نظرية نهاية التاريخ سائرة نحو التجدد والتمدد

قضايا

28  مارس  2017

تتجدد نظرية نهاية التاريخ كلما ظن غيرنا أنها تتبدد، والواقع إن هذه النظرية تكتسي طابعا مغريا للغاية، من حيث كونها تسعف أي لحظة استعمارية أو خاطرة استشراقية بالمعنى المعرفي. فالنظرية على ما فيها من صحة متخيلة وبريق استثنائي، تستلهم عناصر بقائها الدائم من أحقية وجودها المتكرر، كأداة مرهِصة لما يليها.

وللنظر إلى مسألة الاستعمار؛ كيف تقتات الأخيرة من انتهاء تاريخي مزعوم بمجرد الهيمنة، والواقع أن الهيمنة ذاتها هي أنجع أدوات نظرية نهاية التاريخ، وأكثرها وظائفية على الإطلاق.
الأسباب كثيرة؛ تلك التي تبرر بقاءها بهذه الضراوة، فالناظر إلى سياق النظرية يدرك تماما، أن معنى أن تتمدد هذه النظرية وتتجدد، هو عصبها الدائم والمستمر، الذي يتبدى في افتراض وجود “الإنسان الأخير”. وقد يكون معنى أن يتم وصف الأخير، ملازما لفكرة موت النماذج دونه، ذلك أن الأخير هو المطلق، وبالتالي اختزال كافة التجارب الإنسانية في معنى الإنسان الذي يأتي تاليا على الأزمنة التي خلفها وراءه، ويحل بدوره منهيا للنماذج التي طرحها الإنسان القديم عبر مراحل طويلة من صدامه مع الجغرافيا والحضارة، بيد أن هذا الختام في حد ذاته، يؤكد أن الاحتقار والحط من كرامة البشر هو الأود الحقيقي الذي يقيم هذا الأخير، ويجعله مقصيا من التاريخ، ومفتتحا لتاريخ مستقل، بعيدا عن التأثيرات التي قد تبشر بمعاني جديدة وتجارب رديفة.

الفرادة التي تختلف عن التفرد إلى حد ما، فالفرادة تعني أن صاحبها يختلق أنموذجا جديدا عن الآخرين، ويعمل على تطويره وتحقيق الهيمنة من خلاله، فيما التفرد قد يكون ناتجا عن استفادة ضمنية من حركة التاريخ ونماذج البشر في بحثهم الدؤوب عن الحضارة، فالفرادة منهية للتاريخ بينما التفرد جزء افتتاحي منه، ومؤشرٌ على تواتر التجارب واختلافها.

لقد دأب الإنسان لتحقيق فرادته وتفرده في الآن معا، وحفلت حياته منذ القدم على صناعة الفرق، وكان جوهريا أن تتخذ أفكاره وصنائعه، مسلكا يختلف عن الذي قبله، لكن هاجس الإنهاء لم يكن في واقع الأمر إلا حلول متطرف في الطبيعة، جعل منه أحد أدواتها، فيما المطلوب أخلاقيا أن تكون الطبيعة نفسها أحد أدواته في تسخيرها من أجل التغيير.

والحضارة التي ينشدها الإنسان بكل تفاصيلها، هي في آخر الأمر نوع من التحالف بين التاريخ والجغرافيا، وبالتالي يغدو الإنسان أحد صناع هذا التاريخ، بينما تقع الطبيعة في إحدى أسباب صناعة التاريخ، بتوفير الجغرافيا التي تستوعب التاريخ وتعمل على إرفاقه بالكثير من الأسباب المؤدية إلى نجاحه.

وإنْ حدث أن أصبح الإنسان أحد أدوات الطبيعة كما أسلفنا سابقا، يصبح هذا التآخي الذميم، قائما على التآنس بينهما، بحيث تفرض الطبيعة قيمها القسرية على تفكير الإنسان، فيغدو حينذاك شبيها بها، ومضطلعا لإنهاء التاريخ بالتفرد بنفسه وبها، من أجل قصر الحيوات والجغرافيات بكل اختلافاتها واتساع تخومها وتنوع أسبابها، على نفسه التواقة للإيفاء بالأقصى من الأشياء، واعتبار الواقعي يعكس التفرد والعكس أيضا يصح، ما دامت العملية تبادلية على نحو جازم.

(ومن جانب آخر، فإن الواقعية، باعتبارها نموذجا إرشاديا يبين كيف يسير العالم، تترك مجالا كبيرا للتمني. فالدراسة المتعمقة توضح بطلان ما يعزوه الواقعيون من افتقار إلى الإحساس بالأمن والسلوك الساعي إلى زيادة القوة قدر الإمكان، إلى كافة الدول في كافة الأزمنة. فالمسار التاريخي والأيديولوجيا، وهو ما يوفر أسسا محتملة عديدة للإمبريالية والحرب. وقد كان كل من هذه الصور للشرعية السابقة على الليبرالية الحديثة، يقوم على أساس شكل للعلاقة بين السيد والعبد، بحيث أضحت الإمبريالية – على نحو معين- ثمرة للنظام الاجتماعي. وكما تغيرت مفاهيم الشرعية عبر التاريخ، فقد نشبت حروب لها أهداف شديدة التباين في كل عصر. ولم يكن ثمة مصلحة قومية، موضوعية، تمثل العامل المشترك في سلوك الدول في مختلف العصور والمناطق، وإنما كان ثمة مصالح قومية عديدة يحددها مبدأ الشرعية السائد والأفراد المسؤولون عن تفسيره.)[1]

ويستمر فوكوياما في تعليل رأيه: (ويبدو أمرا طبيعيا أن يكون للديمقراطية الليبرالية الساعية إلى إلغاء التمييز بين السادة والعبيد بجعلها العبيد سادة أنفسهم، أهداف للسياسة الخارجية مختلفة تماما عن أهداف غيرها. فإن عم السلام عالم ما بعد التاريخ، فلن يكون ذلك لأن الدول الكبرى تشترك في مبدأ واحد للشرعية. فمثل هذا الوضع كان معروفا في الماضي في أوقات معينة، كحين كانت كل الدول الأوربية ملكيات أو امبراطوريات. وإنما سيعم السلام بفضل الطبيعة الخاصة للشرعية الديمقراطية، وبفضل قدرتها على إشباع حاجة الإنسان إلى نيل الاعتراف.)[2]

ما لفتني في هذا المقطع من كتاب فوكوياما المثير للجدل، فكرتين على سبيل الحصر، نحتهما فرنسيس بذكاء، الأولى هي ما وصفه بـ”عم السلام في عالم ما بعد التاريخ”، وعبارة “سيعم السلام بفضل الطبيعة الخاصة للشرعية الديمقراطية، وبفضل قدرتها على إشباع حاجة الإنسان إلى نيل الاعتراف”.

الهجوس بعالم ما بعد التاريخ، هي ذروة المشكلة بين المؤمنين بأن التاريخ بلا بعد، لأنه مستمر، والبشر في حالة تلاحق دائم، وبين المؤمنين بأن التاريخ انتهى عند النموذج الليبرالي، ولم يعد البشر قادرون على افتكاك معنى حضاري جديد، يؤسسون به لتاريخ آخر.

ثم إن الطبيعة الخاصة للشرعية الديمقراطية، وقدرتها الفاضلة في ذلك، على إشباع الحاجة الإنسانية إلى نيل الاعتراف، تجعلنا في صميم المواجهة القانونية، حول مسألة الرواية الأحادية للنيوليبراليين والمحافظين، حول مسألة الديمقراطية في حد ذاتها، وهل تستمد شرعيتها بناء على القسر، رغم تعثر التجارب الديمقراطية في البلدان التي يحلم مواطنوها بالديمقراطية. فإذا فرضت الديمقراطية بطريقة قسرية، مؤسسة على عاملين اثنين: القسر والفجأة، هل يتمكنان من شرعنتها، أو حتى جعلها ديمقراطية حقا؟

الواقع أن الطبيعة البشرية للديمقراطية عن طريق إشباع الحاجة إلى الاعتراف، هي نفسها الطبيعة التي ترفض أن يتم فرض الديمقراطية النيوليبرالية بشكل غير قانوني وحتى غير إنساني، أي عن طريق الاحتلال وتجنيد ما يوصفون بـ” العملاء”.

المسألة مركبة على نحو معقد، وكما من حق فرنسيس فوكوياما أن يعتقد بأن تجاوز بعض المراحل من أجل تحقيق الديمقراطية، من أجل إشباع الحاجة البشرية للاعتراف بحلول المشروع الديمقراطي مكان النموذج الاستبدادي، يؤصل إلى حالة إغفال عن الطرق المتخذة من أجل تحقيق ذلك، قد يكون هنالك آخرون يعتقدون بغير ذلك، إذ يعتبرون بأن الديمقراطية لا تأتي إلا بإحدى طريقين: الثورة أو الانتخاب. وما دونهما ليس إلا إرهاصا لنوع من الديكتاتورية المماثلة ولكنها من خارج الإطار الجغرافي فحسب.

إن قضية الاستقلال الوطني لا تنفي قطعا ظاهرة الاندماج الوطني، فكلاهما معبران لتحقيق الديمقراطية بالطريقين السالفين، وما يتفرع عنهما من وسائل، هي في الواقع في محل شرعي، ما دامت مبنية على خيار وطني داخلي، وليس قسر خارجي، غير مؤيد من قبل الأمم المتحدة، وغير حائز على الإجماع؛ داخليا كان أو خارجيا.

وحتى لو تم القفز على هذه العناصر المؤسسة للتغيير في إطار المرجعية الوطنية، فإن الواقع سوف يكشف خلاف ذلك طال الزمان أو قصر. إن فوكوياما الزاعم بانتهاء التاريخ على النموذج الليبرالي هو نفسه، قال” إن أميركا دولة فاشلة” في تقرير ذكرته الصحيفة الروسية “كومسومولسكايا برفدا” في يناير 2017.

لن تتبدد نظرية نهاية التاريخ مادام هنالك ما يعزز بقاءها، إنها تقوى أكثر فأكثر، ما دامت الإمبريالية أخذة بالتوسع، وجشع الإنسان متواترا وغير منتهٍ على منجز شخصي واحد. خاصة وأن المعاني السياسية ومنذ القدم لم تزل بذات القوة والسطوة، فتأمين الحدود عبر التدخل في الطرف الآخر، بحجة توثيق نيته في ممارسة العداء نحو صاحب التدخل، برزت وبشكل جلي في هذا العصر، وبمحتوى جديد أيضا، إذ لم يعد التدخل بناء على ما يعرف بالحدود الجغرافية، من أجل ترسيمها ثم توثيقها أمميا، كما في السابق، بل بات مع سطوع الإمبريالية وأفكار نهاية التاريخ يتعدى الحدود الصلبة بين دولتين، يجمعهما خط حدودي، إلى حدود سائلة، تفرق المسافة بالآلاف عن جاورهما.

وقد رأينا ذلك في احتلال العراق، حيث وبحجة تأمين الحدود الأميركية، وحمايتها من الإرهاب الدولي، اخترعت قضية أسلحة العراق، وأطيح بالنظام الحاكم هناك، على ديكتاتوريته ووحشيته، ولكن الحق في إسقاطه لم ينصرف إلى المعنيين به حصرا، وهو الشعب العراقي، وإنما صار بيد القوة التي تدعي أنها وصية على أمن العالم، حدا ببعض المراقبين إلى تسميتها بـ “دركي العالم”.

وعندما لم تساند الدول الأوربية ذلك الاحتلال أمميا، اتهمها وزير الخارجية الأميركي السيد دونالد رامسفيلد وقتذاك، بأنها “دول لم تتخلص من عقدتها القديمة”.

ولقد بدا أن التاريخ غير متحرر من الحاضر البتة، فقد لجأ هذا الوزير إليه، من أجل إشباع الهاجس الأقوى في ذهن الحاضر، ألا وهو التاريخ القريب أو البعيد من أجل توطئة الرد على مواقف الدول الغربية من احتلال العراق، وكان يقصد فرنسا على سبيل الحصر، حيث شنت هذه الدولة حربا أدبية على نية احتلال العراق، وشنفت أسماع العالم عبر خطاب وزير خارجيتها السيد دومينيك دوفيلبان الشهير في الأمم المتحدة.

العالم يشرب من قدحه القديم، ولم يشفَ بعد من أعراضه القديمة، مما يدل على أن الحاضر بكل مستوياته الحضارية والأخلاقية، لا ينعتق من هاجس الماضي، ولا يفرغ من تعاطيه، مادام المستقبل قائما على عنصري الهيمنة وبسط السلطة، وتحقيق الرفاه الأمني بوصول العنصرين السابقين إلى درجة من الضمان والتحقق.

إن هاجس افتقاد الأمن وحماية المجتمع، إذا لم يكن مشفوعا بأدلة مادية مقنعة، بالإضافة إلى الأدلة القانونية في شكليهما الداخلي مرموزا إليه بالمحكمة العليا، والمجلس الدستوري عند بعض الدول، والخارجي مرموزا إليه بالأمم المتحدة، يفتقد إلى الحجية الكاملة، وبالتالي يؤصل إلى تجدد نظرية نهاية التاريخ، ويعطف على ممارسات غير قانونية تخوضها الدولة من أجل استئناف دخولها إلى تجديد المعطى التاريخي النهائي، حيث تصبح هذه الدولة، ظهيرا قويا لإنهاء التاريخ على منطوقها الخاص، وتفرض على غراره جملة من المعالم التي نسترشد من خلالها على اعتبارها “دولة منهية للتاريخ”، وليست “دولة ترى بوحدة التاريخ وانفتاحه”.

العالم اليوم إذ يزامل هذه النظرة، ولو كان ممتعضا منها، لكنه يصيرها إلى بدايات ويسقفها بالنظر المحايد، إنما يضر نفسه بالدرجة الأولى، وينسف تجربته الخاصة في صناعة التاريخ، والحفاظ على هذه الأصالة التاريخية التي تحفظ للأمم التي تلي حق رواية تاريخها على النحو الذي يناسبها هي، بمعزل عن التصفية التاريخية القديمة، التي تدحض حجج المستقبل في فتح قنوات أخرى للتاريخ، وتشييد جسور جديدة من أجل الرواية عن نفسها بما يناسب تطور إنسانها، واتساقه بحاضره وقادمه.

ورغم ما يكتنه الحاضر من ملمات، فإن تجاوز القانون الدولي أحد المسببات لمنح دولة بعينها، حرية افتعال السبب الذي بموجبه تنهي التاريخ على موضوعة شخصية، باعتبار الدول في آخر الأمر أشخاص عند القانون الدولي، مما يعني – وهذا هو الخطر الداهم مستقبلا- العودة إلى ظاهرة الاستعمارات الكلاسيكية، حيث تتجلى الطبيعة المتاخمة لسننها التي من المفترض أن الإنسان قد فرغ من ترويضها لصالحه، إلى العودة مجددا وبأكثر الوسائل شراسة وعداء. فالعالم مهدد بتجدد هذه النظرية وانتفاء وجه التبدد، مادام هنالك من يقصي المعنى/الثقافة المخالفة، ويدفع نحو افتعال صدام حضاري يحمل أسبابه دائما معه.

 إذ انتهاء التاريخ على “مزحة” تاريخية آنية، ومقابلتها باليسر والدعة، يأخذنا تلقائيا إلى استنساخ القدماء/المستعمرين، أولئك الذي آمنوا بأن التاريخ ينبغي أن ينتهي عند روايتهم هم وفقط، وبالشكل التعسفي الذي استدعوا في دواخلهم الإنسان الأول حيث ساد منطق الغاب، وباتت الحياة للأقوى، ومن دون تنظيم أو تمايز.

أما على المستوى القانوني فقد تصبح الأمم المتحدة مثل عصبة الأمم تماما، رغم أنها قامت على فشلها في منع حدوث الحرب العالمية الثانية، لكنْ بالحساب التقريبي، ستصبح الأمم المتحدة هي الأخرى نسخة مشوهة عن عصبة الأمم، إذا لم يتم دعم الخيارات الدولية بحلول السلام وفرض القانون بتوسيع نطاق الفيتو إلى أكثر من الخمسة المسيطرين على آلية القانون في مجلس الأمن، إلى أكثر من ذلك، بحيث تقوى الجمعية العامة، وتصبح أداة ملزمة في قراراتها، وتكتسي الحجية الكاملة والملزمة لأعضاء مجلس الأمن، دون استخدام الفيتو ضمن النطاق المصلحي الذي يجعل هذا الجهاز برمته، عبارة عن مخفر لتحديد المصالح الشخصية والحفاظ على استمرارها بواسطة أداة قانونية ملزمة، وحامية لمكاييل العالم المختلفة في تحديد الصالح والطالح لمستقبل البشر في كونهم الواحد.

ورغم أن اليوتوبيا في هذا الحديث، قد أخذت مفاعيلها، ولكن ذلك لا يمنع من أن تحقيق ما قلناه آنفا، ليس بالأمر المستحيل بالنظر إلى حاجة العالم إلى خطاب سياسي وثقافي وقانوني وأخلاقي، يتوخى قدرا من المسؤولية التي تفرض على الجميع الإيمان بوجود عالم واحد، ينبغي أن يشعروا حياله بالمسؤولية الكاملة، تفاديا للحروب، ودحرا للخلافات، من أجل اللحظة الحالية، ومن أجل الأجيال القادمة التي سترث دولها، طالَ الزمن أم قصر.

إن نهاية التاريخ ليست نظرية بسيطة حتى تتبدد بالصورة التي يراها البعض، بل هي مزاج نفسي يخالج الدول التي تمتلك أدوات الهيمنة، وبالتالي لتحقيق الحماية لذلك المزاج الشخصي، تتواجد القوة المساعدة على ذلك، وتتوافر جملة العجوزات القانونية لأكبر مبنى قانوني في العالم، لم يتحكم بعد في توجيه تلك الدول في إطار عمله الموكل إليه بموجب النص التأسيس له.

ومع تطور أشكال التدخل خارج الحق القانوني، ثار ما ثار من جدل حول فاعلية الأمم المتحدة في فرض الشروط القانونية على الدول الكبيرة، وأصبحت قاعدة الأقوى مفعلة وبقوة، أمام قصور الدول الضعيفة على تحريك الجانب القانوني في الأمم المتحدة بغية توجيه قراراتها بشيء من الإلزام من أجل تحقيق العدالة القانونية، وحجب تلك الدول عن تنفيذ حقول تطبيقها لنظرية نهاية التاريخ، عبر تجديد أسبابها بما يوافق حاجتها لانتهاك القانون، والسير بمفردها نحو حل النزعات الدولية.

لقد قال الأمين العام للأمم المتحدة السابق السيد كوفي عنان، بأن “احتلال العراق غير قانوني”، ووصم التدخل الأميركي بالاحتلال، مما يسبغ عليه طابعا أدبيا بعدم الشرعية، ثم اعتباره “غير قانوني” يجعله في محل مخالفة القوانين والمواثيق الدولية، مما يستدعي العقوبة، فيما لو التزم العالم حقا وصدقا بالنص التأسيسي للأمم المتحدة.

من هنا وبلا شك، إن هذه النظرية بقدر ما تبدو قريبة من الهزل في معناها، بقدر ما تحمل كيانا إيديولوجيا مكتملا، فهي ليست قرينة وضع بعينه، وإنما سلسة منظمة من الأفكار الحدية القائمة على أن العالم لن يكون إلا برواية واحدة، بل لا يتسع إلا لتلك الرواية، ومسألة بقاء النموذج الواحد، هي مسألة مرتبطة عضويا بسلامة النماذج الأخرى، بوصفها صغيرة، ولا تشكل مأزقا للعالم ولنفسها، مادامت تحت سلطة النموذج الأكبر، لرواية التاريخ والحضارة والإنسان الأخير.

لهذه التبريرات فعل السحر لدى بعض المؤسسات الدولتية، الممثلة في شكل عصب وسلط حاكمة، لاسيما تلك التي ارتضت أن تكون نموذجا فرعيا مرتبطا بسلام النموذج الأكبر، والتي سبقَ أن أشرنا لها، فهي إذ ترى بأن مرورها في التاريخ كتابعٍ حصين للنموذج الأكبر، يحمل في حد ذاته تحصينا من التلاشي الحضاري، وبالتالي أي خوف مستحق من اندثار الأثر الآني في المستقبل، قد يكون ضعيفا بتقديرها، ما دام هنالك عراب سوف يستقل بالتاريخ آجلا وعاجلا.

أغلب هذه الدول في واقع الأمر، قريبة للغاية من النماذج التوتاليتارية في الحكم، وسياقها في الحكم والسياسة، أمام المجتمع الدولي، لا يدخل ضمن التكهن، مادامت دولة حليفة للنموذج الوصي.

من أجل ذلك، لن تنتهي نظرية نهاية التاريخ، كما أن النقد في حقها يظل دائما مشغولا بالعمل والبحث والتحري، فلا يفقد السياق مكانته وأهميته، طالما هنالك حالة من فرز العالم، والاستفادة اللحظية من ذلك الفرز، بناء على أن التقاسم الإيديولوجي لن يكون سوى دمغة بسيطة، ما لم يحدث الفرق، عبر تبني بعض النماذج السياسية لقراءة أخرى للتاريخ، مبنية على اشتمال التاريخ على أكثر من معنى إيديولوجي، في ظل إقصاء مفهوم الإنسان الأخير.

يعتبر الفرنسي ميشليه أن المحتوى الفلسفي الألماني، يقوم على اعتبار أن المجتمعات والأفراد في حالة تقدم دائم. وينتقد المؤرخ غول ميشليه ذلك، باعتبار أن المجتمعات والجماعات والأفراد؛ صحيح أنها في حالة تقدم مطرد، لكنها ليس بالضرورة سائرة إلى التقدم الحضاري، فقد تأتي في صور مفاجئة، حالات من التقهقر معطوفة على الازدهار والرقي، وبالتالي تصبح النظرية الهيجلية للمستويات المتطورة للتقدم بحكم التتابع، ليست صحيحة بمنطق الجزم، وإنما تسير بعكس الحتمية تماما.

والواقع أن هيجل قد قسم التاريخ إلى ثلاث مراحل: المرحلة الشرقية، والمرحلة الكلاسيكية، والمرحلة الجرمانية، وعزا لكل مرحلة رسالة تاريخية تعتقد بضرورة تأديتها من أجل دفع النموذج البشري إلى الأمام. لكن هيجل بهذا التصور قد جعل المرحلة الجرمانية نوعا من الانتهاء المعجل للتاريخ، بحيث تصبح النماذج التي تلي المرحلة الجرمانية ميتة تماما، هذا الأمر الذي جعل التصور الفوكويامي يقطع بأن الإنسان الليبرالي هو الإنسان الأخير.

ثمة منهجين من أجل فهم التصورين الهيجلي والفوكويامي، الأول هو إتباع الاستنباط من خلال إبراز الحوادث التي وجب طرحها من أجل تحليلها ونقدها، تمهيدا لجعلها نماذج تحتاج إلى بحث وتروِ وفهم عميق، بالإضافة إلى حاجتها الملحة إلى النقد والفرز والتحليل. ومنهجٌ استقرائي مرده قراءة تلك الاستنباطات وإقالة روابطها التاريخية، من أجل بحثها بحثا عميقا، خاليا من الإيديولوجيا، بيد أن المشكلة هنا، في أن النظر إلى غائيتها من خلال اعتبار النموذج/ المرحلة بالتقسيم الهيجلي نهائي ومتفرد، يجعل تلك الغائية قاطعة الدلالة على أن القرينة التاريخية توحي بانتهائه، واليقين بأن إنسان المرحلة الأخيرة هو الإنسان الأخير في واقع الحال والمآل.

ذلك أن الغائية سوف تقود حتما إلى هذا الاعتبار، ولن تني برهة في إقصاء المحاولات البشرية في إيفاد معاني جديدة ومقترحات معرفية أكثر حداثة، لن تكون تلك المحاولات بقصد تصحيح التاريخ على الإطلاق، إذ يفترض في النقل التاريخي الأمانة فحسب، أما سرد المبررات وشحذ المسوغات، على نحو ما يفعله بعض المهووسين بصقل القيم التاريخية؛ سالبة كانت أو موجبة، بسلسلة من التبريرات والأسباب، بما تمليه الحاجة الدينية تارة، ومرات كثيرة بما يفرضه منطق “الواجب الوطني” تارة أخرى، فليسوا على تمام المعرفة المجردة من العواطف والميول.

كنت أقول بأن الغائية هي القائدة والبوصلة في معرفة الداعي التي ذهب بصاحبه إلى إنهاء التاريخ، ومنه فالبحث في هذه القصدية هي في الغالب الأعم، ما يفصح به الكاتب أو السياسي أو التاريخي ضمنا عن التكييف التاريخي الذي يفعله تجاه الحوادث، من أجل قصر النموذج الأمثل على توجه واحد وزمن لا يقبل الدخيل، ما لم يكن امتدادا ضروريا له.

أنظروا إلى هذا المنطق الغريب؛ “من أجل قصر النموذج الأمثل على توجه واحد وزمن لا يقبل الدخيل، ما لم يكن امتدادا ضروريا له.” إنه الواقع المعايش لو أننا تأملنا قليلا، بل هو جوهر اليمين تماما، ذلك اليمين السياسي الذي وإنْ ظهر في مظهر المتجاوز لجدلية التاريخ المنتهي، لكنه يتذرع بأسبابه، ويسعى إلى الظفر بنتائجه.

اليمين اليوم، الذي ينتعش كثيرا من الأجواء المساعدة على بروزه، هو التجسيد الثاني والفعلي، لنظرية نهاية التاريخ، بل هو صمام البقاء لهذه النظرية، والدافع الأكبر لإعادة طرحها وقراءتها وتحليلها، ذلك أنه يرفدها كلما ظن البعض بأنها مجرد فرضية عابرة، طرقت في زمن محكومٍ بشروطه فقط. متناسين هؤلاء الطيبون والسطحيون، بأن خلع المسميات والإبقاء على المعنى عاريا من تفاصيل الألفاظ، هو البرنامج السياسي مجسدا بشكل تافه وساذج، لنظرية نهاية التاريخ.

هذا القالب الوصفي الذي يتأرجح يمنة ويسرة، في المدخرات السياسية لليمين المتطرف، يفتح المعنى على أكثر من قوس، ومهما يكن من الأمر فإن قصر الرواية الحضارية لأفضل المسالك السياسية تطبيقا وممارسة، واعتبارها قصوى التجربة البشرية، لا يني يعبر عن توجه تحقيري لغيره، والحاكم هنا والفيصل، هو دائما النظر إلى المحتوى الضمني لأي منطوق سياسي، فإذا كان قائما على استبعاد التلاحق الحضاري والتغير الثقافي، فإنه وبالضرورة التي لا تقبل الجدل، نموذج خلاصي وإنهائي، عصبه الأول والأخير، الاعتقاد بزوال التغيرات والطوارئ التاريخية على البشر المجايلون لزمن التغير القادم.

يسير اليمين على هذا التوجه دون أن يعي، ويبعث نهاية التاريخ، مرة تلو أخرى، سواء درى بذلك أم لم يدرِ، سيان ذلك في هذا المقام، ما دامت الأرضية متوفرة على أسباب ثمينة لطرق الانتهاء من الآخرين، بناء على عقيدة سياسية، قد يؤازرها الدين ويصبح أداة من أدواتها، حالما يستخرج من إطاره، ويدخل ضمن الصراع الحضاري على اللحظة من أجل التفوق والخلاص الأبدي.

لقد كان التوجه الأخلاقي التاريخي، لا يسمح على الإطلاق بحسم المعارك السياسية، بالاستناد إلى الانتصار الأبدي على الطرف المقابل، فالمراجعات التي تليها غالبا ما تأوي إلى أن المعارك والمواقع تكون مترادفة، وليست مواقع كبرى تنتهي البشرية “الضالة” عندها.

هذا في واقع الحال، يدفعنا دوما إلى الاعتقاد، بأن المعركة الحقيقية في ذهن الإنسان بالدرجة الأولى، فينبغي التنبه إلى أن إعادة تعريف المصطلح، وقصره على معناه أحد الأركان الجهيرة في إتمام عملية “التطهير” الأخلاقي، ليس من منطلق كونها تتوافق مع رواية معينة للأخلاق، وإنما باعتبارها وجوبا يجب أن تنقاد إلى الأخلاق الكلية للإنسانية كلها، وهي تلك التي ترى بوحدة المعنى المتجدد واكتفائه بنفسه.

إن شكل العلاقة بين الأخلاق والتاريخ، بالغ التركيب والتعقيد، ويكاد يكون أحد العوامل الأكثر بروزا، والأشد تمايزا في صناعة العملية التأريخية، ويتبدى الفرق جليا وواضحا، وبين التاريخ كمسار إنساني يرمز إليه بـ” History بين علم التاريخ ويرمز إليه بـHistoriography، فالأول يقصد به التاريخ ككم ضخم ومتلاحق من الأحداث التي لم تخضع بعد للدراسة والبحث والتحري، فيما تعني المفردة الثانية؛ البحث في السياق بناء على تخصيص معين، من أجل التدليل على حادثة محددة أو فكرة مستقلة.

وتقع الأخلاق كمعنى فضفاض وفلسفي، في معنى اللفظة الثانية، فأخلاقية أي باحث أو مطلع، تفترض فيه جملة من الاستعدادات التي يجب توافرها أولا، قبل الولوج إلى عملية التحليل التاريخي تاليا. هذه الأخلاقية تحسم المعركة مع التاريخ ابتداء، إذ إنها تنطوي على بعد موضوعي تجاه الوقائع، فلا يتدخل الباحث/القارئ في تحويل السياق خدمة لمبادئ أو أفكار أو إيديولوجيات معينة، بل ينبغي ومن باب الأخلاقية الفلسفية أن تكون الدراسات حول الحوادث متخلصة من التدخل الذاتي، حيث لا يعمد الدارس أو السياسي أو القارئ إلى التبرير، وبالتالي يقيْ نفسه الاقتراب من أدلجة التاريخ، واقتطاعه واختزاله والعمل على “تعقيمه” بشكل يفقده فيها منطقية، يحملها التاريخ في حوادثه، مهما بلغت فيها القيمة الأخلاقية دركا سفليا، أو درجا علويا، لا فرق كبير بينهما عند الدارس، فالذي يفيده النقل الأمين وفهم المناخ الذي جاءت فيه الحوادث موافقة لمسارها العام.

ومهما بلغت الموضوعية حدودها القصوى، يضل هنالك شكل عاطفي للتحليل التاريخي، ولو كان خفيفا أو متخففا من أثقال التحيز، وهذه مشكلة كبرى، من أجل ذلك أقترح مصطلح مقاربة الموضوعية التاريخية، تفاديا للغط الذي قد يشهده الدارس نفسه حين يمتزج بالأحداث التاريخية، ويصطدم بإشكالية التحيز، لكن قد يصيب حقيقة لا تخفى على متمعن، وهي أن الموضوعية قد تكون ضربا من الخيال، ولتحقيقها يمكن أن يكون القارئ أو الباحث أو حتى المحلل محايدا على أقل تقدير، ذلك الحياد الذي يمكن أن نطرحه باصطلاح آخر يساعد على تدارك الموضوعية قليلا، وهو المقاربة.

تدخل المقاربة هنا، في الوضع النسبي، حيث أنها متأرجحة وغير ثابتة، ولا تكف عن المثول في كل مرة، بوصفها حاجة ماسة رغم أنها متمنعة، لكنها في آخر الأمر رهان حقيقي لكل واحد منا، وليست قاصرة على الدارس والباحث والمحلل.

هل من يتخذ طريقا اختياريا نحو نهاية التاريخ، يمكن وصفه مقاربا للحقيقة بالموازين التي سبقَ طرقها وشرحها؟

غالب الظن أن الجواب يندرج ضمن نطاقين هامين:

نطاق خارجي يتعلق بهيكلة الدارس المنهي للتاريخ، إذ يعتبر في أول الأمر، أن التاريخ بحاجة إلى نهاية، ثم يفتتن على نحو غير مسبوق بنموذج معين، يحيله جميع النماذج الموازية إلى فريسة للنقد والانكباب، فيما يبدو نموذجه الإنجيلي حالة قصوى من التقاطب الأخلاقي والموضوعي، وبالتالي هو الأنسب لحسم المعركة والانتقال إلى التاريخ الموحد، الذي سوف ينهي حاجة المسار إلى الاستمرار مرة أخرى.

ونطاق داخلي، عصبه الأولي نشدان فكرة الخلاص الروحي والحضاري والإنساني، والطلب الثايولوجي ولو لم يكنْ دينيا بالمعنى العميق للكلمة، ممارسة واعتقادا، لكنه مؤصل على فكرة العقيدة في حد ذاتها بمعزل عن ظروفها. هذا الاضطرار الحاد سيكولوجيا يدفع نحو استعجال فكرة الخلاص، والاشتغال عليها، بالصورة التي تدفع إلى استفزاز أي مخلص ما، سواء كان معنى أو أبطالا خرافيون.

أدى هذا التمحل بين هذين الظهيرين أي النطاق الداخلي والخارجي للباحث، إلى حالة من التهلهل والتضعضع، جعلت الإدراك يضمر ويستند إلى ضيم نفسي، تجسدت فيه فكرة المخلص، واستطال الأمر حتى غدا نوعا من تحقيق الغائب بالحاضر، والاستعاضة عن المستحيل بالممكن المتاح.

لا شك بأن التحرر من النزعات النفسية حالَ تناول التاريخ، أحد أصعب الرهانات قاطبة في تحقيق المراد الحيادي من دراسة التاريخ، وحتى لو عمل الباحث على التخلص من الهوى النفسي، يجد نفسه بين الفينة والأخرى أسيرا للكثير من الأشياء. ولعل ذلك يجعل عملية تحليل التاريخ صعبة للغاية، وقريبة من التحري الناقص، مهما بلغَ كمالا مفترضا، سوف لن يزيد عن كونه مقاربة. هنا قد يكون الرهان الحقيقي متمحورا حول جودة العمل بالدرجة الأولى، بغض النظر عن مدى نجاح الكاتب أو الفيلسوف أو الناقد من مطابقة الموضوعية بالشكل المتخيل.

نجاح العمل المنجز، يدور ضمن مجال قريب من الابتعاث من جوهر النص التاريخي، من أجل نقده وفرض جملة من الشروط الموضوعية حتى يتم وفقَ منهجية خالية من العقائدية بشكل عام، وقد يكون النظر في المستقبل عن طريق التكهن، جزءا من دراسة التاريخ في حد ذاتها، فالمفكر ينقاد إلى اتخاذ التاريخ أسبابا من أجل دلف التصورات الاستشرافية، والعمل على بعثها من جديد، سواء توصل إلى إنهاء التاريخ على مقدرة بشرية واحدة، أو انصرف إلى معنى أكثر رحابة، يرى في التاريخ حقلا واسعا ومستمرا لا يخضع إلى تفسير مصمتٍ يتنبأ بموت التاريخ، وبالتالي موت العقل البشري موتا بتعريف جديد تماما.

بمعنى، لا يمكن للإنسان أن يبدع تصورا مخالفا لأسلافه من أجل حماية العالم من الأحادية، وهي بمنظار هذا المنهي للتاريخ، هي السبيل الأسلم لمحاصرة القوى الكثيرة، التي قد تصطدم في ما بينها، وتدخلنا إلى معركة أخرى، شبيهة بما سبقها في التاريخ الآفل.

لقد تجلى بما يقترب من شك خفيف، بأن مخافة اشتباك العوامل المؤججة للصدام، سببها الاختلاف الموضوعي للوجود، وهنا يبدو زميل نهاية التاريخ متيقنا تماما بالحتمية، حيث نفس الأسباب تؤدي إلى نفس النتائج، وهي نظرية ليست بالضرورة قاطعة بالشكل الجازم الذي يراه، وتعرضت إلى نقد وجيه. في حين يعتقد على سبيل التوقع بأن تعدد النظائر والنماذج قد يوصلنا إلى عراك معرفي، قد ينسل عنه حروب ومواقع لا تنتهي.

هل هنالك تناسب بين اليقين والافتراض؟

الذهن البشري يحتمل ما هو أوسع منهما، لكن على شرط واحد وحسب؛ وهو أن النسبية بينهما وفي جوهرهما، هي الحصن الوحيد من الاحتراب على مستقبل لا يشرعه ظن أو يضمنه تصور.

لقد غص هؤلاء باليقين، رغمَ أنهم يدعون نقيضه تماما، فهم يعتبرون أن اليقين في أدبياتهم، لا يفيد الليبرالية على الإطلاق، فيما هم يتصفون بشيء من النبوة؛ إذ يماهون بين اليقين والليبرالية، بحسبانها المرجعية النهائية والاستعمال الأبدي الأخير للإنسان العصري، سواء هذا الذي يعاصرها الآن، أو ذاك القادم في المستقبل.

الوضع كرتوني بامتياز، لقد سبقَ بمنطق الآتي، أنْ سخر إنسان الحال بإنسان الماضي، ليست بالسخرية الكلاسيكية بالضرورة، وإنما بتصحيح أفكاره ومنجزاته اليدوية، ولطالما شدا الإنسان التاريخي بانتهاء التاريخ على حدوده التي صنعها بنفسه. وأخبرنا التاريخ نفسه، كم كان مخطئا ومجانبا للحقيقة، وغريبا عن الاستشراف والتوقع، بل لقد لقي الإنسان التاريخي ردا من مجايليه، سواء من الذين يتصارعون معه من أجل الظفر بقتل التاريخ، أو الذين يعتقدون بأن التاريخ لا يمكن أن يكون سهلا وبسيطا لهذه الدرجة، بحيث ينتهي بمجرد وصول مجتمع ما إلى ذروة العصر الذي يعيشونه، ويعتقدون بأنه سدرة المنتهى.

وبالنظر إلى الصفة البشرية المجبولة على الصراع بشكل عام، لا أخال أن هذه النظرية سوف تذوي قريبا، سيبقى هنالك نوع من استجداء الصراع والبحث عن أسبابه، “إن الحرب الجديدة ترحب بأي سبب” كما قال فرنسيس بيكون، وقد تتشكل الحرب على طريقة التباري الفكري من أجل النفوذ، ذلك النفوذ الذي يحسم انتصار الأفكار عن الأفكار، وهو لا يختلف من حيث المضمون وتخلف الأشكال عن ملاحقة المضمون، عن الحروب بشكل عام، فالرابط دوما بين السياقين هو السيادة والانتصار، فضلا عن الهيمنة الإيديولوجية، التي وللحق فجرها فرنسيس فوكوياما، ودفع العالم كله إلى الصراع الإيديولوجي، بعدما ظننا بأن الأفكار ربما تأخرت نتيجة لغرور الحرب، واستشراء نزعة الحسم، لكن فوكوياما رفقة أستاذه صموئيل هنتجتون نجحا في دفع العالم برمته إلى الرزوح تحت مكاره إيديولوجية، من نوع نهاية التاريخ وصدام الحضارات.

إن التاريخ في حد ذاته أوسع تماما من شطره بين النهاية والصدام، إنه يشمل الجميع ويؤسس لأفكار الجميع أيضا، ويمنحهم مقدرة على تأسيس جوانب عدة من الأفكار التي قد لا تروق لجيل آخر، يؤسس نفسه على دحضها أو نقدها.

(التاريخ في هذا السياق هو تجربة معرفية. لا يمكن أن يكون شأنا آخر إذا تذكرنا أن التاريخ وعلم التاريخ لا ينفصلان في هذا المنظور. المؤرخ لا يعرف إذا بالمهنة أو بالموضوع المدروس، أو بالأسلوب، بل بتلك العملية التي نعتها ابن خلدون بالنظر والتحقيق، يكفي أن نستحضر الماضي، أن نقرر أن الماضي هو مجموع آثار القرون الخالية، أن نأخذ كل واحدة من هذه الكلمات بكل جد، محقق، بمعنى آخر. قلنا إن علم التاريخ مبني على الملاحظة (وما يستتبعها من قياس واستنباط) وكلمة نظر قد تفهم بنفس المعنى. كما يشير التحقيق، إلى الاطمئنان إلى ما هو حاضر/ مستحضر. تجتمع في المؤرخ، حسب التعريف، الصفات المشتقة من الحفظ والحضور والنظر والشهادة.

ويتضح هنا ذلك الارتباط، الذي طالما أشار إليه المؤرخون، بين التاريخ والسياسة، الفكر والعمل. كان مضمنا في موقف المدرسة الفلسفية (يدرس التاريخ بهدف تبرير الإصلاح)، ويذكر عادة كبرهان على نسبية المعرفة التاريخية (كل فاعل في حقل التاريخ يذكر من وقائع الماضي ما يعينه على تحقيق أغراضه). إلا أن القضية أعمق من كل هذا. المقولة مبنية على ملاحظة وعلى استنتاج. الملاحظة هي أن كبار المؤرخين كانوا بالفعل رجال تاريخ بمعنى مزدوج، رجال سياسة ورجال دراسة، ذاكرين التاريخ ومؤثرين فيه، بل لا يوجد مؤرخ محترف لم يحاول أن يلعب دورا سياسيا. أما الاستنتاج، علة الملاحظة السابقة، فهو أن المؤرخ، عندما يكون مؤرخا حقا، يتحول إلى فاعل ولا يمكن عندئذ فصل الناضر عن المنظور، الواضع عن الموضوع. يكتشف المؤرخ الجانب التاريخي (الخلاق) في الإنسان فيتحول بالضرورة إلى إنسان تاريخي وذلك حاصل تلقائيا بمجرد تحقيق الاستحضار. ولا يجحد هذا الواقع النفساني إلا حاطب ليل، من لم يباشر أبدا التاريخ لا في الكتب ولا في الحياة، من لم يقارب لا المؤرخين الكبار ولا الرجال الأبطال.

نقول إن أسلوب المؤرخ المحترف جامد لا حياة فيه، وهذا صحيح في الغالب، لكن عند الأفذاذ، وهذه هي العلامة، من حين إلى حين، يقع ما يشبه الكشف والانفجار، تلك لحظة التوحيد والتطابق بين الفكر والعمل.)[3]

لقد كان الصراع الحقيقي حول التاريخ مضمرا إلى حد ما في السابق، لكن ومع الوقت ظهر إلى العلن في صورة تنظير استعماري واضح، وتشظى التاريخ نفسه بين كونه رواية للأحداث مستقلة عن أسبابها، وبين كونه نظر وتبصر، وقد نحا ابن خلدون وعبد الله العروي هذا المنزع، فيعتقد العروي على سبيل الاستفهام؛ بأن المؤرخ يفضل مرتبة عن الراوي الحافظ، واعتبر هذا الرأي نوع من الخلط، فالمؤرخ حسبه يتجاوز عمله الاكتفاء بحدود الحادثة، وما يحدد عمل المؤرخ هو الحفظ. ويعتبر العروي أن الحفظ شكل من أشكال التمييز في العمق، والمؤرخ/ الحافظ يفعل ذلك ويحفظ الخاصيتين: الحفظ والتأريخ.

تقدير المفكر المغربي هنا، تقدير انطباعي وتقريري، وهو في كتابه “مفهوم التاريخ” قد ضبط الاصطلاحات والمفاهيم وقدرها، فأصبح كتابه مصدرا أو دليلا ثمينا لعمل المؤرخ أو دارس التاريخ، ولا غنى عنه البتة، فهو كتاب مهم لناحية الاطلاع الشامل على العملية التأريخية، وجوهر تغيراتها وصور تطبيقاتها الشامل والواسعة.

نهاية التاريخ، تأخذ شكلا فلسفيا سياسيا، وغالب ما تتصل بـ “لعبة الأمم”، وتحول المسار التاريخي إلى جهة محددة سلفا، بحيث يصبح المؤرخ/ الحافظ بتعبير د. العروي، ومن قبله ابن خلدون، أداة في يد الطرفين، سواء ذلك الذي يعتقد بضرورة إنهاء التاريخ على معنى واحد، لا يقبل التعدد، رغم اكتسائه بغلالة ديمقراطية شفيفة، أو ذاك الذي يعتقد بانفتاح التاريخ على نماذج متغيرة، قابلة للتجاوز والتمثل.

ومن حسن حظ المؤرخ أو سوء طالعه، أن يجد نفسه في خدمة أحدهما، ولا يتحرر من تشغيله لخدمة الفكرة/ النموذج، سواء المؤرخ الحافظ أو المؤرخ الذي عمد إلى تحليل بواطن النزعات النفسية لمن صنعوا التاريخ، ولعل الأخير هو الثمن العادل لكليهما.

ربما من نافل الحديث ومما يغني عن القول، إيفاد العناصر المثيلة لمن خدموا إنهاء التاريخ، فقد استبد العجب بالكثير من المؤرخين، وصاغوا على إثر ذلك العجب والزهو، كثيرا من المصادفات التاريخية، وأحالوها إلى شكلٍ من الأنجلة الأخلاقية، بحيث خلد في وجدانهم، أن الحوادث لم تكن لتقع لولا أن شخوصا بزوا غيرهم في العبقرية، شكلوا أقواسا ضخمة للمرحلة التي عاشوا فيها. وإنْ كان هنالك قدر من الصحة في هذا، بالنظر إلى أن صناع التاريخ سواء الصالحون أو الطالحون، قد غيروا التاريخ من منطلق كونهم لم يكونوا عاديين على الإطلاق، غير أن الصدفة التي تحدث في مرات كثيرة، وتدفع إلى الاعتقاد بوجود مسارات خدمها التقاطع، قد تصيب أبحاثهم بشيء من الاستثناء وعدم المرور البريء على أحداثها، وإنما وجوب التمعن في الطرائق التي صنعت هؤلاء، وأبرزت حسن استغلالهم للمفاصل التاريخية.
ومن سخرية الأقدار، أن نظرية نهاية التاريخ بهذا التوصيف، قديمه وحديثه، تتجدد دائما، ولم تتبدد، حتى نظن بأننا نكأنا جرحا غائرا كان على وشك الالتئام. إنها موجودة وباطراد، وتتعد صورها، وإنْ تغيرت مسمياتها، فقط فوكوياما، من تجرأ وأخبر بها دون أي ستائر أكاديمية أو معرفية.

لقد عمل هذا الرجل على استئنافها وإخراجها من تاريخيتها المزعومة، وأفرد لها نطاقا وسيعا، جعل الليبراليون يتحررون كثيرا من عقدة المصطلحات، التي ما فتئوا يهيلون عليها سوادل وسوادر، وحين جاء فرنسيس فوكوياما، أطلق الكلمة التي تعذر تحريرها طويلا، فأصبح على غرار ذلك، نبي الاصطلاح الجديد، وبات كتابه دستورا لليبراليين، وهم أنفسهم والحال هذه، لم يخفوا ذلك على الإطلاق، بل لقد جاهروا بهذا، وكادوا أن يحملوا المفكر الياباني/ الأميركي على الأعناق، لولا أن العصر فرض أشكالا أخرى للمديح والتبشير.

تصور أن التاريخ مجهز لخدمة البعض، هذا أول احتمال بديهي، أثبت التاريخ نفسه، بأنه بات ومع الوقت رمزا للحاضر والماضي وربما المستقبل أيضا، ونكاد نقول بأنه على سبيل الجزم الاستشرافي، لولا أن صفة الجزم تنعقد لأصحاب نظرية نهاية التاريخ، التي نعمل على نقدها هنا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- فرنسيس فوكوياما، نهاية التاريخ وخاتم البشر، ترجمة حسين أحمد أمين، مركز الأهرام للترجمة والنشر، القاهرة، 1993 الطبعة الأولى، ص: 244.

2- المرجع نفسه، ص: 245.

3- عبد الله العروي، مفهوم التاريخ (الألفاظ والمذاهب، المفاهيم والأصول)، المركز الثقافي العربي، المغرب، لبنان، 2005، الطبعة الرابعة، ص: 45.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

ثورة بغير منظمات ثورية، وسياسة بلا أحزاب سياسية… محاولة نحو فك اللغز المصري (3) لم يكن الفريد في التجربة المباركية هو طابعها الأوليجاركي ولكن في طغيانه الشامل إلى حد أن ابتلع كل شئ حوله، حد أن أخضع وأعاد صياغة كافة مكونات وعناصر الدولة الرأسمالية الحديثة على صورته، وفي انه لم يضعف المجال السياسي ويهمشه ولكن قضى عليه قضاءً تاما، محاه من الوجود.

هاني شكر الله

حول مفهوم الشر: حوار مع الفيلسوف ألان باديو "كريستوفر كوكس" و" مولي والن" يحاوران الفيلسوف الفرنسي الكبير آلان باديو عن مفاهيم الشر والخير وكيف تتشكل وكيف تتغير.

كريستوف كوكس  ,  مولي والن  ,  آلان باديو

الاقتصاد السياسي والحركات العمالية والانتفاضات الشعبية في 2011 تميل التحليلات الغربية للانتفاضات العربية التي اندلعت سنة 2011 إلى التأكيد على دور شباب الفيسبوك ووسائل التواصل الاجتماعي أو منظمات المجتمع المدني. ولعل التركيز على الحركات الاجتماعية للعمال والعاطلين قبل اندلاع هذه الانتفاضات وأثناءها يوفر مزيدا من العمق التاريخي والفهم الأصيل.

جويل بنين

ثورة بغير منظمات ثورية، وسياسة بلا أحزاب سياسية… محاولة نحو فك اللغز المصري (2) النضال من أجل الديمقراطية نضال اجتماعي طبقي في المقام الأول، لا يتحقق بالعظات الأخلاقية ولا بالبغبغة حول المعادلات اللاصفرية ولا بنصح البرجوازية بأن بعض الديمقراطية مهم ومفيد للتنمية والسياحة ولجلب الاستثمار الأجنبي وكسب حب ورضاء الاتحاد الأوروبي، ولكن بالنضال ضدها وعلى حسابها.

هاني شكر الله

ثورة بغير منظمات ثورية، وسياسة بلا أحزاب سياسية… محاولة نحو فك اللغز المصري (1) لماذا بقيت الثورة المصرية وقد امتد فورانها وزخمها قرابة عامين ونصف عاجزة عن بلورة أحزاب سياسية مؤهلة للتدخل المؤثر والفعال في ترتيبات السلطة السياسية ما بعد اسقاط مبارك وزمرته؟ كيف لم تنجح ثورة شعبية كبرى كهذه في بلورة ولو حزب ثوري واحد؟

هاني شكر الله