قراءات في ثورة يناير 2011:

التفكيكية والثورة… نقد مقدمة محمد نعيم -أو- نقد أسئلة التيه

سجالات

19  مارس  2017

 (الإجهاز على الإرث الأيديولوجي، ابن عوالم ما بعد هزيمة يونيو 1967)*

ليست الناصرية إذن وسلطتها العسكرية، بنت انقلاب 1952، ليست مفاهيم وقيم الستينيات ونظامها الاقتصادي، بنت النظام الناصري، ليست أيديولوجيا الشمولية ومصادرة الكل بسم الصالح العام التي أنجبها نظام 1952، إن النواتج الفكرية والأيديولوجية التي أنجبها وضع ما بعد 1967 –في أفضل المقاربات- هي الانتقادات التي وجهت للسلطة، الشك في مشروعيتها ومشروعها، انطلاق حركة احتجاجية جديدة بوسم اليسار، المطالبة بإطلاق الحريات العامة، الدعوة إلى حرب وطنية وتشكيل جيش شعبي.. تلك هي أطر الأيديولوجيات التي خلقتها ظروف ما بعد هزيمة 1967.. الأهم من ذلك كله أنها جرت مياه كثيرة منذ 1967 تجعل هذه الصيحة حرب ضد أشباح أخرى.

أسئلة التيه

في مبادرة ليست الأولى من حيث موضوعها، وهي الدعوة إلى مراجعة المواقف والرؤى السياسية من الثورة، قام الكاتب محمد نعيم بنشر مقال في “مدى مصر” في 18 أكتوبر 2016 تحت عنوان –أشباح يناير التي تنتظر النقد الذاتي والمراجعة– أشار إلى أنه جزء من “كراس عن المشهد المصري الحالي”، مقدمة لكراسته التي اختار لها أن تنشغل بالحديث عن النقد الذاتي وصعوباته وشروطه.

رغم أنه اعتبرها مقدمة إلا أنه قدم فيها تصورا منهجيا لمساءلته أفكار ومنظمات ووقائع الثورة، مقترحا فيها أسلوبا، وأسئلة، وإطارا، وترتيبا معينا، وقدم أسسا لمنظوراته العامة بما يكفي لمساءلتها هي نفسها، إذا ما كانت تقترح نهجا قادرا على توليد معرفة، إن كانت أسسها قادرة على إنشاء بنية إجابات علمية يمكن أن تكشف عن مناطق مجهولة أو مسكوت عنها، بما يضيء أمام قوى الثورة إعتامات المشهد. إلى أي حد مست أسئلته الأمور الهامة في تعثر ودفع المسار الثوري، وغير ذلك مما يمليه فعلا المشهد المصري الحالي؟

بداية ﻻ بد أن يلفت نظرك العنوان -أشباح يناير…- حيث يحيلك تلقائيا، وربما بلا قصد، إلى كتاب جاك دريدا الشهير.. أطياف ماركس. قد يكون ذلك نوعا من التصور أو الوهم بسبب تلك القرابة بين، الأطياف.. والأشباح. ومن ثم يكون النفاذ إلى المسرح النصي هو القادر على كشف اللعبة، أي النص ذاته، لنرى هل يحاول نعيم فعلا استعارة دريدا، مستخدما منهج التفكيك في النظر إلى تعقيدات ومسارات وﻻعبي ثورة يناير، أم أنها مجرد عملية تقاطع عابرة بين مجازين.

أول ما نلاحظه حول النص أنه نص مراوغ، ﻻ ينفذ إلى ما يرغب أن يقوله بسهوله، وربما حتى ﻻ تعرف ما الذي يريد أن يقوله فعلا، هذه سمة تفكيكية أساسية، حيث ﻻ معنى للبحث عن معنى محدد، وحيث تطارد أشباح ربما عليك أن تصرفها بينما استدعيت لإحضارها. هذا الأسلوب وسم إلى حد كبير كتاب الأطياف لدريدا. أنه يفتش من البداية عن إجابات لأسئلة (إما قُدمت إجابات لها بشكل مبتسر ومخل، أو خُنقت بذخيرة من قنابل الدخان السياسية والإعلامية التي أعمتها وهمَّشتها) تماما كما كان دريدا يستجوب ماركس، بينما يقرر سلفا أنه، ﻻ توجد إجابات نهائية مقبولة، وأن كل الإجابات محل استجواب، وأن تفكيك الإجابة فحسب هو مهمة منهجه.

يقترح نعيم أن تلك الأسئلة –التي سيقترحها هو (هي أسئلة طرحتها ثورة يناير المغدورة، سواء كانت أسئلة طرحتها أحداث الثورة أو شعاراتها). أكثر من ذلك أنه يقترح أيضا (أسئلة إضافية) وهي أسئلة أقرب إلى لعنة لحقت بالثورة والثوريين، أشبه بعقاب أنزلته الأشباح بمن أحضرها، فهي ليست ناجمة مباشرة من سياق وتناقضات الأحداث، أو مشكلات الشعار والواقع، بل (أسئلة إضافية فرضتها “النوائب والمصائب”.. الناتجة عن عدم الإجابة عن الأسئلة التأسيسية الأولى).

وبغض النظر عن دلالة مفردات مثل “النوائب والمصائب” التي ستتكرر في مقاله، ضمن بحث يتعلق بقضايا الثورة واستجوابها، والذي يحتاج إلى رسم سياق مختلف متعلق بالمنطق أو بعلم التكتيك السياسي أو بالخبرات التنظيمية لدى اللاعبين، أو حتى بأساليب الثورة المضادة، لكننا نتوقف هنا عند اعتبار أسئلة ما “تأسيسية”، نفهم وجود أسئلة أساسية تتعلق بجذر الموضوع أو أهم ملابساته، أما التأسيس فهو شأن أخر، هو مشروع أو فكرة، وليس سؤالا بأي حال، فمثلا ليست مداولات واستجوابات أعضاء الأممية الأولى تأسيسا، يمكن اعتبارها خطوة “قبل” تأسيسية، استجلاء بواسطة استجوابات نظرية وسياسية لحقيقة الوضع وشروطه، الأمر الذي مهد لخطوة “تأسيسية” تجسدت في بيان الأممية، البيان الشيوعي.

هكذا -وفقا للمقال– تعرضنا لعقاب فرض علينا أسئلة إضافية ذات طابع قدري.. مصائب ونوائب.. وذلك لأننا تأخرنا في الإجابة عن الأسئلة الأولى.. هذا العقاب سيستمر (طالما استمر إنكار إجابة أسئلة الثورة المركزية بالشكل العميق والصريح والحاسم والمطلوب).

نحن هنا أيضا في لبس.. إنكار الإجابة، أم التأخر في الإجابة.. ما نعاقب عليه؟

فضلا عن.. كيف ووفقا لأي معايير يمكن أن نقيس الإجابات لنقرر ما إذا كانت بالشكل العميق والصريح والحاسم والمطلوب، أم لا؟ خاصة وأن أغلبها يخضع لتقديرات نسبية ومنظورات سياسية ليست بالضرورة محل اتفاق من يستجوب.

يقول في صيغة جازمة (لا يمكن عزو الأمر للضربات الأمنية والسعار الفاشي الحالي وحسب) أي أمر فنحن ﻻ نعرف، هل هو غياب الأسئلة، أم لعنة تأخر الإجابة، أم النوائب والمصائب؟

يجيب نعيم في لغة هاملتيه (أن لكل طرف نصيبه من المسؤولية عن مصيره، مهما كان مؤلمًا أو غير عادل).

حسنا.. سنحاول أن نفهم في وقت أخر، ولنمضي قدما مع المقال.

على من نطرح الأسئلة

لقد رأينا أشباح الأسئلة، حيث ﻻ أسئلة حتى الآن، وهي تحوم حول أزمنة الثورة، الآن تطارد تلك الأشباح بشرا، تستجوبهم، المشكلة هي أن يحدد السؤال المستجوب، تلك الأسئلة رغم أنها تحوم فوق أحداث شارك بها الملايين، لكن المستجوب ليس كل من شارك.

يشير نعيم إلى أن (عملية المراجعة والنقد الذاتي) التي يدعو إليها، مسالة صعبة، و(من الخفة والتفاهة، رهنه بامتلاك الإرادة والشجاعة فقط) ذلك لأن أسئلة المراجعة والنقد الذاتي لها شرط محدد (هو امتلاك تجربة تنظيمية وحركية وسياسية جماعية تترتب عليها أفعال وقرارات وانحيازات -وذلك حتى- يطلق صاحب النقد مراجعته منها).

يحدد المقال نوع المستجوبين (الجماعات المنظمة التي لها تجربة ما، ولها مرجعية ما، وتبنى مواقفها وانحيازاتها على ضوء أفكارها وتجربتها، وتنطلق من تلك الأرضية لنقد ومراجعة تصوراتها).

إنه يستبعد في مقاله شهود وفاعلين يمثلون الأغلبية الساحقة، الجمهور بكليته، والفاعلين الفرديين مهما امتلكوا من وعى أو تجربة.

لم يذكر المقال أسبابا لاستبعاد الجماهير كليا، دون حتى محاولة استقراء تجربتهم من سياق الأحداث والانعطافات، يستبعد الفاعل الأصلي والهام دون أن يكلف خاطره أي جهد في مجرد الإطلال عليهم.

إلا أنه ذكر أسبابا في استبعاده للفاعلين الأفراد (أنهم من أحاد الناس، مما يصعِّب بشدة الحديث باسم الجماعة أو التيار أو “ال نحن”).

(حين يكون الكلام عن أفراد وآحاد، تصبح إمكانية المراجعة البناءة أمرًا شديدة الصعوبة، نظرًا لعدم اتساق وتناغم مواقف الفرد الواحد على طول الخط -مقارنة بـ- الخط العام لرواية الإحداث من قبل التيار الواحد ما يصعّب بدوره من وجود رواية متماسكة التفاصيل).

ولأن (في ظل وطأة الهزيمة وثقل آثارها على المستويات العامة أو الخاصة، يمكن للمراجعات الفردية أو الخاصة للنشطاء أو آحاد الثوار أن تتحول إلى مناسبة لإنكار التجربة بمجملها، إما عن طريق إدانة الذات وجلد خياراتها مقابل تقديس التجربة بشكل شبه صوفي، أو العكس، إدانة المجموع والتجربة بالكلية والنزوع للتطهر الغائي ولإثبات صحة وسلامة موقف الذات في كل محطة دخلها الفرد، أو اعتبار الانخراط في التجربة محض سذاجة ومراهقة من الأصل).

لكنه يقبل المراجعة الفردية إذا كان الفرد –داخل تنظيم- (حيث يستطيع الفرد تقييم تجربته داخل تنظيمه أو حركته ومراجعة مواقف قياداته، وكذا مراجعة مواقفه هو كقائد). بغض النظر عن عدم وضوح إذا ما كان المقصود –قائد داخل التنظيم … ويصعب تصور كل الأعضاء المسائلين.. قادة.. والمقال لم يحدد أنه يسأل فقط– القيادات في التنظيم، أم انه قائد جماهيري؟ لا نعلم، ولم يوضح.

أنه يستبعد الأفراد بهدف –توحيد الرواية- عند الجماعات المنظمة.

هنا تثار أسئلة ضرورية عن –توحيد الرواية- لنعرف المقصود منها، هل يسعى لاستجواب منظمات، حيث الضمير –نحن– وحيث المرجعية والتجربة.. الخ. ومن ثم يسعى للإجابة الرسمية المعبرة عن ” كل أعضاء” الجماعة، أم يستجوب أفرادا داخل منظمات؟ هذا الأمر أيضا ملتبس في المقال.. فالرواية الرسمية لدى الجماعة المنظمة تظل واحدة بخصوص كل مشهد عبرته الثورة، أما لدى الأفراد – ولو كانوا في تنظيم واحد، ﻻ يمكن أن تكون واحدة، لأنها تتعلق بزوايا مختلفة من المشهد الثوري سكنها كل فرد أثناء الأحداث، فعلى سبيل المثال يمكن في اليوم الواحد أن يكون فرد –من التنظيم– في مكان لم يشهد صدامات، والأخر عكسه، انطباع كل منهم عن أحداث اليوم سيكون مختلفا بالضرورة، وكذلك شهادته.

ولو تعلق الأمر بشهادة أفراد لما كان هناك معنى لاستبعاد غير المنظمين، بل قد تكون شهادتهم أكثر أهمية في بعض الأحوال، فضلا عن إغفاله إمكانية وجود أجنحة بتصورات مختلفة داخل التنظيم الواحد.

هل يريد الكاتب رواية أم وجهة نظر تتضمن تقييما ومراجعة؟

إن أشباح المقال تهيم بدون خريطة واضحة.

يقول (يظل مبتغى توحيد الرواية وتعضيد تماسكها هو الوقوف على إجابة أسئلة مثل “ماذا فعلنا؟” و”ماذا فعل الآخرون؟” و”ما الذي كان يمكن فعله ولم نفعله؟”، أو “ما الذي فعلناه ولم يجب فعله؟”، وهذا كله، رغم جوهريته وأهميته السياسية والتكتيكية، إلا انه يفترض ابتداءً وجود أهداف متناغمة للحراك ومساراته).

نحن إذا أمام شهادة مستجوب عن نفسه “ماذا فعلنا؟”… الخ. وشهادته عن مجمل من هم غيره -الآخرون– “ماذا فعل الآخرون؟” علما بأنه يستبعد من استجوابه –هنا على الأقل– فاعلين آخرين في منتهى الأهمية في التأثير على الأحداث وفى إنتاج الرواية (روايات الثورة المضادة متنوعة الضلال والانحطاط والجنون، وروايات الإخوان المسلمين المبتور بعضها والمأفون غالبها).

لكن الآخرون أيضا –بالنسبة لكل جماعة منظمة، يشملون حتى كل من هو في معسكرهم العام، اليسار مثلا، كل الجماعات الأخرى، هكذا أي “جماعة” في مواجهة كل الجماعات الأخرى. دون مؤشر يقود الشبح أو إطار محدد لنوع الجماعات المستجوبة، مثلا.. يسار، قوميين، ائتلافات، جماعات بلاك بلوك أو مثيلها، إسلاميون خارج الإخوان، جبهات.

جماعة منظمة، رغم هذا المطلب الأولي ستسعى أشباح التفكيك إلى تذرير الـ –نحن– يجب تفكيك كل شيء كي تمرح الأشباح بحرية.. حتى المنتمين لتجارب ولجماعات منظمة، ممن يمكنهم الشروع في عملية المراجعة مباشرة.

نزلت الـ –نحن– إلى مستوى حالة الأفراد، لقد انهالت عليهم لعنة الأسئلة قبل إنشاء الاستجواب (أصابتهم ضربات أيديولوجية وأسئلة وجودية تجعلهم في حال أشبه بحال الأفراد) أنهم مستدعون بأيدولوجيات معطوبة ومصابة، أسئلة لاحقتهم –قبل الاستجواب- فككت الـ -نحن– إلى أفراد، وإن احتفظت لهم بحالة أفضل قليلا من الأفراد الآخرين.

مرة أخرى نحن في التيه

فجأة يقرر شبح الاستجواب أن يكسر عنق كل المستجوبين، قبل أن يستجوبهم، بعد الإطاحة بالجماهير، واستبعاد المشاركين الفرديين، يتم تفكيك الـ –نحن-… إعطاب الأيديولوجيات، لا يكفي ذلك، أشباح الاستجواب ترغب أن تمرح، لا تستطيع الأشباح أن تمرح بين كائنات حية معينة، أماكن مأهولة بشخوص وأفكار، إنها تحتاج إلى خرابات، أو ستمارس هي تحطيم الأبنية والعقائد لتنشئ مسرحا تمرح فيه.. (احتاج الأمر لكثير من الوقت والكوارث والنوائب، خلال تجربة الثورة وبعدها، لإدراك انحطاط مصداقية كل مستوى أيديولوجي، ظن الكافة أنه مرجعهم ودليلهم، ولإدراك تضعضُع حدوده، وكان الانكشاف الأيديولوجي للتيارات السياسية المصرية وهشاشة خيالها وتداعي عقيدتها، هو ما جعل من ثورة يناير المرجعَ الأمَّ لتأسيس الانحيازات في السياسة.)

هكذا تحولت الجماعات إلى أفراد –بأفضلية ما– ثم تم تعطيب الأيديولوجيات، بعد ذلك تم سحب أو تدمير المصداقية، وسيتم تنصيب الحدث –ثورة يناير– ليحل محل المنهج والأيديولوجيا، كمرجع أساسي في تحديد الانحيازات … لسنا إذن أمام دعوة تسأل فيها المناهج والمرجعيات نفسها، وتراجع دورها من منطلق أفكارها، لكننا أمام أفراد جردوا تماما من كل شيء، وكمن ولد فجأة في غمرة الأحداث ستقرر له تجربة المشاركة كل ما يتعلق بتوجهاته أو انحيازاته (ثورة يناير المرجعَ الأمَّ لتأسيس الانحيازات في السياسة.) … لاحظ أنه “لتأسيس” وليس “لمراجعة”.

ننعطف الآن إلى حركة الأشباح في جولتها التالية.. أنها الآن تصنع نوعا من التحديد، فلا يمكن لشبح أن يمرح وهو يضرب في تيه بلا أي معالم، فتلك ستكون لعنة وليس مرحا.. إذا سيتم التفكير حول -ما الذي سنراجعه….؟ وهو سؤال يدعى إليه المستجوبين تحت مطارق أنهم تأخروا، وأنهم محطمين تماما تقريبا أو على وشك ذلك.

(هل نراجع مواقفنا السياسية وتكتيكاتنا الحركية على مقياس انحيازاتنا وثوابتنا الأيديولوجية، أم أن المراجعة، التي تفرض شروطَها قسوةُ الواقع ويعجز عنها الجميع، هي مراجعة لجوهر الانحيازات والثوابت وصدقيتها من الأصل؟).

إننا للمرة الثانية نرقص الرقصة الشبحية التي هدفها خلع كل شيء، إنه تحدٍ ماكر (يعجز عنه الجميع) مراجعة (لجوهر الانحيازات والثوابت وصدقيتها من الأصل) هل نملك تلك الشجاعة التي يقترحها الأشباح –مراجعة ما نعتبره ثوابت سواء في الأفكار أو الانحيازات. الشك في صدقيتها. لنتعرى تماما حتى نبدأ الرقص مع الأشباح في حفلتها الصاخبة.

(ربما يذهب السؤال إلى أبعد من ذلك ليطرح شكوكًا بشأن وجود تلك الثوابت والانحيازات، ما يمنعها من استحقاق اسمها).

يقف الكاتب على رأس حفلة الأشباح ليمارس قسوة أشد على روح ضحايا أشباحه.. (أجد ذهني ووجداني يطرحان سؤالًا آخر هو – لماذا نراجع أنفسنا أصلًا لو كانت انحيازاتنا وتمثلاتنا الأيديولوجية يشبها الافتقار للأصالة والصدقية بالشكل الذي تستحق معه مكابدة التأمل.)

ثم يعلن.. (هناك إجابة قاسية على السؤال الأول، تقول إنه لم يعد هناك ثمة شيء ليراجَع وإن مستوى التشظي والتفكك الأيديولوجي والوهن العقائدي للقوى الموجودة يتجاوز بكثير قدرتها على مراجعة ما كان لديها بالفعل).

ويقرر في يقين العارفين (أغامر بالقول إن ما جرى تصوره لسنوات طويلة كمشاريع وتمثلات أيديولوجية، ينتظم تحت لوائها أفراد وجماعات، كانت بنت بيئة آسنة ميتة لم تختبر مقولاتها قط، ولم تضعها على محك التجربة والممارسة، ولم تلفحها شمس الواقع الاجتماعي المادي وأسئلته) … معمقا فكرته “ككل منتجات ربع قرن من حسنى مبارك”.

(ظني أيضًا أن محك الاختيار لم يكن قسوة عالم ما بعد 30 يونيو 2013، بل كان ثورة يناير 2011 نفسها، والتي وجد الفاعلون السياسيون أنفسهم بعدها في حيرة بين أنساقاهم الأيديولوجية غير المختبرة، وبين جوهر انتماءاتهم الاجتماعية والطبقية التي تصوغ وعيهم الصادق بشأن ما يجرى حولهم وما يترتب عليه من مواقف).

قد تستحق تلك النقطة الأخيرة بعض النقاش.. مدى التجانس بين حامل أيديولوجيا، وانتمائه الطبقي… وان كانت نقطة كلاسيكية أثيرت منذ أكثر من 100 عام، ربما منذ ارتباط دكتور الفلسفة والحقوق ماركس، ونجل رجل الأعمال فريدريك أنجلز بالفكرة الاشتراكية. ومن ثم ﻻ معنى لإثارتها مجددا الآن، إلا ربما في حالات خاصة بأفراد محددين لم يحسموا أمر انحيازهم حسما فعليا. غير أنه من المؤكد أن أسئلة ثورة هي أمر اعقد من هذا بكثير.. أن الأشباح تمارس فحسب قدر أكبر من التفكيك، حتى ﻻ يبقى حجر على حجر، وﻻ كيان في الكيان، وﻻ أيديولوجيا أو انحياز أيديولوجي. إنه صخب الحفلة الشبحية ﻻ غير.

حتى الآن ﻻ تقودنا الأشباح إلا إلى الفراغ، وحين اقتربت من ضرورة التجسد قدمت جملة من الملاحظات البسيطة والأولية والمتداولة… (أصحاب تصورات ليبرالية يسحقون قيم حرية الفرد والسوق والاختيار، وقوميين عربًا ينحازون لعملاء الإمبريالية ولأصدقاء إسرائيل، ويؤيدون بعنف محطمي الوجود والأقطار العربية من بابه، ووجدنا ماركسيين يعطلون أسئلة العدالة الاجتماعية والحرية لصالح الأمن والاستقرار وبقاء دولة يتصورنها مدنية بينما هي دولة دينية معاصرة، ووجدنا بالطبع إسلاميين يتماهون بانتهازية مع كل معنى وفكرة، بغية الوصول إلى سلطة لا يعرفون تحديدًا ماذا يريدون منها وفقًا لمازورة صبرهم الإسلامي الطويل).

وهي ملاحظات وليست أسئلة أو استجوابات… إلا أنها تدور على هامش الحدث، على النتائج المرئية وليس القضايا الأكثر عمقا، تنقد انحرافات اليسار –أي الجزء المنحرف منه– وكأنه اليسار، والإسلاميون وكأنهم الإخوان فحسب. وتندهش من تصرفات الليبرالين المصريين في سنوات 2011 وما بعدها وكأن بينهم فولتير أو جاك روسو.

تلك الممارسات –أو الملاحظات- (كشفت وأطاحت بأسئلة الحلي الأيديولوجية التي تعطى لأصحابها صورة وميزة المثقفين وأصحاب الحيثيات الأدبية في بلد جهول).

إن الكاتب ﻻ يطلق أشباحه باتجاه المستجوبين.. إنه في الحقيقة لا يستجوب بل يجرد، يشكك في كل الأيديولوجيات –دون أن يقترب من أي أيديولوجيا فعلية– ويعلن من علياء عالمه أننا –في بلد جهول- طبعا عدا كاتبنا.

وقبل أن ينصرف من حالة التجسد، التي لم تسفر عمليا سوي عن ملاحظات عادية ومرتبكة، يقترح إجابة أخيرة: (إجابة أخرى وأكثر عملية، وإن سكنتها معاني الذلة والهزيمة المضاعفة، وهي أن عملية المراجعة، إن لم تأت بإرادة أصحاب المشروع السياسي المهزوم لتجاوز عثراته نظرًا لتضعضعه وانتفاء معناه، فهي قد تأتى كنتيجة لقيام السلطة السياسية والأمنية بفتح نافذة ضيقة للحوار قد تؤدى إلى حلحلة عقلانية للوضع، لتخفيف القبضة وتحسين شروط القمع، وإن عملية المراجعة هي جزء من استحقاقات هذا القرار وشرط له. بمعنى آخر فإن الكرة في ملعب السلطة، وليست في ملعب المعارضة المحطمة).

فيما يبدو أنه –فيما يري الكاتب– ستقود السلطة عملية المراجعة الأيديولوجية والانحيازات، ورغم أنه يعتصم بيناير –كأساس للمراجعة والتحديد- ستفتح السلطة (نافذة ضيقة للحوار قد تؤدى إلى حلحلة عقلانية للوضع).. ولن نسأل كيف أو لماذا تهتم السلطة بإيجاد “حلحلة عقلانية للوضع” وهو الذي ﻻ شك سيضعها هي ابتداء موضع مساءلة، كوضع غير عقلاني ومحل شك، رغم أنها تنتقم ومسيطرة وتعاقب.. الخ. فهو يري أن ذلك سيكون بهدف (تخفيف القبضة وتحسين شروط القمع) نحن سنقف أمام تلك العبارة “تحسين شروط القمع” كمن يقف أمام طلسم قديم.. إنه يرى أن قمعا مصحوبا بحوار.. تفرضه السلطة.. هو قمع محسن. لن نتوقف كثيرا هنا، فهو يضيف (إن عملية المراجعة هي جزء من استحقاقات هذا القرار وشرط له. بمعنى آخر فإن الكرة في ملعب السلطة، وليست في ملعب المعارضة المحطمة).

يبدو أن مخيلة الكاتب استدعت حال الجماعات الإسلامية في سجون مبارك في التسعينيات، حيث فرضت الدولة فعلا عليهم القيام بمراجعات فكرية، وحسنت شروط حياة المراجعين “داخل السجون” كانت الكرة فعلا في ملعب السلطة، لكن لم تكن نافذة ضيقة بل كانت بوسع ساحات السجون، وأحيانا الإعلام، ولم يحدث أن خفت القبضة الأمنية بسببها. ولكن ما وجه المقارنة بين أوضاع التسعينيات، ومجمل سياق ثورة يناير، من أين اشتق خيال الكاتب تلك النبوءة السياسية في ظل ديكتاتورية عسكرية سافرة، ﻻ يرغب رمزها الأعلى في سماع صوت أحد سواه، ولو كان عضوا فى سلطته؟

بعد أن أجهزت الأشباح على كل الفاعلين –جمهورا وأفرادا وجماعات وأيديولوجيات وبنى تنظيمية، ﻻ يتبقى سوى الحدث مجردا– ثورة يناير –الذي اعتصم به الكاتب- باعتباره المرجع الأم لتأسيس الانحيازات في السياسة. بغض النظر عن مشكلة الصياغة ومدلولاتها.

الحدث… الأشباح ترغب في التجول الحر… في التحرر التام من التنظيم والأيديولوجية والانحيازات المسبقة والجمهور، ومن ثم فالحدث يقيدها بصورة ما، أنها تطالب الكاتب بإطلاقها صوب الحدث/الثورة.. بحمل معولها لفكه وهدمه هو الأخر، وليس أمام الكاتب التفكيكي سوى الاستجابة لأشباحه.

هكذا يتلو تنبؤه التالي: يناير نفسها تحتاج لمراجعة!

إن نقطة انطلاقه الأولي صارت هدفا لأشباح هدمه الآن، قد يكون صحيحا أن -يناير نفسها تحتاج لمراجعة- إذا كان ذلك بهدف فهم أعمق لمساراتها، مشكلاتها وعقباتها، تناقضاتها، استخلاص دروسها السياسية والاجتماعية. لكن ليس ذلك ما ترغبه أشباح التفكيك – إنها تقدم أولا مدخلا مراوغا (لكون يناير بتداعياتها أصبحت من وجهة نظري هي المرجع التأسيسي للسياسة والاجتماع في مصر).

وهو قول في منتهى الإرباك أن نظرنا إليه من وجهة نظر علمي الاجتماع أو السياسة، كأن نيزكا سقط على الكرة الأرضية أعاد رسم قوانين الطبيعة فيها، وليست ثورة سبقتها ثورات تشبهها من النواحي الجوهرية في أغلب معطياتها. وبدلا من أن تقوم العلوم بتطبيق واختبار مفاهيمها على حدث الثورة، ستحول الحدث إلى مرجع – فوق علمي.. لتأسيس تلك العلوم!

وذلك لأن يناير –كما يرى– طرحت فيوضا من الأسئلة مثل (أسئلة كعلاقة الحرية بالأمن وتناقضاتها، وحدود تصورات الحرية كجوهر وممارسة ومن الجدير بها، أو أسئلة الملكية وعلاقاتها وتوزيع الثورة، تلك التي قُتلت بالصمت أو بالضجيج، أو أسئلة الفجوات الجهوية وآثارها على الاجتماع العام، أو أسئلة عما يريد هذا المجتمع من نسائه غير ملاحقتهن بالإدانة، أو أسئلة الفساد وحدود محاربته، وبالطبع أسئلة مواقع الدين والجيش الملتبسة داخل الدولة، وفى أذهان الناس أيضًا. كل ما سبق كان بعضًا من أسئلة طرحتها يناير بإلحاح شديد الوطأة، يختلف عن أي طرح سابق لها في زمن آخر، وكان طرحًا يتطلب إجابة حاسمة كمرشد ودليل عمل، ويتطلب أيضًا، وبنفس القدر، تأصيلًا فلسفيًا يتجاوز البرامجية السياسية).

يبدو أن الكاتب يلعب على ضعف ذاكرة الجمهور، فكل الأسئلة التي اقترحها كمثال قد قتلت بحثا ونقاشا قبل يناير 2011 ربما بعقدين على أقل تقدير، وطبعا في سياق ثورة تكون ذات الأسئلة أكثر إلحاحا لأنها أقرب إلى التجسد في مؤسسات أو قوانين، هذا أمر أقل من بديهي في كل الثورات. وﻻ يعنى أنها كانت أسئلة غائبة أو أن جوهرها اختلف. إلا أن التأصيل الفلسفي المقترح ﻻ يحدث في لحظة الثورة، الثورة تطبق برنامجيا ولا تقعد لتنظير الأمر وفلسفته، والمنطقي والعملي أن قضية تلح على جمهورها تكون قد تعرضت لنقاشات وتأصيل قبل أن تقترب من التطبيق بسنوات عديدة. ناهيك هنا عن أن الأسئلة طرحت بقدر ملحوظ من التبسيط أو السطحية: (ما ذا يريد المجتمع من نسائه غير ملاحقتهن بالإدانة، أو الفساد وحدود محاربته).

بالنظر إلى الثورة/الحدث/المرجع المؤسس.. (تجربة فتية مبتورة كانت بمثابة الحجر الذي هوى من أعلى على معابد الطين الأسن، ولكنها كانت هي الأخرى حجر طفل من طين، ما أن وقع في النهر حتى بدأ في الذوبان.) (حطمت ثورة يناير القديمَ، وكشفت حقيقة كونه فراغًا تافهًا، ثم ما لبثت هي نفسها أن أصبحت فراغًا) … من ثم نصل إلى أن (المشهد بالكامل في فراغ موحش).. طبعا بعد أن تم هدم الفاعلين والأفكار والتنظيمات والأيديولوجيات.. كل ذلك بسم الثورة، وفي الخير تفكيك وتحطيم الثورة نفسها وتحويلها إلى فراغ، أو حجر طفلي ذاب وتحلل في الماء.

تبقي ملاحظتان هامتان: أن المقال موجه إلى قوى الثورة، وفي ذات الوقت إلى الدولة.. التي تقع في حكم الثورة المضادة فعليا، دون تباين أو تمايز، كحكيم للأمة يظهر الكاتب، يخاطب الجميع، كل التيارات والتنظيمات، يستبعد من شاء.. خوفا من اختلال روايته، يطرح الأسئلة الشبحية على الجميع، ثورة ودولة معا… (التحقق في أسئلة يناير التي طُرحت كأساس لتأسيس جديد، والسعي لإجابتها، وفى هذا الصدد فالكل متساو بين ثورة ودولة، لأن أسئلة يناير طرحها الواقع على الجميع بحد سواء) هكذا الكل متساو أمام حكمته ومحكمته. إنها أسئلة – هي ذاتها.. طرحها الواقع على الجميع بحد سواء. هل نسجد شكرا أم نقول أمين؟

الثانية هي اعتذار لدريدا وكل منظري التفكيكية، كانوا انعكاسا حقيقيا لأزمة مست الحداثة الرأسمالية، وعالم ما بعد الحرب العالمية الثانية الذي كان يتفكك بصورة متسارعة، وقد عبروا عن حيرة منهجية في كتاباتهم. كانت أطياف ماركس تضطر لملامسة اللحم والأسئلة العميقة، حاولت بالفعل أن تهدم الأيديولوجيات، لم تنجح في المحاولة العملية فانصرفت على إثر ما قدم لها من نقد وتركت مسرح التاريخ لفاعلين يستكملون تجربتهم.

لكن الأشباح التي نراها تثير من الرثاء أكثر بكثير مما تثيره من تفكير، علت حتى لامست السماء، ومن ثم قدمت تعميما ميتافيزيقيا للأيديولوجيات دون أن تجرؤ على الاقتراب من مكونات أيا منها، بالغت في التفكيك دون أن تفكك شيئا واحد، لأنها لم تمس لحما حيا واحدا، سواء تنظيمي أو أيديولوجي، أهدرت كل ما حولها في التاريخ وفى الواقع وتبقي لها حفلتها الخاصة تمرح فيها مع نفسها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* كل الجمل بين قوسين مقتطفه من مقال محمد نعيم.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

قراءات في ثورة يناير 2011: كان الأمر غيرُ عاديّ.. ولم يكُن هناك تفسيرٌ لما يحدث بالشارع لدى كُلٌ منا.. ولم تكن هناك –في نفس الوقت- أية تنبؤات لما ستؤول إليه الأوضاع قُدُما.. إلا أن الاهتمام كان مُنصَبا على جلال اللحظة وهيبتها..

محمد هشام

الشريعة في دساتير ما بعد ثورة يناير… تسعى الورقة لإعادة سرد تاريخ تلك العلاقة الملتبسة بين الشريعة والقانون الوضعي بما قد يسفر عن تعميق الرؤى السابقة وتطويرها باتجاه معرفة أفضل بالشريعة والديمقراطية في آن واحد.

عمرو عبد الرحمن

الشريعة في دساتير ما بعد ثورة يناير… ما يعنينا هنا أن الاستجابة المحافظة للضغط الإسلامي كانت تتم عبر نفس الآليات الخطابية للإسلام المعلمن، أي إعادة تقديم الخطوط الحمراء الموروثة من التراث الإسلامي، والتي كانت تعد تعديًا على حدود الله، بوصفها تعديًا على حساسيات فردية بالأساس يتشكل من جماعها ما يسمى بالنظام العام.

عمرو عبد الرحمن