التراث الإسلامي عند محمد أركون: الإسلاميات التطبيقية ونقد الوعي الإسلامي

قضايا

28  مارس  2017

يتميز فكر محمد أركون بمحاولة عدم الفصل بين الحضارات الشرقية والغربية واحتكار الإسقاطات على أحدهما دون الآخر، إنما إمكانية فهم الحضارات دون النظر إليها على أنها شكل غريب من الآخر، وهو ينتقد الاستشراق المبني على هذا الشكل من البحث. يتميز طرح أركون الفكري على محاولة نقد أسس العقيدة الإسلامية على غرار المستشرقين حيث تتلمذ على المدرسة الاستشراقية ويورد كثيرا من المقدمات الخاطئة التي يبني عليها نتائج غير صحيحة.

وللمفكر محمد أركون العديد من المؤلفات التي شكلت المهم من أبحاثه الفكرية التي تعنى بالتراث الإسلامي، فنجد كتاب “تاريخية الفكر العربي الإسلامي”، وكتاب “الفكر الإسلامي: قراءة علمية”، وكتاب “قضايا في نقد العقل الديني: كيف نفهم الإسلام اليوم؟”، وكتاب “الفكر الأصولي واستحالة التأصيل نحو تاريخ آخر للفكر الإسلامي”، وكتاب “الإسلام بين اليوم والغد”، وكتاب “من الاجتهاد إلى نقد العقل الإسلامي”…. وغيرها من الكتب والمؤلفات التي شكلت مشروعه الفكر في قضية نقد التراث الإسلامي…

1- تجليات التراث الإسلامي عند أركون:

يرى محمد أركون أن مسألة التراث الإسلامي لم تعالج أبدا ضمن إطار التحليل والفهم الأنثربولوجي. فالنقد الاستشراقي لم يفعل إلا أن زاد من خطورة المنهجية الإيمانية الشكلية للمسلمين وتفاقمهما سوءا ضمن الاتجاه الأكثر فيلولوجية وتاريخوية. فأركون لا ينفي أهمية تتبع الأحداث من حيث التسلسل التاريخي لدراسة علمية تطورها أو تحديد السياق الذي انبثق فيه كل حديث نبوي والطريقة التي مارس دوره بها. فالبحث الأساسي والأولي ينبغي أن يتجلى في المنشأ التاريخي للوعي الإسلامي وتشكل بنيته المشتركة عبر عملية الخلق الجماعي للحديث النبوي. وبنفس المنهج يمكن مقاربة القرآن الكريم.

ويؤكد أركون أن الحديث النبوي كان قد هضم وتمثل عناصر مختلفة من التراثات المحلية الخاصة بالفئات الاجتماعية التي تشكل في وسطها بشكل تدريجي وانتشر مرحليا، يقول أركون: “إن كل حديث يقوي وحدة الأمة عن طريق التقاطه وتلخيصه بأسلوب مقتضب للطقوس الشعائرية والسلوك الأخلاقي والممارسات القانونية والمعارف التجريبية ورؤيا محددة للعالم، ويوجه كل ذلك باتجاه منظور تاريخ النجاة أو الخلاص في الآخرة. إن مجموعة هذه الأشياء تمارس دورها في آنٍ واحد كشاشة لإسقاط القيم عليها وكتصورات مثالية ترسخ هوية الأمة تؤبدها= تخلدها عبر التقلبات العديدة التي شهدها تاريخها”[1]. مما يساعدها على ممارسة دورها بصفتها إحدى المسلمات الإلهية التي يجب عليها الحلول مكان كل أشكال السلطة الممارسة على صعيد الأمة، وكتراث حيٍّ وفاعل يحمي التواصل بين الأجيال المتلاحقة حتى الوصول إلى مستوى جيل الصحابة والتابعين.

فالتراث الإسلامي، يرى أركون، عندما يتخذ هذا الموقف وهذا التحديد المفهومي “يختلف فعلا عن كل التراثات المحلي التي تمثل تنضيدا للقواعد والممارسات والعقائد والمعارف التي ليس لها ذاكرة تاريخية محددة”[2]. فالحديث يقع داخل تسلسل زمني محدد وداخل إطار معنوي مضبوط من قبل أصحاب الحديث النبوي. فهو لا يتمثل كل أمر وإنما يمارس عملية اختيار بمساعدة معايير محددة في العلوم الإسلامية. ويخلص أركون إلى أنه يُلاحظ استمرارية نوع من التوتر والاضطراب والتشكك “بين الشكل التاريخي والمتحذلق للتراث وبين التراثات العرقية الثقافية التي تمثل نوعا من التراكم التجريبي الخام لتجربة كل فئة اجتماعية”[3].

فالإسلام، كدين وتراث فكري، قد استردَّ، في منظور أركون، حيوية مطابقة لتسارع التاريخ في كل المجتمعات الإسلامية عموما، فهو يلعب اليوم دورا مهما في عملية إنجاز الإيديولوجيات الرسمية، والحفاظ على التوازنات النفسية والاجتماعية، وإلهام المواهب الشخصية عند الفرد المسلم. ولذلك ابتدأ الفكر الإسلامي يشعر “بالضربات المعاكسة للهزات التي أخذت تولد الفكر الحديث في أوربا منذ القرن السادس عشر. في الحقيقة، إن الفكر الإسلامي يستمر في الارتكاز، وإلى حدٍّ كبير، على المسلمات المعرفية للقرون الوسطى”[4].

وبالتالي، فإن المظهر الديني يتجاوز فكريا التعبيرات التي يقدمها الإسلام عنها، لأن الفكر الإسلامي التطبيقي ينفصل تدريجيا عن الإسلاميات التقليدية التي تدرس الإسلام ضمن منظورين متكاملين يحددهما أركون في:

  • كفاعلية علمية داخلية للفكر الإسلامي، ذلك أنها تريد أن تستبدل بالتراث الافتخاري والهجومي الطويل الذي ميَّزَ موقف الإسلام من الأديان الأخرى، الموقف المقارن.
  • كفاعلية علمية متضامنة مع الفكر المعاصر كله. إن الإسلاميات التطبيقية تدرس الإسلام ضمن منظور المساهمة الفعالة لإنجاز الأنثروبولوجيا الدينية[5].

يفرق أركون بين عالِم الإسلاميات الكلاسيكية الذي يكتفي بأن ينقل حرفيا وبإخلاص الأشياء التي يفكر بها أو يعلمها النموذجيون، فيمتنع عن طرح المشكلة الحاسمة لنقد العقل التيولوجي. وبين عالِم الإسلاميات التطبيقية[6] الذي يبتكر ممارسة علمية متعددة الاختصاصات الناتجة عن اهتماماته المعاصرة والمتطلبات الخاصة بموضوع دراسة هذا النوع من الإسلاميات. ويؤكد أركون على أن عالم الإسلاميات ينبغي أن يكون مختصا بالألسنيات بشكل كامل، وليس فقط متطفلا على أحد أنواعها وفروعها. وهذه المبادئ تقود حتما إلى موافقة متطلبات الفكر المعاصر، والإجابة على “الحاجات العملية الراهنة للفكر الإسلامي”[7].

إن التراث عند أركون، في فهمه وقراءته له، يأتي من خلال إنجاز روابط حية معه في إطار الاضطلاع بمسؤولية الحداثة كاملة. فإنجاز الحداثة بشكل ابتكاري يتطلب عدم الخلط ما بين التراث التاريخي والتراث الميثولوجي الأسطوري. “فكل تراث مشكل سابقا سوف يصطحبه بالضرورة عنصر لا مفكر فيه ولا مستحيل التفكير فيه”[8]. مما يعني أن المطالبة الملحة والضرورية بتراث حي ومستمر دائما، وحاضر دائما في المستقبل ليست ممكنة غلا بمساعدة فرضية إيديولوجية تجهل فعلا، مفهوم الانقطاع في التاريخ والقطيعة معه[9].

وتتجلى ماهية التراث عند أركون بأنه: “مجموعة متراكمة ومتلاحقة من العصور والحقب الزمنية. إن هذه القرون المتطاولة متراتبة بعضها فوق البعض الآخر كطبقات الأرض الجيولوجية أو الأركيولوجية، وللتوصل إلى الطبقات السطحية العميقة، أي القرون التأسيسية الأولى… لابد من اختراق الطبقات السطحية الأولى والوسطى… لابد لمؤرخ الفكر كما يقول فوكو: أن يكون أركيولوجي الفكر، ليتبين بوضوح أن مفهوم التراث غير مفصول في أبعاده الكاملة عن المنهج الذي يتبناه قبلا”[10]. ولعل هذه الصورة تبدو أكثر وضوحا عندما نتعرف على التركيبة الداخلية لهذه الطبقات، أي العناصر الثانوية تحت مسمى التراث كما يفهمه أركون؛ فالتراث بنية تراكمية تعاقبية تشكلت عبر أزمان متلاحقة، بحيث أنها تتكون من خليط من الأفكار المتداخلة بطريقة لا يفصل فيها بين الرباني والبشري، مما يمنحه مضمونا عقلانيا ثابتا يقتضي إبداع قراءة تفكيكية لمكوناته الداخلية. ومن هنا نخلص إلى أن المنهج يظهر من خلال التصور الأركيولوجي للمعرفة والفكر، لأن صفة التراكم التي يتصف بها التراث تفرض التعاطي مع منتجاته الفكرية والمعرفية بشكلها المتداخل والأفقي في مجال هذا التصور والمنهج معا.

ونتفق مع الباحث يوسف مكي عندما يقول عن أركون إنه “استطاع أن يسجل حضورا فكريا في الساحة الثقافية العربية عامة، وعلى صعيد قراءة ونقد الفكر الإسلامي من خلال توظيف المناهج والمفاهيم الحديثة في الغرب على وجه الخصوص “وذلك عن طريق زحزحة ميدان الدراسة والتحليل باتجاه علم بالألسنيات الحديثة، وعلم النفس التاريخي، والأنثربولوجيا الاجتماعية والثقافية[11]. مما يعني أن التراث العربي الإسلامي وخاصة في جوانبه الدينية يمكن أن يدرس ويحلل من زاوية المناهج الحديثة، ولا يتعارض ذلك مع خصوصية التجربة التاريخية العربية والإسلامية. إذْ نحن داخل العالم وليس خارجه، وبالتالي فإننا محكومون بقوانينه، ويمكن الاستفادة من منجزات العلم ونظرياته في بناء علاقة علمية وعلمانية مع هذا الفكر في ماضيه وفي حاضره”.[12]

 لكن مشروع أركون، يرى يوسف مكي، على الرغم من توسله بالمناهج المتنوعة والحديثة والمعاصرة في قراءة ونقد التراث العربي الإسلامي، “فإنه في الحقيقة لم يوفقْ في إنتاج معرفي أصيل وحقيقي في مقاربة التراث عامة، أو فيما يسميه الوحي النبوي خاصة، أو القرآن الكريم بشكل أخص، ناهيك عن مدونة التفسير الضخمة والتي طبق عليها دراساته، خاصة تفسير الطبري المشهور. إن محمد أركون عندما يستعمل مجموعة من المناهج في تحليله للتراث العربي الإسلامي- وهذه ليست مشكلة بذاتها – فإنه لم يتقدم بقراءة نوعية ومتميزة للتراث، بقدر ما أنجز قراءة تلفيقية وخليطا غريبا عجيبا أقرب إلى القراءة السلفية التي ينتقدها من القراءة المنتجة أو القراءة الإبداعية. فهو على سبيل المثال ينتقد المنهج الفيلولوجي التاريخي (الاستشراقي) بحجة انه وضعي وجزئي وصادم للإيمان إذْ يشير “وفي مثل هذه الحالة نجد أن المتبحر الفيلولوجي قد صدم الوعي الإيماني بشكل مجاني وذلك عن طريق حلوله التي تظل هشة جدا”[13] أما المنهج/ المناهج التي يتوسلها أركون فهي لا تصدم الوعي الإيماني حسبما يرى. وعليه لا يجب الاكتفاء بتطبيق المنهجية التاريخية الوضعية ممثلة في مناهج المستشرقين، بل يجب أن يتم إدخال الأبعاد النفسية والأسطورية والخيالية في التعامل مع التراث العربي الإسلامي خاصة أن هذه الأبعاد لا تقل أهمية عن الحقائق المادية والتاريخية التي تدرسها الفيلولوجيا/ الاستشراق. وفي هذه الحال يتساوى عند اركون العلم والأسطورة والخيال واللاعقل”[14].

كما أن أركون في مشروعه الفكري لقراءة التراث الإسلامي، قد عمل على الصعيد المنهجي، على التصدي لنقد التراث الإسلامي وثوابته كما يدعي من منطلق نقدي للخروج من الركود التاريخي الحاصل في كيفية تعاملنا مع تراثنا وتدشين معرفة علمية به. فإنه في المقابل يوظف مناهج ومفاهيم واستراتيجيات، لا تخدم القضية التي ينقدها ويحللها وينتج من خلالها معارف أصيلة نحوها، تمكننا من الخروج من الفهم المدرسي. بل يقوم بالتعمية من خلال ما يسميه بالمعاني والمقاصد والسمات اللسانية الخاصة بالخطاب النبوي التي يقوم بإبرازها. وبالتالي فإن الموضوع الذي يقوم بدراسته لا يهدف من ورائه التحقق من الغث والسمين والصحيح والخطأ في قراءة التراث ونقده، إنما يجاد المعنى.[15]

2- نقد العقل/ الوعي الإسلامي:

ومن خلال نقد العقل العربي والإسلامي يعمل أركون على صياغة الموقف الإشكالي العام، والذي يتمثل في العلاقة القائمة بين التراث والحداثة، حيث حظيت هذه الإشكالية باهتمام كبير من طرف النقاد والمفكرين الذين ناقشوها منذ عصر النهضة إلى يومنا هذا، وقد صيغت هذه الإشكالية بطرق مختلفة أنتجت الكثير من المواقف النقدية والفكري والمختلفة في أغلب الأحيان، فيحاول أركون حلَّ هذه الإشكالية وذلك بإرساء وعيٍ تاريخي وضعه في موضع التفسيرات اللاهوتية والأسطورية، وذلك حتى يكتسب الفكر العربي الإسلامي بُعدا علميا ومنهجيا واضحا[16]

إن وجود وعي إسلامي يتجلى من خلال الحديث عن مفهوم التراث الحي. ولكي يتمَّ توطيد هذه العلاقة يجب في البداية، كما يعبر أركون، إعادة بلورة مفهوم التراث الحي لكي يتمَّ تخليصه من الاستخدام الإطلاقي أو المطلق الذي كرسته التيولوجيات الدوغمائية لأديان الوحي الثلاثة: فمشروعية التفريق ما بين التراث بصفته ظاهرة اجتماعية تكرارية، ومعرضة للتحجر والانقراض، وبين التراث بمعنى الأصل-النموذج الذي يحدد وينظم سلوك وأخلاقية أمة بأسرها، تجد أهميتها في الكتابات المقدسة التي سُجلت كتابة، بحيث ساهمت في ترسيخ الوعي باستمرارية ثابتة للأجيال التي قرأت نفس النصوص وتأملت فيها وفسرتها وطبقتها على مدى القرون المتلاحقة[17]

وطبقا للوعي الإسلامي فإنه لا توجد أية معرفة علمية صائبة لم تُكتشفْ أو تُعرفْ من قبل التراث الإسلامي، “ثم إن أضاليل العلوم الحديثة لا تخدع إلا أولئك الذين انجرفوا في خط الغرب. هذا الموقف الرفضي المبدئي يضطرنا إلى أن نشدد من الحذر والاحتياط في معالجة هذا الموضوع”[18]. وبالمقابل، يلاحظ أركون أن الخطابات الدينية التقليدية المواجهة والمحاربة من قبل المعارف الحديثة “أصبحت تفقد تدريجيا الاحتكار الطويل، الذي مارسته في إنتاج الحقيقة المطلقة والكلية المتعلقة بالكائن والعالم والتاريخ…”[19]. ومن خلال هذه الرؤية الشاسعة لهذه القضية يرى أركون أنه يمكن إضاءة الحالة الراهنة للوعي الإسلامي الذي يجب أن يساهم في تجاوز العقبة الأساسية لعصرنا الحالي التي تتجلى في التناقضات التقليدية ما بين الإيمان والعقل، الوحي والتاريخ، الروح والمادة، الأرثوذوكسية والابتداع، المعنى الحقيقي والمعنى الخاطئ[20]

إن عملية تفحص الوعي الإسلامي قد قادت أركون إلى تسجيل الملاحظات[21] التالية كنتائج مؤقتة:

  • إن الوعي الإسلامي كان قد أسس من قبل القرآن، وغُذِّيَ فيما بعد من قبل التأمل المستمر والطويل للرسالة القرآنية وللتجربة النموذجية لمحمد صلى الله عليه وسلم في المدينة ومحاولة تمثلها…
  • الوعي الإسلامي كان قد عاش بكثافة واضحة الحالةَ التأويلية وساهم في إغنائها وإخصابها إلى حدٍّ كبير…
  • الوعي الإسلامي كان قد اشتغل وتطور أثناء مرحلته التاريخية الأكثر ديناميكية وإنتاجا، داخل الفضاء الإبستيمولوجي الإغريقي-السامي نفسه، تماما كالوعي اليهودي والوعي المسيحي…
  • الوعي الإسلامي يواجه اليوم كل المشاكل وكل التوترات والأزمات المتولدة عن المجابهة ما بين التراث الحي والحداثة…
  • المواجهة مع الغرب الفاتح المتفوق كانت قد ولَّدت إيديولوجيا كفاحية صارمة شوهت الطابع الأنطولوجي الخاص بالإسلام، وعرقلت –ولا تزال- مهمة نقد التراث الحي التي لا بد منها إذا ما أُريد للمسلمين التحرر فعلا.

إن مشروع محمد أركون في نقد الفكر الإسلامي يعتمد على مناهج فكرية وعلمية فرنسية على وجه الخصوص، بحيث تحمل في طياتها مواصفات ومبادئ هي على النقيض من التفكير الأنواري والعقلاني الذي جاءت به النهضة الأوربية الحديثة، بما في ذلك التعامل الواضح مع تراثها اليوناني والمسيحي، بل وربما على النقيض من مقاصده هو نفسه والهدف من مشروعه الفكري. ويرى الدكتور يوسف مكي أن أهم ما اعتمد عليه محمد أركون في مشروعه الفكري النقدي للتراث هو في الأساس “أركيولوجيا فوكو وتفكيكية دريدا وجيل دولوز وظواهرية بورودو وإشراقية هنري كوربان وفهمه المثالي للفلسفة الإسلامية عامة وفلسفة الإشراق على نحوٍ أخص. وهي مناهج وطرق واستراتيجيات قامت على النقيض من عصر الأنوار ومفكريه ونزعته الإنسانية، أو على أساس ما عرف ضد النزعة الإنسانية والسرديات الكبرى، هذا فضلا عن لا تاريخيتها وخلطها لكل تجليات الثقافة وكأنها على صعيد واحد من المعنى والمعقولية والأهمية، وهكذا تتساوى الأساطير والعلم بضربة واحدة عن ناقد الفكر الإسلامي”[22].

كما يؤكد يوسف مكي أيضا أن هذا المشروع النقدي عند أركون، لا يؤدي في النهاية إلى الابتعاد عن أسر القراءات التراثية النمطية للنص الديني الأول، ولا إلى تجاوز مشكلة التفسير التراثي المألوف القديم منه والمعاصر كما يريد هو، ولا إلى مقارنة منهجية حديثة وعلمية للنص القرآني, بحيث، يخلص مكي، إلى أن أركون، “أكثر ما باستطاعته عمله، هو أن يلفَّ ويدور حول ما يدعي نقده، وخاصة عندما يقترب من النص المؤسس، ويكون أقرب إلى نظرة السلف من نظرة العلم ومناهجه المضبوطة والدقيقة. هذا فضلا عن معاداته الدفينة للتنوير والعقلانية والعلمانية من حيث المحتوى، بحجة أنه لا يريد أن يصدم الوعي الإيماني وبالتالي يقطع على نفسه إمكانية الفهم والنقد الحقيقيتين لموضوعه. والعلم الحقيقي صادم بالضرورة، وهو لا يريد أن يصدم الوعي الإيماني”[23].

ولفهم المراد من نقد العقل الإسلامي الذي يريده أركون، يقف الباحث المغربي أحمد بوعود على مفهوم التحليل التفكيكي الذي ورد في مشروع أركون لنقد العقل الإسلامي، بحيث نجده قد وضع مجموعة من الخطوط العريضة الكفيلة بتحقيق هذا المفهوم، ويحددها الباحث أحمد بوعود بإيجاز فيما يلي:

  • العلمانية موجودة في القرآن الكريم وفي تجربة المدينة.
  • الدولة الأموية والعباسية هي دولة علمانية وليست دينية، بحيث أنه يرى أن “التنظير الإيديولوجي الذي قام به الفقهاء يمثل إنتاجا عرضيا محكوما بظروف وقته، والهدف منه تغطية واقع سياسي وتاريخي معين بمحاجات دينية ذات مصداقية. وفي كل الأحوال، فهذا التنظير مبنيٌ على نظرية معرفية فات أوانها”[24].
  • كانت القوة العسكرية قد لعبت في وقت مبكر جدا دورا كبيرا في نظام الخلافة ونظام السلطنة وكل أشكال الحكم اللاحقة المدعوة إسلامية.
  • إن محاولة عقلنة العلمنة الممارسة واقعيا في المجتمعات الإسلامية، ولكن غير المنظَّر لها وتطوير موقف علماني، كانت قد حصلت من قبل الفلاسفة المسلمين في الماضي.
  • إن أشكال الإسلام المدعوة مستقيمة أو أرثوذوكسية، هي عبارة عن انتقادات اعتباطية واستخدامات إيديولوجية لمجموعة من العقائد والأفكار والممارسات المقدمة والمصورة على أساس أنها دينية محضة.
  • ينبغي إعادة تفحص كل مكانة العامل الديني والتقديسي والوحي، ودراستها على ضوء النظرية الحديثة للمعرفة.
  • كل الأنظمة التي ظهرت في المجتمعات العربية والإسلامية بعد تحررها من الاستعمار هي علمانية بحكم طبيعة الأشياء، أو علمانية واقعا وتسيطر عليها النماذج الغربية في الإدارة والحكم[25]

ومن خلال نظرة متمعنة لهذه الخطوط، ينضم الباحث أحمد بوعود، إلى الدكتور يوسف مكي، ليوضح بعض أوجه القصور في مشروع أركون الفكري هذا، بحيث يؤكد بوعود أن أركون “قد أغفل نقطة مهمة لا يمكن تجاوزها لمن يريد التأريخ للفكر الإسلامي، أو بالأحرى نقده، وهي مرحلة سدِّ باب الاجتهاد في الفكر الإسلامي، ذلك أن معرفة خلفياتها ومخلفاتها خطوة رئيسية في نقد الفكر الإسلامي”[26].

بينما يرى الباحث منير الحافظ في تناوله لمعركة التحرير العقلاني عند محمد أركون الذي يؤكد على أن التراث العربي والإسلامي ينبغي له أن يتعرض للدراسة النقدي التاريخية التي تعرض لها التراث المسيحي في أوربا في القرن السابع عشر وما بعده. ويرى أن أركون نفسه يعلم بأن “سلطة العقل اللاهوتي المسيحي في أوربا هي من تضع المعايير والمناهج والقواعد الأخلاقية والعرفية والتنظيمية والقانونية والاقتصادية والفنية، وتنصب نفسها راعية لحركة المجتمع والتاريخ…” بينما في الشرق العربي والإسلامي كانت شعوبه المضطهدة “ترزح تحت الهيمنة الاستعمارية اقتصاديا وعسكريا وثقافيا، وأن أئمة العقل الإسلامي قد احتجبت وانعزلت، ولعل البعض منها قد توقف عن أي تفكير نقدي أو تحليلي لأي ظاهرة تقليدية أو محدثة في أصول الفكر الدنيوي والفكر الديني[27]

ويرى كمال عبد اللطيف أن مجال العقل الإسلامي عند أركون هو حدث لغوي تاريخي، متعدد الأبعاد والدلالات. حيث عمل في دراسته للتراث على “رفض طرق التأريخ التمجيدي”. كما عمل على رفض وتجاوز “الطرق التي تمارس التقطيع التاريخي المعروف والمنجز من طرف أصحاب الفرق والطبقات والملل والنحل”. وفي خلاصة كاملة يمكننا أن نتحدث عن مسألة التخلي عن “التاريخ المعتمد على مسلمة التعالي والقداسة المستقرة فوق التاريخ”. فقد اعتمد بكل بساطة برؤية ونظرة واضحة منفتحة على “التأريخ الإشكالي”، التي تستعين بمفاهيم “تنتمي إلى حقول معرفية متعددة”[28]

كما يؤكد كمال عبد اللطيف أيضا على أن أركون أدرك جيدا ضرورة وأهمية التحولات المنهجية الأساسية التي تحصل في مجال الفكر العربي المعاصر ابتداء من سنوات الخمسينيات، وخاصة تلك “التطورات التي حصلت في اللسانيات وفي التاريخ والأنتربولوجيا والفلسفة”. فاستطاع في عموم مشروعه الفكري، “التفكير في كيفية الاستفادة من مكاسبها المنهجية” دون تجاوز شروط إبداع المعرفة العلمية وإنتاجها، وشروط إخصاب مجال الدراسات الإسلامية بالاعتماد على استعارة المفاهيم التي تساهم بقوة وجودة في “باب قراء الحدث القرآني”[29].

3- تـركـيب:

يظهر لنا أن المشروع الفكري عند أركون، والذي يتجلى في نقد العقل الإسلامي في تجلياته المختلفة والمتنوعة، كما يتمظهر أيضا في نقد العقل اللاهوتي عند المجتمعات التي تدين بدين سماوي ما، ويتوسع كذلك إلى العقل الغربي بنوعيه الأنواري والعولمي، هو مشروع كبير ومتميز يلتقي فيه الموضوع بالمنهج فيقارب بالنقد كل العقول المتعددة والمواقع السياسية والفكرية والدينية، ويعالج كل موضوع بمراجعة نقدية تأريخية وتاريخية وتقييمية فلسفيا وعلميا لمضامين الحداثة وأشكالها وأنماط تدخلها في جميع مناحي تمظهرها الفكري والعلمي. إن أركون، في مشروعه هذا، يوظف الحداثة أنثربولوجيا حتى يمنع عن الفكر الغربي التوغل في تعريفها عربيا…

إن مشروع أركون هو مشروع تنقيبي يمارس النقد التاريخي الخطي والمباشر للأفكار والمعارف والمفاهيم، والذي يتبناه مؤرخو الفلسفة بكل تعدداتهم وتوجهاتهم وجنسياتهم، فيهتمون بقواعد البناء الخطي والبحثي لتاريخ الأفكار والمعارف، ويتجاهلون “تساؤلات الإبستومولوجيا التاريخية والاختلافات بين تاريخ الأفكار وتاريخ أنظمة الفكر وكذا ضغوطات الممكن التفكير فيه والمستحيل التفكير فيه والمفكر فيه واللامفكر فيه المتعلقة بكل مرحلة وبكل سياق خاص بتطور التراث الفكري”[30].

ــــــــــــــــــــــــــــ

[1]– محمد أركون، تاريخية الفكر العربي الإسلامي، ترجمة: هاشم صالح، مركز الإنماء القومي والمركز الثقافي العربي، بيروت، الدار البيضاء، ط.3، 1998، ص. 20.

[2] – محمد أركون، المرجع السابق، ص. 20.

[3] – المرجع السابق، ص. 21.

[4] – المرجع السابق، ص. 55.

[5] – محمد أركون، المرجع السابق، ص. 56.

[6] – يحددها الباحث المغربي أحمد بوعود في كتابه الظاهرة القرآنية عند محمد أركون، منشورات الزمن، ط.2، الدار البيضاء، 2013، ص. 76، فيقول أن الإسلاميات التطبيقية “تدرس الإسلام كظاهرة دينية معقدة من خلال علاقتها بالعوامل النفسية والاجتماعية والتاريخية والاقتصادية… ولذلك فهي تستخدم منهجيات التحليل النفسي وعلم النفس الفردي والجماعي وعلم التاريخ وعلم الاجتماع”. كما أنها تنتج عند أركون الأمور التالية: – أن الإسلام استرد كدين وكتراث فكري، حيوية مطابقة لتسارع التاريخ في كل المجتمعات الإسلامية. – لا يشك أركون في أن الفكر الإسلامي يستمر في الارتكاز وإلى حد كبير على المسلمات المعرفية للقرون الوسطى. – تدرس الإسلاميات التطبيقية الإسلام ضمن منظورين: كفعالية علمية داخلية للفكر الإسلامي، وكفعالية علمية متضامنة مع الفكر المعاصر كله… – إن عالم الإسلاميات الكلاسيكية يختلف عن عالم الإسلاميات التطبيقية في تعاطيه مع الإسلام كفكر ودين وعقائد…”.

[7] – محمد أركون، المرجع السابق، ص. 58.

[8] – المرجع السابق، ص. 60.

[9] – محمد أركون، المرجع السابق، ص. 60.

[10] – المرجع السابق، ص. 61.

[11] – محمد أركون، من الاجتهاد إلى نقد العقل الإسلامي، ترجمة: هاشم صالح، دار الساقي، ط.1، 1991، ص. 42

[12]– يوسف مكي، “محمد أركون بعد الرحيل… ماذا سيبقى من مشروع الإسلاميات التطبيقية؟”، صحيفة الوسط البحرينية – العدد 2946 – الخميس 30 سبتمبر 2010م الموافق 21 شوال 1431هـ.

[13]– محمد أركون، من الاجتهاد إلى نقد العقل الإسلامي، ص. 41.

[14]– يوسف مكي، المرجع السابق.

[15] – يوسف مكي، المرجع السابق.

[16] – عبد الوهاب شعلان، إشكاليات الفكر العربي المعاصر في أطروحات أركون، الجابري، العروي، حسن حنفي، علي حرب، مكتبة الآداب، القاهرة، ط.1، 2006، . 26.

[17] – محمد أركون، تاريخية الفكر العربي الإسلامي، مرجع مذكور، ص. 125.

[18] – محمد أركون، تاريخية الفكر العربي الإسلامي، مرجع مذكور، ص. 125.

[19] – المرجع السابق، ص. 132.

[20] – المرجع السابق، ص. 132.

[21] – المرجع السابق، ص. 133.

[22] – يوسف مكي، “محمد أركون بعد الرحيل… ماذا سيبقى من مشروع الإسلاميات التطبيقية؟”، صحيفة الوسط البحرينية، العدد 2946، الخميس 30 سبتمبر 2010. “فالمشروع الأركوني يفترض في مبتداه ومنتهاه أنه تنويري عقلاني بامتياز أسوة بأصحاب المشاريع الكبرى، لكنه بتوسله لمناهج معادية للتنوير فإنه يكون قد قطع على نفسه ومتلقيه إمكانية الدراسة الحديثة والعميقة والنوعية للتراث. ووقع ثمة تناقض لا يمكنه الخروج منه إلا عبر التلفيق والقص واللصق والادعاء بالعلمية شكلا ومعاداتها في المضمون”.

[23] – يوسف مكي، المرجع السابق، “فهو يراوح في منزلة بين منزلتين: أولا: منزلة توسل مناهج حديثة وما يعنيه ذلك من تعليق للمقدسات حسب هذه المناهج. ولكنها غير ذات جدوى في المنظور العام، ولا تخرجنا مما نحن فيه لعيوب في المناهج نفسها إذ أن الأداة المنهجية هي ذاتها معطوبة… وثانيا: منزلة الالتزام بما هو مقدس وخاصة القرآن الكريم، وبالتالي استعصاؤه على التحليل من منظور التاريخ والنسبية…”.

[24] – محمد أركون، الفكر الإسلامي: قراءة علمية، مركز الإنماء القومي، بيروت، الدار البيضاء، ط.1، 1988، ص. 47.

[25] – أحمد بوعود، الظاهرة القرآنية عند محمد أركون: تحليل ونقد، سلسلة شرفات الزمن 28، الدار البيضاء، ط.2، 2013، ص. 40-41.

[26] – المرجع السابق، ص. 41-42.

[27] – منير الحافظ، التراث في العقل الحداثي، دار الفرقد للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، ط.1، 2001، ص. 42-43.

[28] – كمال عبد اللطيف، “محمد أركون وتوسيع فضاء النقد في الفكر المعاصر”، مجلة الأزمنة الحديثة، عدد 3-4، أكتوبر 2011، ص. 103.

[29] – كمال عبد اللطيف، المرجع السابق، ص. 103.

[30] – عبد المجيد خليقي، “الإسلاميات التطبيقية ومهام العقل الاستطلاعي”، مجلة الأزمنة الحديثة، عدد 3-4، مرجع مذكور، ص. 114.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

الشريعة في دساتير ما بعد ثورة يناير… إعادة الجدل بشأن أسئلة الإسلام والسيادة والسلطة اقتصر سعي هذه الورقة على إعادة تقديم وتحرير الإشكاليات المتعلقة بموقع ما تعارف الفقهاء على تسميته بالشريعة في البناء الدستوري والقانوني المنظم لعمل أجهزة الدولة الحديثة كما كشف عنها الجدل الدستوري التالي لتحولات يناير ٢٠١١ عبر منهجية ماركسية مطورة. ولم تتجاوز ذلك إلى التفكير في مخارج لهذه الإشكاليات، إلا عرضا بالطبع وفي معرض إشارتها لاجتهادات قائمة بالفعل كوثيقة الأزهر الصادرة في يونيو ٢٠١١.

عمرو عبد الرحمن

الحسبة بين الولاية الدينية والولاية السياسية ما هي الحسبة في الإسلام؟ ومن هو المحتسب؟ وما هي شروطه؟ وما هي الإشكاليات المرتبطة بها؟ وما مدى الحاجة ي المجتمع المعاصر لـ"ولاية الحسبة"؟ وما هي دلالات عمل التنظيمات الإرهابية بها؟ أسئلة يحاول المقال الإجابة عنها.

محمد مختار قنديل