تجربة محمد منير بين انتفاضتي (يناير “1977 و2011”)

فنون

28  مارس  2017

بالتأكيد ينبغي على الناقد تجنب الوقوع في فخ التسطيح المخل باستخدام أدوات ومعايير سياسية للحكم على الفن، وأيضا من الصحيح تماما تجنب السقوط في فخ التطرف المقابل بنزع الفن عن سياقه الأوسع السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي، ومثلما لا يجوز ربط مواقف وانحيازات الفنان وفنه بجماليات الفن بشكل ميكانيكي، أيضا لا يصح فصلهما بشكل تعسفي، لأنه ببساطة سيكون علينا وقتها التعامل مع هذا النوع من الإبداع بوصفه بلا رأس أو قدمين، أي أن للفن والأدب مضمون وانتماء وسياق لهم طابع اجتماعي بمعنى أو بآخر، ليسوا بالضرورة سببا في جودته، ولكن لا يمكن فهمه والحكم عليه بشكل عام دون وضعهم في الاعتبار.

لقد آثرت فقط بهذا التصدير التأكيد على أن منير رغم تجربته الفنية الثرية والمتميزة وموهبته الشديدة، هو كباقي الفنانين يحمل فنه تصورات ورؤى للواقع من حوله من حقنا قبولها أو التعاطي معها في أقل تقدير أو رفضها، علاوة على الحق في تقييم مشواره الفني وتحولاته واختياراته لموسيقاه وأغنياته.

من النكسة إلى الانتفاضة… هشاشة الأحلام وصخرية الواقع

ظهر منير في عالم الغناء وهو ابن الثالثة والعشرين بألبومه الأول (علموني) في نفس العام الذي توفي فيه عبد الحليم حافظ (1977) كإعلان عن ميلاد تجربة جديدة في الغناء بدأت في التنافس مع ما تبقى من عصر ما سمي بالأغنية الرومنسية وامتداداتها. لعبت الصدفة إذن دورها، فالواقع المصري بدأ يشهد تحولات هامة على مستوى القضايا التي تهم رجل الشارع وقتها، لم يكن منير أو حليم يعبران عنها بشكل مباشر أو حتى غير مباشر، ولكن تقلبات الظروف جعلت من الميلاد والموت علامات هامة في زحزحة هيمنة أسلوب غنائي وبداية ظهور أسلوب جديد منافس له ارتبط بمعنى من المعاني بهذا الواقع وتقلباته كأحد التعبيرات الفنية عنه وعن شرائح مجتمعية فيه بصرف النظر عن اتساعها أو ضيقها.

يمكن القول إن الإرث الناصري قد انتهى بالضربة القاضية في هذا العام، فالأزمة السياسية التي بدأت بعد هزيمة 67 والاقتصادية التي شهدتها السبعينيات عبر عنها الشعب المكبوت بانتفاضة ليومين في 18 و19 يناير شملت المحروسة من شمالها إلى جنوبها في مواجهة سياسات اقتصادية استهدفت النيل من متوسطي ومحدودي الدخل بارتفاع الأسعار وسحب الدعم للسلع الأساسية التي يحيون عليها بالكاد. حتى القضية الوطنية بشعاراتها التحررية والتي يمكن اعتبارها عنصرا أساسيا في تركيبة الشخصية المصرية آنذاك قضى عليها السادات بإعلانه في نفس العام استعداده للسفر إلى إسرائيل وتوقيع اتفاق سلام معها، وقد كان. أصبح كل شيء تقريبا من الإرث الناصري التأميم، التنمية المستقلة في مواجهة الغرب الاستعماري، حلم لم شمل العروبة وتحرير الأراضي المغتصبة… مجرد سراب عندما خيم ليل هيمنة الإمبريالية الأمريكية والانفتاح الاقتصادي والانبطاح أمام العدو والتفسخ المجتمعي.

هنا بدأت نقطة التحول الكبرى من عصر احتوى مطربا كعبد الحليم وصنعه فنيا ليكون أداة في يد نظام يخطط للمواطنين حياتهم كجزء من خططه الاقتصادية وتصوراته السياسية كسلطة، لعصر أفرز شابا كمنير يغني للحبيبة البعيدة والغد/الحلم المرتقب، عصر يقسو على المواطنين البسطاء بفضل سياساته الاقتصادية التي أنعشت الفسدة والسماسرة وتركت الساحة لسيطرة قيمهم الجديدة التي لا مكان فيها للأحلام والشعور بالأدمية، عصر امتد معه الشعور بالهزيمة ليسيطر الشجن[1] على كل شيء ويصبح معادلا ذاتيا لموضوعات حياتية أكبر وأشمل وأعم.

لقد كان عهد عبد الناصر رغم كل عيوبه -عن حق- منطقة للإلهام للشعراء والكُتاب بفضل تصوراته التنموية والقومية التي أصبغ بها كل شيء، ولكن عهد السادات -بفضل خيانته- كان معولا حطم الأحلام التي امتلأت بها جعبة جيل الستينيات. هكذا تحول الواقع من طراوة ورقة الحلم إلى خشونة وقسوة الحقيقة. بالتأكيد لعبت النكسة دورا في كسر الحلم ولكن سياسات السادات قضت تماما على ما تبقى منه ليصبح مجرد مساحة للأوجاع والتعبير عنها بأقصى درجات الشجن كنوع من التعزية للفقد، حتى تحول الشجن ذاته إلى نغمة سرت كالنار في هشيم الذكريات الموجعة وانتظار غد صار بعيد المنال يستعاض عنه معظم الوقت بالحنين إلى ماض -لم يكن أفضل كثيرا ولكن أفضل بما لا يقارن من الحاضر.

في هذا السياق كان لعبد الحليم أن يموت في نفس العام بالمعنى الموضوعي للكلمة، ليحل مكانه على مستويات متعارضة أمثال محمد نوح، وبحر أبو جريشة، والفرق الجديدة (الجيتس، المصريين… الخ) ومن بعدهما علي الحجار ومحمد منير من جانب، ومن جانب آخر أحمد عدوية بوصفه تعبيرا عن تفسخ مجتمعي وفني بدا يطول الواقع برمته، بجانب تفسخه السياسي والاقتصادي.

هكذا سارت الأمور وهكذا كان الوضع الاجتماعي الجديد الذي بدأ منير الغناء فيه. جاء منير من أقاصي الصعيد من أسوان كما جاء عبد الحليم حافظ من ريف الوجه البحري، حليم احتضنته المدينة/العاصمة حينما تبناه النظام الحاكم الجديد ليغني ما كان سائدا وقتها من أغاني رومنسية في الحب وليصبح منذ بداية مشواره الفني بوقا للنظام السياسي يردد شعاراته وخططه وتصوراته عبر أغنياته الوطنية. أما منير، وربما بوصفه من أقاصي الصعيد المضطهد والمهمش، فقد لفظته المدينة صاحبة المعالم الجديدة التي لا مكان فيها إلا لقيم الفهلوة الرخيصة والسلع الاستهلاكية، فكان -بدرجة كبيرة- صوتا جديدا ومغايرا لما هو سائد على مستوى القيم والعلاقات والتصورات حولهما.

هل كان منير فنانا ثوريا؟

لم ينتمي منير بالمعنى المباشر للكلمة لما ظهر كموجة بعد الانتفاضة في الفن مثلما رأينا تجارب علي بدرخان ومحمد خان وعاطف الطيب ورأفت الميهي وخيري بشارة، ومن بعدهم رضوان الكاشف وداوود عبد السيد وخالد الحجر، ويسري نصر الله، الذين قرروا خوض معركتهم ضد أفلام المقاولات التي تنضح بموضوعات الجنس والمخدرات والكوميديا الرخيصة، وفي المسرح مخرجون مثل مراد منير، بهائي الميرغني، سلامة حسن.. الخ، غير الأدوار التي لعبها بشير الديك ولينين الرملي وآخرون في الكتابة للسينما والمسرح، والذين حاولوا بأشكال مختلفة تقديم نقد للمجتمع من وجهة نظر أو من خلال التعرض لحيوات الفئات المسحوقة اجتماعيا والتعبير عن همومها وقضاياها وأحلامها، بصرف النظر عن مآلات بعضهم فيما بعد.

باختصار ما قدمه منير من أغنيات يمكن وصفها بالحب التقدمي أو واقعة تحت سيطرة حالة شجن رهيبة ظلت تصل ما ساد بعد نكسة يونية، هي نتاج موهبة شعراء وملحنين مثلما حدث مع عبد الحليم حافظ في تجربته، ولكن هذه المرة ممزوجة بطعم الشعور بالمرارة والإحباط حتى لو كانت تتوق للحلم والآتي. هكذا جاء مشروعه الفني -إلا فيما ندر- بدون بلورة رؤى فنية تتعاطى مع مشكلات الواقع التي تسببت فيها النكسة بمعناها الناصري والساداتي، على الرغم من تبدل الأوضاع في الواقع وظهور أصوات احتجاجية قوية في 1968 عقب الهزيمة و72 قبيل حرب أكتوبر، وفي أعوام منتصف العقد بموجات احتجاج عمالية حتى توجت بانتفاضة الخبز في 77. صحيح أن هذا النفق المظلم في التعبير فنيا عن الأحزان والأحلام لم يكن منير مسؤولا عنه بمفرده بل يسأل فيه كل المثقفين من فنانين وأدباء وساسة وقوى سياسية تزعم انتماءها للناس وللتغيير ولم تقم ببلورة مشروع بديل قوامه حركة الجماهير ومن ثم وضع الفن كأداة مهمة وعنصر أساسي في هذا المشروع.

السؤال المهم هنا: لماذا لعبت النكسة دور النصل القاتل ولم تلعب الانتفاضة دور عودة الروح؟ الإجابة ربما تكمن في:

  • تركيبة المثقف وعلاقته بالسلطة ومشروعه والجماهير: مثلث لا تكتمل زواياه أبدا، هناك زاويتين في مواجهة الثالثة طيلة الوقت، إما أن يكون مشروعك مع السلطة أو مع الناس، أما عن محاولة خلق التوازن بين زوايا المثلث الثلاث فهو الخداع بعينه الذي يقودك بسلاسة لمعسكر معاداة الناس حتى لو لم تنتمي إلى خندق السلطة كلية، أو ادعيت أنك بعيدا عن الوقوع في براثنه. تقريبا هذا التوازن المخادع هو ما يحاول الوصول له المحبطون، المراجعون لأفكارهم وانتماءاتهم، المتلونون الجدد، من لم يحسموا أمرهم بعد خصوصا في الأوقات التي يتراجع فيه الحراك الاحتجاجي، أو عقب انتفاضة جماهيرية لم تتبلور عوامل نجاحها، أو أثناء تعرضها لهزائم عبر تحلل عناصر استمرارها مع هجوم حاد من أعدائها، أو بعد هزيمتها ووسمها بكل الموبقات. هكذا رأينا صلاح جاهين مكتئبا بعد النكسة وفؤاد حداد عازفا عن الكتابة لسنوات، وأحمد فؤاد نجم وعبد الرحمن الأبنودي متراجعين عن مشروع التغيير بعد سيطرة العسكر على السلطة عقب ثورة 25 يناير.
  • نوع المشروع الذي يتبناه المثقف وعلاقته بمصالح الناس المباشرة والتاريخية: الحقيقة أن المشروع الذي كان مهيمنا في الستينيات كان مشروع السلطة بامتياز، وطني من الطراز الأول، ذاب بسهولة في السلطة ومؤسساتها ومنابرها، مشروع لم يكن طبقيا ولم يطرح تصورا عن التغيير الجذري. من هنا يمكن فهم سقوط جيل الستينيات -بأشكال مختلفة- بسقوط مشروع السلطة حينذاك، وهيمنة مشروع جديد تخلص من شوائب الوطنية والانحيازات الاجتماعية لتدشين مصالح وخطاب من نوع جديد.

في هذا السياق وبتلك المقدمات ظهر منير بوصفه مغنيا مختلفا عن السائد، بلا بذلة أو رابطة عنق، بشعر منكوش، غير مهندم، أسمر اللون، يغني كلمات مختلفة وألحان بنغمات غير معتادة بموسيقى غربية، لا يستجدي الحب. بشكل عام كان هذا النوع هو المناسب لكسر كل ما هو تقليدي ورسمي ومستهلك بالنسبة لأجيال جديدة كرهت الخنوع والامتثال للهزيمة والإحباط بصرف النظر عن ضبابية رؤيتها للواقع وإمكانيات تغييره الحقيقية وعن تعلقها بالشجن بوصفه عزاء وكتعويض عن العجز وقلة الحيلة أحيانا ومبررا للهرب من الواقع والتطهر من قذاراته أحيانا أخرى. بالتأكيد لم يكن منير فريدا من نوعه فقد سبقه أناس أقل شهرة ولكن التجربة بكل عناصرها وبالذات في حضور شعراء بقامة عبد الرحيم منصور وسيد حجاب ومجدي نجيب وفؤاد حداد، وملحنون بقامة هاني شنودة وأحمد منيب، لعبت دورا في بلورة هذا الجديد كبديل عن السائد.

ولكن رغم تقدمية هذه التجربة في أقسام مهمة من مراحلها، لم تضع منير في مصاف الفنان الثوري/الملتزم/المنخرط/المنتمي، والثوري هنا لا تنطبق بالضرورة على خياراته لأغنيات سياسية أو وطنية، فقد قدم منير الكثير من هذه النوعية بكافة الأشكال الجيدة والمتواضعة والرديئة المعادية في أغنيات منفردة في ألبوماته وفي تجربتين كاملتين هما مسرحة الملك هو الملك 1987 و”حبيبتي” 1998 وهو تجميع لأغنيات مسلسل “جمهورية زفتى”، ولا هي حتى بالقياس لكل أو بعض مما أنتجه في مشواره الفني الشيخ إمام. الثورية تعني بالنسبة لي الانتماء لمشروع التغيير الاجتماعي الجذري في الواقع والالتزام تجاه هموم وقضايا القائمين عليه والانخراط في حراكهم وأحلامهم والتعبير عن كل ذلك فنيا بأي شكل وأية طريقة. صحيح أننا نجد في بعض أغنيات منير هذه النبرة الثورية ولكنها بلا ملامح أو تجسيدات، وكأنها تخاطب الإنسانية بشكل عام، ويمكن ترديدها في أي زمان ومكان دون الارتباط بلحظة أو ظروف بعينها لبشر من لحم ودم يعيشون في واقع بعينه، لذلك لم يلق منير قبولا ذا شأن في أواسط الطبقات الفقيرة والشعبية والشرائح الدنيا في المجتمع، فقد ظلت أغنياته مستعصية على فهم هذه الفئات وبالتالي بعيدة عن أحاسيسهم، ليحل محله مغنيين أضعف وأكثر سطحية مناسبين للوعي السائد المتدني غير احتلال ما يطلق عليهم “المغنون الشعبيون” المساحات الأكبر بوصفهم يجيدون التعبير عن الحزن من واقع ومفردات حياة هذه الفئات.

من “حدوتة مصرية” إلى “متحيز”… بداية الرحلة ونهايتها

من 1977 حتى 2017 سار منير على دروب كثيرة، فقد قدم ما يزيد عن 450 أغنية خلال مسيرة الأربعين عاما تلك، أصدر خلالها 27 ألبوما وشارك مغنيين أخرين في ألبومات أخرى، وغنى في 17 فيلما منهم 11 قدم بهم أدوارا، علاوة على تترات وأغنيات أخرى بـ17 مسلسلا تلفزيونيا وإذاعيا مشاركا كممثل في 2 منهم، وظهر ممثلا ومغنيا في 3 مسرحيات، هذا غير الإعلانات والبرامج والأغنيات المنفردة… لقد أخذته النجومية، وارتبط بالسوق بمعناه التجاري الربحي، للدرجة التي دفعته لعمل إعلانات لشركات الاتصالات قبل وبعد ثورة 25 يناير.

في عام 1982 ومن خلال فيلم يوسف شاهين “حدوتة مصرية” قدم منير واحدة من أهم أغنياته الثورية (القليلة) على مستوى الكتابة واللحن والتوزيع والأداء الغنائي، انتمى منير في هذه الأغنية -التي حملت اسم الفيلم- للناس كبشر آنيين بقضاياهم وهمومهم وأحلامهم ولغة رفضهم. هكذا تخيل معظم “المنايرة” الأوائل أن هذا الشاب سوف يكون مطربا للثورة (بمعناها العام) معبرا عن شبابها وأحلامها ومنتميا لقضاياها وناسها، ساعدهم في نسج هذا الخيال النجاح الكبير الذي حققه منير في ألبوماته حتى تجربة مسرحية “الملك هو الملك” حيث توج إثرها بلقب “الملك”، ولكن بدأت منذ ذلك الحين رحلة التذبذب والتراجع النسبي فنيا حتى دخل في منطقة تكرار أغنياته وأغنيات الآخرين والإصرار على وجود أغنية نوبية في كل ألبوم تقريبا، كتعبير عن إفلاس أكثر منه عن التنوع، حتى انتهى أمره بإنتاج ألبومات ضعيفة بمعان مختلفة من حيث المضمون، بل تشكل تراجعا عما سبق وقدمه في بداية تجربته الفنية. وفي النهاية فاجئ منير الجميع عام 2014 بأغنية “متحيز” ليؤكد من خلالها على تخليه عن خطاب الحالمين، بل معاداتهم بتبنيه لخطاب السلطة التي تصفهم بالكسالى وعدم الانتماء للوطن.

هكذا بدأ منير محاولا الانتماء للثورة لينتهي معاديا لها ولصناعها. والسؤال هنا: لماذا وصل منير لهذا الوضع، أو بالأدق لماذا صدم البعض مما آل إليه؟ الإجابة ترتكز إلى عدد من العناصر بعضها عام وبعضها يخص تجربته الفنية.

أولا: فيما هو عام
  • أن منير وغيره من الفنانين والأدباء انتموا لمشروع لم يكن مرتبطا بالناس أكثر من انتمائه للسلطة، مشروعا وطنيا لا طبقيا، مشروعا يرى أجندة النخبة لا احتياجات العامة.
  • أن الرهان عليه كان مبالغ فيه للدرجة التي أصبغته بلون يساري لم يكن في حسابات منير نفسه التماهي معها، غير أن مفهوم اليسار نفسه فضفاض للدرجة التي جعلته يحتوي من بين تياراته مؤيدين للسلطة والمذابح بعد ثورة 25 يناير.
  • الخلط الحاد وبشكل دوغمائي بين السياسة والفن تخوفا من الفصل التام بينهما.
  • أن منير منذ بداية مشواره الفني لم يعبر عن رفضه للسلطة بأي شكل سوى في بعض الأغنيات غير المسؤول عنها والدليل على ذلك أنه قام بالغناء كثيرا أمام المخلوع مبارك ومعانقته.[2] أيضا قام بإحياء حفل ختام المؤتمر الاقتصادي في شرم الشيخ بحضور السيسي ورؤساء وملوك وممثلين اقتصاديين عن شركات عالمية كبرى.[3]
  • أن علاقته بالسياسة لم تكن أبدا لها أية علامات واضحة أو مواقف لها طابع راديكالي وهو ما أكده في أكثر من مناسبة في عدم انحيازه لأي جهة سياسية داخل مصر، خصوصا عند نفيه توقيعه على وثيقة تأييد البرادعي.[4] غير غيابه عن المشاركة أو الإدلاء بأية تصريحات لتحديد موقفه من ثورة 25 يناير، في الوقت الذي توافد فيه عدد من الفنانين ليعلنوا تأييدهم للثورة، بزعم أنه كان مريضا، وما أكد غيابه “تأجيل” حفله الغنائي الذي كان من المقرر أن يقيمه في ميدان التحرير في 15 فبراير احتفالا بانتصار الثورة المصرية، دون إبداء أسباب.[5] في الوقت الذي ذهب فيه لتسلم جائزة “الشبكة العربية للتسامح” بالنيابة عن شهداء وشباب الثورة المصرية!.[6]
ثانيا: فيما يخص تجربته الفنية
  • مال منير أكثر للتعامل الربحي بعيدا عن القيمة الفنية وهو ما ظهر في تركيزه على الحفلات وبالذات خارج مصر والظهور في إعلانات لشركات.
  • وقوعه في فخ التكرار لتجارب قديمة له ولآخرين ولإعادة إحياء أغنيات نوبية دون أي سبب فني مقنع.
  • الاكتفاء بما حققه من شهرة بصرف النظر عن إعادة النظر كل فترة فيما يقدمه وتطوره فنيا وعلاقته بالسائد وتميزه عنه.
  • محاولة ربط ما يقدمه تعسفيا بصيحات فنية أخرى في العالم بصرف النظر عن درجة التماس والعلاقة بينهما وما سيعني ذلك في النهاية من تبلور تجربة حقيقية أم الاكتفاء بالتجريب فقط.

كل هذه العوامل وربما أخرى ساهمت في تراجع تجربة منير وعدم تطورها للأفضل وبالتالي بعدها عن أن تكون مشروعا فنيا ثوريا له قوام وقضية وجمهور وهدف، وربما لو كان تم إداراتها بطريقة مختلفة لكانت أثمرت في اتجاهات تحولها لنموذج يستفاد منه فيما بعد، خصوصا أن عوامل كثيرة توفرت لها من مناخ وجمهور أخذ في الاتساع وفريق عمل كانوا فارقين في وقت بدايتها.

في النهاية تعد تجربة منير من أهم وأميز التجارب الفنية الغنائية التي ظهرت في النصف الثاني من القرن العشرين، ولم نقصد من هذا المقال سوى محاولة البحث عن ميزات وعيوب التجربة حتى لا نغرق في معاداتها دون سبب واضح أو في الاحتفاء بها دون نقد يكشف لنا مواضع ضعفها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] للاستزادة حول هيمنة الشجن في تلك الفترة على الإبداع، يمكنكم قراءة: يحيى فكري، الهزيمة ومولد الشجن.. ثقافة الحنين إلى الماضي، مجلة أوراق اشتراكية، أبريل 2007، https://is.gd/TO1DnN

[2] موقع يوتيوب https://youtu.be/UPjXCJXIoWM

[3] موقع يوتيوب https://youtu.be/p4luazwPR3Y

[4] موقع السينما http://www.elcinema.com/news/nw678915427/

[5] موقع السينما http://www.elcinema.com/news/nw678920611/

[6] موقع السينما http://www.elcinema.com/news/nw678921214/

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

الشريعة في دساتير ما بعد ثورة يناير… إعادة الجدل بشأن أسئلة الإسلام والسيادة والسلطة (2) ما يعنينا هنا أن الاستجابة المحافظة للضغط الإسلامي كانت تتم عبر نفس الآليات الخطابية للإسلام المعلمن، أي إعادة تقديم الخطوط الحمراء الموروثة من التراث الإسلامي، والتي كانت تعد تعديًا على حدود الله، بوصفها تعديًا على حساسيات فردية بالأساس يتشكل من جماعها ما يسمى بالنظام العام.

عمرو عبد الرحمن

اضطهاد الأقباط: دعوة للنقاش من أجل المواجهة المسيحيون يقتلون ويهجرون ويهاجرون طلبا للنجاة من القتل والترويع والاضطهاد في مصر وفلسطين المحتلة وسوريا والعراق، بل ولبنان نفسه. فما العمل؟ هذه دعوة ملحة من أسرة تحرير "بالأحمر" للتدبر والحوار حول المذبحة الجارية والكارثة المحدقة وكيفية المواجهة

بالأحمر

الربيع العربي: ضد التفاؤل والتشاؤم السطحيين “عرض لكتابي جيلبير أشقر وجويل بينين” إن استيعاب القصة بعقدتها متعددة الجوانب لن يحمينا فقط من العواطف السياسية السطحية، بل سيوفر لنا أيضا الدروس الصحيحة المستفادة للتعامل مع صراعات المستقبل. ويعد كتاب "الأعراض المرضية" لجلبير أشقر، وكتاب "عمال ولصوص" لجويل بينين، نموذجين جيدين للتحليلات الهامة التي تهدف للفهم الصحيح لما حدث.

عاطف سعيد

ثورة بغير منظمات ثورية، وسياسة بلا أحزاب سياسية… محاولة نحو فك اللغز المصري في 25 يناير 2011 انفجر المجال السياسي فجأة، مندفعا كالبركان من تحت القشرة الأرضية الجرداء المتكلسة والمتعفنة للرأسمالية المصرية وحكمها الأوليجاركي، ولد كالعنقاء، مشتعلا، صاخبا، متوهجا، رائعا في بهائه، مدهشا في خصوبته وابداعه ونبل قيمه؛ ولد يصرخ بالحرية والعدالة الاجتماعية ويكشف عن بطولة واقدام واستعداد للتضحية يندر لها مثيل في التاريخ الإنساني كله

هاني شكر الله

ثورة بغير منظمات ثورية، وسياسة بلا أحزاب سياسية… محاولة نحو فك اللغز المصري (5) شهدت الثورة المصرية اللحظة الرابعة لبزوغ مجال سياسي حي وحيوي من شأنه أن يفتح آفاقا واسعة، رحبة لتطور ديمقراطي غير مسبوق في تاريخنا الحديث كله، مجال سياسي يصنع صنعا في الشوارع والميداين، يصنعه فقراء الوطن وكادحيه في مواجهة صريحة وضارية مع البرجوازية المصرية ودولتها.

هاني شكر الله