر عن حقيقة أن تصريحات سومرز استندت، على الأقل جزئيًا، إلى نظريات فاقدة للمصداقية حول الاختلافات الجينية بين الرجال والنساء، فإن النتيجة التي توصّل إليها آش عجزت عن أن تتناول بصورة وافية السياق التي كان سومرز يتحدث فيه.

وحيث إن سومرز متخصص في الاقتصاد، فإنه ليست لديه خبرة يعتد بها حول الاختلافات الجينية. علاوة على ذلك، لم تؤد الاحتجاجات على تصريحاته إلى تهديد حريته الأكاديمية كأستاذ في الاقتصاد، بل هددت منصبه كرئيس جامعة. ويرى المحتجون على تصريحات سومرز أنه استخدم موقعه بطريقة تضر بمصالح المرأة. وعلى عكس ما يطرحه جارتون آش، لا علاقة لذلك بحرية التعبير، بل بالتعبير عن السلطة.

ويظهر هذا الالتباس نفسه عندما ينتقد الخبراء الليبراليون تظاهرات الطلاب ضد الشخصيات السياسية التي يتم دعوتها للحديث في الجامعة. ويسيء جارتون آش تصوير هذه الاحتجاجات، معتبرًا أنها تحدث أساسًا عندما يتم دعوة المتحدثين للتعبير عن مواقفهم في بعض الأمور الخلافية. لكنه في الواقع، تحدث عديد من هذه الاحتجاجات عندما يأتي الشخص إلى الجامعة بغرض التكريم.

وعلى سبيل المثال، دعت جامعة روتجرز كوندوليزا رايس في 2014 كي تكون المتحدث في حفل التخرج وتتسلم درجة شرفية. ولا يُعتبر انسحاب رايس أمام اعتراضات الطلاب والأساتذة هزيمة لحرية التعبير، بل انتصارًا صغيرًا، ولكنه حقيقي، لأولئك الذين يعارضون قرار الجامعة بالاحتفال بشخصية تُجسد السياسات الإمبريالية الأمريكية.

وتنطبق الاعتبارات ذاتها على الدعوة إلى إعادة تسمية كلية كالهون [الذي كان يؤمن بتفوق الرجل الأبيض ويدافع عن العبودية في القرن التاسع عشر ــــ المترجم] في جامعة ييل، وكلية وودرو ويلسون [الرئيس الأمريكي أثناء الحرب العالمية الأولى، وكان يتبنى رؤى عنصرية ـــــ المترجم] في جامعة برنستون، وهذه المؤسسات تكرِّم العنصريين المشهورين. إن النزاعات حول دور هذا النوع من التكريم الذي تمارسه المؤسسات في تعزيز سمعة من يتلقونه لا علاقة لها بحرية التعبير، بل بمشروعية ما يقوم به من يملكون السلطة وكيفية استغلالهم لذلك ثقافيًا وسياسيًا.

وإذا انتقلنا للشخصيات العامة التي تجري دعوتها للحديث حول أمور خلافية، ينبغي علينا التفرقة بين الداعين إلى العنصرية وبين الذين يلجأون للترهيب العنصري المستند إلى العنف. ويعُتبر أشخاص مثل آرثر جنسين وريتشارد هيرنشتاين وتشارلز موراي، الذي ينشرون الخرافات العنصرية العدوانية تحت ستار العلوم الاجتماعية، من الداعين إلى العنصرية. وتصدر تصريحات هؤلاء داخل إطار الخطاب تمامًا، ويمكن لناقديهم أن يتجاوبوا مع ذلك عبر المناقشة العقلانية والتفنيد الحذر.

ولعل التقاليد العريقة التي تتمثل في مقاطعة الخطيب بينما يتحدث، أو محاولة إقناع القادمين بعدم الدخول إلى القاعة، تُعتبر من حقوق التعبير الأخرى التي لا تستخدم القوة لمنع متحدثين مثل هؤلاء من إلقاء كلماتهم. بل إن أكثر الصراعات الأيديولوجية حدة تلتزم بقواعد ضمنية تخرقها الحركات الاجتماعية أحيانًا عندما تستبدل الإقناع باستخدام القوة. ولا ينتهك ذلك حقوق المتحدثين الأساسية فحسب، وإنما يمثل استراتيجية سيئة أيضًا؛ حيث إن المحتجين الذين يتجاهلون حرية التعبير يُنفِّرون كلاً من الجمهور الذي يحضر الحدث والذي يجب أن يحاولوا كسبه لقضيتهم، وأولئك الذين يرغبون في حماية حرية التعبير.

ويختلف ذلك عن أعمال الترهيب العنصرية أو المعادية للسامية التي تقوم بها مجموعات منظمة معروفة تاريخيًا باستخدام العنف الجسدي. وتوضح هذا الفرق التظاهرة التي نظمها الاتحاد البريطاني للفاشيين سنة 1936 في الطرف الشرقي من لندن ذي الأغلبية اليهودية. ذلك أن قائد التظاهرة أوسوالد موزلي لم يكن يهدف إلى إقناع اليهود الذين يقطنون الحي بالانضمام إلى جماعته، بل كان يرغب في ترهيبهم. كما أن الجماعة الأمريكية النازية الجديدة التي طالبت سنة 1978 بتصريح لمسيرة في ضاحية سكوكي في شيكاغو، ذات الوجود اليهودي القوي، لم تكن ترغب في تحويل السكان ـــــ الذي كان الكثير منهم من الناجين من الهولوكوست ــــــ إلى النازية.

وفي لندن، واجه موزلي وأتباعه 20 ألفًا من المتظاهرين المناهضين للفاشية، الذين اشتبكوا مع 6000 شرطي حاولوا حماية 2000 فاشي فيما أصبحت تُعرف الآن بمعركة شارع كابل. لكن الأمور سارت على نحو مختلف في سكوكي.

حاولت السلطات المحلية منع المسيرة، لكن الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية رفع الأمر إلى المحكمة كي تجيز التظاهرة، وهو ما أدى إلى استقالة عديد من أعضائه. وبالرغم من النصر القانوني الذي حققه الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية، قرر النازيون الجدد القيام بالمسيرة وسط مدينة شيكاغو. وفي بعض النواحي، يتشابه ذلك مع مسيرة موزلي في الطرف الشرقي من لندن، لكن هناك اختلافًا مهمًا بين الحدثين. فقد كانت النازية تيارًا صاعدًا في الثلاثينيات، بينما كان النازية الجديدة في أمريكا حركة صغيرة وهامشية في 1978. وبغض النظر عن اختلاف الوزن النسبي للحركتين، فقد انتمت كلتاهما إلى تيار سياسي منظم له تاريخ في استخدام العنف الجسدي واستراتيجية للاستيلاء على السلطة السياسية.

واستند دفاع الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية على حجتين لهما علاقة بالنقاش الحالي. فمن ناحية، أشاروا إلى المخاطر التي ستنجم عن السماح للدولة أو الحكومة المحلية أو الفيدرالية بوضع حدود للخطاب أو تنظيمه، خشية أن يمثل ذلك سابقة يمكن استخدامها في مواجهة الحركات الاجتماعية المدافعة عن الحقوق الديمقراطية، بما في ذلك منظمات العمال وجماعات الأقليات واليسار. وفي الحقيقة، فإن خطر تمكين الدولة من تقييد الحقوق المتعلقة بحرية التعبير هو تحديدًا السبب الذي يمنع الاشتراكيين من الاعتماد على الدولة في مواجهة من يقومون بالترهيب بالعنف

من ناحية أخرى، زعم الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية أنه نظرًا لأن المسيرة لم تكن تحوي النية والاحتمالية الكبيرة والتهديد الوشيك باستخدام العنف، فإنها تدخل ضمن حرية التعبير التي يكفلها الدستور. ويوضح ذلك أحد الفروق المهمة بين اليسار الأناركي والاتحاد الأمريكي للحريات المدنية، الليبرالي إلى حد كبير. ذلك أنه بالنسبة لجماعة مثل الاتحاد، يجب أن يتمتع الذين يقومون بالترهيب بالعنف بحقوق التعبير نفسها التي يتمتع بها الداعون إلى العنصرية، من أمثال جنسين وهيرنشتاين وموراي، إلى أن يصبح خطابهم خطيرًا. وبالنسبة لليسار الأناركي، يختلف الذين يقومون بالترهيب بالعنف تمامًا عن الداعين إلى العنصرية.

إن العلاقة بين جماعات مثل النازيين الجدد أو الكو كلوكس كلان [جماعة عنصرية أمريكية تؤمن بتفوق البيض وتعارض الهجرة ــــ المترجم] وبين الحركات الاجتماعية الديمقراطية هي علاقة عداء صريح، لا صراع أيديولوجي؛ حيث إن الذين يستخدمون العنف للترهيب لا يستهدفون الإقناع، بل إخافة الآخرين. إن اللغة التي يتحدثون بها هي لغة العنف. وبالنسبة للحركات الاجتماعية، فإن القاعدة العقلانية حول وجوب حماية حرية التعبير حتى يصبح التهديد بالعنف وشيكًا لا تنطبق على هؤلاء. وعلى العكس من ذلك، يسمح لهم هذا المبدأ باختيار الزمان والمكان والأداء الأنسب لممارسة العنف.

وفي سكوكي، كانت اليد العليا للقوى المعادية للفاشية، وهو ما يعود إلى التعبئة الهائلة التي أثارتها المسيرة. ولا يجب النظر إلى مسألة منع مسيرة النازيين الجدد باعتبارها مسألة مبدأ، بل كأمر يتعلق  بالاستراتيجية والتكتيك. وتوجد عديد من الاعتبارات  المهمة في هذا السياق، من بينها العلاقة بين القوى في الشارع، وما إذا كانت أغلبية الجماعات المعترضة على المسيرة سوف تؤيد المنع، وما إذا كانت توجد قطاعات مهمة من الجمهور تعتقد في عدالة القيام بإجراء لمنع المسيرة، بدلاً من اعتبار النازيين الجدد الذين يمارسون الترهيب ضحية.

ويجب أن تؤثر الاعتبارات نفسها على تحليلنا للجدل الراهن بشأن ميلو يانوبولوس [إعلامي ومعلق بريطاني يميني مؤيد لترامب ــــــ المترجم] الذي تم إلغاء محاضرة كان سيظهر فيها في جامعة بيركلي، نتيجة مظاهرة ضخمة وقيام مجموعة صغيرة تضم بين 50 و 100 شخص بالعمل على تدمير ممتلكات الجامعة. ويشير التاريخ السياسي ليانوبولوس إلى أنه أحد الداعين للعنصرية من طراز رجعي وبغيض. ويتطلب ذلك، كما قلنا من قبل، أن يمارس الطلاب المحتجون حقهم في التعبير عبر إقناع الجمهور بعدم الحضور ومقاطعة المتحدث، وفي الوقت نفسه احترام الحق في حرية التعبير، بدون القيام بمنع الحدث بالقوة.

لكن البعض زعموا أن يانوبولوس كان قد خطط لكشف أسماء الطلاب الذين ليست لديهم وثائق تؤهلهم للإقامة في الولايات المتحدة. ولو كان قد حاول ذلك، لكان الصراع بينه وبين المحتجين قد اتخذ أبعادًا أخرى تتجاوز مجرد الإقناع، ولكان يحق للجمهور أن يسكته فورًا.

وفي سياقات أخرى، مثل الحرب الأهلية أو الصراعات المحدودة لكن المكشوفة مثل الإضراب، حل النزاع على السلطة محل النزاع حول حرية التعبير. فعندما يقوم أعضاء النقابات بمنع كاسري الإضراب جسديًا من دخول موقع العمل، أو عندما يسحق أصحاب العمل والشرطة الإضراب، تكون السلطة ــــ وليس حرية التعبير ــــــ على المحك. وعندما يصاب عامل بواسطة الشرطة أثناء محاولته منع كاسر الإضراب، يكون ضحية لقدرة الدولة القمعية على ممارسة العنف، وليس قدرتها على إسكات المعارضة.

حدود المعارضة

يخلط جارتون آش، مثله مثل عديد من الليبراليين الأوروبيين، بين الحرية وحرية السوق، فيعتبر أي تدخل من جانب الدولة هجومًا على حقوق الأفراد. ويمتد ذلك ليصل إلى معارضته الواضحة للتنظيم، الذي يراه مرتبطًا بالرقابة على ما يبدو. غير أن التنظيم لا يتوافق فقط مع حماية الحقوق المدنية والسياسية، بل إنه أمر جوهري بالنسبة لهذه الحقوق.

فمن ناحية، يمكن أن يعزز التنظيم بالفعل من حرية التعبير، عبر تعظيم إمكانية الوصول إلى وسائل الإعلام. ويدرك جارتون آش التفاوت في إمكانية الوصول إلى وسائل الاتصال الجماهيري، بل ويقتبس القول المأثور الشهير لأيه جي ليبلينج إن “حرية الصحافة يكفلها فقط الذين يملكون الصحف”. وفي الوقت نفسه، يرفض جارتون آش حتى الإجراءات المتواضعة لتعزيز القدرة على الوصول إلى وسائل الإعلام. وعلى سبيل المثال، يدرك آش ــــــ لكنه لا يؤيد ــــ مبدأ العدالة، الذي يجبر محطات الراديو على منح وقت على الهواء لعرض مختلف الرؤى حول القضايا الخلافية، وقد تم إلغاؤه سنة 1987. وعندما تبنت لجنة الاتصالات الفيدرالية هذه المبدأ سنة 1949، كان ذلك يستند إلى المفهوم الذي أصبح الآن راديكاليًا حول أن موجات الأثير تخص المستمعين وليس المحطات.

وبعيدًا عن استعادة هذه التدابير المتواضعة، يجب أن نتطلع إلى إضفاء الطابع الاشتراكي (وليس ملكية الدولة) على وسائل الإعلام الضخمة، بحيث توضع في أيدي منظمات شعبية ليست تابعة للدولة، بما يتناسب مع حجمها وأهميتها للمجتمع. وبالرغم من أن ذلك غير قابل للتطبيق في المستقبل القريب، فإنه يجب أن يكون جزءًا مهمًا من النقد الجذري للمجتمع الحالي، ومن التصور حول المستقبل الاشتراكي والديمقراطي.

كما ينتقد جارتون بصراحة القوانين السائدة في عديد من الولايات الألمانية التي تعطي الحق لأي مؤسسة أو شركة أو هيئة عامة أو فرد بأن يطالب أي مطبوعة بإصدار تصحيح بدون مقابل في عدد لاحق. ويجب أن يظهر التصحيح في القسم نفسه، وبالحجم نفسه الذي ظهر فيه النص الأصلي. وعند الحاجة، يمكن استصدار حكم من المحكمة المدنية لإجبار الصحيفة على ذلك.

ويعترض جارتون آش على هذه القوانين لأنه يراها غير فعالة في مجال وسائل التواصل الاجتماعي. وفي هذا الأمر، يعجز مرة أخرى عن اعتبار الحقوق أمرًا جيدًا في حد ذاته، وهو ما يجعله يعود إلى نهج جون ستيوارت ميل الذي يحكم على أخلاقية اِلفعل وفقًا للعواقب الناجمة عنه. كما أنه يقلل من حجم النفوذ الكبير الذي لا تزال تحظى به صحف مثل نيويورك بوست ونظيراتها على الصعيد العالمي.

واتساقًا مع موقفه المعارض للتنظيم، يطرح جارتون آش أن القوانين الأوروبية التي تعطي الناس الحق في أن يتم نسيانهم “لا يمكن الدفاع عنها في مجتمع يؤمن بحرية التعبير”. غير أن هذه القوانين، التي تسمح للأشخاص بأن يزيلوا من على الإنترنت موادًا تدمر سمعتهم، بعد مرور سنوات على نشر هذه المواد، لا تنتهك حرية التعبير بأي درجة ذات شأن. وفي الحقيقة، في ظل عصر تتعرض فيه القواعد التي تطالب المتقدمين للوظائف بتقديم سجلهم الجنائي لانتقادات متزايدة، تصبح هذه القوانين التي تعطي الناس الحق في أن يتم نسيانهم، معبرة عن حساسية تتعلق بالمساواة سوف تترتب عليها نتائج مهمة تتعلق بالعنصرية والطبقة.

إن الحجة التي يقدمها جارتون آش للاعتراض على هذه القوانين، وهي أن أصغر حارس في معسكر أوشفيتز لا يحق له أن يتمتع بهذا الحق، تتجاهل غرض هذه القوانين. والأكثر من ذلك، فإن الحجة الرافضة لهذه القوانين غير مقنعة، لأنه يمكن بسهولة استثناء الشخصيات العامة وجرائم مثل الإبادة الجماعية.

ويوضح جارتون آش أن الميل الأوروبي تجاه هذا النوع من القوانين يرجع إلى “القيمة الكبيرة التي تضعها أوروبا للخصوصية والسمعة، وهو ما يستند إلى تقاليد الشرف القديمة المرتبطة بالفرسان والبلاط الملكي والأرستقراطية، إلى جانب الاهتمام بالكرامة الإنسانية في حقبة ما بعد الهولوكوست”.

ولسوء الحظ، لا يقدم لنا آش النظير الأمريكي لنظام القيم الأوروبي هذا. هل يتضمن ذلك نسخة من الفردية الأمريكية التي لا يحظى فيها الأفراد المنفصلون عن بعضهم بصلات اجتماعية وبالتالي لا يهتمون بسمعتهم؟ هل الشرف لدينا يرتبط فقط بالفروسية أو الأرستقراطية؟ والأهم من كل ذلك، فوفقًا للوصف الحزين الذي جاء على لسان بريمو ليفي، تضمنت فظائع أوشفيتز، ضمن أشياء أخرى، المنع المنهجي لأي نوع من التكريم للضحايا. إن كون مفهوم الشرف له أصول أوروبية لا يحد من قابليته للتطبيق.

ربما يرتبط التمييز الواضح الذي وضعه جارتون آش بين قواعد الشرف الأوروبية والأمريكية بتشديده على أن الولايات المتحدة هي بلد يتمتع بحرية التعبير بامتياز. ولاشك أن هناك حجة صحيحة تؤيد هذا الرأي، بالنظر إلى المبادئ الدستورية المتضمَنة في وثيقة الحقوق والعديد من الأحكام والقرارات المهمة التي اتخذتها المحكمة العليا منذ عام 1919 (رغم أننا نحتاج إلى موازنة ذلك بالإشارة إلى بعض القرارات الفظيعة التي اتخذتها المحكمة العليا باسم حرية التعبير، ومنها قرار المواطنون المتحدون لعام 2010 ، الذي ألغى قواعد مهمة تتعلق بالإنفاق على الحملات الانتخابية). لكننا لا يمكن أن نحصر معيارنا لحرية التعبير في المجال القانوني؛ حيث إنه ربما يضع النظام القانوني القواعد، ولكن نتيجة اللعبة تتحدد في نهاية المطاف بواسطة قوة الطبقات الاجتماعية المتنافسة.

وإلى جانب الافتقار إلى إمكانية الوصول إلى وسائل الإعلام الديمقراطية وإنفاق مئات الملايين من الدولارات على الحملات الانتخابية، فإنه لا يوجد إجماع في الولايات المتحدة على وجوب حماية حرية التعبير. ذلك أنه خارج الكليات والمراكز الكوزموبوليتانية التي تتسم بحرية نسبية، لم تقبل المجتمعات شديدة المحافظة بصورة كاملة حرية التعبير في جميع صورها. كما يجب أن نتذكر أن التعديل الأول للدستور كان عمليًا بمثابة خطاب ميت بالنسبة لمعظم الحكومات المحلية والفيدرالية حتى القرن العشرين. ويفسر ذلك لماذا خاضت منظمات مناضلة مثل عمال العالم الدوليين، معارك شهيرة من أجل حرية التعبير في جميع أنحاء الولايات المتحدة في العقود الأولى من القرن العشرين.

ويتجاهل جارتون آش قيودًا مهمة أخرى على حرية التعبير، خاصة تلك المتعلقة بالملكية الخاصة. ويمكن أن نفهم تلك القيود في أمور الملكية الشخصية، حيث لا يحق لأحد أن يوزع منشورات في حفلة داخل الفناء الخلفي لمنزلك بدون موافقتك. لكن أماكن العمل تُعد ملكية خاصة في أغلب الأحيان، وبالتالي لا يتمتع العمال، وفقًا للدستور، بالحق في حرية التعبير داخل مكان العمل. وبالرغم من نجاح الحركة العمالية في الحصول على استثناءات قليلة من هذه القاعدة العامة ــــ مثل الحق في مناقشة ظروف العمل وعضوية النقابات أو تعليق لوحة إعلانات تُنشر بها المواد الخاصة بالنقابة ــــــ فلا تزال هذه الحقوق غير كافية، كما أنها أصبحت تشهد تراجعًا متزايدًا.

إن القيود المتأصلة في الاستثناءات التي يضمنها قانون العمل تظهر بصورة أوضح في حالة مراكز التسوق، حيث تكون الممرات التي كثيرًا ما يستخدمها الجمهور مملوكة ملكية خاصة. وقد قررت المحكمة العليا أن هذه الممرات ملكية خاصة، وبالتالي يتم استثنائها من الحقوق التي منحها التعديل الأول للدستور لجمهور المواطنين، بالرغم من أن عددًا قليلاً من الولايات (كاليفورنيا وكولورادو وماساتشوستس ونيويورك ونيوجيرسي وأوريجون وواشنطن) قد أقرت بحق حرية التعبير داخل مراكز التسوق، وضمنَّت هذا الحق في دساتيرها.

لكن ليس جميع القيود المفروضة على حرية التعبير تنبع من الأيديولوجية الرأسمالية. وينتقد جارتون قاعدة يبدو في الظاهر أنها تدعم العدالة الاجتماعية، لكنها في الواقع تعمل ضد الديمقراطية، وهي الدعوة المتصاعدة إلى قيام جميع أساتذة الجامعات والكليات بوضع تحذيرات للطلاب في مستهل المناهج الدراسية. وتهدف هذه التحذيرات إلى تنبيه الطلاب بشأن المواد التي قد تؤدي إلى التذكير بحادث مؤلم (الاعتداء الجنسي على سبيل المثال) أو تتسبب في مضايقة جماعة ما.

وبالطبع، وُجدت هذه التحذيرات في الجامعات منذ وقت طويل جدًا لكنها لم تكن تحمل دائمًا هذا الاسم. ذلك أن الطلاب يتلقون استشارات رسمية وغير رسمية حول المناهج التي يتعين عليهم اختيارها والأساتذة الأفضل في تدريس هذه المناهج. وتعتمد هذه النصائح جزئيًا على اهتمامات وروئ وخبرات الطالب. وغالبًا ما يوجد للمناهج المطلوب دراستها أقسام وأساتذة متنوعون ــــ وهو ما يختلف أيضًا من فصل دراسي لآخر. وفي بداية المنهج، يقدم الأساتذة دومًا قائمة تفصيلية بالمواد التي سيجري تدرسيها. كما أن بعض المناهج تحوي بطبيعتها تحذيرات ــــ في حالة تدريس منهج حول قانون الاغتصاب على سبيل المثال. كما أن عديد من الأساتذة يقدمون تحذيرات إضافية عندما يضعون تكليفات معينة.

ولعل إلزام الأستاذ بالقيام بذلك كسياسة عامة ـــــ كما يطالب بعض الطلاب والأساتذة ــــــ يضع قيدًا لا لزوم له على كل من حرية التعبير بالنسبة للطالب والأستاذ. ويشجع ذلك على مناخ من الحذر المبالغ فيه والتردد، بل والخوف من استكشاف الأفكار، الذي يجب يكون واسع النطاق وأن يقوم على الاحترام المتبادل.

ربما تنبع الدعاوى الحالية إلى تعميم وضع التحذيرات من مذهب التفكير الإيجابي الذي يحاول التغطية على الألم الحتمي الذي تتسبب فيه الأزمات التي تُعتبر فرصًا للنمو والتطور. تستند هذه  الدعاوى بالتأكيد إلى الرؤية الليبرالية الجديدة التي ترى في التعليم الجامعي سلعة استهلاكية، وبالتالي يجب أن يأخذ الطالب منتجات تؤدي إلى إسعاده في مقابل الدولارات التي يدفعها كرسوم جامعية.

وبدلاً من ذلك، يجب أن نرى في التعليم خبرة غير مريحة بالضرورة، تتضمن تحديات للأحكام اليقينية التي لدى الطلاب فيما يخص الطبقة والعنصر والنوع الاجتماعي. ويشجع التعليم الديمقراطي على الجدل المحترم، لكن الحاد، بدلاً من التغطية على الطبيعة الحقيرة للعنصرية والاستغلال بالتعبيرات الطنانة العصرية.

وعلى المنوال نفسه، إن الكليات والجامعات التي تحاول السيطرة على مظاهر العداء الصغيرة جدًا لا تكبل حرية التعبير للطلاب فحسب، بل تسلبهم أيضًا فرصًا تعليمية مهمة. وفي 2007، عرَّف الباحث السيكولوجي ديرالد وينج سو والمتعاونون معه مظاهر العداء الصغيرة جدًا على النحو التالي:

هي إهانات  يومية عابرة وشائعة، لفظية وسلوكية وبيئية، تكون مقصودة أو غير مقصودة، وتعبِّر عن نزوع سلبي أو عدائي أو ازدرائي يتعلق بالعنصر أو النوع أو الجنس، وعن استخفاف بالدين وإهانات للمجموعة أو الشخص المستهدف.

ولا يجب أن نُفاجأ أن هذا السلوك يحدث كثيرًا في مؤسسات التعليم العالي؛ حيث إن المجتمع الأمريكي لديه مخزون كبير من العنصرية والتمييز على أساس النوع. ويشجع الانعزال التعليمي والسكني على عدم الحساسية والقيام بسلوكيات عدائية غير مقصودة نحو الأقليات العرقية أو تلك الخاصة بالنوع. ويجب على المؤسسات التعليمية تدريس الطلاب والأساتذة والعاملين تجنب مثل هذا السلوك. لكن بضع إدارات سارت أبعد من ذلك، حيث وضعت قواعد للسلوك محددة للغاية بغرض فرض ثقافة التسامح داخل الحرم الجامعي. لكن هذه الجهود الرامية إلى التدخل الواسع في تنظيم السلوك ـــــ بالإضافة إلى أنها تضع سابقة سيئة ــــــ تشجع على خلق مناخ قمعي.

في 2016 ، أصدر مكتب التنوع وجماعات أخرى داخل جامعة ماساتشوستس أمهرست “المقياس البسيط لتقييم وتقدير عنصرية الزي”، وهو قائمة تدقيق تساعد الطلاب في تقدير نزعاتهم  الهجومية المتعلقة بالزي عبر خمسة مستويات للتهديد. وعلى سبيل المثال، يجري سؤال الطالب هل لو ارتدى زي طالب آخر، هل يكون هذا الشخص من العنصر نفسه؟ إذا كانت الإجابة بنعم، يكون لدى الطالب مستوى تهديد “منخفض”. إذا كانت الإجابة بلا، يُسأل الطالب إذا كان الزي يتطلب مساحيق تجميل قوية. إذا كانت الإجابة بلا، يرتفع مستوى التهديد إلى “حذر”. إذا كانت الإجابة بنعم، يرتفع المستوى إلى “متصاعد” أو “مرتفع” أو “خطير”، بحسب كثافة مساحيق التجميل التي يريد استخدامها، وما إذا كان يريد السخرية من شخص ينتمي إلى جماعة مهمشة.

وبدلاً من استخدام عيد الهالوين في تعليم المجتمع كيف يمكن أن يجد ضحايا القمع العنصري أو الجنسي في أزياء بعينها مصدرًا للإهانة، أصدر مكتب التنوع قائمة تدقيق ميكانيكية وطويلة لإرشاد سلوك الموجودين داخل الحرم الجامعي بطريقة فوقية. ولعل الأمر الأكثر إزعاجًا في هذا النهج الذي يقوم على فرض السلوك من أعلى لأسفل، هو افتراض أن الإداريين في الجامعة (أو الحكومة) يجب أن يكونوا المصدر الأساسي للسلوك التصحيحي في أمور لا تتضمن تمييزًا فرديًا أو مؤسسيًا. وفي التحليل الأخير، سوف تضع إدارات الجامعات الأولوية لسلام وسمعة المؤسسة وليس ضمان العدالة فيما يخص العنصر والنوع.

وفي الستينيات والسبعينيات، عندما كان الطلاب المنتمون إلى الأقليات والطالبات يواجهون أسوأ أشكال العنصرية والتمييز على أساس الجنس، لجأوا إلى مواجهات وجهًا لوجه ـــــ وهو ما حقق درجة كبيرة من النجاح. وبالرغم من أن هذا النهج لم يتسم بالكمال، ولم يحظَ بالقطع بتأييد سلطات الجامعات، فإنه يُعتبر أفضل كثيرًا من القواعد البيروقراطية الجامدة والعبثية. والأهم من ذلك، إنه يحمى الحق في حرية التعبير للأساتذة والطلاب.

 أصول اللياقة الصلبة

ويسير جارتون آش في دفاعه عن حرية التعبير أبعد من الديمقراطيات الرأسمالية بوضوح. كما أنه يحاول ربط هذه المسألة بالقهر عن طريق الإحالات المتكررة إلى أغنية نينا سيمون “أود أن أعرف ما هو شعور المرء عندما يكون حرًا“، قائلاً إنه “إذا أصبح كل إنسان… حرًا في التعبير عن نفسه، فسوف تكون لدينا فرصة أفضل كي نفهم… ‘أنفسنا’”. لكنه عندما يتعلق الأمر بتحليل أمور ملموسة مثل الإسلاموفوبيا، فإنه يبدو عاجزًا عن رؤية آثار القمع.

وكي نكون منصفين، ينبغي أن نذكر أن آش يؤكد على تنوع وعدم تجانس الإسلام، ويشكك في التعميمات حول علاقة هذا الدين بحرية التعبير. لكنه بعد ذلك يقدم الأصولية الإسلامية ـــــ وتجاهلها لحرية التعبير والممارسات الديمقراطية الأخرى ــــ باعتبارها ظاهرة دينية حصريًا، متجاهلاً تأثير أشكال التدخل الإمبريالي المتعددة في شمال إفريقيا والقوقاز والشرق الأوسط.

وفي آسيا، غالبًا ما يكون المسلمون ضحايا لقمع رهيب فقط بسبب وضعهم الديني/العرقي. وفي الولايات المتحدة وأوروبا الغربية، أصبح المهاجرون المسلمون هدفًا للاضطهاد والتمييز واسع النطاق. وتتناقض القيود القانونية المفروضة على حقهم في ارتداء العباءات الدينية، وفي بناء المساجد وأداء الصلوات، بل وحتى في الحصول على الطعام الحلال، مع حرية التعبير وتكوين الجمعيات.

ويظهر تجاهل جارتون آش للعنصرية والتمييز في أوضح صوره عند مناقشة عملية القتل الشرسة في مجلة شارلي إبدو الباريسية. وفي كتابه حرية التعبير، يعجز آش عن الإشارة إلى انتشار الإسلاموبوبيا في فرنسا كواحد من العوامل التي تقف وراء الهجوم. وفي الواقع، لم تكن لديه مشكلة في ذلك الوقت في المطالبة بـــ “أسبوع للتضامن”، تقوم فيه الصحف على نحو متزامن بنشر “باقة مختارة بعناية من رسوم الكاريكاتير الواردة في شارلي إبدو، في ظل توضيح سبب القيام بذلك”.

وقد رفضت عديد من الصحف المشاركة في ذلك، وهو ما يُحسب لها. وأوضح دين باكويت، رئيس التحرير التنفيذي لنيويورك تايمز، أن أحد الاعتبارات المهمة لرفضه ذلك كان “الأسرة المسلمة في بروكلين”. وطرح جارتون آش أن ذلك لم يمنع نيويورك تايمز من نشر رسوم كاريكاتيرية معادية للسامية، أو إعادة طباعة رسم كريس أوفيلي مريم العذراء المقدسة، بالرغم من أنه يجب ملاحظة أن هذه الرسوم نُشرت في سياق القصص الإخبارية.

ولعل الأمر الذي يعجز جارتون آش عن إدراكه هو أن العداء للسامية أو معارضة الكاثوليكية كانت ظواهر هامشية وقت نشر هذه الرسوم، بينما كانت الإسلاموفوبيا في أوج قوتها أثناء حدوث هجوم شارلي إبدو وبعده. وعندما يدعم المرء الحق في الإساءة للآخر باعتباره عنصرًا من عناصر حرية التعبير، فإنه يجب أن يأخذ في الاعتبار ما إذا كان الطرف الذي يتعرض للإهانة يمثل جماعات مهمشة.

ولا يهدف ذلك إلى الدعوة إلى وجوب تقنين الرقابة من أجل القضاء على الإسلاموفوبيا. بل إن الحكومة والمجتمع المدني يجب أن يعملان معًا من أجل خلق مناخ سياسي يتبرأ بقوة من الإسلاموفوبيا ويدعم العقوبات القانونية الصارمة لممارسات التمييز ضد المسلمين.

وفي داخل الكليات، يحدث نزاع حاد بشأن مسألة موازنة حقوق الطلاب في حرية التعبير والتجمع عند طرح المطالب بإنشاء مساحات آمنة ـــــ أي مواقع يمكن لأعضاء جماعة ما التجمع وحدهم فيها. ففي العالم المتنوع من الطلاب والأساتذة والعاملين، يصبح الحق في الاجتماع خارج أعضاء جماعتك العرقية أو الدينية أو تلك الخاصة بالنوع يمثل حرية ديمقراطية أساسية.

وقد استخدم رئيس جامعة نورث ويسترن مورتون شابيرو في مقال رأي قصة مجموعة من الطلاب السود الذين يتناولون الغذاء معًا بهدف إظهار أهمية المساحات الآمنة. وعندما طالب اثنان من الطلاب البيض بالانضمام إلى المجموعة، وأوضحوا أنهم يريدون المشاركة في نوع التعلم “غير المريح” الذي تشجع عليه الكلية، رفض الطلاب السود بأدب.

ودافع شابيرو عن قرار الطلاب السود، لكنه طرح ضمنيًا أنه في مواقف بعينها، يؤدي حق الطلاب السود في التجمع إلى الافتئات على حقوق الطلاب البيض المفترضة في التعبير. ويمكن أن ينطبق المبدأ ذاته على الطلاب الآسيويين الذين يريدون العيش في مساكن جامعية بها طلاب آسيويين آخرين، مادامت الجامعة لا تطالب جميع الطلاب الآسيويين بالعيش معًا، أو تستثنيهم من المساكن الجامعية التي يوجد بها بيض وجماعات أقلية أخرى، وهو ما كان سيمثل آنذاك فصلاً إلزاميًا بين الطلاب.

وحاليًا، بدأت تظهر بعض الأصوات التي تطالب بإقامة مساحات آمنة في الكليات خارج مواقع محددة، يمكن للجماعات الالتقاء فيها. ويدعو هؤلاء إلى أن تصبح الفصول الدراسية، بل والحرم الجامعي بأكمله، مساحة آمنه للجماعات التي تعرضت للقمع تاريخيًا. لكن ذلك لو حدث سيصبح انحرافًا عن الحق في حرية التجمع وتكوين الجمعيات، وسوف يعوق بصورة مباشرة قدرة التعليم الجامعي على تحدي الإيديولوجيات والممارسات الراسخة، الذي يمثل وسيلة للتشجيع على التفكير النقدي.

وبينما يُعتبر خطاب الكراهية غير مقبول داخل الفصل الدراسي لأنه يخلق بيئة تعليمية معادية، لا يجب الخلط بين ذلك وبين طرح أفكار قد يعتبرها البعض غريبة، بل وعدوانية، وهو أمر أساسي بالنسبة للتعليم العالي.

وتحدث مشكلة مختلفة، لكنها على القدر نفسه من الخطورة، عندما تقصر جماعة ما، عرقية أو عنصرية أو دينية، مساحتها الآمنة على الأعضاء الذين يحملون الرؤى السياسية نفسها التي تحملها الجماعة. وكما يوضح بول كاتز،  تريد جماعة هيليل الصهيونية “التأكد من أن تظل مساحتها الآمنة داخل الحرم الجامعي للطلاب الذين بوسعهم الحديث بحرية عن الرؤى المؤيدة لإسرائيل، دون الحاجة إلى الدفاع في مواجهة الأفكار المضادة للصهيونية”. (لاحظ أن هناك كلمة سقطت من النص وموجودة في الرابط   against anti-Zionism )

ويعني ذلك عمليًا أن تستثني هيليل بصورة منهجية اليهود الناقدين أو المعادين لإسرائيل، بالرغم من أن الجماعة حصلت على اعتراف إدارة الجامعة، وما يرتبط به من مزايا، على أساس أنها مركز لتجمع كل اليهود داخل الحرم الجامعي، بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية. تخيل الفضيحة التي يمكن أن تحدث لو اشترط نادٍ أو دار أو سكن جامعي للأمريكيين من أصول إفريقية أن يكون الإيمان بفكرة القومية السوداء شرطًا لعضوية الجماعة.

تساهم السياسة الإقصائية لهيليل في حملة أوسع ضد معارضي وناقدي الصهيونية. وقد وجدت دراسة عام 2016 لبين أمريكا أن عديدًا من المؤسسات الصهيونية والأفراد الصهاينة حاولوا حظر نشاط حملة مقاطعة وسحب الاستثمارات ومعاقبة إسرائيل من العمل في الجامعات الأمريكية. وعلى سبيل المثال، أدان الصحفي جلين جرين والد وآخرون الحملة التي قام بها مجلس الحكام في جامعة كاليفورنيا لأجل حظر الانتقادات والأنشطة المعارضة لإسرائيل، وذلك تحت دعوى مواجهة العداء للسامية. وفي غضون ذلك، تم الضغط على الجامعات في مختلف أنحاء الولايات المتحدة كي تفصل الأساتذة المؤيدين للفلسطينيين وتتخذ إجراءات انتقامية ضد الجماعات المؤيدة للفلسطينيين.

ويجب أن نفهم التطورات في هيليل في السياق الأوسع، حيث أصبحت أعداد متزايدة من اليهود، خاصة الشباب، تنتقد سياسات وممارسات دولة إسرائيل.

حرية التعبير من أسفل

عندما يتفاعل الاشتراكيون مع مسألة حرية  التعبير، يجب ألا ينظروا إلى إشعيا برلين، نموذج الشجاعة في الدفاع عن حرية  التعبير الذي أحياه جارتون آش، بل إلى روزا لوكسمبورج، التي أكدت أن حرية التعبير مصمَمة من أجل هؤلاء الذين لا يوافقون.

ولا تختلف الرؤية المطروحة هنا مع الليبرالية فقط، بل أيضًا مع  التيارات اليسارية التي تتبنى رؤى سلطوية من أعلى، ومن بينها المفاهيم التي تشجع، ضمنًا أو صراحة، على “ديكتاتورية تعليمية” من جانب المثقفين المتنورين، مثل تلك التي نجدها في مؤلَّف هربرت ماركيوز.  ويقول ماركيوز في كتابه في نقد التسامح الصرف A Critique of Pure Tolerance إننا يجب ألا نقمع حق الأقوياء في حرية التعبير لمجرد أنهم يرغبون في غسيل مخ الشعوب. وتستند حجته على الزعم الصريح بأن المثقفين من أمثاله يجب أن يقرروا ما هي الأفكار التي يتعين على الناس التعرف عليها.

وكما هو الحال مع جارتون آش، يستند تحليل ماركيوز حول حرية التعبير على التسامح، وبالتالي ليس بوسعه تقديم دفاع قوي عن الحق في حرية التعبير. ويبدو ذلك من قبيل المفارقة، لأن ماركيوز وأولئك الذين يوافقون على رأيه يمثلون أقلية صغيرة ــــــ ويكون احتمال قمع أرائهم أكبر من احتمال قمع آراء الحكام.

كما يختلف موقف لوكسمبورج أيضًا عن السياسات الستالينية والستالينية الجديدة في جميع أشكالها، التي تقدم طرحًا خاطئًا مفاده أن ماركس لم يكن مهتمًا بالدفاع عن الحقوق الفردية “البرجوازية” والديمقراطية السياسية. لكن في واقع الأمر، كانت سياسات ماركس متجذرة بقوة في الحركات الديمقراطية الراديكالية في عصره. وفي أول مقال له، انتقد بقوة القرار الحكومي الذي ينشئ الرقابة، قائلاً:

يصبح الكاتب إذًا خاضعًا لأكثر أشكال الإرهاب إخافة، وهو الحق القانوني في الاشتباه. إن القوانين التي تخص الميول، القوانين التي لا تقدم معايير موضوعية، هي قوانين إرهاب، مثل تلك التي خلقتها ضرورات الدولة تحت حكم روبسبيير وعفن الدولة تحت حكم الأباطرة الرومان.

وبالنسبة لبعض التيارات اليسارية، تعمل حرية التعبير والحريات الديمقراطية الأخرى كغطاء يحجب دفاع البرجوازية عن الملكية الخاصة. وفي واقع الأمر، لم تكن البرجوازية الرأسمالية قط ملتزمة بعمق بحرية التعبير والحريات المدنية الأخرى، بل إنها تتعايش بسعادة مع تشكيلة واسعة من النظم السياسية غير الديمقراطية، بما في ذلك الفاشية ونظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا. وفي التحليل الأخير، تسمح الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج للرأسماليين بالاحتفاظ بالسلطة الاجتماعية والاقتصادية باستقلال عن النظام السياسي.

وفي الحقيقة، فإن تحطيم سيطرة الطبقة الحاكمة على القوة الاقتصادية الاجتماعية وتأسيس الملكية الجماعية يعتمد على الديمقراطية. وقد طرح البيان الشيوعي The Communist Manifesto أن “الخطوة الأولى في ثورة الطبقة العاملة، هي رفع البروليتاريا إلى وضع الطبقة الحاكمة، أي كسب المعركة الديمقراطية”. وفي أغلب الأحيان، جاءت النضالات من أجل الحقوق الديمقراطية ـــــ مثل حركة التعبير وإلغاء العبودية والاقتراع العام وحقوق العمال والمرأة ــــــ في أعقاب الثورة البرجوازية. وقد كانت هذه الحقوق بمثابة فتوحات ديمقراطية تم الفوز بها بواسطة النضال الجماهيري. لقد سمحت حرية التعبير والتجمع والحريات الديمقراطية الأخرى للعمال بالنضال من أجل مصالحهم.

ويميل بعض دعاة الاشتراكية من أعلى إلى الدفاع عن الحريات الديمقراطية المتعلقة بالطبقة العاملة فقط. لكن هذا التصور يعبِّر عن منظور ضيق ومحدود التفكير لطبقة يجب أن تكون، على حد قول لينين، “المدافع عن الشعب”، ممثل مصالح الأغلبية الاجتماعية الكبيرة. وتسير هذه الرؤية في اتجاه عكس التقليد الاشتراكي الذي يؤكد بقوة على المطالبة بالحقوق السياسية للجميع، مثل حق الاقتراع. ولعل الأمر الأكثر سخرية أن هذا التيار السياسي كان يطالب بحرية التعبير والحقوق الديمقراطية الأخرى فقط حينما تخص هذه الحقوق المعارضة المضطهدة.

وعلى عكس هذه الرؤية، كما طرح هال دريبر في مقاله عام 1968 “حرية التعبير والصراع السياسي”: “لا يوجد تناقض، ولا مسافة من حيث المبدأ، بين المطلوب من الدولة الراهنة، وما نقترحه بالنسبة للمجتمع الذي نريد استبداله بها، المجتمع الحر”.

واتساقًا مع هذه الرؤية، يتعين علينا الدفاع عن حرية التعبير في حد ذاتها، وليس لمجرد أنها تساعد على التنظيم والنضال من أجل مجتمع جديد. ولا تختلف حرية التعبير هنا عن المكاسب الاقتصادية التي ربحتها الطبقة العاملة وحلفاؤها. فالاثنين مهمان في حد ذاتهما ولأنهما يقويان الطبقة العاملة وحلفاءها في نضالهم من أجل التحرر.

موضوعات ذات صلة

أوراق من اليسار المصري: وثيقة”طبيعة السلطة البرجوازية في مصر” لقد وجهت الطبقة الجديدة ضرباتها إلى رأس المال الكومبرادوري، والى رأس المال الاستعماري كما عملت على تصفية كبار ملاك الأرض كطبقة، وأدى ذلك إلى الخروج من قبضة السيطرة الاستعمارية الاقتصادية. ونجد أثر ذلك في الريف، فقد فتح الباب على مصارعيه لنمو العلاقات الرأسمالية فيه. وقد نمت الطبقة الرأسمالية الزراعية (من 10 - 50 فدانا) من ناحية العدد، ومن ناحية حجم الملكية، ومن ناحية نسبة ما تمتلك من أرض إلى المجموع العام.

بالأحمر

ماذا في الفراغ الرقمي؟ (2) يمكن أن تحل التكنولوجيا الرقمية محل العمال، مثلها في ذلك مثل كافة التطورات التكنولوجية السابقة تماما. ولكن علينا النظر في التأثير العام للابتكار التكنولوجي في المجمل، قبل قبول فكرة أن التكنولوجيا الرقمية تعني نهاية العمل.

مارتن ابتشيرتش

أزمات الرأسمالية الديمقراطية إن الشكوك بأن الرأسمالية والديمقراطية لا يمكن الجمع بينهما بسهولة ليست جديدة على الإطلاق. فمنذ القرن التاسع العشر، وكذلك في القرن العشرين، كانت البرجوازية وقوى اليمين السياسي تخشيان من أن حكم الأغلبية، الذي بدوره سيرسي حكم الفقراء على الأغنياء، سيقتلع الملكية الخاصة ويتخلَّص من الأسواق الحرة.

وولفجانج ستريك

الفصل الخامس من كتاب (رأسمالية الزومبي) يمثل الإنفاق العسكري شكلا خاصا من أشكال الهدر الذي يمكن أن يقبله الرأسماليون المنتمون لدولة ما، لأنه يعزز من قدرتهم على الصراع مع رأسماليي الدول الأخرى. ويُعتبر هذا الإنفاق مفيدا بالنسبة لمجموعات رأس المال المستندة إلى أساس قومي، بالرغم من أنه يؤدي إلى إهدار الموارد بالنسبة للنظام ككل.

كريس هارمان

الانتخابات لماذا؟

هاني شكر الله