ثورة بغير منظمات ثورية، وسياسة بلا أحزاب سياسية… محاولة نحو فك اللغز المصري

قضايا

28  مارس  2017

لعنة ما تبدو وقد أصابت الأحزاب والحياة الحزبية في بلادنا. ثورة يوليو تنجح بسهولة مدهشة في القضاء على حزب الوفد، حزب الأغلبية بلا منازع منذ مولده في آتون ثورة 19، وبخاصة منذ دستور 23 وتشكيل أول وزارة وفدية عام 24. مظاهرة مدفوعة الأجر في مارس 54 تقضي على حزب “الأمة المصرية”، حزب سعد زغلول ومصطفى النحاس، وتنجح في الوقت نفسه في تصفية جملة من المنظمات الحزبية والديمقراطية كانت قد شهدت مع نهاية الحرب العالمية الثانية نهوضا عارما، متجاوزة الهيمنة الوفدية ومتحدية لها.

هزيمة يونيو 67 تشكل ضربة قاصمة للهيمنة الناصرية لتنبعث الحياة السياسية في البلاد مجددا في صورة نضالات طلابية وعمالية يهتز لها نظام السادات، وتبرز في إطارها منظمات ثورية سرية تتوسع ويزداد نفوذها وتأثيرها السياسي والجماهيري بسرعة مدهشة، ويتحول شباب المثقفين للماركسية بصورة تلقائية، إذا جاز استعارة وصف لينين لمرحلة النشأة للحركة الاشتراكية الديمقراطية في روسيا في أواخر القرن التاسع عشر، يصاحبها مبادرات وأشكال للتنظيم الديمقراطي في مجالات شديدة التنوع في الحركة الطلابية وفي النقابات المهنية والعمالية وفي الحركة الثقافية.

حرب أكتوبر ترتب تراجعا في الحركة الطلابية والثقافية وإن لم تقض على ما ارتبط بها من زخم يتواصل بعدها (انتفاضات 75 الطلابية، المسيرة على البرلمان، ثم الانتخابات البرلمانية في 76)، ولكن يترتب عليها في الوقت نفسه (وقد تراجعت حدة الأزمة الوطنية وما ارتبط بها من ابتزاز طبقي) نهوض عمالي عارم، في معركة تاريخية بكل المعاني دافعت الحركة العمالية فيها عن مكتسباتها، ومكتسبات الفقراء عموما، ضد عدوان ضارٍ على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لا للعمال فحسب ولكن الشعب عموما.

زخم حركات الطلاب والمثقفين والنهوض الكبير في الحركة العمالية يبلغ ذروة هائلة في انتفاضة 18 و19 يناير 77 (بروفة ثورة 2011)، لا لتفرض التراجع عن الإجراءات المباشرة لرفع الدعم فحسب، ولكن لتضع بصمتها على كامل استراتيجية النظام في التحلل من “العقد الاجتماعي” لمرحلة السلطوية الشعبوية طوال عقد وأكثر من الزمان، ولتشكل العنصر الأهم في “تدريجية” المباركية وهي التي طالما عرضت نظامه لانتقادات المؤسسات الدولية لمعاناته من “عقدة يناير 77”.

تحلل السلطوية الشعبوية يفرض بدوره تكيفا سياسيا على النظام، فيتم تفكيك الاتحاد الاشتراكي لثلاثة منابر بداية، ثم يُصفى لصالح تعددية حزبية مقيدة (يقتنص فيها النظام بعضا من رموز المقاومة الطلابية والعمالية، فيعتمد نشيد “بلادي” (وقد أحيته الحركة الطلابية) نشيدا وطنيا، ويطلق اسم “الحزب الوطني الديمقراطي” على الحزب الحاكم في طبعته الجديدة (في سرقة أدبية صارخة من “التجمع الوطني الديمقراطي” للحركة الطلابية). يسفر التحول عن حزبين أساسيين بجانب “الحزب الحاكم” هما حزبا التجمع والوفد الجديد، فينشأ كلاهما نشأة كبيرة نسبيا، الأول مستفيدا (في تناقض فريد) من كل من الزخم الثوري للسبعينيات ومن تراجعه في الوقت نفسه، والثاني من حنين أقسام من البرجوازية لماضي ما قبل ناصري موهوم (حيث الوفد حزب فؤاد باشا وليس حزب زغلول والنحاس)، ولوهم مؤقت حول طبيعة وآفاق التحول الساداتي.

ثم يبدأ الانهيار سحيقا ساحقا ليمتد عقودا ثلاثة.

الحزبان الشرعيان الجديران بالتسمية يعيشان سنوات من الانحدار الحاد والمتواصل: أحزاب بلا قواعد، ومقرات بلا أحزاب، وجرائد بلا قراء. الحركة العمالية تواصل مقاومة متقطعة، ولكن لا يبدو هناك تراكم يذكر، فيبقى التنظيم النقابي الرسمي أسير السيطرة الحكومية وعملائها الفسدة، وتبقى الحركة تحركات متناثرة، مفتقدة للوحدة والتنظيم، وتكاد التجارب التنظيمية الرائدة للسبعينيات، وأبرزها تجربة لجان مندوبي الأقسام تنزوي في غياهب النسيان. المنظمات الماركسية السرية تدخل بدورها في ركود ثم أفول لتكاد تختفي تماما مع نهاية القرن، ومنظمات جديدة تنشأ منبتة الصلة بما سبقها، وتعاني مثلها مثل سابقاتها من الباب الدوار، حيث الخارج يعادل الداخل أو يفوقه، والانقسامات قدر لا فكاك منه.

هو عهد محو المجال السياسي محوا تاما، عهد التحول الأوليجاركي للنظام وعهد صعود إسلامي ساحق، يعيد صياغة التشكيلة الأيديولوجية والثقافية السائدة بقدر ما يطبع بطابعه ما بقي من سياسة أو بالأحرى شبه سياسة، في ظل مباراة جنون متوحش بين الدولة البوليسية والإرهاب الديني. وهي أيضا مرحلة تمترس ما تبقى من الحركة الديمقراطية، وما نشأ في غضونها في ثنايا ما سمي بمنظمات “المجتمع المدني”. والناس متفرجون، متدروشون، وفي أحيان كثيرة مشدوهون بما يرون من مواجهات ومساومات وكر وفر بين الدولة والإرهاب، وبين الدولة ومعارضتها السياسية أو شبه السياسية، دينية أو “مدنية”.

“فاست فوروارد” لثورة يناير، ولن نتوقف عند مقدماتها، فلسنا هنا بصدد تأريخ الحياة السياسية والحزبية في مصر خلال نصف القرن الماضي ونيف، حتى وإن بدا الأمر كذلك، ولكن المقصود من هذه المقدمة هو إبراز تلك المفارقة المدهشة لحياة سياسية وحزبية تبدو مشؤومة، ما أن تنبثق حتى تخبو وتنطفئ. ولا تبدو تلك المفارقة صارخة، صادمة بقدر ما تبدو بعد ثورة يناير، فتذهب بنا إلى لغز من نوع ألغاز أبي الهول.

في غمضة عين بعثت ثورة يناير المجال السياسي بعد موت دام عقودا طويلة قاتمة كئيبة. وقتها كتبت أن المجال السياسي المصري ولد من جديد كامل النمو مكتمل التسلح والعتاد كولادة الإلهة الإغريقية أثينا من جبهة زيوس – مولد جديد في الشوارع والميادين، مولد صاخب حافل ومزلزل، مذهل في ثرائه وإبداعه، في اتساعه ورحابته، في عمق ونبل قيمه الديمقراطية، في عظمة حلمه وفي قوة إصراره على إعادة صياغة مجتمع ووطن، قوامهما الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية.

نعرف أن الناس يتعلمون في غضون المراحل الثورية في أيام وأسابيع ما لم يكن بوسعهم تعلمه في سنوات. فلم نكن إزاء هوجة ساخطة فاقدة الاتجاه، بل ثورة شعبية كبرى قوامها الأساسي فقراء المدن، أذهلت العالم بانضباطها وبسالتها وإبداعها التنظيمي، وبجلاء وجلال رؤيتها لأهدافها التاريخية الكبرى. ولم يكن أي من هذا ممكنا لو لم تكن هناك قيادة ميدانية لعبت دورا بارزا في إشعال شرارتها واتسعت في غضونها -كما كان محتما لها أن تتسع- لتشمل مئات وآلاف القادمين الجدد، صُنعوا في أتونها وتقدموا للمشاركة في قيادتها، لنجد أنفسنا إزاء قدرة تنظيمية فائقة احتجاجية الطابع وحافلة بالتنوع، خلاقة، بالغة التعقيد والعمق، كان من المستحيل تماما على أي قوى سياسية مهما بلغ شأنها أن تخطط لها أو أن تضطلع وحدها بصياغتها، أو حتى أن يتسع لها خيالها، بل كانت في ثورة يناير كما في كل لحظة نهوض جماهيري سبقتها -عندنا وعند غيرنا من الشعوب- حصادا لذلك النهوض نفسه وما يطلقه عند الجماهير من طاقة هائلة يتجمع فيها إبداع وموهبة وبسالة الآلاف وعشرات الآلاف ليصب في مجرى واحد جبار في تدفقه.

أين ذهب هذا كله وكيف؟ لماذا بقيت الثورة المصرية، وقد امتد فورانها وزخمها قرابة عامين ونصف، عاجزة عن بلورة أحزاب سياسية مؤهلة للتدخل المؤثر والفعال في ترتيبات السلطة السياسية ما بعد اسقاط مبارك وزمرته؟ كيف لم تنجح ثورة شعبية كبرى كهذه في بلورة ولو حزب ثوري واحد؟

لا أدعي امتلاك إجابة شافية على السؤال/اللغز، ولا يوجد في حقيقة الأمر وصفة سحرية لحل مسألة التنظيم السياسي، وهي في كل الأحوال ليست قضية تقنية تتعلق بالصيغ الأكثر ملائمة للتنظيم، بلوائحه الداخلية وبنظم العمل فيه، وكلها أمور طال النقاش والبحث فيها، وجُربت الصيغة تلو الأخرى بلا طائل. وظني ان قضية التنظيم هي في المحل الأول مسألة فكرية سياسية. وفيما يلي سأحاول طرح بعض مما أتصوره عناصر جوهرية في تفسير استدامة أزمة التنظيم السياسي الحزبي في بلادنا، ومن ثم في صياغة ولو مؤشرات أولية نحو سبل التعامل معها.

أولا: البرجوازية والديمقراطية

الرواية الشائعة عندنا، يمينا ويسارا ووسطا، هي أن الديمقراطية (وبالأحرى الديمقراطية الليبرالية) هي صناعة الطبقة الوسطى التي تشكل أساسا لا غنى عنه للديمقراطية أو التحول نحوها (وفي ترجمة فظيعة في وقعها على الأذن العربية: “المقرطة”). هذه هي العقيدة المعتمدة لدى المؤسسات الدولية وعند غالبية ساحقة من الأكاديميين والكتاب والمعلقين السياسيين، وقد وجدت طريقها بصور مختلفة لصفوف اليسار والثوار المصريين بوجه عام، وربما كان ذلك محتما في ظل نفاذ تأثيرات ليبرالية لا يستهان بها بين اليسار خلال العقدين السابقين على الثورة، وسنتعرض لها لاحقا.

في العقيدة الليبرالية المحدثة، الديمقراطية هي النظير السياسي للسوق الحرة في الاقتصاد، حيث سوبر ماركت البضائع المتنوعة المتنافسة يقابله سوبر ماركت الأفكار والأحزاب المتنافسة بدورها، والناس مستهلكون، أحرار فيما ينتقون بين هذا وذاك. وهي في ذلك أشبه ما تكون بالعقائد الدينية في منطقها الدائري، حيث كل إخفاق في تحقق نبوءتها هو برهان على قلة الإيمان، وليس على مشكلة ما في العقيدة نفسها. ولكن حتى ما إذا نحينا جانبا الطرح الليبرالي الأكثر كمالا إذا جاز القول، يبقى أن الذهنية الشائعة عندنا تربط ربطا وثيقا بين الوزن النسبي لـ”الطبقة الوسطى” وبين إمكانية الديمقراطية، ولطالما نعى مفكرون مصريون كبار “سقوط” الطبقة الوسطى أو انحدارها أو انحسارها في عهدي السادات ومبارك، وهو ما طُرح في كثير من الأحيان كسبب جوهري لغياب الديمقراطية أو لصعوبة تحقيقها.

وتبدو المفارقة في أن أطروحات انحسار أو سقوط الطبقة الوسطى في مصر اقترنت في واقع الأمر بمرحلة اتساع هائل في صفوف تلك الفئة الاجتماعية الغائمة، وهو اتساع صاحب إثمار الحراك الاجتماعي الكبير للمرحلة الناصرية وموجات الهجرة للنفط والخصخصة. وظني أن القول بسقوط الطبقة الوسطى أو انحسارها في تلك الفترة (أي الثمانينيات والتسعينيات) كان معنيا في المحل الأول بمظاهر التمايز في جهاز الدولة البيروقراطي بين برجوازية بيروقراطية اكتمل تشكلها من الناحية الأساسية، ومن ثم تقود عملية تحويل الملكية العامة للطبقة لملكية خاصة لأفرادها ومجموعاتها وتنسج شبكات مصالح وتزاوج وتوارث مع برجوازية القطاع الخاص، من جهة، وجحافل موظفين كبار وصغار خارجون من المولد بلا حمص، من جهة أخرى.

وحين جاءت الثورة المصرية في يناير 2011 أعلنها المعلقون الغربيون، بما يشبه الإجماع، ثورة للطبقة الوسطى المصرية، وهو ما لقي استجابات شتى عندنا.

دعونا هنا ننحي جانبا مصطلح الطبقة الوسطى، فهو غائم ومطاط مثله مثل مواد القانون الجنائي المصري. لربما كان يقول شيئا ذا دلالة ما في زمن انقسمت فيه المجتمعات بين ارستقراطية الأرض والفلاحين وسكان المدن، أما حين نقول بالطبقة الوسطى في عصرنا هذا، فنحن نخلط بين ظواهر اجتماعية شديدة الاختلاف تشمل البرجوازية، كما تشمل البرجوازية الصغيرة. فضلا عما يمكن أن نسميه بالطبقة العاملة الجديدة، أي تلك التي تبيع قوة عملها الذهني، كما تشمل المثقفين (بمعنى الانتلجنسيا)، وهؤلاء يتوزعون على الطبقات المختلفة وفقا لأفكارهم ورؤاهم وطابع نشاطهم الفكري والثقافي.

لم يستخدم بارينجتون مور، وهو الذي كثيرا ما يشار إليه بوصفه المرجع الأهم للقول الشائع بحيوية الطبقة الوسطى للديمقراطية، مصطلح الطبقة الوسطى في دراسته الشهيرة “الأصول الاجتماعية للديكتاتورية والديمقراطية”، وإنما انصب حديثه القديم على العلاقة بين البرجوازية (وزنها النسبي وأنماط تطورها وعلاقتها بغيرها من المالكين وبالطبقات العاملة)، والديمقراطية.

إساءة استخدام دراسة بارنجتون مور الشهيرة لم تقتصر على استبدال “البرجوازية” بالطبقة الوسطى، ولكنها اختزلت الدراسة التاريخية الحافلة بالتعقيد في قوله بأنه “بدون برجوازية لا تكون هناك ديمقراطية”، وقد حورت بدورها لـ”بدون طبقة وسطى لا تكون هناك ديمقراطية”، وذلك رغم أن الدراسة تعدد أنماطا ثلاث من نشأة وتطور البرجوازية وعلاقاتها بغيرها من الطبقات المالكة وبالطبقات المسودة، يقود نمط واحد منها فقط للديمقراطية، أطلق عليه مور “النمط الرأسمالي الديمقراطي” (انجلترا، فرنسا، الولايات المتحدة)، بينما يقود النمطان الأخريان للاستبداد، أحدهما “النمط الرأسمالي الرجعي” (ألمانيا واليابان)، والآخر “الشيوعي” (روسيا)، حسبما ذهب مور.

وبصرف النظر عن مور (وقد تناول دراسته بالنقد منذ صدورها عام 1966 العديد من المفكرين الماركسيين، بالذات من أمريكا اللاتينية حيث لم تترجم قوة البرجوازية نفسها لديمقراطية ولكن لاستبداد مروع)، فقد شهدت الدراسات الليبرالية في قضايا التحول الديمقراطي انفجارا هائلا خلال العقود الماضية، أقل القليل منها اهتم بأزمات وحدود الديمقراطية في الغرب المتقدم وأكثرها عني بشروط التحول نحو الديمقراطية في الجنوب أو في بلدان ما سمي بالعالم الاشتراكي أو الشيوعي. وجلها يربط بمادية فظة بين الطبقة الوسطى والديمقراطية، وبين النمو الاقتصادي والديمقراطية ارتباط السبب بالنتيجة. ومن الطريف أن طرفي الجدال في علاقة النمو الاقتصادي بالديمقراطية تمحورا حول أيهما يشترط الأخر: هل يقود النمو الاقتصادي للديمقراطية أم أن الديمقراطية تقود للنمو الاقتصادي؟ بل ويقر البعض منهم (عن صدق غير معهود) بأن نمو الرأسمالية قد يعرقل التحول الديمقراطي من حيث ارتباطه بنمو مصاحب له للطبقات العاملة مما قد يخيف الطبقة الوسطى، مع اصرارهم برغم ذلك على صواب الحكمة الليبرالية العامة، التي تقضي بعلاقة طردية بين النمو الاقتصادي وارتفاع مستوى المعيشة من جهة، والديمقراطية من جهة أخرى، حيث النمو شرط لاتساع الطبقة الوسطى، وحيث الأخيرة قاعدة لا غنى عنها للديمقراطية.

الفكر الليبرالي الحديث، كما سبقت الإشارة، فكر ديني في الأساس، ومن ثم فهو غير معني كثيرا بالتاريخ الفعلي والوقائع المادية، يعيد قراءة الماضي بوصفه جنينا للحاضر، يختزل ويطمس حتى يكاد يمحو كل ما يخالف استنتاجاته الرئيسية، سواء تمثل ذلك في قرون وعقود مديدة من السيرورة التاريخية للبشر والأوطان أم في حاضر معاش حافل بالتعقيد وعصي على القولبة الأيديولوجية. خذ أسطورة الجنين الإغريقي القديم للديمقراطية الغربية الحديثة، وخذ أسطورة العقلانية المتأصلة في “الحضارة الغربية” (منذ أثينا أيضا)، وأسطورة العلمانية المتأصلة في الغرب المسيحي منذ “دع ما لقيصر لقيصر…”، وصولا لأساطير الحاضر حول العقلانية الكامنة في السوق الرأسمالية الحرة، وروشتة “توافق واشنطن” كمفتاح للنمو والازدهار، والـtrickle-down effect، أو ما يترجم للعربية بفظاعة بـ”الأثر الانتشاري”، كآلية لتوزيع الثروة، لنجد أنفسنا أمام معادلة: تحرير اقتصادي + روشتة + أثر انتشاري = نمو الطبقة الوسطى = مقرطة أو تحول نحو الديمقراطية = مرحبا! لقد وصلت لنهاية التاريخ.

لا يهم أن المعادلة لم تتحقق في أي مكان وزمان، فالمنطق الديني الدائري يقضي بأن عدم تحقق الصيغة المقدسة لا ينم عن عدم صوابها ولكن عن ضعف ما في الإيمان بها.

غير أن النصوص الدينية، كما هو معروف، قابلة لتفسيرات وقراءات متعددة، وكذا التنويعات على اللحن الليبرالي المحدث، خاصة في عقود “ما بعد الحداثة” وسياسات الهوية ومشاهد سقوط ما كان يسمى بالـ”معسكر الاشتراكي”، لتصدر لليسار، لا في بلادنا فحسب ولكن في أنحاء العالم، الكثير من المسلمات الليبرالية مستبطنة، خفية، تتخذ صورة المسلمات البديهية المعصومة من المساءلة والنقد.

دعونا إذن نقترب أكثر من سؤالنا حول الغياب المزمن للأحزاب والحياة الحزبية عندنا،. فنموذج الديمقراطية التمثيلية المسيطر على الأذهان يفترض بدءا أن تختار البرجوازية (أو تُجبر جبرا) على ممارسة هيمنتها على الدولة والمجتمع من خلال مجال سياسي مفتوح لهذا الحد أو ذاك، وأن يشكل المجال السياسي بأحزابه وهيئاته التمثيلية ساحة تنافس مستوية نسبيا بين أقسامها وتوجهاتها المتباينة والمتنازعة حتما، كما يشكل أداة مهمة في إخضاعها إلى هذا الحد أو ذاك لجهاز الدولة البيروقراطي، وفي بسط هيمنتها على غيرها من الطبقات، وذلك فيما يوفر في الوقت نفسه مساحة ما للطبقات والفئات الاجتماعية المسودة للتعبير عن نفسها وتحقيق بعض من مصالحها، وفي شيوع الوهم بين صفوفها في إمكانية تغيير اجتماعي حقيقي من خلال الآليات الانتخابية للديمقراطية التمثيلية، وقد صارت تلك ستارا قاتما تختبئ خلفه الطبيعة الرأسمالية الكامنة في صميم تكوين الدولة بصرف النظر عن القوى السياسية المتربعة على قمتها السياسية.

(ملاحظة على هامش الحديث: الطبيعة الرأسمالية للدولة القومية الحديثة أبعد مدى وأكثر عمقا وتعقيدا من “جيش وبوليس وبيروقراطية” كما عند إنجلز (أصل الأسرة والملكية الخاصة والدولة)، ولينين (الدولة والثورة)، وتكمن في صميم موقعها من تقسيم العمل الاجتماعي، في اعتلائها المجتمع وفي هيراركيتها وفي منطق إدارتها وأوامريتها وفي مفهوم القانون الحديث وليس مجرد نصوصه وفي آليات احتكارها للمعلومات والمعرفة وليس لمجرد أدوات العنف والقسر وفي انفصالها عن المجتمع المدني كما في أنماط تشابكاتها معه، وهو ما يحيط مسألة الدولة الاشتراكية بتعقيدات كبرى ربما لم تحل نظريا بعد وبالتأكيد لم تحل عمليا في ظل تجارب “الاشتراكية في بلد واحد”، ولعل حلها وثيق الصلة بتطوير وتعميق مفهوم الثورة المستمرة، ويبقى هذا حديثا آخر).

الدولة الرأسمالية محتوى وشكل، لب وقشرة خارجية، وهو ما دعا لينين (في “الدولة والثورة”، مستندا مرة أخرى لإنجلز) للقول بإن “الجمهورية الديمقراطية هي القشرة الأمثل (the best possible shell) للرأسمالية”. ولعل السطور أعلاه تبين لماذا هي كذلك، خاصة إذا ما استبدلنا عبارة “الجمهورية الديمقراطية” بعبارة أظنها أكثر دقة وهي “الديمقراطية الليبرالية” أو “التمثيلية” (جمهورية كانت أم ملكية دستورية). لكن الأهم تماما هو إدراك أن الحديث هنا على مستوى عال جدا من التجريد (ونلاحظ بصورة عابرة أن الانتقال من مستويات مختلفة من التجريد نحو الواقعي والملموس وبالعكس، يظل من المشكلات المنهجية الكبرى في استخدام التقليد الماركسي في تحليل الواقع العيني).

البرجوازية لا تجلس في لجنة لتنتقي من بين أشكال الدولة أفضلها وأمثلها، بل وليس في الأمر اختيار في الحقيقة، وإنما صيرورة تاريخية تتداخل وتتشابك فيها عشرات المحددات الداخلية والخارجية، المتحولة والمتغيرة بدورها، وأهمها الصراع الطبقي. وإذا أردنا التبسيط المخل بالضرورة، لقلنا إن محتوى الدولة الرأسمالية يتشكل على مستوى القاعدة (أي أسلوب الإنتاج)، وذلك بما هي على حد تعبير نيكوس بولانتزاس “تكثيف مادي خاص” لعلاقات الإنتاج، بينما يتحدد شكل الدولة على مستوى صراع الطبقات في صيرورته التاريخية.

الديمقراطية التمثيلية كما نعرفها اليوم، أو بالأحرى كما تصور في المخيلة الليبرالية وقد جردتها من كل وجود تاريخي وعيني، هي في كل الأحوال (واقعية أو متخيلة، حقيقة أو وهم) نتاج تطور تاريخي حافل، لعبت الصراعات الاجتماعية قوميا وعالميا دورا حاسما في صياغته. الثورات البرجوازية ثورية بقدر ما ينخرط فيها الكادحون ويدفعون بها إلى الأمام، وهي نادرا ما انتجت ديمقراطية تمثيلية في واقع الأمر، إنما ارتدادات واستعادات وصفقات مع ممثلي العهود البائدة. الديمقراطية الأمريكية ولدت مقتصرة على الرجال البيض ملاك العبيد. والبريطانية، وهي بدورها مقتصرة على الرجال الملاك، تحصن نفسها بصفقة مع الأرستقراطية فتُملكها جهاز الدولة، والبرجوازية الألمانية تتحصن بطبقة اليونكرز البروسية، والفرنسية، وقد اكتسبت راديكاليتها من فقراء المدن والريف، ترتد عن الثورة بالبونابرتية وبالاستعادة البربونية وبالملكية المالية أوليجاركية الطابع ثم بالبونابرتية مجددا.

أكثر من قرن ونصف بين صعود البرجوازية للسلطة في الغرب وبين تشكل الديمقراطية التمثيلية المتخيلة: مواطنة وتعددية وتنوع وتداول سلمي للسلطة ومساواة أمام القانون. أكثر من قرن ونصف تتخللها ثورات تلو ثورات تقوم على أكتاف الكادحين ويُدفع ثمنها دما، ومعارك كبرى للتحرر الوطني في المستعمرات، وحربين عالميتين، وفاشية ونازية، وتحدى تاريخي للرأسمالية تمثله الثورة البلشفية في روسيا والثورة المجهضة في المانيا، ونضالات متواصلة للطبقات العاملة والمضطهدين لم يكن مجرد حق الاقتراع العام ممكنا دونها.

الحريات النقابية، التي يتغنى بها الكثيرون بيننا باعتبارها مكونا أساسيا للديمقراطية الليبرالية، لم يكن لها أن تتحقق إلا بفضل نضالات بطولية حافلة في المصانع والشوارع دفعت فيها الطبقات العاملة أنهُر من الدماء، وبقيت حتى يومنا هذا أرضا متنازع عليها، لا تُكتسب حتى تشرع الرأسماليات في الانقضاض عليها مجددا.

وماذا عن احترام التنوع والتعددية، والأمريكيون من أصل أفريقي لم يكتسبوا حق الاقتراع الفعلي إلا في ستينيات القرن العشرين، أيضا بنضالات ضارية أسيلت فيها أنهُر من الدماء، وما زالت – حتى وأوباما في البيت الأبيض – بينما واحد من كل ثلاثة رجال سود في السجون الأمريكية.

حقا، قد يكون من الأفضل للبرجوازية الحكم من خلال الأرض المستوية نسبيا التي يوفرها المجال السياسي، ولكنه ورغم تحصين الدولة والمجتمع المدني الرأسماليين بمئات الحصون المنيعة، ورغم بنية الدولة الرأسمالية وبيروقراطيتها وجيشها وشرطتها وأجهزة استخباراتها ونظمها القانونية، ورغم احتكار الرأسمالية (من خلال كل من الدولة والمجتمع المدني) للمدرسة والجامعة والإعلام وأنماط الخدمة الصحية والإسكان، ورغم فيتشية المستوى الاقتصادي الكامنة في صميم أسلوب الإنتاج الرأسمالي، والتي تضفي على النهب الرأسمالي طابع القوانين الطبيعية الخارجة عن الإرادة السياسية للمواطنين، ورغم مرحلة جديدة من العولمة الرأسمالية والاندماج المالي على الصعيد العالمي، والمؤسسات المالية الدولية وما تفرضه من قيود يبدو لا فكاك منها، لا على سيادة الدول الرأسمالية كما يذهب الإدعاء الشائع، ولكن وفي المحل الأول على قدرة شعوب تلك الدول على فرض ولو الحد الأدنى من السيادة عليها (ولكم في يونان سيريزا عبرة يا أولي الألباب)، رغم كل هذا يبقى المجال السياسي محفوفا بالمخاطر، فهو مجال تنظيم الكادحين لأنفسهم وهو المجال الأهم لتدخلهم في إدارة الدولة وفي ممارسة قدر من النفوذ عليها – ولو محدود بحدودها الرأسمالية.

تاريخ الديمقراطية التمثيلية كما نعرفها اليوم هو تاريخ توسيع نطاقها وتعميقها بنضالات الكادحين والمضطهدين من جهة، وتاريخ التآمر عليها وتقليصها وضربها من قبل الرأسماليات المحلية والرأسمالية العالمية من جهة أخرى – بالقمع السافر وبالالتفاف وبالتهميش وبتكريس الطابع الأوليجاركي لسلطة الدولة من خلال علاقات مباشرة بين كبريات التكتلات الرأسمالية وجهاز الدولة، من وراء ظهر المجال السياسي وعلى حسابه.

وثمة مفارقة بالغة الدلالة في هذا التاريخ وهي أن العصر الذهبي للديمقراطية التمثيلية في الغرب (بما هي حريات وممارسة نفوذ فعلي على الدولة) كان هو تلك الفترة بين نهاية الحرب العالمية الثانية وبين صعود الريجانية والتاتشرية في أواخر سبعينيات القرن الماضي، أي انه تحقق في المحل الأول على أيدي حكومات عمالية.

أما هذه الأيام ورغم فيض الأوهام وبدائع المدائح في نهاية التاريخ ومنتهاه، وفي موجات المقرطة الثالثة والرابعة والخامسة، فلا نشهد غير أزمة متنامية للديمقراطية التمثيلية في كل مكان، وتقليصا وتهميشا متزايدا للمجال السياسي في كافة البلدان، وصولا به في “الديمقراطية الأعظم” في العالم، أي في الولايات المتحدة الأمريكية، إلى ما يشبه الكرنفال، حيث لا نفوذ للناس ولا تحقق لإرادتهم السياسية ولمصالحهم الاجتماعية، وإنما فُرجة أو spectacle تصعد ببهلوان فاشي النزعة لمقعد رئاسة الدولة.

ثانيا: صناعة المجال السياسي

مشاركة البرجوازية في المجال السياسي وقبولها بالحكم من خلاله شرط ضروري لا غنى عنه لوجوده كمجال سياسي رسمي مشرع ومشروع، بما يشمل ذلك من قواعد اللعبة السياسية وأصولها وتقاليدها ومعاييرها، ومن نظم وتشريعات وأنماط ممارسة فعلية، وبما ينطوي عليه أيضا من قيود وحدود وأدوات للتلاعب والتعقيم، صريحة وضمنية، كما يشمل بالضرورة وبصور متفاوتة ومتباينة أشكال وآليات التحايل على المجال السياسي واللعب من وراء ظهره. ولعل الفوارق ما بين الديمقراطيات الأوروبية من ناحية والأمريكية من ناحية أخرى تبين المساحة الواسعة نسبيا في تنوع وحدود إمكانيات التلاعب بالمجال السياسي وتحييده، ليصف الكاتب والروائي الأمريكي جور فيدال النظام السياسي الأمريكي بنسر ذو جناحين يمينيين.

شهدت البشرية وما زالت تنوعا كبيرا في أشكال وأنواع وأنماط “الخلطة” ما بين مجال سياسي مستوي لهذا الحد أو ذاك وبين تقييده وتحييده، وهذه بدورها متغيرة، متحولة في صلة وثيقة بمسار الصراع الاجتماعي من جهة وبالشروط المادية المحيطة بذلك الصراع والمتبدلة بدورها، من جهة أخرى. مسار الديمقراطية الغربية وبالذات الأوروبية منذ الحرب العالمية الأولى وحتى يومنا هذا يقدم صورة جلية لتلك التبدلات: أقصى توسيع للديمقراطية يتحقق بفضل نفوذ الطبقات العاملة وتحت تأثير معارك التحرر الوطني في المستعمرات وتحدي الثورة البروليتارية في روسيا، كما أن أشرس عدوان على الديمقراطية والأكثر وحشية وضراوة يحدث خوفا منها ودرءا لها، متمثلا في الفاشية والنازية والفرانكية. العصر الذهبي للديمقراطية الغربية ما بعد الحرب العالمية الثانية هو نفسه عصر منتهى نفوذ الطبقات العاملة على الدولة الرأسمالية لتصبح دولة الرفاه هي التحقق الأقصى الممكن للديمقراطية في ظل الرأسمالية.

ثم يدخل النظام الرأسمالي العالمي في مرحلة الأزمة مجددا، والاستجابة هي عدوان شامل على الديمقراطية تقوده الريجانية والثاتشرية والمؤسسات المالية الدولية، يبدأ بالنقابات العمالية ويمتد ليشمل المجال السياسي بأسره، لا ليطيح به ولكن ليجعله، تدريجيا وبشكل متزايد، غير ذي بال، فيطغى الشكل على المحتوى ويستبدل الاجتماعي بالهوياتي ويشيع تمثيل السياسة عوضا عن ممارستها، فيتحول المجال السياسي أكثر فأكثر من فضاء لصراع الارادات والمصالح لمسرح هزلي للفرجة والترفيه والنميمة بأنواعها، لنشهد في “الديمقراطية الأعظم”، أي في الولايات المتحدة، استقطابات وصراعات ضارية هي أشبه بالنميمة والترفيه حول المغامرات الجنسية لرئيس الدولة وما إذا كان أو جي سيمسون قد قتل زوجته.

القصة عندنا مختلفة شديدة الاختلاف، ومع ذلك فلا يسعنا أن نتجاهل تأثير التحول اللاديمقراطي في العالم الرأسمالي المتقدم على مسار الصراع من أجل الديمقراطية في بلادنا، كما لا يسعنا غير أن نلاحظ تلك المفارقة المدهشة في شيوع وانتشار الأساطير الليبرالية بين صفوفنا وفي أنحاء العالم في الوقت نفسه الذي تعيش الديمقراطية الليبرالية فيه مرحلة انحطاطها وتأكلها، فلا تعود أفكارنا عن التحويل الديمقراطي للمجتمع بنت صراع اجتماعي مستعر بين خصوم ألداء مكسب أي منهم يساوي خسارة للطرف الأخر، ولكن وهم المعادلات اللا صفرية حيث الجميع كاسبون، محاط بغبار كثيف من المواعظ على طريقة توماس فريدمان ومن على شاكلته في مزايا التعايش وقبول الأخر والتنافس السلمي واحترام التعددية والاختلاف، فضلا عن مقتضيات التنمية وضرورات التوافق بين حرية السوق وحرية المجال السياسي وعبقرية السيارة الليكوس، وبينما الموجات الديمقراطية تتابع رقميا حول العالم يتحول اللون الأحمر القاني الذي صبغ قرنين ونيف من الثورات والانتفاضات الديمقراطية لباستيل برتقالي باهت، وتبدو القلاع التي ناضل الملايين عهودا مديدة، وبذلوا تضحيات هائلة لاقتحامها أو النفاذ إليها أو التأثير عليها، تبدو تلك القلاع خاوية، فارغة، لا تسمن ولا تغني من جوع، فالسلطة الفعلية حملت عزالها ورحلت لمكان أخر غير معلوم.

معجزة أول رئيس أسود للولايات المتحدة تفسح الطريق لمسخرة ملياردير بلطجي تنفث مسامه أحط صنوف العنصرية والفاشية واحتقار المرأة.

النضال من أجل الديمقراطية نضال اجتماعي طبقي في المقام الأول، لا يتحقق بالعظات الأخلاقية ولا بالبغبغة حول المعادلات اللاصفرية ولا بنصح البرجوازية بأن بعض الديمقراطية مهم ومفيد للتنمية والسياحة ولجلب الاستثمار الأجنبي وكسب حب ورضاء الاتحاد الأوروبي، ولكن بالنضال ضدها وعلى حسابها؛ فالديمقراطية ليست قواعد للمنافسة الجنتلمانية للعبة الكريكيت ولكن هي بالفعل مباراة صفرية يتحقق كل مكسب ديمقراطي في إطارها على حساب الرأسمالية، انتقاصا لهيمنتها وتدعيما لطاقة الطبقات الشعبية على المقاومة والتأثير، فالديمقراطية الأتم والأكثر اكتمالا ليست غير الاشتراكية، حيث الحريات أدوات فعلية فاعلة لتحقق ارادة البشر في تقرير مصيرهم.

دعنا نعود إذن لمسألة حكم البرجوازية من خلال المجال السياسي. البرجوازية تحبه مقيدا منقوصا، محاصرا، متلاعبا به، ملتفا حوله، ولطبقات الشعبية تريده مفتوحا منفتحا إلى أقصى حد. هنا لب المسألة، ولكنها لا تخلو من تعقيدات جمة. ولعلنا هنا نقف قليلا أمام أمرين مهمين من زاوية نقاشنا هذا، لنلاحظ أولا أن الاستبداد السياسي لا يقوم في كل الأحوال على الغاء المجال السياسي، وعندنا في هذا الصدد شكل بالغ الأهمية من أشكال حكم البرجوازية الاستبدادي لم ينطو على إلغاء للمجال السياسي وانما على مصادرته أو تأميمه إذا جاز التعبير، وهو المتمثل فيما سمي بأنظمة السلطوية الشعبوية. هو شكل خاص من الحكم البونابرتي شهدناه وعشناه في مصر الناصرية كما شهدته وعاشته الكثير من الشعوب الأخرى في بلدان شتى، من قبيل البيرونية في الأرجنتين وحكم فارجاس في البرازيل. والمهم تماما في هذا المضمار إدراك أن مثل هذه النظم تنطوي بالفعل على قدر من المشاركة الشعبية، متمثل في مجال سياسي تعبوي مقيد بقيود صارمة ولكن يشمل في الوقت نفسه بنى مؤسسية تشكل سيور ربط بين النظام، والزعيم الشعبي بوجه خاص، وبين جماهير الكادحين المعبئة حوله، يستخدمهم لفرض الانضباط والانصياع على البرجوازية، بل وعلى النخبة الحاكمة نفسها، في مقابل الاستجابة لقسط من مطالبهم واحتياجاتهم، تأخذ شكل الهبات من أعلى، دليل على حب الزعيم لشعبه. ورغم تأميم أو مصادرة مثل ذلك المجال السياسي المقيد بألف قيد وقيد وبقواعد صارمة للتعبير عن المطالب والمظالم إلا أننا إزاء آليات فعلية للتفاعل ما بين الطرفين، وقدرة فعلية تمتلكها جماهير الكادحين المنضبطة قهرا والتزاما بقواعد اللعبة فى المفاوضة وفرض المطالب مع العقاب الصارم في حالات تخطي الحدود. والمسار متشابه في كل مكان، فبقدر ما تقوى شوكة البرجوازية البيروقراطية وتتضخم امتيازاتها وتتسع دوائر تحالفاتها واندماجاتها مع برجوازية القطاع الخاص، وبقدر ما تؤدي مصادرة المجال السياسي في الوقت نفسه إلى إضعاف متزايد لقدرة الطبقات الشعبية على المفاوضة وفرض المطالب، يتحلل العقد الاجتماعي بونابرتي الطابع بعد أن فقد قيمة دوره في انقاذ المجتمع البرجوازي رغم أنفه، ويتم الانقضاض عليه تدريجيا أو انقلابا.

غير أن انقلاب البرجوازية على العقد الاجتماعي البونابرتي له أثر متناقض بالضرورة، فاتجاه النظام للتحرر من التزاماته تجاه الطبقات الشعبية محولا قيود الصفقة إلى بطش خالص، يدفع الطبقات الشعبية بدورها نحو التحرر من خضوعها لقواعد وانضباطات الصفقة المتحللة لتشرع بدرجات متفاوتة النضج والتبلور في شق طريق نضالها الخاص ضد الرأسمالية بأسرها ومن أجل ديمقراطية حقيقية.

وهو ما يقودنا لملاحظة ثانية في موضوع الحكم من خلال المجال السياسي نراها بالغة الأهمية. قلنا أعلاه أن مشاركة البرجوازية في المجال السياسي الرسمي وقبولها بالحكم من خلاله شرط لا غنى عنه لوجوده في ظل الرأسمالية، ومن وأحبنا هنا أن نتوقف قليلا عند تحفظ مهم وهو الماثل في عبارة “المجال السياسي الرسمي”.

فتاريخ الديمقراطية نادرا ما يبدأ بمجال سياسي رسمي مكتمل التبلور، وهو حين يوجد فيوجد على مقاس البرجوازية بالضبط، محصنا ومنيعا ضد خصومها الطبقيين، ويتم صياغته واعادة صياغته بإنشاء مجالات سياسية مقاومة من أسفل، غير رسمية وغير مشروعة، تشكل تحديا للمجال السياسي الرسمي منشئة حالة من ازدواج السلطة قدرها الصدام بين طرفيها انهاءا لإزدواج السلطة بشكل أو بأخر، إما بالقضاء على أحد السلطتين أو بتعديل المجال السياسي الرسمي ليفسح نطاقا ما لتدخل القوى الجديدة. النقابات العمالية هي النموذج الأسطع لما نعنيه، فعلى عكس الأسطورة الليبرالية لم تنشأ تلك تعبيرا عن التوافق المثالي للديمقراطية الليبرالية حيث منظمات رجال الأعمال تقابلها النقابات العمالية توازن بعضها بعضا وكلاهما في تفاوض رقيق جنتلماني الطابع، وفقا لمثل القبول بالأخر والتعددية والتعايش وغيرها من الخرافات. الحد الأدنى من الدراسة المتحررة من البلاهة الأيديولوجية لتاريخ نشأة النقابات العمالية تكشف عن حروب ضروس، وعن دماء ودموع وتشريد وحياوات محطمة.

فرضت النقابات العمالية نفسها كمجال سياسي جديد، مُجَرَم ومُحارَب ومعرض للقمع الوحشي، غير رسمي وغير مشروع، إلى أن نجحت بقوتها وبصلابة نضالاتها وتضحياتها في أن تفرض نفسها على المجال السياسي الرسمي والمشروع بعد أن أعادت صياغته بضمها كجزء لا يتجزأ من تكوينه وكعنصر أساسي من عناصر مشروعيته. وهكذا الحال في مختلف عناصر تشكل الديمقراطيات الحديثة، البرجوازية تريده محصورا محاصرا والطبقات العاملة وغيرهم من المهمشين (النساء، السود، الأقليات الإثنية والدينية) تخوض المعارك الضروس،لتخلق من تحت وعلى الأرض مجالات سياسية جديدة مشكلة حالات فعلية من ازدواج السلطة وهو ما لا يطيقه نظام سياسي غير لفترات محدودة، فإما يفسح الطريق لإدخال القادم الجديد إلى المجال السياسي عبر إعادة صياغته أو يسحق القوى المتحدية وهو ما ينطوي بالضرورة على تعديلات كبرى في المجال السياسي القائم قد تتضمن التضحية به تماما.

اقتحام الطبقات الشعبية للمجال السياسي البرجوازي وإعادة صياغته بما يسمح لها بمساحة داخله هو جل النضال الديمقراطي، وهو التاريخ الحقيقي لنشأة وتطور الديمقراطية الحديثة، وما غير ذلك وهم وتدليس. غير أنه ليس أبدا نهاية المطاف، فلا تضطر البرجوازية لفتح مساحة ما لأعدائها الطبقيين في المجال السياسي الشرعي حتى تشرع في الالتفاف عليها، بالاستيعاب والتدجين والتدجيل (بما في ذلك الأساطير من نوع الديمقراطية المتأصلة في السوق الرأسمالي والطبقة الوسطى كعماد للديمقراطية وتكريس فتشية المستوى الاقتصادي بما هو معطى موضوعي خارج عن الإرادة السياسية للبشر وقيد لا ينفصم على ما تسمح به من اختيارات).

وهناك بطبيعة الحال الانقضاض العنيف والشامل على المجال السياسي بالفاشية والانقلابات والتدخلات العسكرية الخارجية وسحق النضال الديمقراطي سحقا: الإطاحة الدموية بمصدق في إيران، وبسوكارنو في أندونيسيا، وبأليندي في تشيلي وبإيزابيل بيرون في الأرجنتين، مجرد بعض من أمثلة صارخة من مئات لما تنطوي عليه الادعاءات الليبرالية بعلاقة لا تنفصم بين السوق الحر في الاقتصاد والديمقراطية التمثيلية في السياسة من كذب وتدليس، يفوقها جميعا بطبيعة الحال الصرحان الكبيران للرشادة المتأصلة في النظام الرأسمالي والعقلانية المتأصلة في الحضارة الغربية: ألمانيا هتلر وإيطاليا موسوليني.

لم يعد سرا أن الديمقراطية التمثيلية تواجه في أيامنا هذه أزمة حادة غير مسبوقة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، يعترف بها القاصي والداني بعد صدمة فوز ترمب بالرئاسة الأمريكية وقبلها بريكسيت في بريطانيا وصعود الحظوظ السياسية لليمين المتطرف في أرجاء أوروبا، والتهديد الحقيقي بفوز حزب لوبن فاشي النزعة بالانتخابات الفرنسية المقبلة. ما لا يعترف به بالصراحة نفسها هو حقيقة أن جذور الأزمة تعود إلى أواخر السبعينيات وأن العدوان على الديمقراطية بدأ بالهجوم على النقابات العمالية وعلى حقوق ومكاسب العمال، بدأ بالريجانية والثاتشرية وأنبياء الاقتصاد الكلاسيكي الجديد، وبروشتات المؤسسات المالية والطمس الأيديولوجي للاجتماعي والطبقي تحت ركام الهويات، لتسفر عملية النصب التاريخي عن رئيس أمريكي كاره للسود والمكسيكيين والمسلمين ومزهوا بمغامراته في التعدي على الأعضاء الجنسية للنساء.

ليس في أي من هذا استهانة بالنضال من أجل الديمقراطية بل تأكيدا له، مسلحا بالإدراك العميق لحقيقة أن معركة الديمقراطية هي معركة مستمرة، تشمل الهجوم المتواصل من أجل تعميق وتوسيع كل من حق الناس في تقرير مصيرهم بأنفسهم وامتلاكهم للقدرة الفعلية على تقرير ذلك المصير، وما الاشتراكية في حقيقة الأمر غير ديمقراطية حتى النهاية، الديمقراطية الأتم على حد قول ذلك الثائر الروسي القديم، فلاديمير الليتش أوليانوف.

ثالثا: البرجوازية المصرية والمجال السياسي

Hubris كلمة يونانية المنشأ تجمع بين معاني الكبرياء والزهو والصلف، وهي خصال لم تكن مستحبة لدى آلهة الأغريق. إحدى الأساطير الإغريقية الشهيرة تروي قصة نايوبي، كانت إمرأة خصوب، ابنة ملك وزوجة ملك، تزهو وتتباهى بخصوبتها (فلها ستة أولاد وست بنات في روايات، وسبعة من النوعين في روايات أخرى). غير أن زهو نايوبي بخصوبتها أمام إمرأة أخرى لم ترزق بغير طفلين توأم جلب عليها انتقاما رهيبا، فالمرأة الأخرى مجروحة المشاعر تنتمي للجيل الثاني من آلهة الأغريق، الـ Titans ويطلق عليهم بالعربية الجبابرة، وأبو طفليها التوأم كبير آلهة الجيل الثالث، زوس شخصيا، وولديها آلهة بدورم: أبولو وأرتميس. عقابا على زهوها واساءتها لمشاعر أمهم يقوم أبولو بقتل كل أولاد نايوبي وتتولى أرتميس قتل كل بناتها، لتقضي نايوبي بقية حياتها أما مكلومة تبكي أطفالها إلى أن تحولت إلى حجر.

خليهم يتسلوا، يجدر بها أن تحتل بدورها مكانا بارزا في الدراما المصرية وإن انتمت للتاريخ السياسي الواقعي وليس لعالم الأسطورة. قالها حسني مبارك منتشيا، مزهوا، هازءا بمعارضيه في افتتاحه برلمان 2010 المشؤوم، ليجئ قوله تكثيفا دراميا للمأثرة الأهم لعهده وكاشفا عن السر الأعمق لصيرورته الكؤود، فيشاء ديالكتيك العملية التاريخية (أو القدر، إن شئت) أن تُرد السخرية للساخر مضاعفة مدوية، فتصبح عنوانا هازئا لسقوط مبارك ولنهاية عهده.

فمثله كمثل نايوبي المكلومة لم يكن زهو مبارك وخيلاءه محض جعجعة فارغة: السيدة التعسة خصوبة بالفعل، أنجبت (وفقا للأسطورة) ما بين 12 و14 ولدا وبنتا، أما ديكتاتورنا التعس فيقف على عهد دام ثلاثين عاما تجاوز بهم سائر حكام مصر الحديثة باستثناء مؤسسها محمد علي باشا، وتميز حكمه بركود وثبات مدهش، مقيت، رتيب، كئيب. يكفيك أن تقارن عهده بعهدي سلفيه العاصفين، أو أن تتأمل في حجم التحولات الهائلة داخليا وإقليميا وعالميا التي أحاطت به: تحويل شامل لهيكل الاقتصاد المصري ولبنية الطبقة الحاكمة، عدوان متواصل متنام وناجز على الحقوق الأساسية للطبقات العاملة في المدينة والريف وتحلل تام من العقد الاجتماعي الناصري. أيديولوجية سائدة تمد بجذورها للقرن التاسع عشر يُلقى بها في سلة المهملات وتستبدل بخلطة عجيبة من الفكر الديني والليبرالية الجديدة؛ تدله وخنوع للغرب الاستعماري وتصالح وود مع إسرائيل تتعايش في وئام مع ديماجوجيا المؤامرات الأمريكية الصهيونية على مصر والعرب والإسلام؛ إعجاب بإسرائيل ومنجزاتها وكراهية واحتقار لليهود؛ تشييد المساجد بسرعة صاروخية وبجانب كل مسجد فرعا لماكدونالد وكنتاك؛، كراهية وازدراء متصاعد للمسيحيين المصريين الكفار” “المستكبرينلا تقف حائلا أمام أجازات صيفية ومهمات وظيفية تُقضى كلها شوبنجفي لندن وباريس ونيويورك؛ نتغنى بنظافة الدول الغربيةالمسيحيةوبحسن تنظيمها وبطرقاتها ومعالمها المعمارية، ونحظر بناء الكنائس أو ترميمها عندنا، هذا إذا لم نحرقها أو نهدمها؛ نحذر من الغزو الثفافي الغربي ونستهلك زبالته بنهم محموم؛ نهتف بخصوصيتنا الحضارية والثقافية والدينية ونترك المساجد الأثرية تتهاوى محاطة بأكوام القمامة؛ نترك معمار العصر الإسلامي يتهاوى أو نهدمه لنفسح مكانا للمولات والمساجد المستوحاة من ثقافة النفط الخليجية.

التعددية المقيدة الموروثة من السادات تحفل بالتناقضات وتحيا رغمها في تعايش ووئام؛ صعود متواصل وعارم للمكون الديني في فكر وقيم وأنماط سلوك عامة الناس من أعلى السلم الطبقي إلى أسفله، وبأكثر رموزه ومعانيه رجعية وتخلف ومعادة للعقلانية والإنسانية، لا يفضي إلى حكم اسلاميولكن لثبات ممتد يشمل المناورات والأخذ والعطاء والتلاعب والتآمر والشد والجذب وكلها تحت السيطرة” – بين النظام والإسلام السياسي بإخوانه المعتدلينوجهادييه المتشددين؛ بطل الحرب والسلاميُغتال بين جنوده ومحاولة تمرد مسلح تُجهض يعقبها تجنيد الجهاديين أنفسهم دعما للتحالف مع أمريكا في حربها على الكفارالروس في أفعانستان؛ عقد كامل من الحرب على الإرهابيدعم النظام ولا يضعفه، يتحول الشعب بموجبه لمتفرجين مذعورين بينما تتوطد دعائم دولة بوليسية لا حدود لتوحشها وهمجيتها.

كل هذا في سياق إقليمي وعالمي حافل بالعواصف والتحولات الكبرى تشمل، من ضمن ما تشمل، غزوا اسرائيليا ساحقا للبنان، يصفي وجود المقاومة الفلسطينية المسلحة على أرضها، يعقبه غزوات وغزوات؛ عولمة رأسمالية جامحة ودول من العالم الثالث المتخلف تدخل نادي الدول الصناعية الحديثة، وتحالف مع العراق في حربها المجنونة والمدمرة مع إيران ثم تحالف مع أمريكا لتدمير العراق وصولا لغزوها وسحقها؛ حائط برلين يسقط وبعده الاتحاد السوفيتي ومعسكره الاشتراكي، والغرب يحتفل بانتصاره النهائي وبنهاية التاريخ؛ سقوط الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، وموجات من التحول الديمقراطي تتواصل دفهات ترقم، وتمتد من شرق آسيا لأمريكا الجنوبية لعدد من البلدان الأفريقية؛ ثورة تكنولوجية تفوق الخيال تدخل بها البشرية ما يسمى بعصر المعلومات.

كل هذا ومبارك وحكمه قاعدون ثابتون مستقرون استقرارا هو أشبه بالموتى، حتى شخوص الطاقم الحاكم لا يكادوا يتغيرون، اللهم إلا بالإرادة الإلهية أو بأقل القليل من التضحيات التجميلية بكباش فداء، عادة ما تكشف عن نزاع بيزنسي ما.

عام 1999 قدمت ورقة (لم تُنشر) لحلقة نقاشية لليسار استضافها مركز الدراسات الافريقية والعربية ورئيسه الرائع حلمي شعراوي، أستميح القارئ عذرا في أن أقتبس بعضا منها هنا:

نظام الاستبداد الشعبوي في حالة تحلل منذ ثلاثة عقود. ما سمي بتجربة التعددية المقيدة التي ولدت عام 76 تجاوزت سن الرشد، والحصاد معروف للجميع: نظام رئاسي ملكي، السلطة الفعلية في أيدي رئاسة الجمهورية وأجهزة الأمن، برلمان معين لا يُشرع ولا يراقب ولا شأن له بتشكيل حكومات من أي نوع، أجهزة الأمن هي المجال الرئيسي لتجنيد وإعادة إنتاج الطاقم الحاكم على كل مستويات الدولة، دولة بوليسية فاقت في شراستها ودمويتها ونطاق إرهابها أي لحظة سابقة في تاريخنا الحديث؛ تطور مستمر في الطابع الديني للدولة والخطاب الأيديولوجي السائد، وتوسع متواصل في سلطات وصلاحيات الأجهزة الدينية الرسمية يقابله تقليص متزايد للعناصر العلمانية في بنية الدولة المصرية الحديثة (فلم تكن أبدا دولة علمانية). وكل هذا في تزاوج فريد مع تعددية حزبية مقيدة ونطاق لحرية التعبير محاط بالقيود ولكنه في كل الأحوال أوسع كثيرا مما كان متاحا في ظل نظام الاستبداد الشعبوي الناصري. والمثير للانتباه هنا يكمن في مفارقة أن هذه الظواهر المتناقضة على السطح للاستبداد واللبرلة لا توجد – رغم المعارك الجزئية بين الحين والأخر – في حالة تناقض وصراع وإنما أساسا في حالة تعايش ووئام: تعذيب وكشف عن التعذيب، تزوير وكشف عن التزوير، انتخابات برلمانية ومحلية تقوم نظريا على التعددية الحزبية والصراع بين أحزاب المعارضة والحزب الحاكم وفعليا على التنافس بين أعضاء الحزب الحاكم نفسه على كسب ود ورضاء السلطة التنفيذية حتى ولو رغم أنفها في بعض الأحيان؛ صحافة حزبية ومستقلة يدار بعضها بـالتليفون إياه” (على حد تعبير صلاح عيسى) وبعضها الأخر من لاظوغلي مباشرة، وكلها رديئة ورثة واستبدادية النزعة، مبدأها الأساسي هو احتقار الحقيقة والإزدراء بعقول القراء، حين تعارض فمعارضتها ديماجوجية فظة وحين تمالئ فممالئتها ذليلة رثة، معارضتها لا تضعف النظام وممالئتها لا تقويه (يخوض الصحفيون معركتهم المجيدةضد قانون 92 ليبدأ حبس الصحفيين بعد انتصارهم المجيدبالذات.)

أما أحزاب المعارضة فحدث ولا حرج. البعض يملأ الدنيا صراخا وضجيجا، والبعض الأخر يلبس ثوب العقلانية الرزينة، والكل يهرج. ويبدو التهريج وانعدام الجدية في أنصع صورهم في النشاطات المشتركة للأحزاب: اجتماعات وبيانات وإنذارات ومؤتمراتالمعارضة كلها (بما فيها بطبيعة الحال الإخوان والشيوعيين المحجوبين عن الشرعية“) تطالب بتعديل الدستورالمعارضة كلها تضع شروطها لضمان نزاهة الانتخابات البرلمانيةالمعارضة كلها تطالب بتجميد العلاقات مع اسرائيلالمعارضة كلها تطالب بالتضامن مع شعب العراق وكسر العقوبات ضدهالمعارضة كلها تطالب بمقاطعة البضائع الأمريكية والبريطانية (!!!) – أحداث جلل لا يعيرها النظام انتباها، ولا الشعب ولا المعارضون أنفسهم، تسجل في الصحافة الحزبية الأسبوعية، ولا ينقضي أسبوعا حتى يكون الجميع، حكومة ومعارضة وشعبا، قد نساها. (يصل الأمر إلى مستوى الملهاة في الاحتجاجات الموسمية من خلال صلاة الجمعة في الأزهر، وتلك المسيرة المحبطة أبدا).”

لم يكن مبارك مبالغا في خيلائه واستهزاءه، غير أن زهوه أعماه عن جديد كان ينمو بتؤدة تحت السطح، جيل جديد وأدوات جديدة وخيال ثوري جديد تنشأ من الناحية الأساسية بعيدا عن المجال السياسي الكاريكاتوري وخارج نطاقه. لم تكن مشكلة مبارك في قراءته لكامل عهده، ولكن في أن العملية التاريخية (أو القدر إذا أردت) شاءت أن يأتي تصريحه المتبجح بتلك القراءة في دقائقها الأخيرة: شيئ ما غير معهود وغير مألوف كان يجري في بر مصر؛ مجال سياسي جديد تمام الجدة كان يغلي ويفور تحت القشرة الأرضية للنظام ليخرج إلى السطح فجأة في 25 يناير 2011، منفجرا كالبركان.

وهو ما يعود بنا لمسعانا لتفسير ذلك الركود المذهل لعقود مبارك الثلاثة، وبالأخص لنجاحه الفائق في انتاج واعادة انتاج مجال سياسي وهمي قوامه اللا سياسة؛ شكل بغير محتوى، تمثيل للسياسة لا ممارسة لها، يتفق أطرافه جميعا، حكومة ومعارضة، ضمنا أو صراحة، كل على لعب دوره المحدد وفقا لسكريبتمعد سلفا، وإن سمح ببعض الارتجال (وبالأحرى التهريج) على طريقة المسرح التجاري المصري، ويماثله ركاكة وابتذال ورداءة في الأداء.

في الورقة التي اقتبست منها أعلاه، طرحت مفهوم الأوليجاركية كأداة رئيسية لتفسير تحولات النظام السياسي للمباركية وكان قد مضى عليه ما يقرب من عقدين من الزمان، بينما الخطاب السائد حوله داخليا وخارجيا محصور في فكرة التحول المحجوز، وهو القائم على فرضية أن التعددية التي خلفت تحلل نظام الاستبداد الشعبوي الناصري مآلها المحتوم هو التحول لديمقراطية من نوع ما، وكاد النقاش يقتصر على ابتداع نوع الديمقراطية الملائم لـخصوصيتنا الثقافية والحضارية والدينية، وأصبح موضوع الإسلام والديمقراطية موضوعا مأثورا في مئات رسائل الماجستير والدكتوراه، شرقا وغربا، عربا وعجما، ومعه نقاشات لا حصر لها عن كونية حقوق الانسان أو خصوصيتها، وعود أبدي للغو الأصالة والمعاصرة وفيض من الخرافات الاستشراقية المحدثة حول الجواهر الحضاريةللغرب المسيحي والشرق الإسلامي، وعن الديمقراطية والشورى، وحقوق المرأة في الإسلام وحقوق الانسان في الاسلام، وعن أي شئ يترائى لباحث طموح البحث فيه في الإسلام. فنحن في عصر الهويات بامتياز، وليس من سبيل للحصول على منحة دراسية سخية أيسر من التعمق في خاصية أو خصوصية ما في الإسلام من شأنها أن تبين كيف أن الشرق شرق والغرب غرب، وربما تقترح وسطا ذهبيا ما لديمقراطية إسلامية ما، تسمح بحوار الحضارات وتبادل السلع والخدمات والاستثمارات.

ما طرحته في الورقة المشار لها أعلاه، وما أعيد طرحه هنا، هو أننا لم نكن قط بصدد تحول أو انتقال محجوزأو بطئ أو متباطئ بفعل عوائق الخصوصية الثقافية/الدينية أو عناد بيروقراطية ناصرية مزعومة أو ضعف الطبقة الوسطى أو صغر حجم القطاع الخاص أو لقصور اجراءات تحرير السوق والخصخصة بفعل عقدة 18 و19 يناير، وغيرها من خرافات الحكم العامة الشائعة وقتها، ولكن أن تحولا نوعيا قد حدث بالفعل، وانه لم يكن تحولا من الاستبداد الشعبوي الناصري ومجاله السياسي المؤمم نحو تعدديةليبرالية الطابع، اسلامية النكهة، مثلما طرحت جماعة الخبراء غربا وشرقا، ولكنه كان تحولا للأوليجاركية، حيث خصخصة المجال السياسي لا تساوي تحريرهولكن تصفيته، وحيث المقابل السياسي لتحريرالاقتصاد ليس تحرير السياسة ولكن خصخصة الدولة.

دعنا نوضح ما نقصده بالأوليجاركية، والشائع عنها هو الاشارة لنوع من اتحاد السلطة السياسية والمال، وهو صحيح وإن ليس بكاف إذا لم نوضح أن ذلك الاتحاد يتم من وراء ظهر المجال السياسي وعلى حسابه. وهي ظاهرة مصاحبة للدولة الرأسمالية في كل الأحوال، تتسع أو تنقبض في علاقة مع طابع أسلوب الانتاج وشروط تطوره، والمسار التاريخي للصراع الاجتماعي. وهو ما يقودنا إلى ضرورة التمييز بين طابع أوليجاركي لنظام رأسمالي ما وبين طغيان الطابع الأوليجاركي إلى الحد الذي يسم فيه النظام بأكمله. أوليجاركية النظام الروسي تحت بوتين واضحة للعيان ويكاد يجمع عليها الكل، ولكن ماذا عن الطابع الأوليجاركي المتنام للرأسمالية الأمريكية ورئيسها (الجمهوري) دوايت أيزنهاور يحذر في الخمسينيات من نفوذ ما أسماه هو بـالمجمع العسكريالصناعي، وقد قطع أشواطا بعيدة في التضخم والتبلور منذ ذلك الحين.

حين تصاحب الأوليجاركية ديمقراطية تمثيلية تبدو كنوع من الغش والاحتيال وهي كذلك فعلا. فالديمقراطية التمثيلية، كما سبقت الاشارة، تفترض أرضا مستوية إلى هذا الحد أو ذاك لتنافس الرأسماليين أفرادا ومجموعات وكتل، لا حول مصالحهم الاقتصادية فحسب وانما أيضا حول الرؤى المختلفة والمتباينة والمتنازعة بين صفوفهم في كيفية تحقيق مصلحة النظام ككل، أي الهيمنة. فالبرجوازية على حد تعبير أنطونيو جرامشي ليست يهودي قذر” (وعذرا على العبارة العنصرية وجرامشي يستخدمه تهكما على النزعة المعادية لليهود المهيمنة في عصره) يسعى أفرادها ومجموعاتها وراء مصالحهم الاقتصادية المباشرة فحسب وانما يمتلكون تصورات ورؤى عامة تأخذ شكل الفكر والسياسة والثقافة والدين بما يحافظ على صيرورة النظام ويضمن خضوع بل وقبول الطبقات المسودة. ومثل هذه الرؤى تتبلور وتتحقق وتتنافس عبر آليات تقسيم العمل الاجتماعي من خلال المفكرين والأكاديميين ورجال الدين وبطبيعة الحال، الأحزاب السياسية، وساحة التنافس الأساسية هي المجال السياسي. وهي تفترض أيضا قدرا من الاستقلال النسبي لكل من الدولة والمجال السياسي عن كتل البرجوازية ومجموعاتها وأفرادها، تأكيدا لمقتضيات الهيمنة، أي لضرورة النظر للمصالح العامة للمجتمع البرجوازي ككل ولمقتضيات صيرورته واستقراره وليس الانحياز للمصالح المباشرة لهذه الكتلة أو تلك من الرأسماليين. هذا الاستقلال النسبي هو الذي مكن في الدول الديمقراطية من الاتفاق الجديد” (أو الـ New Deal) لفرانكلين روزفلت في الولايات المتحدة ومن صعود الأحزاب العمالية للسلطة في أنحاء أوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية وتأسيس دولة الرفاه، في صلة وثيقة، بطبيعة الحال وكما سبقت الاشارة، بتطور الصراع الطبقي محليا وعالميا. وهو أيضا الذي قامت على أرضه دول السلطوية الشعبوية عندنا وعند غيرنا من البلدان، ليصل حد توجيه الضربات القاسمة للبرجوازية حفاظا على الرأسمالية ولأن تحل البرجوازية البيروقراطية محلها كفئة طبقية سائدة.

تتحايل الأوليجاركية على هذا كله بروابط مباشرة بين مجموعات وكتل رأسمالية كبرى وبين البيروقراطية، وبمعنى أدق قمم جهاز الدولة، أي البرجوازية البيروقراطية. مثل هذه الروابط والاتحادات تتشكل وتفعل فعلها من وراء ظهر المجال السياسي وتخلق – بقدر استفحالها واتساع نفوذها – أمرا واقعا يحاصر ذلك المجال ويشكل قيودا صارمة على الاختيارات المتاحة أمامه. (يندر أن تجد جنرالا أمريكيا مهما لا يعلم خير العلم ان وظيفة دسمة تنتظره عند التقاعد في أحدى الشركات الكبرى التي كان يتعامل معها وهو في الخدمة). كما أن التطور الأوليجاركي لا يحاصر المجال السياسي ويحيده ويعقمه بشكل متزايد فحسب، ولكنه يفسده هو نفسه. (الزعيم العماليتوني بلير يقبض ثمن دوره البارز في تدمير العراق بتعاقدات خليجية بعشرات الملايين، والوظائف الدسمة في القطاع الخاص الأمريكي لا تقتصر على الجنرالات ولكن تشمل كبار أعضاء الكونجرس والسياسيين وكبار موظفي الدولة، بما فيهم رؤساء الدولة أنفسهم؛ وفي دولة من أكثر دول الغرب ديمقراطية، ألمانيا، يتولى رئيس الوزراء الاشتراكي الديمقراطيجيرهارد شرودر لدى تقاعده وبفضل الرئيس الروسي بوتين رئاسة مشروع خط أنابيب الغاز لشمال أوروبا، وهو الخط نفسه الذي تعاقد عليه شرودر مع بوتين إبان رئاسته للوزراء، فالأوليجاركية معولمة بطبيعة الحال).

الجميع تقريبا يقرون هذه الأيام (وبعد انتهاء حفلة نهاية التاريخالتسعينية) بأزمة الديمقراطية التمثيلية، وبأزمة السياسة، وبأزمة الأحزاب السياسية، وبإنصراف الناس عموما والشباب خصوصا عن العملية السياسية في الدول الديمقراطية، وتقدم الأرقام المتناقصة طرديا للمشاركة في الانتخابات ولعضوية الأحزاب السياسية تدليلا على تفاقم الأزمة. بل ويذهب باحثون إعلاميون إلى أن الأزمة الطاحنة التي تعيشها الصحافة المطبوعة في كل مكان لا تعود لبروز الفضاء الالكتروني المحدث ولكن لتراجع السياسة، ويربط بعضهم رقميا بين انخفاض عضوية الاحزاب السياسية والإقبال على الانتخابات في أوروبا وبين انخفاض توزيع الصحف فيها. ما لا يقر به الجميع مع ذلك هو أن هذه الأزمة وليدة استفحال الطابع الأوليجاركي للرأسمالية العالمية المعولمة في هذه المرحلة من حياتها، وما ترتب عليه بالضرورة من تهميش متزايد للمجال السياسي حيث لا فرق ذي بال بين أحمد والحاج أحمد“.

ربما كان من الطبيعي أن ينعكس انهيار الإتحاد السوفيتي ومعسكره الاشتراكيوالنهاية الفعلية لعصر التحرر الوطني عالميا (حيث لم تعد هناك قضية وطنية كبرى في عالم اليوم غير القضية الفلسطينية، وقد همشتها خدعة أوسلو)، ومشهد موجات التحويل الديمقراطي أو المقرطةفي شرق أوروبا وأمريكا اللاتينية وشرق آسيا، فضلا عن الديمومة الكؤود للاستبداد البوليسي المتوحش فيما بات الجميع يطلقون عليه صراحة الاستثناء العربي/الاسلامي، ربما كان من الطبيعي أن ينعكس هذا كله علينا بشيوع نوع من السذاجة في فهمنا لقضية الديمقراطية وتشبعه بالأوهام والأساطير الليبرالية. ومع ذلك ورغمه، فقد جاءت الثورة المصرية والثورات العربية لتقول: عيش، حرية، عدالة اجتماعية، كرامة انسانية، متجاوزة الوعي الشائع من ناحية، وغير مسلحة كفاية لتحقيق مثل هذا التجاوز من ناحية أخرى. وهذا نقاش أخر.

لم يكن الفريد في التجربة المباركية هو طابعها الأوليجاركي ولكن في طغيانه الشامل إلى حد أن ابتلع كل شئ حوله، حد أن أخضع وأعاد صياغة كافة مكونات وعناصر الدولة الرأسمالية الحديثة على صورته، وفي انه لم يُضعِف المجال السياسي ويهمشه فحسب ولكن قضى عليه قضاءً تاما، محاه من الوجود، وهو ما بدأ المصريون في ادراكه مع بزوغ الألفية الثانية والعقد الثالث لحكم مبارك وطغمته لتشيع مقولات من نوع تبويروتجريفالمجال السياسي، وأظنها لهيكل.

تعددت الأسباب والموت واحد. الكثير من العناصر ساهمت في النجاح الساحق للمباركية في تصفية المجال السياسي وصولا به لزهو خليهم يتسلوا، ولكن أهمها على الاطلاق يكمن في الخصائص المتشابكة للتشكل التاريخي للبرجوازية المصرية، ولا نعني بها مجرد طابع اقتصادها ولكن أيضا تجربتها التاريخية وطبيعة تكوينها البشري ومن ثم مكونات وخصائص وعيها بذاتها وبالدولة والمجتمع والعالم. ومن المهم في هذا الصدد أن نلفت النظر لخلط شائع وهو الميل لاختزال البرجوازية المصرية في تلك المجموعة القليلة من كبار الأوليجارك المعروفين إسما وأسرا وروابطا وبيزنس وثروة، وما خفي كان أعظم. نحن في الواقع نتحدث عن طبقة عريضة تتنوع تنوعا كبيرا في أصولها وثقافتها وأنواع نشاطها الاقتصادي وميولها الفكرية والثقافية والقيمية (ولعل أكثر هذه بروزا موقفها من الدين) تمتد من العاصمة والمدن الكبرى إلى آلاف البلدان الكبيرة والصغيرة والقرى والعزب. ولكن، ولأنها ليست شذرات أفراد يعرفون بموقعهم من علاقات الانتاج، ولكن طبقة اجتماعية تشكلت تاريخيا، فهي تمتلك وعيا مشتركا بذاتها وبمصالحها وبعلاقاتها بالآخرين، حلفاءً أو خصوم.

الخصائص الفكرية والثقافية والقيمية والأنماط السلوكية للبرجوازية المصرية تستدعي عشرات الدراسات الأنثروبولوجية المهمة وربما الممتعة، فنحن حقا إزاء طبقة سطيحة وعاملة فصيحة وجايبة العارعلى حد قول الرائع أحمد فؤاد نجم. ولكن موضوعنا هنا هو علاقتها بالسياسة وبالدولة. ولعلي ألاحظ بداية مظهرا طالما أثار حيرتي، وهو افتقاد البرجوازية المصرية شبه التام لما يطلق عليه بالانجليزية الـ civic spirit، أو الروح المدنية(ومدنية هنا ليست مرادفة لعلمانية، وهو مصطلح التقيةالذي اقتحم حياتنا مؤخرا تجنبا لكلمة علمانيةوالعياذ بالله). الروح المدنية هنا تعني الحد الأدنى من ادراك المواطن لأن مصالحه الخاصة تقتضي درجة من الاهتمام بما حوله سواء في مجتمعه المحلي أو في المجتمع ككل، أي أن لا يكتفي مثلا بأن يكون مسكنه حلوا مريحا به لمسة من جمال قدر استطاعته وتبعا لذوقه الجمالي، ولكن أن يكون شارعه والحي الذي يقطنه كذلك. البرجوازيون المصريون يتنافسون على عدد وحجم وفخامة ما يمتلكنه من فيلات شتوية وصيفية، ولا يضيرهم أن تحيطها أكوام القمامة والشوارع المهشمة من كل جانب. هي نفسية ست البيتالتي تحرص كل الحرص على أن تحافظ على بيتها نظيفا لامعا وتلقي بالمياه الوسخة وربما القمامة من الشباك على الشارع أسفل الدار.

مثال طالما أذهلني هو حي الزمالك. جزيرة لا تكاد تحوي غير البرجوازيين القدامى منهم والمحدثين وخدمهم، ومع ذلك تهدم الأبنية القديمة الجميلة أو تترك لتتآكل وتنهار حتى يشيد مكانها المولات والعمارات الشاهقة متنافسة في قبحها وفي افسادها الهواء واعاقتها المرور؛ القمامة والشوارع المهدمة في كل مكان، ولكن لا ينتفض أهل الحي احتجاجا إلا حين تطرح الحكومة مشروعا لإقامة محطة لمترو الأنفاق في وسطهم، فلا مانع عندهم من احتمال الاختناق المروري المروع وفساد الهواء من عوادم أرتال السيارات طالما يقفل الطريق ولو جزئيا على قدوم الرعاع“.

قصة حي الزمالك تكاد تلخص علاقة البرجوازية المصرية بالمجال السياسي وبدولتها:الحماية من الرعاع، وصفقات البيزنس منتهى طموحها المدني، أما القمامة وما عداها من أمور تتعلق بالحي أو المدينة أو الوطن فقد اعتادت ترك العيش لخبازينه” – أي الدولة، وبالأحرى القائمين عليها.

ولكن للقصة ملحق، وهو الهروب للمجمعات السكنية المسورة والمحاطة بشرطة مخصخصة يملكها ويديرها كبار رجال شرطة متقاعدون، مجمعات لا يطرقها من الرعاعغير الخدم تحت أعين رجال الأمن الخاص والعام، أما قاهرة المعز وحضارة الـ7000 سنة فلتترك تتهاوى على سكانها والاستثمار العقاري يعلو على الميراث الحضاري(فالسياحة مضروبة وسواح اليوم يفضلون الشواطئ على الأثار).

المهم هو البيزنس والأمان.

المجال السياسي بين النهوض والاندحار

البرجوازية المصرية لا تحب السياسة، ولم تعهدها إلا لفترات محدودة من حياتها، ارتبطت فيها بالنضال الوطني العام ضد الاحتلال البريطاني والقصر وهيمنة الأرستقراطية الشركسية، ليحكم حزبها التاريخي -حزب الوفد- لمدة لم تتجاوز ست سنوات متقطعة، وحتى حين يتولى سدة الحكم مشاركة بينه وبين الإنجليز والقصر، تدفعه الحركة الجماهيرية من الخلف ويرده أولئك كحائط سد من الأمام، فتُحل الحكومات الوفدية وتقام حكومات الأقلية وتعلن حالات الطوارئ؛ والبرجوازية المصرية تتراوح بين هذا وذاك، لنشهد الانسلاخات والتحولات الرجعية في صفوفها، ماثلة في انسلاخات حزبية متتالية تشكل منها “حكومات الأقلية”، وليزداد حزب الوفد نفسه ارتباكا وترددا ووجلا، ويقوى نفوذ اليمين داخل قيادته (ورمزها الأهم صعود فؤاد سراج الدين باشا لموقع القيادة الثانية للحزب)، مصحوبا بفضائح الفساد وفضائح أخرى لا داعي لذكرها، تصب الوقود في ماكينات اليمين من جهة، وتسهم في بلورة راديكالية وطنية لا ديمقراطية متأثرة بالفاشية الأوروبية من جهة ثانية.

اللحظة الفاصلة في 51: تصاعد عارم للحركة الجماهيرية يتجاوز القيادة البرجوازية ويتحدى هيمنتها ليفتح أفاقا جديدة للنضال الوطني، تربطه ربطا وثيقا بالطبقي والاجتماعي، يدفع بحزب البرجوازية الكبير دفعا لاتخاذ أكثر خطواته راديكالية –فيعلن زعيم حزب الوفد “والأمة” الغاء معاهدة 36 من جانب واحد– ليصاب بعدها حزبه بالشلل التام، بعد أن فتح بابا لا قبل له بالخطو ولو خطوة واحدة عبره. انها لحظة “كلاسيكية” إذا جاز التعبير: “البرجوازية لم تعد قادرة، والطبقات العاملة ليست قادرة بعد”، ليأتي الانقاذ من داخل جهاز الدولة وأدوات القسر فيه بالذات.

ولكن دعنا نتوقف قليلا هنا لنربط تلك اللحظة التاريخية بسياق نقاشنا، ولنبين ما أقترحه مظهرا متكررا لمسار الصراع السياسي والاجتماعي في مصر منذ ذلك الحين وحتى يومنا هذا:

المقولة الشهيرة لكارل ماركس في تفسير الظاهرة “البونابرتية” في فرنسا في حلقتيها: “التراجيدية” (نابوليون بونابرت) والملهاة (لويس بونابرت) تلقي الضوء على جوهر لحظات متكررة في مسارات الصراع الاجتماعي في عالمنا الحديث، حيث توازن القوى بين البرجوازية والطبقات الشعبية يصيب الجميع بالشلل. البرجوازية لم تعد قادرة والكادحون غير قادرين بعد، فيأتي المخلص مستندا لأجهزة القسر في الدولة ليعيد “الاستقرار” وينهي “الفوضى”، محققا لبعض من مطالب وطموحات الكادحين من فوق (بشرط تسريحها وقمع حركتها المسقلة) في حالات، وساحقا لتلك المطالب والطموحات بدعوى استعادة الاستقرار في حالات أخرى. وفي الحالتين تُسلِم جمهرة البرجوازية بالاستنكاف عن الحكم من خلال المجال السياسي مفوضة أمرها للزعيم/الديكتاتور.

ولكن ماذا لو أعدنا صياغة المقولات السابقة بصورة مختلفة بعض الشيئ؟ الضغط الجماهيري من القوة بحيث يصيب البرجوازية بالوجل والذعر ويشل قدرتها على الحكم من خلال المجال السياسي ورغبتها فيه، ولكنه وفي الوقت نفسه أضعف من أن يجبرها على العودة للمجال السياسي معدَلا إلى هذا الحد أو ذاك بما يفسح مساحة أوسع للطبقات الشعبية للتعبير عن مصالحهم والتأثير في العملية السياسية والدولة البرجوازية، وهو ما يرتبط في كل الأحوال -وكما أوضحنا أعلاه- بمحاولات البرجوازية ودولتها احتواء ذلك التأثير وتعقيمه والتحايل عليه.

صحيح أن هناك إمكانية أخرى -وهي التي قصدها ماركس- وهي تجاوز المجتمع البرجوازي ودولته الرأسمالية تماما واحلالهما بدولة ومجتمع من نوع جديد، أي بالاشتراكية. ولكن لعل التاريخ علمنا أن مثل هذا التجاوز لا يتم بخبطة واحدة قاضية وإنما بـ”ثورة مستمرة” جلها تعميق الديمقراطية وتوسيعها إلى أقصى حد. فالنضال الحقيقي من أجل الديمقراطية في عصرنا ما هو إلا نضال ضد الرأسمالية وعلى حسابها، وما الاشتراكية –كما سبق أن اقتبسنا –إلا أقصى تحقيق للديمقراطية: “الديمقراطية الأتم” (على حد القول المأثور للينين)، ونزيد عليه انها أيضا وبوصفها كذلك، الانتصار الناجز للسياسة وتحققها الأعلى، من حيث هي التحقيق المتنام لسيادة المستوى السياسي في المجتمع، أي لإخضاع العلاقات الاجتماعية بين البشر لاختياراتهم الواعية، وليس لغلالة قدرية قهرية مبهمة تتحكم في تلك الاختيارات وتخضعها لقوانينها، مخفية حقيقتها كعلاقات بين البشر وراء ستار العلاقات بين الأشياء. وبعبارة أخرى، هي الإعلاء الأتم والأكثر اكتمالا للإرادة السياسية المتحققة والفاعلة للناس.

أربع لحظات فاصلة في مسار الصراع السياسي والاجتماعي في بلادنا تتميز بالسمة الجوهرية نفسها: البرجوازية تتخلى عن الحكم من خلال المجال السياسي ذعرا من الحركة المستقلة للجماهير الشعبية، بينما تلك الحركة تمتلك من القوة ما يثير الذعر في صفوف البرجوازية ودولتها، لكنها تبقى أضعف من أن تفرض نفسها على المجال السياسي الرسمي وتجبر البرجوازية إجبارا على الحكم من خلاله.

اللحظتان الأولى والثانية، وتأتيان متتابعتين مترابطتين: أولهما لحظة 51، وسبق أن عرجنا عليها سريعا (وأنصح كل من لم يقرأ الدراسة الرائعة للأستاذ طارق البشري “الحركة السياسية في مصر 1954-1953” بأن يفعل)، وفيها نشهد كما سبقت الاشارة، الشلل يدب في أوصال حزب البرجوازية الأكبر، حزب الوفد– هو وطبقته –بعد أن أقبل على الغاء معاهدة 36 مع الإنجليز تحت ضغط التصاعد العارم للحركة الجماهيرية؛ فحريق القاهرة في يناير 52 وإزاحة الوفد من الحكم بغير مقاومة وإعلان حالة الطوارئ، فالاقتحام التاريخي للبكباشي جمال عبد الناصر وضباطه الأحرار لحلبة الصراع السياسي في يوليو من العام نفسه، مشبعين براديكالية وطنية مختلطة بالعداء للديمقراطية وللحياة الحزبية تأثرا بالفاشية الأوروبية وبحركة الإخوان المسلمين من ناحية، وبالعجز والعقم الذي أصاب القيادة البرجوازية للحركة السياسية في البلاد من ناحية أخرى.

في غضون عامين تأتي اللحظة الثانية: أزمة 54. ويروي عنها عبد الناصر نفسه (في مجرى حواراته مع السياسيين السوريين في مباحثات الوحدة المصرية السورية): “الجميع كانوا ضدنا”. وكان الضباط الأحرار قد خنثوا بعهدهم باستعادة “حياة ديمقراطية سليمة”، فحلوا الأحزاب وصادروا الحريات العامة، فكانت المحاولة الأخيرة لحزب الوفد والقوى الديمقراطية، وانضم لهم الإخوان المسلمون لاستعادة الحريات والحياة الحزبية، مستفيدين من صراعات داخل صفوف الظباط الأحرار أنفسهم، ولكنها كانت أشبه بالمحاولة اليائسة من الجميع: حزب الوفد، أو ما تبقى منه، بات من الناحية الأساسية حزبا بلا قاعدة طبقية أو جماهيرية، فجمهرة البرجوازية كانت قد أخذت في التبرؤ منه والانسلاخ عنه خوفا ووجلا قبل حركة الضباط الأحرار، فما أن تأتي هذه حتى ينبعث فيها الاطمئنان، وتنبري ترحب بسطوة الضباط الشباب وبإجراءاتهم المعادية للديمقراطية، ترحيبها بالمخلص والمنقذ من مصير مخيف مجهول.

القواعد الجماهيرية للحزب بدورها تفقد ثقتها فيه والتفافها حوله منذ زمن، وموقف الحزب من الاصلاح الزراعي الناصري يفقده قواعده الفلاحية. أما القوى الديمقراطية، وفي مقدمتها المنظمات الماركسية، فمرتبكة بدورها، حيث لا يتسع خيالها الاستراتيجي لتصور طريقا مستقلا للنضال من أجل الديمقراطية والتحرر الوطني لا يشمل تحالفا ما مع هذا القسم من البرجوازية أو ذاك (فتبقى حائرة بين الضباط الأحرار واصلاحهم الزراعي من جهة وحزب الوفد واستعادة الحياة الحزبية من جهة أخرى)، ولا هي نجحت بعد في بناء صلات وطيدة بما يكفي مع الطبقة العاملة وفقراء الفلاحين تسمح لها بشق مثل ذلك الطريق، فضلا عن الأثر الفادح عليهم للموقف السوفيتي من القضية الفلسطينية البازغة حينئذ كقضية وطنية كبرى مصرية بامتياز. والإخوان المسلمون من ناحيتهم (ولا تُقطع لهم عادة) يطمحون ويسعون في بادئ الأمر لركوب حركة الضباط الأحرار وصبغ الديكتاتورية العسكرية بالصبغة الدينية، وما يترتب عليه من مشاركة في الحكم. وعند فشل المحاولة يذهبون يتمسحون بالديمقراطية وباستعادة الحياة الحزبية، بعد أن أيدوا بحماس حل الأحزاب. وكان الضباط الأحرار قد استثنوهم وحدهم من قرار الحل بحجة انهم جماعة وليسوا حزبا.

وللمرة الثانية، تتخلى البرجوازية عن الحكم من خلال المجال السياسي (بما في ذلك حزبها التاريخي) خنوعا لسطوة البيروقراطية، كمنقذ من خطر الجماهير الشعبية، بينما هذه الأخيرة ليست بعد من القوة لإجبار البرجوازية على الحكم السياسي.

اللحظة الثالثة حافلة بالتناقضات، فالهيمنة الناصرية تتهاوى تحت تأثير الهزيمة الفاجعة في يونيو 67، مطلقة حركة جماهيرية تتصاعد بسرعة هائلة، لا ردا على الهزيمة فحسب ولكن لتطرق آفاقا جديدة في النضال الوطني والاجتماعي وسبيلها الأول هو كسر تأميم المجال السياسي التعبوي ومصادرته البيروقراطية والبوليسية، لتبعث مجالا سياسيا جديدا يناضل بشراسة لفرض شرعيته، ينطلق في الشوارع وفي الجامعات والمصانع وفي حركات فلاحية بازغة. مجال سياسي جديد يولد من خارج المجال السياسي البيروقراطي المؤمم والفاسد حتى النخاع، يُقابل بالقمع، يجدد وجل البرجوازية وذعرها من الكادحين، ولكن مرة أخرى يبقى أضعف من أن يجبرها على فتح المجال السياسي حتى وإن باتت مواصلة تأميمه مستحيلة.

قلت سابقا: تعددت الأسباب والموت واحد. البرجوازية البيروقراطية وقد حولت نفسها للفئة السائدة في البرجوازية المصرية ضجرت بالعقد الاجتماعي الناصري وبالمعارك الوطنية، تتطلع باشتياق محموم للعودة لمكانها الطبيعي بين أقرانها وحلفائها الطبيعيين في الرأسمالية العالمية ولتحويل ملكيتها العامة لملكية خاصة لأفرادها وجماعاتها ولتوطيد اندماجها مع الرأسمالية الخاصة محليا وإقليميا وعالميا، وكله يضعها في صدام محتوم وشرس مع جماهير الكادحين في البلاد، ويضاعف من خوفها التاريخي من خطرهم.

“نصر” أكتوبر يسحب بعض من الأرض من تحت الحركة الجماهيرية الصاعدة ويدعم شرعية الديكتاتور الجديد ويقوي من قبضته الاستبدادية، ويفتح في الوقت نفسه الطريق أمام بناء أواصر التحالف مع الإمبريالية العالمية والولايات المتحدة على رأسها، ومسيرة المصالحة مع إسرائيل تضحية بالقضية الفلسطينية وقد باتت عند البرجوازية المصرية عبئا لا يحتمل. وعلى الجانب الأخر تهدر الفرصة التاريخية لمقاومة ضروس تشنها الحركة العمالية في وجه العدوان الضاري على الحقوق والمكتسبات الأساسية للطبقة العاملة ولجماهير الكادحين والفقراء في أنحاء البلاد؛ تهدر وتبدد تلك، وكانت تحمل في رأيي إمكانية حقيقية للتبلور كحركة مقاومة شعبية سياسية واجتماعية شاملة، لعل كان من شأنها أن تفرض مجالا سياسيا ديمقراطيا وتقطع الطريق على التحول الأوليجاركي المدمر الذي عشنا في أسره ثلاثين عاما وما زلنا.

أما اللحظة الرابعة فهي الثورة المصرية الكبرى في 25 يناير 2011.

ثورة السياسة وسياسة الثورة

صبيحة 25 يناير 2011 وجدتني في منزلي أتشافى من أزمة قلبية، وأتابع بضجر وحسرة ما ستنجم عنه الدعوة “الفيس بوكية” للتظاهر بمناسبة “عيد شرطة” كانت قد تحولت منذ زمن لميليشيا همجية مطلقة العقال لا يحد من عنفها وتجبرها وتوحشها في مواجهة فقراء الوطن وكادحيه عرف أو قانون. توقعي المبني على عشرات التجارب والمحاولات السابقة أن بضعة مئات من الشباب وقلة من “العواجيز” من أمثالي سيلوح طيفهم في بعض شوارع وسط العاصمة، محاصرين بأضعافهم من قوات الأمن المدججين بأدوات العنف، بالدروع وسترات الكفلر، بالهروات والبنادق وقنابل الغاز، بالملبس الميري والمدني (الكومبارس المعهود والمفضوح من”المواطنين الشرفاء”)، وما تنقضي دقائق حتى “يلمون” بالعنف المعهود في “بوكسات” الشرطة، ختاما حزينا تعسا لمحاولة يائسة جديدة من قبل ما بات يصطلح عليه بـ”النخبة المثقفة”.

ساعات تمضي وتستشيرني زوجتي فيما إذا كنا نرسل ببناتنا الصغيرات للمدرسة صباح اليوم التالي، فيجئ ردي مفاجئا لي نفسي: بالقطع لا، فنحن إزاء شيئا جديدا تماما… بل وقد نكون إزاء ثورة شعبية شاملة. أهمس الجملة الأخيرة متحفظا، وجلا، مترددا، والقلب الواهن يختلج ما بين أمل طال انتظاره وتجربة حياة مكتظة بالآمال المحطمة.

بعدها بأيام معدودة أجدني على مكتبي في الأهرام (فلا وقت للاستشفاء) أكتب محتفلا بالمولد الجديد للمجال السياسي في بلادنا بعد موت دام ثلاثين عاما ونيف، أشبهه بمولد الإلهة الإغريقية أثينا وقد ولدت من جبهة أبيها زوس مسلحة، كاملة النضج، مكتملة العتاد. وربما كان حري بي أن أشبه ذلك المولد الجديد بالعنقاء، تنبعث مشتعلة متوهجة من الرماد، ولما لا؟ فالخلان الأوفياء لشعبهم ووطنهم وللتوق الإنساني الأصيل للحرية بالملايين في شوارع البلاد وميادينها، يقاتلون وهم عزل وببطولة منقطعة النظير جحافل الغيلان المدججة بالسلاح والتوحش – بصيادي العيون والأرواح ومفترسي النساء والأطفال، وإذا ما كان الغول والخل الوفي ليسا من المستحيلات فلم لا تكون العنقاء؟

في 25 يناير 2011 انفجر المجال السياسي فجأة، مندفعا كالبركان من تحت القشرة الأرضية الجرداء المتكلسة والمتعفنة للرأسمالية المصرية وحكمها الأوليجاركي، ولد كالعنقاء، مشتعلا، صاخبا، متوهجا، رائعا في بهائه، مدهشا في خصوبته وابداعه ونبل قيمه؛ ولد يصرخ بالحرية والعدالة الاجتماعية ويكشف عن بطولة واقدام واستعداد للتضحية يندر لها مثيل في التاريخ الإنساني كله، ويجدر بها أن تسطر كصفحة ناصعة في ذلك التاريخ (من يتذكر 28 يناير ومعركة “الجمل”وبطولات محمد محمود؟).

غير أنني -وفي غمرة حماس وبهجة شيخ كتب له أن يعيش ليشهد حلم عمر كامل وقد صار ملء السمع والبصر، يتحقق مفاجئا، مدهشا على أيدي جيل الأبناء- أخطأت التشبيه باستدعاء الأسطورة الإغريقية، فلم يكن المولود الجديد كأثينا، كامل النضج، مكتمل التسلح والعتاد. وكيف كان له أن يكون كذلك بعد ثلاثين عاما من الموت الزؤام؟ فها هنا الفجوة بين الواقع والأسطورة. ولهذا الإدراك بالتحديد فإن دعوتي المتكررة، منذ ما بعد الصيحة الأخيرة للثورة المصرية في 30 يونية 2013، لقراءة نقدية لتجربة الثورة لا تتعلق بمحاسبة ما جرى، بقدر ما هي دعوة للتعلم مما جرى، هي دعوة للتسلح للمستقبل لا للتحسر على الماضي.

ليس هذا موضوعنا هنا على أية حال، وإن كنت آمل أن يسهم نقاشنا هنا في إلقاء قليل من الضوء على بعض من عناصره.

شهدت الثورة المصرية اللحظة الرابعة لبزوغ مجال سياسي حي وحيوي من شأنه أن يفتح آفاقا واسعة، رحبة لتطور ديمقراطي غير مسبوق في تاريخنا الحديث كله، مجال سياسي يصنع صنعا في الشوارع والميداين، يصنعه فقراء الوطن وكادحيه في مواجهة صريحة وضارية مع البرجوازية المصرية ودولتها وزيجة الشؤم والخراب بينهما، وقوامها جشع ونهم ونهب غير محدود وقهر وبطش لا تحده حدود.

في الأقسام السابقة حاولت تبيان حقيقة أن البرجوازية في كل مكان، ورغم التنوع الشديد في أنماط نشأتها وصيرورتها ومسارات الصراع الاجتماعي المحيط بها، لا تختار الحكم من خلال المجال السياسي بملئ ارادتها المنفردة، حرصا على قدر من استواء الأرض فيما بين أجنحتها ومجموعاتها المتنافسة اقتصاديا والمختلفة بالضرورة في رؤاها لمقتضيات الهيمنة والحفاظ على مصالحها ككل، وإنها إذا اختارته فتختاره مقيدا محاصرا مقتصرا عليها قدر الإمكان، مغلقا على غيرها قدر الاستطاعة، ومن ثم فإن ما شهدناه تاريخيا من توسيع للمجال السياسي وللديمقراطية لم يكن له أن يتحقق إلا إجبارا على أيدي الطبقات العاملة وتحت الضغط الهائل والمتواصل لكفاحات باسلة، وبينّا أيضا أنه ما أن تثمر هذه الكفاحات عن توسيع وتعميق للمجال السياسي، ومن ثم للديمقراطية، حتى تشرع البرجوازية في التأمر عليه، تقزيما وحصارا والتفافا.

وإذا كان الأمر كذلك فيما يتعلق بأعرق البرجوازيات “ديمقراطية” وحكما من خلال المجال السياسي (ونموذجا الولايات المتحدة وبريطانيا على رأسها) فما بالنا ببرجوازية لم تعهد الحكم السياسي إلا لماما، ودفعت ثمنا غاليا لتخليها عنه تحت الهراوات الناصرية (وما زلت أذكر بقدر من التشفي عويل بعض من ٍأقارب وأصدقاء الأسرة حسرة على “تأميمهم”، ومصادرة أملاكهم، وشكواهم المرة المريرة من “تجرؤ الرعاع والحثالة على أسيادهم” بسبب عبد الناصر). هي طبقة تشكلت وأعيد تشكيلها في ظل الاستبداد وتحت حمايته ورعايته فضلا عن ضرباته وإذلاله، وعاشت لتشهد تحققا “لنبوءة” يوسف السباعي في “رد قلبي”، بزواج علي (الضابط ابن خولي العزبة) بإنجي بنت الباشا (وهو ما يتحقق فعلا وباتساع مذهل في جيل الأبناء والبنات) – زيجة شؤم حرفيا ومجازا، تأبى البرجوازية عبرها ومن خلالها أن تختار اخضاع البيروقراطية (بعد طول هوان على أيديها بالذات) لإرادتها السياسية من خلال إحياء المجال السياسي، (فعبره ينفذ “رعاع” يناير 77)، ولكن من خلال نسج شباك عنكبوتيه حافلة بالصلات المباشرة بين كبار رجال البيروقراطية ورجال البيزنس، فـيُبَزنس البيروقراطيون ويتبقرط البزنسيون، وتتسع علاقات المصاهرة في حفلات ألف ليلة وليلة، ومعها وبجانبها الجيرة في المسكن والتسامر في النوادي وعلى شواطئ السواحل، وفي مآدب الغذاء والعشاء والإفطار والسحور في الشهر الكريم.

أما القوام الأساسي للبزنسة المشتركة فهو نهب الدولة وشفط ما تحقق من تراكم رأسمالي في ظل مرحلتها الناصرية، وتقسيم واعادة تقسيم الكعكة والمغانم، فضلا عن البزنسة الخارجية المتخمة بأموال النفط -من بيع الآثار لجلب السلاح- وكلها تحتاج الشراكة الوطيدة بين البيروقراطيين المبزنسين ورجال البيزنس المبقرطين. وتسري علاقات الشراكة هذه في أرجاء الطبقة من أعلى كبار الأوليجارك في العاصمة لأدنى الهرم في المدن الصغرى والقوى والنجوع، فتتدرج الروابط والشراكات والمصاهرات والصفقات والامتيازات من الأسرة الحاكمة على قمة الهرم إلى مأمور القسم أو مدير إدارة محلية ما في قرية أو نجع، فلا بيزنس ولا إدارة ولا حكم بغيرها.

هكذا تتحول مؤسسات المجال السياسي التعبوي المؤمم الموروثة من العهد الناصري بالتدريج لمؤسسات مجال سياسي مزيف وخاو بالكامل، وتبتر سيور الربط التعبوية بين الزعيم وقاعدته الشعبية، ولا يبقى من تلك المؤسسات غير الضبط والقمع، ويستفحل طابعها الأبوي لحدوده القصوى، وقد فقد كل محتوى سياسي، ولم يبق منه غير الشحاذة من أسفل ووهب العطايا (المتناقصة باضطراد) من أعلى، والمقترنة بالعدوان المتواصل والمتصاعد على الحقوق، تجسدها ببؤس مقيت صيحة “المنحة يا ريس” في “عيد العمال”، وتدار من أجهزة الأمن، حيث جهة قمع حركة الكادحين هي نفسها جهة التفاوض معهم، (أي أن تفاوض والمسدس في جبهتك)، وحيث لا حقوق مكتسبة وإنما عطايا في بعض الأحيان وقمع شرس في أكثرها.

يتحول “الحزب الحاكم”، ولم يكن في أي وقت حزبا سياسيا حقيقيا، لما يشبه الشركة المساهمة للبرجوازية البيروقراطية وبرجوازية القطاع الخاص، شبكة مصالح وأداة من أدوات عقد الصلات والصفقات والتنافس على الامتيازات، وكلها مرهونة بقوة وعمق الروابط مع كبار البيروقراطية، أما الدور التعبوي فقد شيع ودفن منذ زمن مع “التنظيم الطليعي” و”منظمة الشباب”، ليبقى القهر المادي والمعنوي باستخدام القمع البدني والروحي، وقد اتخذ صبغة دينية طاغية، وليبقى تنظيم علاقات المحسوبية أو الزبائنية كما يطلق عليها أحيانا -أي الـ (clientism)-  من “القمة للقاعدة”، من كبار الأوليجارك وصولا لبرجوازيي القرى والنجوع، وكل بـمحاسيبه وزبائنه، وكل بقدم في البيروقراطية وأخرى في القطاع الخاص، فضلا بطبيعة الحال عن التعاون الوثيق مع أجهزة الأمن في ادارة وتزويل العمليات الانتخابية حيثما توجد.

مع قدوم جمال مبارك للساحة يضاف للحزب الحاكم دورا جديدا مبتكرا وهو تجهيز عملية توريث الحكم.

والبرلمان، ولم يكن بدوره -منذ تأسيسه باسم مجلس الأمة، ثم مجلس الشعب ثم مجلس النواب- برلمانا بأي معنى متعارف عليه، يتحول بدوره إلى كيان أشبه بغرفة تجارة تسبح في بركة آسنة من الفاسدين. لطالما استبدت بنا الحيرة لمشاهدة انتخابات برلمانية تموج بالصخب والعنف، ويسقط فيها الضحايا بالعشرات، وتُطلق الأعيرة النارية وتُشهر السنج والمطاوي والسيوف، والمعركة ليست بين حكومة ومعارضة، أو بين حزب سياسي وآخر، ولكن بين مرشحي “الحزب” الحاكم نفسه، يتعاركون -كل بجحافل زبائنه- على كرسي كل قيمته تنبع من أنه يجاور كراسي أخرى، فيسمح بنسج الصلات البيزنسية والاقتراب من الامتيازات الخصوصية (وبمعنى أدق من منابع الغش والاحتيال، لا على الشعب فحسب ولكن على غيره من أبناء طبقته)، والمفاتيح كلها في أيدي رجال البيروقراطية الكبار. أما الزبائن الفقراء (المستندون على روابط عائلية أو قبلية حقيقية ومصطنعة) فلا حول لهم ولا قوة، فلم يعد لديهم سبيلا للدولة (للحصول على وظيفة تعسة في ادارة أو شركة ما، أو تصريح بكشك حلوى وسجائر، أو ربما لإنقاذ من البهدلة أو تخفيف لها في قسم شرطة) غير انتماءهم كزبائن لدى واحد من أمراء الحرب المبزنسين المبقرطين.

وكلها -وحسبما وصفها منذ بضعة عقود واحد من أبرز المفكرين الماركسيين المصريين- “شواهد قبور” على تصفية الحياة السياسية وتأميمها في العهد الناصري، (ونضيف): وعلى قتل المجال السياسي بأسره وسحقه سحقا في عهد الأوليجاركية المباركية. فالغرض الأهم في نهاية المطاف لوجود هيلمان المجال السياسي الزائف والكرتوني هو تبرير المنع البوليسي المسلح بالبطش المتوحش وبترسانة هائلة من القوانين الجائرة لكل (ولأي) مظهر للعمل السياسي أو النقابي أو الاجتماعي الخارج عن سطوتها والًمستقل عن طغيانها.

وُلد المجال السياسي المصري من جديد في غمار ثورة شعبية عارمة لم تشهد البلاد ما يماثلها حجما وفورانا واتساعا منذ ثورة 1919 (أي ما يقرب من قرن من الزمان) ومتجاوزا لها بمائة عام. فلم تكن ثورة الفقراء هذه المرة تسير وراء برجوازية وليدة، طرية العود، يدفعها الكفاح الشعبي إلى أمام، ولكن في مواجهة برجوازية انتصب عودها وتكلس وتعفن، هربت من كل سياسة متمترسة وراء بيروقراطية عاتية امتهنت القمع والإرهاب وبرعت فيه، مفضلة اللعب والتلاعب من وراء المجال سياسي وعلى حساب تجفيفه وتبويره وسحقه سحقا. ولد عاتيا، صاخبا، رحبا ينبض بطولة وإبداع. لكنه لم يولد بكل تأكيد كامل النضج، مكتمل العتاد، ولم يكن له أن يكون. وكيف يكون بعد 30 عاما من القتل التدريجي ولكن الشامل والعميق في الوقت نفسه؟

تتعفف البرجوازية المصرية عن بكرة أبيها وتمتنع عن النفاذ من النافذة شديدة الضيق التي فتحت بفعل تحلل العقد الاجتماعي الناصري وتحدي المقاومة الشعبية، والماثلة في التعددية الحزبية المقيدة التي أسسها السادات، يهرع أفرادها وجماعاتها، كبارا وصغار، خلف الدولة و”حزبها” السياسي، والمشهد الكوميدي لهرولتهم خلف السادات بعد أن ترك “حزب مصر” ليؤسس حزبا جديدا أسمه “الحزب الوطني الديمقراطي”. وكلا من حزبي الوفد والتجمع يشكلان نظريا مساحة محتملة لتحزب على الأقل جناحين سياسيين للبرجوازية، ولو تقليدا للجمهوري والديمقراطي في أمريكا، ويُتركان مع ذلك يصرخان –وبالأحرى- يهمسان ويبغبغان وحدهما في البرية.

الطبقات الشعبية، وقد وصلت مقاومتها لذروة جبارة في يناير 77، تبقى طوال تلك السنوات العاصفة أسيرة المعادلة مسدودة الأفق، فتملك من العنفوان ما يدب الفزع والذعر في البرجوازية، وتبقى عاجزة في الوقت نفسه عن أن تمتلك من القوة ما يمكنها من إجبارها جبرا على اختيار المجال السياسي سبيلا لهيمنتها، بكل ما ينطوي عليه مثل ذلك الاختيار من تنازلات من جهة وتحايل واستيعاب من جهة أخرى.

ويأتي الإخفاق تاريخيا، ساحقا، بعيد المدى، تتكدس فوقه وحوله الأسباب القهرية في صورة ضربات عنيفة، ماضية، متتالية، تسحق ما تبقى من روح متمردة. نعم، تتعدد الأسباب والموت واحد: انفجار هائل للثروة النفطية شرق البلاد وغربها يدفع بالملايين للهجرة بحثا عن الرزق عوضا عن الدفاع عنه، صعود ساحق للفكر الديني وللحركة الإسلامية يقتات في الوقت نفسه على الثروة النفطية المتفجرة وعلى استفحال الفاقة والعوز والتهميش المتلازم معه، وعلى اللعب مع الدولة (أو الدول) وعلى مشاعر السخط منها وعليها، يصعد من فوق كأيديولوجية للقهر ومن أسفل كسلوى وملاذ منه، ينهل من الاستشراق الغربي المستبطن ومن بزوغ عصر “الهوياتية “، ومن ميراث العداء للغرب الاستعماري، يتقوى بهزيمة المشروع القومي المعادي للإمبريالية وفي الوقت نفسه من انحطاط الفكر القومي لأكثر مكوناته تخلفا وديماجوجية – فيسهم بدوره في شل الإرادة السياسية للناس، حيث الخلاص في التقرب لله وإتقاء نقمته، في تحجيب النساء و”طهارة” البنات واطلاق اللحى وحف الشوارب وصلاة الجماعة بالزي الباكستاني أو الأفغاني، فضلا عن حرق الكتب المارقة والكنائس الكافرة المستكبرة.

ومع هذا وفوقه عقد كامل تختتم به بلادنا القرن العشرين بحرب متوحشة، دموية وقذرة بين الدولة الارهابية والارهاب الديني، تسهم بدورها -كما سبقت الإشارة- في شل كل إرادة سياسية للناس، وفي إخراجهم من أي ساحة للصراع السياسي، قائمة أو محتملة، وقد أودعوا مقاعد المتفرجين المذعورين على لعبة يتبارى فيها الخصوم في الكشف عن وحشيتهم وانحطاطهم الأخلاقي وتجردهم من الإنسانية.

وفي ظل موجات النفط والهجرة و”العودة” للدين وحروب الإرهاب تتحول بنية الاقتصاد المصري من بنية قوامها الانتاج الزراعي والصناعي لبنية اقتصادية يستفحل طابعا الريعي والمضارب باضطراد رهيب، فتقوم على نخر عظام التراكم الرأسمالي السابق، وتدويره وتوزيعه، وإعادة توزيعه، بالخصخصة والتطفل والنهب الصريح، وعلى شفط ما تيسر من أموال النفط بالمضاربة العقارية في “أراضي الدولة” (والأخيرة نموذج صارخ للفساد المتأصل والمستشري في صميم الزيجة الأوليجاركية للسلطة والمال)، وكلها تكرس إماتة المجال السياسي وتعيد انتاج أسبابه.

من جانبها تُضيع القوى المحتملة لمقاومة كل هذا ومواجهته نافذة فرصة تاريخية كبرى للمواجهة، ألا وهي النهوض العارم للكفاح العمالي في السبعينيات فيما شكل بالفعل معركة فاصلة، خاضتها الطبقة العاملة المصرية ببسالة واستماتة منقطعة النظير، دفاعا عن حقوق ومكتسبات شكل العدوان الضاري عليها من قبل الرأسمالية المصرية ثورة مضادة مكتملة الأركان. أُضيعت تلك الفرصة التاريخية في الحيرة ما بين مواجهة الخيانة الوطنية وما بين معركة طبقية سياسية بامتياز، يتعلق بمسارها كامل ميزان القوى الطبقة بين الرأسمالية والكادحين، أُضيعت تحت سطوة موروث أفكار ورؤى فكرية وسياسية وتنظيمية تكلست وبلت وشوهت، ونموذج الاتحاد السوفيتي ومعسكره “الاشتراكي” يقبض على العقول ويلثم سلاح النقد ويلجم الخيال، حتى بين رافضيه ومنتقديه؛ أُضيعت تحت وطأة ميراث تاريخي مديد لاستعلاء “المثقفين” وزهو “النخبة” ومفاهيم “الطليعة” و”الوعي والعفوية”، وقد اختلطت وتشابكت بالثنائية العتيقة للأفندية حاملي التنوير والدهماء أسرى “الفقر والجهل والمرض”، ونظيرها: المشايخ العارفين بصحيح الدين يرشدون القوم الجهلاء.

ودعنا هنا نتوقف قليلا أمام مظهرين بارزين من مظاهر الأوليجاركية المباركية وما حققته من نجاح في الإلغاء التام للمجال السياسي: أولهما يكمن فيما يمكن أن نطلق عليه القمع الانتقائي، وقد تمثل في قبضة بوليسية لينة إلى هذا الحد أو ذاك على ما اصطلح على تسميته بـ”النخبة المثقفة”، وهو في حد ذاته مسمى فظيع إذا ما تأملنا في مدلولاته، وذلك في مقابل دولة بوليسية همجية مطلقة العقال لا يحد من شراستها عرف ولا قانون في وجه الفقراء والطبقات الشعبية عموما. أعضاء “النخبة” يسمح لهم أن “يتسلوا”، فيهتفون ملء حناجرهم بسقوط مبارك ونظامه، بل ويتوعدونه بالـ”منصة” التي تنتظره، في إشارة واضحة لإغتيال سلفه السادات على منصة العرض العسكري. تضج نقابة المحامين (على ما أذكر) بالهتاف: “يا مبارك، يا مبارك، المنصة في انتظارك”، وبجواري الصديق الرائع الراحل رضوان الكاشف يعلق ساخرا: “كيف يمكنك أن تطلق هتافا كهذا بأي قدر من الجدية إلا وهناك كتيبة دبابات تنتظرك على الباب؟”).

أما الكادحون ومن هم خارج “النخبة” سواء “المثقفة” أو “الواصلة”، أي الأغلبية الساحقة للشعب، فلهم الله. يكفي لواحد منهم يمتلك قدرا من الكرامة الشخصية يزود عنها أن يصادف ضابطا أو أمين شرطة في شارع ما، لتقع الواقعة فينتهي به الأمر إلى التعذيب المتوحش بما قد يفضي، وكثيرا ما أفضى، إلى الموت، والإلقاء بجثة الضحية على قارعة الطريق. الإهانة والتعذيب وربما القتل مطلقة العقال للفقراء عامة: لأن هذا المواطن الفقير أو ذاك أثارت “سحنته” أو ملبسه أو مشيته أو طريقته في الحديث حفيظة “الباشا”، ثم هناك التعذيب المجاملة وبالواسطة. أحياء الفقراء وقراهم ونجوعهم سداح مداح لتجريدات لا تنتهي بسبب وبدون سبب، للبحث عن مشتبه فيه أو متهرب من التجنيد أو أي شخص يمكن “تلبيسه تهمة” ما في جريمة ما تسديدا للخانات، وإثباتا للهمة والنشاط، ومعها الإهانات والبطش العشوائي للسكان، رجالا ونساء وأطفال، تحطيم المنازل والممتلكات الشحيحة لمن لا يملكون غير أقل القليل، ويسرق منها ما تيسر.

والهدف في نهاية المطاف هو تكريس الخوف بين صفوف الفقراء. فغضب “النخبة” مقدور عليه (“وخليهم يتسلوا”)، أما الفقراء فغضبتهم ثورة.

لعله من الطبيعي أن يقدم نظام القمع الانتقائي هذا صيغة مثلى لتكريس وإعادة انتاج عزلة كل من الطرفين عن بعضهم البعض، لتبقى “النخبة” -مهما بلغ حسن النوايا ونبل الغرض بين صفوفها- تدور بلا طائل في طاحونة مجال سياسي مشروع ووهمي ومزيف، وتبقى الطبقات الشعبية مغتربة عنها، بل مندهشة وربما مستريبة من قدرتها البادية على سباب رئيس دولة يملك أحقر رجاله شأنا سلطة الحياة والموت على رقابها.

أما المظهر الثاني الجدير بالتوقف عنده إجلاءً لبعض الخصائص المميزة للكساد المباركي الكؤود فيمثل في الأطروحة التالية: في غياب السياسة ترتدي الصراعات السياسية شكل الصراعات الأيديولوجية؛ والأيديولوجيات المفتقدة للمجال الوحيد لاختبارها، ألا وهو مجال الممارسة السياسية، تتحول بدورها إلى عقائد دينية، فتختزل ما تبدو صراعات سياسية إلى صراعات أديان وشيع دينية، ومن خصائص التشيع الديني المزيد من التشيع حول صحيح الدين، ليجد المصريون أنفسهم أمام نزاعات ضارية بين الدين الليبرالي والدين القومي والدين اليساري -وبطبيعة الحال- الدين الاسلامي، وبالأحرى دين من نصبوا أنفسهم متحدثين رسميين باسمه، وكل دين بتشيعاته الأدنى، ولا علاقة لكل هذا الصخب بصراعات سياسية ملموسة على الأرض، ينخرط فيها الناس ويتعلمون في مجراها وفقا لمصالحهم وهمومهم وطموحاتهم وآمالهم في مستقبل أفضل. وكل المطلوب هو الانتقاء من بين البضائع الأيديولوجية المعروضة، راكدة، مجمدة، متكلسة في فترينة الانتماءات الأيديولوجية والهوياتية، تنتقي منها حسب ذوقك الخاص أو -في الأغلب الأعم- وفقا للشائع والمقبول بين الأقران والأصحاب.

(أقترحت هذه الفكرة منذ سنوات خلال ندوة لا أذكر مكانها أو زمنها بالضبط، وكان على يميني على المنصة قيادي إخواني، وأضفت: وإذا ما اختزل الصراع السياسي لصراعات أديان فمن الطبيعة أن تكون اليد الطولى لمن يتحدث باسم دين الله الحنيف، مشيرا بوجهي مداعبة للقيادي الإخواني بجواري، فأضحكته كثيرا وتواعدنا بعدها على اللقاء، ولم يتم، وأتمنى له السلامة أينما كان.)

أُميت المجال السياسي في بلادنا ورقد ميتا ثلاثين عاما ونيف، لينبعث متفجرا في 25 يناير 2011، ينفض عنه غبار القبر وينتفض واقفا ليعيد تأسيس مجالا سياسيا جديدا تمام الجدة، قوامه الأساسي كادحو المدن وفقراءها، ينمو ويتسع خلال 18 يوما ليصبح المجال السياسي الأرحب والأكثر اتساعا وعمقا واقداما وطموحا في تاريخنا الحديث كله.

انتفض فجأة ولم يأت بالتأكيد من فراغ، ولكن من ومضات مقاومة طبقية وسياسية تواصلت وتركت أثارها وأخذت تختمر تحت السطح الراكد الميت والمميت، من خارج المجال السياسي المزيف وعلى هوامشه، ولكن ما يهمنا ابرازه هنا هو اننا ولأول مرة في تاريخنا كله وجدنا أنفسنا إزاء ثورة شعبية كبرى هي، من حيث طبيعتها الجوهرية، ثورة معادية للرأسمالية، ثورة لا يمكن لها غير أن تضع نفسها استراتيجيا في صدام ضار وشامل مع البرجوازية المصرية قاطبة، بمختلف أجنحتها وكتلها وشقاقاتها وتشققاتها، بعلمانييها ودينييها، بمدنييها وعسكرييها، ولكنها، وبعد ثلاثين عاما من موت كل سياسة، لم تكن مؤهلة بعد لأن تدرك نفسها كذلك – وحين تفقد بوصلتك الاستراتيجية، يضيع التاكتيك في متاهات الأمزجة والانحيازات العشوائية، وتعلو الأوهام الأيديولوجية على مقتضيات السياسة العملية، وبدلا من أن توجيه كل ما تملك من عنفوان ثوري وبسالة منقطعة النظير لبناء القوة المستقلة المتمايزة للطبقات الشعبية، تكريسا وفرضا لإرادتها السياسية على البرجوازية بكافة أقسامها وانقساماتها، تتأرجح فيما بينهم، فتعجز حتى عن الاستفادة التاكتيكية من تناقضاتهم وارتباكاتهم وتخبطهم، بل وتستدرج وتتخبط قواك الحية في صراعاتهم هم، وأنت وقواك الحية هذه أول من يُضحى به في كل من صفقاتهم ومواجهتهم.

لست هنا بصدد تقديم قراءة نقدية للثورة المصرية على أية حال، (وهو أمر طالما دعوت اليه وفتحت “بالأحمر” صفحاتها لحوار موسع حوله). ما يهمني إبرازه في سياق نقاشنا الممتد هذا وفي ختامه، هو أن ثورة 25 يناير بلغت من القوة والعنفوان والبطولة ما وضعنا ولأول مرة منذ حريق القاهرة، قبلها بنحو ستين عاما، قاب قوسين أو أدنى من تأسيس مجال سياسي شرعي ومشروع، منفتحا على الطبقات الشعبية الثائرة ومفسحا لها للتعبير عن مطالبها الملحة وآمالها العريضة، وساعتها كانت البرجوازية المصرية بكل عفونتها وفسادها وجشعها وكراهيتها للديمقراطية وعزوفها عن السياسة، ستجبر عليها جبرا. لكن، وبعد ثلاثين سنة من موت كل سياسة في البلاد، لم تكن الثورة المصرية مستعدة بما يكفي، أو قادرة بعد على الوصول بمسعاها التاريخي العظيم لتحقيق حلقته الكبرى الأولى، ولا نقول منتهاه.

ذعر البرجوازية المصرية من الطبقات الشعبية صار مع الثورة فزعا مقيما، وقد هرعت الأغلبية الساحقة ممن تذمر منهم وداعبته احتمالات السياسة وداعبها، لإعلان توبة نصوحة، فهذا شعب متمرد جاحد لا يحكم بغير الحديد والنار.

لكن المجال السياسي الشعبي الجديد لم يمت، ولا هو قابل للتأميم أو المصادرة ولا للتجريف أو التبوير، ولم يعد هناك مجال لمجال سياسي مصادر أو مزيف، فلم يعد هناك صوت غير صوت الرصاص وسياط الجلادين.

المجال السياسي الذي ولد بطوليا شامخا في أتون الثورة المصرية لم يمت، بل يربض كامنا تحت السطح، قوامه مئات الآلاف من الشباب والفقراء والكادحين، تنبض قلوبهم بتوق لا يلين للحرية والعدالة الاجتماعية، يحفظون ذاكرة الثورة ويسترجعونها، ولعلهم يتدبرون أيضا في دروسها، ويترقبون ساعة النهوض الجديد.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

قراءات في ثورة يناير 2011: إن الكاتب ﻻ يطلق أشباحه باتجاه المستجوبين.. إنه في الحقيقة لا يستجوب بل يجرد، يشكك في كل الأيديولوجيات –دون أن يقترب من أي أيديولوجيا فعلية– ويعلن من علياء عالمه أننا –في بلد جهول- طبعا عدا كاتبنا.

أحمد حسن

الشريعة في دساتير ما بعد ثورة يناير… ما يعنينا أن التنظيم الأكبر داخل التيار الإسلامي وصاحب الأغلبية البرلمانية الصريحة والأغلبية داخل الجمعية التأسيسية سوف يقبل بشكل شبه كامل بالأطروحات السلفية وسيصوت عليها نوابه داخل الجمعية بالإجماع دون إثبات تحفظ واحد.

عمرو عبد الرحمن

ثورة بغير منظمات ثورية، وسياسة بلا أحزاب سياسية… محاولة نحو فك اللغز المصري (5) شهدت الثورة المصرية اللحظة الرابعة لبزوغ مجال سياسي حي وحيوي من شأنه أن يفتح آفاقا واسعة، رحبة لتطور ديمقراطي غير مسبوق في تاريخنا الحديث كله، مجال سياسي يصنع صنعا في الشوارع والميداين، يصنعه فقراء الوطن وكادحيه في مواجهة صريحة وضارية مع البرجوازية المصرية ودولتها.

هاني شكر الله

الغذاء والزراعة والتغير المناخي قال ماركس إنه يمكن وجود زراعة عقلانية، لكن ذلك يعني تغييرا في نظم الإنتاج والملكية. ففي ظل الرأسمالية، "بدلا من التعامل الواعي والعقلاني مع الأرض باعتبارها ملكية جماعية دائمة وشرطا لا غنى عنه لوجود واستمرار سلاسة الجنس البشري، نجد استغلالا وإهدارا لقوى الأرض".

مارتن إمبسون