ثورة بغير منظمات ثورية، وسياسة بلا أحزاب سياسية… محاولة نحو فك اللغز المصري (5)

قضايا

19  مارس  2017

ثورة السياسة وسياسة الثورة

صبيحة 25 يناير 2011 وجدتني في منزلي أتشافى من أزمة قلبية، وأتابع بضجر وحسرة ما ستنجم عنه الدعوة “الفيس بوكية” للتظاهر بمناسبة “عيد شرطة” كانت قد تحولت منذ زمن لميليشيا همجية مطلقة العقال لا يحد من عنفها وتجبرها وتوحشها في مواجهة فقراء الوطن وكادحيه عرف أو قانون. توقعي المبني على عشرات التجارب والمحاولات السابقة أن بضعة مئات من الشباب وقلة من “العواجيز” من أمثالي سيلوح طيفهم في بعض شوارع وسط العاصمة، محاصرين بأضعافهم من قوات الأمن المدججين بأدوات العنف، بالدروع وسترات الكفلر، بالهروات والبنادق وقنابل الغاز، بالملبس الميري والمدني (الكومبارس المعهود والمفضوح من”المواطنين الشرفاء”)، وما تنقضي دقائق حتى “يلمون” بالعنف المعهود في “بوكسات” الشرطة، ختاما حزينا تعسا لمحاولة يائسة جديدة من قبل ما بات يصطلح عليه بـ”النخبة المثقفة”.

ساعات تمضي وتستشيرني زوجتي فيما إذا كنا نرسل ببناتنا الصغيرات للمدرسة صباح اليوم التالي، فيجئ ردي مفاجئا لي نفسي: بالقطع لا، فنحن إزاء شيئا جديدا تماما… بل وقد نكون إزاء ثورة شعبية شاملة. أهمس الجملة الأخيرة متحفظا، وجلا، مترددا، والقلب الواهن يختلج ما بين أمل طال انتظاره وتجربة حياة مكتظة بالآمال المحطمة.

بعدها بأيام معدودة أجدني على مكتبي في الأهرام (فلا وقت للاستشفاء) أكتب محتفلا بالمولد الجديد للمجال السياسي في بلادنا بعد موت دام ثلاثين عاما ونيف، أشبهه بمولد الإلهة الإغريقية أثينا وقد ولدت من جبهة أبيها زوس مسلحة، كاملة النضج، مكتملة العتاد. وربما كان حري بي أن أشبه ذلك المولد الجديد بالعنقاء، تنبعث مشتعلة متوهجة من الرماد، ولما لا؟ فالخلان الأوفياء لشعبهم ووطنهم وللتوق الإنساني الأصيل للحرية بالملايين في شوارع البلاد وميادينها، يقاتلون وهم عزل وببطولة منقطعة النظير جحافل الغيلان المدججة بالسلاح والتوحش – بصيادي العيون والأرواح ومفترسي النساء والأطفال، وإذا ما كان الغول والخل الوفي ليسا من المستحيلات فلم لا تكون العنقاء؟

في 25 يناير 2011 انفجر المجال السياسي فجأة، مندفعا كالبركان من تحت القشرة الأرضية الجرداء المتكلسة والمتعفنة للرأسمالية المصرية وحكمها الأوليجاركي، ولد كالعنقاء، مشتعلا، صاخبا، متوهجا، رائعا في بهائه، مدهشا في خصوبته وابداعه ونبل قيمه؛ ولد يصرخ بالحرية والعدالة الاجتماعية ويكشف عن بطولة واقدام واستعداد للتضحية يندر لها مثيل في التاريخ الإنساني كله، ويجدر بها أن تسطر كصفحة ناصعة في ذلك التاريخ (من يتذكر 28 يناير ومعركة “الجمل”وبطولات محمد محمود؟).

غير أنني -وفي غمرة حماس وبهجة شيخ كتب له أن يعيش ليشهد حلم عمر كامل وقد صار ملء السمع والبصر، يتحقق مفاجئا، مدهشا على أيدي جيل الأبناء- أخطأت التشبيه باستدعاء الأسطورة الإغريقية، فلم يكن المولود الجديد كأثينا، كامل النضج، مكتمل التسلح والعتاد. وكيف كان له أن يكون كذلك بعد ثلاثين عاما من الموت الزؤام؟ فها هنا الفجوة بين الواقع والأسطورة. ولهذا الإدراك بالتحديد فإن دعوتي المتكررة، منذ ما بعد الصيحة الأخيرة للثورة المصرية في 30 يونية 2013، لقراءة نقدية لتجربة الثورة لا تتعلق بمحاسبة ما جرى، بقدر ما هي دعوة للتعلم مما جرى، هي دعوة للتسلح للمستقبل لا للتحسر على الماضي.

ليس هذا موضوعنا هنا على أية حال، وإن كنت آمل أن يسهم نقاشنا هنا في إلقاء قليل من الضوء على بعض من عناصره.

شهدت الثورة المصرية اللحظة الرابعة لبزوغ مجال سياسي حي وحيوي من شأنه أن يفتح آفاقا واسعة، رحبة لتطور ديمقراطي غير مسبوق في تاريخنا الحديث كله، مجال سياسي يصنع صنعا في الشوارع والميداين، يصنعه فقراء الوطن وكادحيه في مواجهة صريحة وضارية مع البرجوازية المصرية ودولتها وزيجة الشؤم والخراب بينهما، وقوامها جشع ونهم ونهب غير محدود وقهر وبطش لا تحده حدود.

في الأقسام السابقة حاولت تبيان حقيقة أن البرجوازية في كل مكان، ورغم التنوع الشديد في أنماط نشأتها وصيرورتها ومسارات الصراع الاجتماعي المحيط بها، لا تختار الحكم من خلال المجال السياسي بملئ ارادتها المنفردة، حرصا على قدر من استواء الأرض فيما بين أجنحتها ومجموعاتها المتنافسة اقتصاديا والمختلفة بالضرورة في رؤاها لمقتضيات الهيمنة والحفاظ على مصالحها ككل، وإنها إذا اختارته فتختاره مقيدا محاصرا مقتصرا عليها قدر الإمكان، مغلقا على غيرها قدر الاستطاعة، ومن ثم فإن ما شهدناه تاريخيا من توسيع للمجال السياسي وللديمقراطية لم يكن له أن يتحقق إلا إجبارا على أيدي الطبقات العاملة وتحت الضغط الهائل والمتواصل لكفاحات باسلة، وبينّا أيضا أنه ما أن تثمر هذه الكفاحات عن توسيع وتعميق للمجال السياسي، ومن ثم للديمقراطية، حتى تشرع البرجوازية في التأمر عليه، تقزيما وحصارا والتفافا.

وإذا كان الأمر كذلك فيما يتعلق بأعرق البرجوازيات “ديمقراطية” وحكما من خلال المجال السياسي (ونموذجا الولايات المتحدة وبريطانيا على رأسها) فما بالنا ببرجوازية لم تعهد الحكم السياسي إلا لماما، ودفعت ثمنا غاليا لتخليها عنه تحت الهراوات الناصرية (وما زلت أذكر بقدر من التشفي عويل بعض من ٍأقارب وأصدقاء الأسرة حسرة على “تأميمهم”، ومصادرة أملاكهم، وشكواهم المرة المريرة من “تجرؤ الرعاع والحثالة على أسيادهم” بسبب عبد الناصر). هي طبقة تشكلت وأعيد تشكيلها في ظل الاستبداد وتحت حمايته ورعايته فضلا عن ضرباته وإذلاله، وعاشت لتشهد تحققا “لنبوءة” يوسف السباعي في “رد قلبي”، بزواج علي (الضابط ابن خولي العزبة) بإنجي بنت الباشا (وهو ما يتحقق فعلا وباتساع مذهل في جيل الأبناء والبنات) – زيجة شؤم حرفيا ومجازا، تأبى البرجوازية عبرها ومن خلالها أن تختار اخضاع البيروقراطية (بعد طول هوان على أيديها بالذات) لإرادتها السياسية من خلال إحياء المجال السياسي، (فعبره ينفذ “رعاع” يناير 77)، ولكن من خلال نسج شباك عنكبوتيه حافلة بالصلات المباشرة بين كبار رجال البيروقراطية ورجال البيزنس، فـيُبَزنس البيروقراطيون ويتبقرط البزنسيون، وتتسع علاقات المصاهرة في حفلات ألف ليلة وليلة، ومعها وبجانبها الجيرة في المسكن والتسامر في النوادي وعلى شواطئ السواحل، وفي مآدب الغذاء والعشاء والإفطار والسحور في الشهر الكريم.

أما القوام الأساسي للبزنسة المشتركة فهو نهب الدولة وشفط ما تحقق من تراكم رأسمالي في ظل مرحلتها الناصرية، وتقسيم واعادة تقسيم الكعكة والمغانم، فضلا عن البزنسة الخارجية المتخمة بأموال النفط -من بيع الآثار لجلب السلاح- وكلها تحتاج الشراكة الوطيدة بين البيروقراطيين المبزنسين ورجال البيزنس المبقرطين. وتسري علاقات الشراكة هذه في أرجاء الطبقة من أعلى كبار الأوليجارك في العاصمة لأدنى الهرم في المدن الصغرى والقوى والنجوع، فتتدرج الروابط والشراكات والمصاهرات والصفقات والامتيازات من الأسرة الحاكمة على قمة الهرم إلى مأمور القسم أو مدير إدارة محلية ما في قرية أو نجع، فلا بيزنس ولا إدارة ولا حكم بغيرها.

هكذا تتحول مؤسسات المجال السياسي التعبوي المؤمم الموروثة من العهد الناصري بالتدريج لمؤسسات مجال سياسي مزيف وخاو بالكامل، وتبتر سيور الربط التعبوية بين الزعيم وقاعدته الشعبية، ولا يبقى من تلك المؤسسات غير الضبط والقمع، ويستفحل طابعها الأبوي لحدوده القصوى، وقد فقد كل محتوى سياسي، ولم يبق منه غير الشحاذة من أسفل ووهب العطايا (المتناقصة باضطراد) من أعلى، والمقترنة بالعدوان المتواصل والمتصاعد على الحقوق، تجسدها ببؤس مقيت صيحة “المنحة يا ريس” في “عيد العمال”، وتدار من أجهزة الأمن، حيث جهة قمع حركة الكادحين هي نفسها جهة التفاوض معهم، (أي أن تفاوض والمسدس في جبهتك)، وحيث لا حقوق مكتسبة وإنما عطايا في بعض الأحيان وقمع شرس في أكثرها.

يتحول “الحزب الحاكم”، ولم يكن في أي وقت حزبا سياسيا حقيقيا، لما يشبه الشركة المساهمة للبرجوازية البيروقراطية وبرجوازية القطاع الخاص، شبكة مصالح وأداة من أدوات عقد الصلات والصفقات والتنافس على الامتيازات، وكلها مرهونة بقوة وعمق الروابط مع كبار البيروقراطية، أما الدور التعبوي فقد شيع ودفن منذ زمن مع “التنظيم الطليعي” و”منظمة الشباب”، ليبقى القهر المادي والمعنوي باستخدام القمع البدني والروحي، وقد اتخذ صبغة دينية طاغية، وليبقى تنظيم علاقات المحسوبية أو الزبائنية كما يطلق عليها أحيانا -أي الـ (clientism)-  من “القمة للقاعدة”، من كبار الأوليجارك وصولا لبرجوازيي القرى والنجوع، وكل بـمحاسيبه وزبائنه، وكل بقدم في البيروقراطية وأخرى في القطاع الخاص، فضلا بطبيعة الحال عن التعاون الوثيق مع أجهزة الأمن في ادارة وتزويل العمليات الانتخابية حيثما توجد.

مع قدوم جمال مبارك للساحة يضاف للحزب الحاكم دورا جديدا مبتكرا وهو تجهيز عملية توريث الحكم.

والبرلمان، ولم يكن بدوره -منذ تأسيسه باسم مجلس الأمة، ثم مجلس الشعب ثم مجلس النواب- برلمانا بأي معنى متعارف عليه، يتحول بدوره إلى كيان أشبه بغرفة تجارة تسبح في بركة آسنة من الفاسدين. لطالما استبدت بنا الحيرة لمشاهدة انتخابات برلمانية تموج بالصخب والعنف، ويسقط فيها الضحايا بالعشرات، وتُطلق الأعيرة النارية وتُشهر السنج والمطاوي والسيوف، والمعركة ليست بين حكومة ومعارضة، أو بين حزب سياسي وآخر، ولكن بين مرشحي “الحزب” الحاكم نفسه، يتعاركون -كل بجحافل زبائنه- على كرسي كل قيمته تنبع من أنه يجاور كراسي أخرى، فيسمح بنسج الصلات البيزنسية والاقتراب من الامتيازات الخصوصية (وبمعنى أدق من منابع الغش والاحتيال، لا على الشعب فحسب ولكن على غيره من أبناء طبقته)، والمفاتيح كلها في أيدي رجال البيروقراطية الكبار. أما الزبائن الفقراء (المستندون على روابط عائلية أو قبلية حقيقية ومصطنعة) فلا حول لهم ولا قوة، فلم يعد لديهم سبيلا للدولة (للحصول على وظيفة تعسة في ادارة أو شركة ما، أو تصريح بكشك حلوى وسجائر، أو ربما لإنقاذ من البهدلة أو تخفيف لها في قسم شرطة) غير انتماءهم كزبائن لدى واحد من أمراء الحرب المبزنسين المبقرطين.

وكلها -وحسبما وصفها منذ بضعة عقود واحد من أبرز المفكرين الماركسيين المصريين- “شواهد قبور” على تصفية الحياة السياسية وتأميمها في العهد الناصري، (ونضيف): وعلى قتل المجال السياسي بأسره وسحقه سحقا في عهد الأوليجاركية المباركية. فالغرض الأهم في نهاية المطاف لوجود هيلمان المجال السياسي الزائف والكرتوني هو تبرير المنع البوليسي المسلح بالبطش المتوحش وبترسانة هائلة من القوانين الجائرة لكل (ولأي) مظهر للعمل السياسي أو النقابي أو الاجتماعي الخارج عن سطوتها والًمستقل عن طغيانها.

وُلد المجال السياسي المصري من جديد في غمار ثورة شعبية عارمة لم تشهد البلاد ما يماثلها حجما وفورانا واتساعا منذ ثورة 1919 (أي ما يقرب من قرن من الزمان) ومتجاوزا لها بمائة عام. فلم تكن ثورة الفقراء هذه المرة تسير وراء برجوازية وليدة، طرية العود، يدفعها الكفاح الشعبي إلى أمام، ولكن في مواجهة برجوازية انتصب عودها وتكلس وتعفن، هربت من كل سياسة متمترسة وراء بيروقراطية عاتية امتهنت القمع والإرهاب وبرعت فيه، مفضلة اللعب والتلاعب من وراء المجال سياسي وعلى حساب تجفيفه وتبويره وسحقه سحقا. ولد عاتيا، صاخبا، رحبا ينبض بطولة وإبداع. لكنه لم يولد بكل تأكيد كامل النضج، مكتمل العتاد، ولم يكن له أن يكون. وكيف يكون بعد 30 عاما من القتل التدريجي ولكن الشامل والعميق في الوقت نفسه؟

تتعفف البرجوازية المصرية عن بكرة أبيها وتمتنع عن النفاذ من النافذة شديدة الضيق التي فتحت بفعل تحلل العقد الاجتماعي الناصري وتحدي المقاومة الشعبية، والماثلة في التعددية الحزبية المقيدة التي أسسها السادات، يهرع أفرادها وجماعاتها، كبارا وصغار، خلف الدولة و”حزبها” السياسي، والمشهد الكوميدي لهرولتهم خلف السادات بعد أن ترك “حزب مصر” ليؤسس حزبا جديدا أسمه “الحزب الوطني الديمقراطي”. وكلا من حزبي الوفد والتجمع يشكلان نظريا مساحة محتملة لتحزب على الأقل جناحين سياسيين للبرجوازية، ولو تقليدا للجمهوري والديمقراطي في أمريكا، ويُتركان مع ذلك يصرخان –وبالأحرى- يهمسان ويبغبغان وحدهما في البرية.

الطبقات الشعبية، وقد وصلت مقاومتها لذروة جبارة في يناير 77، تبقى طوال تلك السنوات العاصفة أسيرة المعادلة مسدودة الأفق، فتملك من العنفوان ما يدب الفزع والذعر في البرجوازية، وتبقى عاجزة في الوقت نفسه عن أن تمتلك من القوة ما يمكنها من إجبارها جبرا على اختيار المجال السياسي سبيلا لهيمنتها، بكل ما ينطوي عليه مثل ذلك الاختيار من تنازلات من جهة وتحايل واستيعاب من جهة أخرى.

ويأتي الإخفاق تاريخيا، ساحقا، بعيد المدى، تتكدس فوقه وحوله الأسباب القهرية في صورة ضربات عنيفة، ماضية، متتالية، تسحق ما تبقى من روح متمردة. نعم، تتعدد الأسباب والموت واحد: انفجار هائل للثروة النفطية شرق البلاد وغربها يدفع بالملايين للهجرة بحثا عن الرزق عوضا عن الدفاع عنه، صعود ساحق للفكر الديني وللحركة الإسلامية يقتات في الوقت نفسه على الثروة النفطية المتفجرة وعلى استفحال الفاقة والعوز والتهميش المتلازم معه، وعلى اللعب مع الدولة (أو الدول) وعلى مشاعر السخط منها وعليها، يصعد من فوق كأيديولوجية للقهر ومن أسفل كسلوى وملاذ منه، ينهل من الاستشراق الغربي المستبطن ومن بزوغ عصر “الهوياتية “، ومن ميراث العداء للغرب الاستعماري، يتقوى بهزيمة المشروع القومي المعادي للإمبريالية وفي الوقت نفسه من انحطاط الفكر القومي لأكثر مكوناته تخلفا وديماجوجية – فيسهم بدوره في شل الإرادة السياسية للناس، حيث الخلاص في التقرب لله وإتقاء نقمته، في تحجيب النساء و”طهارة” البنات واطلاق اللحى وحف الشوارب وصلاة الجماعة بالزي الباكستاني أو الأفغاني، فضلا عن حرق الكتب المارقة والكنائس الكافرة المستكبرة.

ومع هذا وفوقه عقد كامل تختتم به بلادنا القرن العشرين بحرب متوحشة، دموية وقذرة بين الدولة الارهابية والارهاب الديني، تسهم بدورها -كما سبقت الإشارة- في شل كل إرادة سياسية للناس، وفي إخراجهم من أي ساحة للصراع السياسي، قائمة أو محتملة، وقد أودعوا مقاعد المتفرجين المذعورين على لعبة يتبارى فيها الخصوم في الكشف عن وحشيتهم وانحطاطهم الأخلاقي وتجردهم من الإنسانية.

وفي ظل موجات النفط والهجرة و”العودة” للدين وحروب الإرهاب تتحول بنية الاقتصاد المصري من بنية قوامها الانتاج الزراعي والصناعي لبنية اقتصادية يستفحل طابعا الريعي والمضارب باضطراد رهيب، فتقوم على نخر عظام التراكم الرأسمالي السابق، وتدويره وتوزيعه، وإعادة توزيعه، بالخصخصة والتطفل والنهب الصريح، وعلى شفط ما تيسر من أموال النفط بالمضاربة العقارية في “أراضي الدولة” (والأخيرة نموذج صارخ للفساد المتأصل والمستشري في صميم الزيجة الأوليجاركية للسلطة والمال)، وكلها تكرس إماتة المجال السياسي وتعيد انتاج أسبابه.

من جانبها تُضيع القوى المحتملة لمقاومة كل هذا ومواجهته نافذة فرصة تاريخية كبرى للمواجهة، ألا وهي النهوض العارم للكفاح العمالي في السبعينيات فيما شكل بالفعل معركة فاصلة، خاضتها الطبقة العاملة المصرية ببسالة واستماتة منقطعة النظير، دفاعا عن حقوق ومكتسبات شكل العدوان الضاري عليها من قبل الرأسمالية المصرية ثورة مضادة مكتملة الأركان. أُضيعت تلك الفرصة التاريخية في الحيرة ما بين مواجهة الخيانة الوطنية وما بين معركة طبقية سياسية بامتياز، يتعلق بمسارها كامل ميزان القوى الطبقة بين الرأسمالية والكادحين، أُضيعت تحت سطوة موروث أفكار ورؤى فكرية وسياسية وتنظيمية تكلست وبلت وشوهت، ونموذج الاتحاد السوفيتي ومعسكره “الاشتراكي” يقبض على العقول ويلثم سلاح النقد ويلجم الخيال، حتى بين رافضيه ومنتقديه؛ أُضيعت تحت وطأة ميراث تاريخي مديد لاستعلاء “المثقفين” وزهو “النخبة” ومفاهيم “الطليعة” و”الوعي والعفوية”، وقد اختلطت وتشابكت بالثنائية العتيقة للأفندية حاملي التنوير والدهماء أسرى “الفقر والجهل والمرض”، ونظيرها: المشايخ العارفين بصحيح الدين يرشدون القوم الجهلاء.

ودعنا هنا نتوقف قليلا أمام مظهرين بارزين من مظاهر الأوليجاركية المباركية وما حققته من نجاح في الإلغاء التام للمجال السياسي: أولهما يكمن فيما يمكن أن نطلق عليه القمع الانتقائي، وقد تمثل في قبضة بوليسية لينة إلى هذا الحد أو ذاك على ما اصطلح على تسميته بـ”النخبة المثقفة”، وهو في حد ذاته مسمى فظيع إذا ما تأملنا في مدلولاته، وذلك في مقابل دولة بوليسية همجية مطلقة العقال لا يحد من شراستها عرف ولا قانون في وجه الفقراء والطبقات الشعبية عموما. أعضاء “النخبة” يسمح لهم أن “يتسلوا”، فيهتفون ملء حناجرهم بسقوط مبارك ونظامه، بل ويتوعدونه بالـ”منصة” التي تنتظره، في إشارة واضحة لإغتيال سلفه السادات على منصة العرض العسكري. تضج نقابة المحامين (على ما أذكر) بالهتاف: “يا مبارك، يا مبارك، المنصة في انتظارك”، وبجواري الصديق الرائع الراحل رضوان الكاشف يعلق ساخرا: “كيف يمكنك أن تطلق هتافا كهذا بأي قدر من الجدية إلا وهناك كتيبة دبابات تنتظرك على الباب؟”).

أما الكادحون ومن هم خارج “النخبة” سواء “المثقفة” أو “الواصلة”، أي الأغلبية الساحقة للشعب، فلهم الله. يكفي لواحد منهم يمتلك قدرا من الكرامة الشخصية يزود عنها أن يصادف ضابطا أو أمين شرطة في شارع ما، لتقع الواقعة فينتهي به الأمر إلى التعذيب المتوحش بما قد يفضي، وكثيرا ما أفضى، إلى الموت، والإلقاء بجثة الضحية على قارعة الطريق. الإهانة والتعذيب وربما القتل مطلقة العقال للفقراء عامة: لأن هذا المواطن الفقير أو ذاك أثارت “سحنته” أو ملبسه أو مشيته أو طريقته في الحديث حفيظة “الباشا”، ثم هناك التعذيب المجاملة وبالواسطة. أحياء الفقراء وقراهم ونجوعهم سداح مداح لتجريدات لا تنتهي بسبب وبدون سبب، للبحث عن مشتبه فيه أو متهرب من التجنيد أو أي شخص يمكن “تلبيسه تهمة” ما في جريمة ما تسديدا للخانات، وإثباتا للهمة والنشاط، ومعها الإهانات والبطش العشوائي للسكان، رجالا ونساء وأطفال، تحطيم المنازل والممتلكات الشحيحة لمن لا يملكون غير أقل القليل، ويسرق منها ما تيسر.

والهدف في نهاية المطاف هو تكريس الخوف بين صفوف الفقراء. فغضب “النخبة” مقدور عليه (“وخليهم يتسلوا”)، أما الفقراء فغضبتهم ثورة.

لعله من الطبيعي أن يقدم نظام القمع الانتقائي هذا صيغة مثلى لتكريس وإعادة انتاج عزلة كل من الطرفين عن بعضهم البعض، لتبقى “النخبة” -مهما بلغ حسن النوايا ونبل الغرض بين صفوفها- تدور بلا طائل في طاحونة مجال سياسي مشروع ووهمي ومزيف، وتبقى الطبقات الشعبية مغتربة عنها، بل مندهشة وربما مستريبة من قدرتها البادية على سباب رئيس دولة يملك أحقر رجاله شأنا سلطة الحياة والموت على رقابها.

أما المظهر الثاني الجدير بالتوقف عنده إجلاءً لبعض الخصائص المميزة للكساد المباركي الكؤود فيمثل في الأطروحة التالية: في غياب السياسة ترتدي الصراعات السياسية شكل الصراعات الأيديولوجية؛ والأيديولوجيات المفتقدة للمجال الوحيد لاختبارها، ألا وهو مجال الممارسة السياسية، تتحول بدورها إلى عقائد دينية، فتختزل ما تبدو صراعات سياسية إلى صراعات أديان وشيع دينية، ومن خصائص التشيع الديني المزيد من التشيع حول صحيح الدين، ليجد المصريون أنفسهم أمام نزاعات ضارية بين الدين الليبرالي والدين القومي والدين اليساري -وبطبيعة الحال- الدين الاسلامي، وبالأحرى دين من نصبوا أنفسهم متحدثين رسميين باسمه، وكل دين بتشيعاته الأدنى، ولا علاقة لكل هذا الصخب بصراعات سياسية ملموسة على الأرض، ينخرط فيها الناس ويتعلمون في مجراها وفقا لمصالحهم وهمومهم وطموحاتهم وآمالهم في مستقبل أفضل. وكل المطلوب هو الانتقاء من بين البضائع الأيديولوجية المعروضة، راكدة، مجمدة، متكلسة في فترينة الانتماءات الأيديولوجية والهوياتية، تنتقي منها حسب ذوقك الخاص أو -في الأغلب الأعم- وفقا للشائع والمقبول بين الأقران والأصحاب.

(أقترحت هذه الفكرة منذ سنوات خلال ندوة لا أذكر مكانها أو زمنها بالضبط، وكان على يميني على المنصة قيادي إخواني، وأضفت: وإذا ما اختزل الصراع السياسي لصراعات أديان فمن الطبيعة أن تكون اليد الطولى لمن يتحدث باسم دين الله الحنيف، مشيرا بوجهي مداعبة للقيادي الإخواني بجواري، فأضحكته كثيرا وتواعدنا بعدها على اللقاء، ولم يتم، وأتمنى له السلامة أينما كان.)

أُميت المجال السياسي في بلادنا ورقد ميتا ثلاثين عاما ونيف، لينبعث متفجرا في 25 يناير 2011، ينفض عنه غبار القبر وينتفض واقفا ليعيد تأسيس مجالا سياسيا جديدا تمام الجدة، قوامه الأساسي كادحو المدن وفقراءها، ينمو ويتسع خلال 18 يوما ليصبح المجال السياسي الأرحب والأكثر اتساعا وعمقا واقداما وطموحا في تاريخنا الحديث كله.

انتفض فجأة ولم يأت بالتأكيد من فراغ، ولكن من ومضات مقاومة طبقية وسياسية تواصلت وتركت أثارها وأخذت تختمر تحت السطح الراكد الميت والمميت، من خارج المجال السياسي المزيف وعلى هوامشه، ولكن ما يهمنا ابرازه هنا هو اننا ولأول مرة في تاريخنا كله وجدنا أنفسنا إزاء ثورة شعبية كبرى هي، من حيث طبيعتها الجوهرية، ثورة معادية للرأسمالية، ثورة لا يمكن لها غير أن تضع نفسها استراتيجيا في صدام ضار وشامل مع البرجوازية المصرية قاطبة، بمختلف أجنحتها وكتلها وشقاقاتها وتشققاتها، بعلمانييها ودينييها، بمدنييها وعسكرييها، ولكنها، وبعد ثلاثين عاما من موت كل سياسة، لم تكن مؤهلة بعد لأن تدرك نفسها كذلك – وحين تفقد بوصلتك الاستراتيجية، يضيع التاكتيك في متاهات الأمزجة والانحيازات العشوائية، وتعلو الأوهام الأيديولوجية على مقتضيات السياسة العملية، وبدلا من أن توجيه كل ما تملك من عنفوان ثوري وبسالة منقطعة النظير لبناء القوة المستقلة المتمايزة للطبقات الشعبية، تكريسا وفرضا لإرادتها السياسية على البرجوازية بكافة أقسامها وانقساماتها، تتأرجح فيما بينهم، فتعجز حتى عن الاستفادة التاكتيكية من تناقضاتهم وارتباكاتهم وتخبطهم، بل وتستدرج وتتخبط قواك الحية في صراعاتهم هم، وأنت وقواك الحية هذه أول من يُضحى به في كل من صفقاتهم ومواجهتهم.

لست هنا بصدد تقديم قراءة نقدية للثورة المصرية على أية حال، (وهو أمر طالما دعوت اليه وفتحت “بالأحمر” صفحاتها لحوار موسع حوله). ما يهمني إبرازه في سياق نقاشنا الممتد هذا وفي ختامه، هو أن ثورة 25 يناير بلغت من القوة والعنفوان والبطولة ما وضعنا ولأول مرة منذ حريق القاهرة، قبلها بنحو ستين عاما، قاب قوسين أو أدنى من تأسيس مجال سياسي شرعي ومشروع، منفتحا على الطبقات الشعبية الثائرة ومفسحا لها للتعبير عن مطالبها الملحة وآمالها العريضة، وساعتها كانت البرجوازية المصرية بكل عفونتها وفسادها وجشعها وكراهيتها للديمقراطية وعزوفها عن السياسة، ستجبر عليها جبرا. لكن، وبعد ثلاثين سنة من موت كل سياسة في البلاد، لم تكن الثورة المصرية مستعدة بما يكفي، أو قادرة بعد على الوصول بمسعاها التاريخي العظيم لتحقيق حلقته الكبرى الأولى، ولا نقول منتهاه.

ذعر البرجوازية المصرية من الطبقات الشعبية صار مع الثورة فزعا مقيما، وقد هرعت الأغلبية الساحقة ممن تذمر منهم وداعبته احتمالات السياسة وداعبها، لإعلان توبة نصوحة، فهذا شعب متمرد جاحد لا يحكم بغير الحديد والنار.

لكن المجال السياسي الشعبي الجديد لم يمت، ولا هو قابل للتأميم أو المصادرة ولا للتجريف أو التبوير، ولم يعد هناك مجال لمجال سياسي مصادر أو مزيف، فلم يعد هناك صوت غير صوت الرصاص وسياط الجلادين.

المجال السياسي الذي ولد بطوليا شامخا في أتون الثورة المصرية لم يمت، بل يربض كامنا تحت السطح، قوامه مئات الآلاف من الشباب والفقراء والكادحين، تنبض قلوبهم بتوق لا يلين للحرية والعدالة الاجتماعية، يحفظون ذاكرة الثورة ويسترجعونها، ولعلهم يتدبرون أيضا في دروسها، ويترقبون ساعة النهوض الجديد.

لقراءة الجزء الأول من المقال
لقراءة الجزء الثاني من المقال
لقراءة الجزء الثالث من المقال
لقراءة الجزء الرابع من المقال

اضافة تعليق جديد

التعليقات

  1. مصطفى نور الدين

    الصديق العزيز هاني .. جهد عظيم تشكر له ولا أكاد أجد ما يمكن الاختلاف حوله فكل تحليل جاد هو إثراء نحتاجه لفهم التاريخ لمحاولة المساهمة، ما أمكن، في تغيره للأفضل ..
    تظل لدي، ولديك بالطبع، أسئلة بحاجة للتنقيب والافصاح عن تفسيرات لها .. وما يدهشني حتى الآن هو غياب حوار ونقاش حول ما تكتبه وما يكتبه الغير أيضا ..
    فنحن كأننا نحيا فيما أسميته منذ أسبايع قليلة في “الأواني غير المستطرقة” .. كل منا يكتب والقليل هو مردود الكتابة .. هو الصمت حوله وكأننا نكتب لذواتنا.
    لدي أسئلة طرحتها في بضع مقالات منذ مارس ٢٠١١ ونشرتها جميعا .. هذه الأسئلة يمكن نجد تلخيضا لها في مقاليين نشرا في مجلة الهلال حول “غياب جسد مقاوم للثورة” وهو ما تعرضت أنت له بتقديم الأسباب التاريخية لما حدث طوال العقود الأخيرة في مصر وأظن أن تاريخها يعود حقا للهزيمة الفادحة في ٦٧ وما تلاها من تراجع للرأسمالية الرثة المصرية أو مواصلة تراجعها بالأصح.
    ما كنت شخصيا بحاجة إليه هو وضع اليد على العجز التام للحركة الوطنية التقدمية لما بعد النكسة حتى الآن عن مواصلة بلورة برنامجا موحدا لقواها وسقوطها في التشتت والتشرذم الدائم. لو سمحت سوف أضع رابطين للمقاليين إلى أن أقوم بإعادة وضع كل ما كتبته عن الثورة، من بعيد !! كتفكير بصوت مرتفع دون أي إدعاء في مصداقية تحليل ولكن محاولة للفهم فحسب.
    تحياتي وتمتعت بالصحة ودوام العطاء

    https://www.facebook.com/notes/moustafa-ateya/ثورة-مأزومة-عجزت-عن-تكوين-جسد-مقاوم-د-مصطفى-نور-الدين/10152970088813497

    https://www.facebook.com/moustafa.ateya/posts/10154399962979613

موضوعات ذات صلة

موازنة مصر 2018.. الاقتصاد في خدمة الدائنين في مقابل كل جنيه ستنفقه الحكومة على الاستثمارات العامة، التي تستشعر آثارها عزيزي المواطن في خدمات مثل التعليم والصحة وغيرها، ستمنح الحكومة ثلاثة جنيهات أو أكثر قليلا لدائنيها، هذه هي الحقيقة التي تُظهرها بيانات مشروع الموازنة العامة 2017-2018.

محمد جاد

الفصل التاسع من كتاب (الاقتصاد المصري في القرن الحادي والعشرين) يستعرض هذا الفصل أهم الدراسات والبيانات التي تعطي صورة أفضل عن شرائح أغنى الأغنياء في مصر. كما يعرض لأهم السياسات التي تبنتها الحكومات المصرية خلال القرن الحادي والعشرين (ومن قبل ذلك أحيانا)، والتي عادة ما تؤدي من ناحية إلى تزايد تركز الدخل والثروة في يد أقلية من المواطنين، ومن ناحية أخرى إلى دفع المزيد من المواطنين إلى ما دون خط الفقر. أي زيادة حدة اللا مساواة.

سلمى حسين

الريف السوري مفتاحا لفهم نظام الأسد (1) إن قراءة هذا الكتاب لا تتيح لنا فقط فهم أمور في غاية الأهمية عن المجتمع السوري وعن نظام الأسد، لكنها كذلك مفيدة جدا للمهتمين بفهم الشرق الأوسط عموما بكل تعقيداته، وللمهتمين بالعلوم الاجتماعية وبصفة خاصة بالماركسية في واحد من أرقى نماذجها في تقديري.

عمر الشافعي

قراءات في ثورة يناير 2011: يناير كانت السؤال الذي أُخذ بخفة مقابل ما طرحه من أسئلة حاسمة وعاجلة وعميقة، ويوليو كانت العقاب على عدم الإجابة.

محمد نعيم

عندما تصبح الصورة بألف كذبة احتلت الصورة الفوتوغرافية - لمدة 150 سنة من تاريخها وحتى الثمانينيات من القرن الماضي - منصب الحقيقة المطلقة. ولكن في أيامنا هذه، ومنذ 25 سنة تقريبا، صرنا نعيش في عصر الصورة المركبة، صورة علاقتها بالواقع غامضة ومقصود غموضها ويمكن أن تكون في أيادي فنانين لتقدم أمثلة راقية من الجمال والتفكير والعمق البشري، ويمكن أيضا أن تكون في أيادي السلطات القمعية - أي ليكون دورها تسهيل مزيد من السيطرة والقمع.

ياسر علوان