الربيع العربي: ضد التفاؤل والتشاؤم السطحيين

“عرض لكتابي جيلبير أشقر وجويل بينين”

خبرات, قراءات

19  مارس  2017

  1. انتكاسة الانتفاضة العربية: أعراض مرضية، جيلبير أشقر، مطبعة جامعة ستانفورد، 2016، 240 صفحة.
  2. عمال ولصوص: الحركات العمالية والانتفاضات الشعبية في تونس ومصر، جويل بينين، مطبعة جامعة ستانفورد، 2015، 176 صفحة.

في عام 2011، ابتهجت الملايين في الشرق الأوسط وفي أنحاء العالم واستبشرت بانتفاضات الربيع العربي. بيد أنه بحلول عام 2013، شعرت غالبيتهم بخيبة الأمل من جراء ما لحق بهذه الانتفاضات من هزيمة كبرى واضحة للعيان.

ويبقى السؤال: ما الذي حدث؟ لقد تحول الناس من التفاؤل الشديد إلى التشاؤم المفرط. هل كانت المشكلة في الأحداث الفعلية التي وقعت، أم في إدراك الناس لهذه الأحداث؟ وهل معرفة ما حدث بالضبط يساعدنا في تلمس طريقنا بين التفاؤل (السطحي) والتشاؤم (الضحل)؟

إن استيعاب القصة بعقدتها متعددة الجوانب لن يحمينا فقط من العواطف السياسية السطحية، بل سيوفر لنا أيضا الدروس الصحيحة المستفادة للتعامل مع صراعات المستقبل. ويعد كتاب “الأعراض المرضية” لجلبير أشقر، وكتاب “عمال ولصوص” لجويل بينين، نموذجين جيدين للتحليلات الهامة التي تهدف للفهم الصحيح لما حدث.

إن السرد التقليدي لهذه الأحداث يقول إن انتفاضات الربيع العربي بدأت مع بائع متجول في تونس، محمد البوعزيزي، عندما أشعل النار في نفسه في ديسمبر (كانون الأول) عام 2010. وبعد ثلاثة أسابيع من وفاته، اندلعت الاحتجاجات السلمية بقيادة بعض الشباب من بين صفوف المتعلمين والطبقة المتوسطة الذين يحملون أجهزة آي فون. لقد احتج هؤلاء واحتلوا الميادين.

ذُهل الكثير من المفكرين الغربيين المتخصصين في سياسات الشرق الأوسط في بداية الاحتجاجات؛ إذ أنهم لم يتوقعوا اندلاع الانتفاضات في العالم العربي. ولكونهم منغمسين في التفكير الاستشراقي والنماذج الجامدة لأشكال الاستبداد في المنطقة، فقد تجاهلوا الشعوب والحركات. ثم بدأ هؤلاء الخبراء في فرض نماذج جاهزة عن إرساء الديمقراطية والتحول إلى الديمقراطية.

غير أنه عندما لم تسر الأمور على ما يرام، عاد معظمهم إلى تفسيرهم المفضل: استمرار “الاستبداد”. وفي الغالب، لم يعط هؤلاء الاهتمام الكافي للعوامل الاجتماعية والاقتصادية في صنع هذه الانتفاضات، وتشكيل نتائجها. وكان دور الإضرابات العمالية، على وجه الخصوص، غائبا إلى حد كبير في معظم التحليلات.

هؤلاء المفكرون الذين جرؤوا على مناقشة الأبعاد الدولية والإقليمية للربيع العربي فعلوا ذلك بشكل مسطح ينطوي على التدخل أو عدمه، ويقصدون بالـ”تدخل” العسكري على وجه التحديد. فلم يكن هناك أي نقاش حقيقي لجهود القوى الغربية لاحتواء الانتفاضات، أو جهود القوى الإقليمية في مناهضتها بثورة مضادة.

ومع اختصار سردية الانتفاضات على دور النخب السياسية وبقاء الاستبداد والثقافة السلطوية في المنطقة، غابت حبكة القصة الداخلية المعقدة وتم تجاهل القصة الدولية في أغلبها.

ربما تكون هذه الانتفاضات قد منيت بالهزيمة في الوقت الراهن، وساءت الأمور كثيرا. نعم، إن لنا الحق -على عكس هؤلاء المفكرين الليبراليين الغربيين- أن نشعر بخيبة أمل عميقة تجاه ما حدث في المنطقة.

ومهما يكن الأمر فإن حجتي تتلخص في أن قراءة القصة قراءة صحيحة هي المهمة الأكثر أهمية سواء بالنسبة للمفكرين النقديين أو للنشطاء، ولا سيما في سياق الأوقات الصعبة الحالية، والثورات المضادة العالمية، وصعود الفاشية.

إذ أنه من السذاجة أن ننظر فقط إلى الجانب القاتم المبالغ في تبسيطه من الصورة. فتحت السطح تكمن أزمة عالمية لليبرالية الجديدة وصعود للمشاعر اليسارية والراديكالية وغضب أجيال الألفية، حتى وإن كان يبدو أنهم قد هزموا في الوقت الراهن. هذا بالإضافة إلى أن إضرابات الطبقة العاملة لم تتوقف في الشرق الأوسط.

إن فهم هذه التعقيدات أمر ضروري لتقدير التوتر السياسي الحالي على نحو أفضل. وفي هذا الاستعراض، سوف أناقش الأفكار الرئيسية في الكتابين اللذين ذكرتهما آنفا، بدءا من كتاب أشقر، تليه مناقشة بعض القواسم المشتركة والأسئلة والأفكار الختامية.

أعراض مرضية

يبدأ كتاب جلبير أشقر باثنين من العبارات الخالدة، إحداهما هو اقتباس شهير من كراسات السجن لجرامشي: “إن الأزمة تكمن بالتحديد في حقيقة أن القديم يحتضر والجديد لا يستطيع أن يولد بعد، وفي هذا الفاصل تظهر أعراض مرضية كثيرة وعظيمة في تنوعها.”

وكما يشير أشقر في المقدمة، فقد كتب هذا الكتاب في البداية كتقييم قصير سوف يتم إضافته إلى طبعة جديدة من كتابه الأول عن الربيع العربي “الشعب يريد” (قمت باستعراضه سابقا في المجلة التحليلية نصف الشهرية “ضد التيار”).

بيد أن التقييم الذي كتبه بغرض تحديث الكتاب الأول خرج أطول من المتوقع. ونتيجة لذلك، يمكن قراءته باعتباره امتدادا لكتاب “الشعب يريد”، أو كعمل جديد قائم بذاته.

وينقسم الكتاب إلى فصلين رئيسيين، واحد عن سوريا تحت عنوان “صدام الهمجيات”، وآخر عن مصر تحت عنوان “23 يوليو عبد الفتاح السيسي”، بالإضافة إلى المقدمة والخاتمة.

يحدد أشقر في المقدمة نهجه النظري ويقدم انتقادين هامين للتحليلات السائدة بشأن الربيع العربي والقائمة على نماذج من المؤسسات الأكاديمية الغربية.

أحد العوامل الحاسمة التي يؤكد عليها أشقر هي بنى معظم الدول العربية عشية الربيع العربي، حيث كانت أنظمة إما “وراثية بوضوح” (الممالك العربية الثمانية بالإضافة إلى ليبيا وسوريا) أو “وراثية جديدة.”

فالدولة ذات النظام الوراثي هي -بعبارات بسيطة- دولة تدور حكومتها في فلك قائد واحد. وفي هذه الدول تكون هناك “النخبة الحاكمة” ذات الأجنحة الثلاثة الفاسدة، بمعنى “مثلث قوى” شكلته المصالح العليا المتشابكة للجهاز العسكري، والمؤسسات السياسية، والطبقة الرأسمالية التي تم تصميمها سياسيا (برجوازية الدولة).” (7)

وهكذا، كان من “الوهم تماما” أن نفترض في المقام الأول أن الانتفاضات سوف تسلك طريقا سلسا نسبيا مثلما حدث في أوروبا الشرقية على سبيل المثال. بل بالأحرى، لم تكن هذه الانتفاضات -كما قال أشقر في كتابه الأول- سوى بداية “عملية ثورية طويلة المدى.”

ثانيا، يقترح أشقر أيضا صيغة مهمة لفهم ما حدث في المنطقة: ثورة واحدة في مواجهة ثورتين مضادتين. ويقترح أشقر أنه ينبغي علينا ألا نفكر في الثورة المضادة من منظور ضيق بوصفها قوى النظام القديم، ولكن أيضا بوصفها تتضمن “البديل الرجعي للنظام الرجعي”.

وفي هذا السياق، يلاحظ أشقر على وجه الخصوص دور المملكة العربية السعودية وإمارة قطر و”الجمهورية الإسلامية” في إيران، حيث يقول إن كلهم “يتنافسون على دعم مختلف أنواع الحركات التي تغطي كل ألوان الطيف للأصولية الإسلامية، من السلفية المحافظة والإخوان المسلمين إلى الخمينية والجهادية المتطرفة.” (8)

وينأى أشقر بنفسه عن بعض التحليلات اليسارية الساذجة التي تطرح أن جماعة الإخوان المسلمين كانت قوة رجعية ولكنها ليست قوة مضادة للثورة.

إن هاتين الملاحظتين هما بمثابة توجه حاسم في تحليل الموضوع. وفيما يتعلق بالدول والنظام القديم، فقد كان من السذاجة بمكان دراسة الدول ككيانات متماسكة بسيطة، وتجاهل البنية التحتية للدول والنظام القديم.

وفيما يتعلق بالثورة المضادة، فمن السذاجة أيضا حصرها على النظام القديم (وهو ليس بسيطا في حد ذاته)؛ بل بدلا من ذلك، ينبغي للمرء توسيع نطاق تحليلها ليشمل التفكير في القوى المجتمعية والإقليمية.

مصر: انقلاب السيسي

يبدأ أشقر الفصل المخصص لمصر بمقارنة صائبة للغاية بين صعود لويس نابليون بونابرت في فرنسا وانقلابه في 2 ديسمبر 1851 وصعود عبد الفتاح السيسي في مصر وانقلابه في 3 يوليو 2013.

روج بعض مؤيدي السيسي وكذلك الدولة بعض أشكال الدعاية القومية واستدعوا صورة جمال عبد الناصر وانقلابه في عام 1952 في مصر، مشيرين إلى أن السيسي هو ناصر جديد. وعلى الرغم من أن المقارنة مفيدة، كان أشقر حريصا أيضا على عدم تجاهل خصوصيات هذه الحالات.

بالطبع 23 يوليو هو تاريخ الانقلاب الذي قام به الضباط الأحرار في مصر تحت قيادة جمال عبد الناصر في عام 1952، والذي أطاح بالملكية في مصر. وفي يوم 3 يوليو 2013، قاد عبد الفتاح السيسي انقلابا أطاح بمحمد مرسي، منهيا بذلك الجمهورية المصرية الثانية قصيرة العمر (2011-2013).

في أعقاب الانقلاب، قام المتحمسون لانقلاب السيسي بمحاكاته محاكاة مضحكة لدرجة مملة بانقلاب 23 يوليو 1952 الذي يشار إليه في مصر باسم “ثورة 23 يوليو”، وذلك دون أن يخافوا مغبة السخرية من تلك المحاكاة. لكن الحقيقة أن انقلاب لويس نابليون بونابرت كان لديه العديد من القواسم المشتركة مع انقلاب عمه -حيث كان الاثنان انقلابين إصلاحيين في الأساس، أنهيا مرحلة من الاضطراب الثوري من أجل تنفيذ مرحلة رئيسية من التحول البرجوازي الفرنسي- أكثر من القواسم المشتركة بين انقلاب عبد الفتاح السيسي وانقلاب عام 1952 بقيادة جمال عبد الناصر. وفي حين كان هذا الأخير حالة نموذجية للانقلاب الثوري، فإن انقلاب 3 يوليو 2013 كان بالتأكيد انقلابا رجعيا لأنه أعاد النظام القديم في مصر -وفي الواقع، كانت استعادته ذات نزعة انتقامية. (الكلمات المائلة للتأكيد اقتبستها كما هي من صفحتي 65-66 بكتاب أشقر)

قبل تحليل الانقلاب المصري، يتتبع أشقر القصة من بداية الثورة ومراهنة جماعة الإخوان على السلطة. وعلى عكس طريقة التفكير التي تعزو الانقلاب في عام 2013 إلى سبب واحد، يضع أشقر القصة ضمن مجموعة من العوامل. وتشمل هذه العوامل ضعف النخب الليبرالية ونفاقها؛ وفساد الإخوان المسلمين المنظم وتواطؤهم مع الجيش، مما جعلهم هدفا سهلا لانتقام الجيش؛ والقمع المستمر؛ ودور قوى الثورة المضادة الإقليمية؛ ودور الجيش و”الدولة العميقة” وكذلك المطالبين بعودة مبارك؛ وتشظي اليسار الثوري ومثاليته.

في مثل هذا السياق، يمكننا أن نفهم نجاح الانقلاب وصعود حملة تمرد المناهضة لمرسي التي مهدت الطريق لهذا الانقلاب. (85-94) وبصفتي باحث في الحركات الاجتماعية، ولكوني كنت على اتصال مع العديد من المنظمين على أرض الواقع، فأنا أتفق تماما مع تحليل أشقر الدقيق لحملة تمرد.

ومثلما يعرض أشقر، تأسست حركة تمرد على أيدي مجموعة من الشباب الناصري، الذين هم بحكم التعريف موالين بشكل متناقض للدولة، على الرغم من أن بعضهم عمل في وقت لاحق مع جهاز المخابرات. ومع ذلك، كانت هذه الحركة أيضا حقيقية، وشارك فيها أيضا العديد من المنظمين اليساريين.

وفي الوقت نفسه، تسلل الموالون لمبارك لحركة تمرد ومولوها. وفي مراحل لاحقة، تم تمويل الحركة جزئيا بأموال الخليج. لذلك كانت الحركة في حالة من الفوضى. وعلى الرغم من كل ذلك، فإن هذه الحركة ما كان ليتم تشكيلها، ناهيك عن كسبها لأي زخم، دون المظالم والغضب على الأرض من جماعة الإخوان المسلمين وحكمها. ولكن من السذاجة تماما أن نقول إن الحركة كانت من صنع الدولة (كما تدعي جماعة الإخوان المسلمين)، أو حركة ذات عضوية حقيقية (كما تدعي الدولة).

“صدام الهمجيات” في سوريا

بالنسبة للفصل المخصص لسوريا، يبدأ أشقر بملاحظة ذكرها في كتابه الأول، حيث جادل بأن الانتفاضة السورية واجهت مشكلتين رئيسيتين.

كانت المشكلة الأولى هي “التفوق الملحوظ لقوة النظام العسكرية”، والثانية أن المعارضة (التي انتهى بها الحال إلى التشظي) تفتقر إلى الموارد. إن البدء من هذه الصيغة (الجيش والموارد) مفيد لطرح أسئلة هامة حول الأزمة السورية، ولا سيما عسكرة الأزمة وتدويلها.

هناك العديد من القضايا الهامة التي لم يناقشها أشقر بالتفاصيل، مثل أن طبقة رجال الأعمال هي العمود الفقري للنظام، والتركيبة الطائفية للجيش، ومسألة الأقليات (التي غالبا ما تميل لرؤية نظام الأسد كمصدر حمايتها الوحيد).

إلا أنني أعتقد أن أشقر قد طرح السؤال الصحيح في مثل هذه الأزمة الحساسة والمعقدة. إذ أن طرح أن “الانتفاضة المدنية” تحولت إلى حرب وحشية بشكل لا يصدق هو شيء، والبحث حول لماذا وكيف حدث هذا هو شيء آخر تماما.

كان أشقر بالتأكيد من الحكمة بألا يستخدم مصطلح “الحرب الأهلية”، لأن هذه الحرب هي حرب أهلية/ دولية؛ وهي حرب النظام ضد غالبية السكان، وهي حرب الدولة الإسلامية (داعش) على هؤلاء السكان.

إنها أيضا حرب بين الأسد ومؤيديه الإقليميين والدوليين ضد العديد من جماعات المعارضة، والجهاديين وداعش، وكذلك داعميهم الإقليميين والدوليين. وهي بمعنى ما حرب الجميع ضد الشعب السوري.

وكما يؤكد أشقر، فإن أولويات الولايات المتحدة والغرب في سوريا كانت دائما حماية حلفائهم ومصالحهم الجيوسياسية. وهذا هو ما ذكره بوضوح رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية الجنرال مارتن ديمبسي في أغسطس 2013، حيث قال:

“إن سوريا اليوم ليس بها طرفي نزاع لتختار من بينهما، بل بها أطراف متعددة عليك أن تختار واحدا منهم. وفي اعتقادي أن الجانب الذي سنختاره يجب أن يكون على استعداد لتعزيز مصالحه ومصالحنا عندما يتحول ميزان القوى في صالحه. واليوم، لا يوجد مثل هذا الطرف“. (مقتبس من صفحة 21، والكلمات المائلة للتأكيد هي كما وردت في كتاب أشقر).

وبعبارة أخرى، فإن البحث عن حليف مخلص قد لعب دورا كبيرا في المعطيات الغربية في سوريا. ومع أنه كانت هناك دائما بعض الضجة في الغرب بعد استخدام [النظام السوري] الأسلحة الكيميائية، أو عندما تصاعدت أزمة اللاجئين؛ إلا أن سوريا كانت خاضعة أيضا لتوازن القوى والمنافسات بين القوى الإقليمية والعالمية.

أوباما وإشكالية التدخل وعدم التدخل

إنها لحقيقة أن القوى الإقليمية، وخاصة المملكة العربية السعودية وقطر، قد ساهمت في صنع داعش. وصحيح أيضا أن هذه القوى، فضلا عن تركيا وإيران، قد ساهمت كلها عمليا في تقوية وتمكين داعش، وإن اختلفت مواقفهم العملية إزاء الأزمة.

استهدف الأسد ومؤيدوه جماعات المعارضة العلمانية والسكان دون داعش إلى حد كبير. وكما يوضح أشقر، فإن كلا من تركيا وإيران، فضلا عن النظام السوري، يستهدفون الأكراد باستمرار، والذين كانوا في بعض المناطق المجموعات الوحيدة القادرة على قتال داعش على الأرض.

وبشكل عام، اتفقت جميع الأطراف الدولية والإقليمية المعنية على أمرين: مواصلة عسكرة الصراع (وهو ما كان في معظمه عسكرة الأطراف الخاطئة) ومواصلة التخلي عن الشعب السوري.

وفيما يتعلق بالجانب الأمريكي، فأنا أقدر الإشكالية التي طرحها أشقر لفكرة التدخل الأمريكي حق قدرها، حيث يقول إن سياسة أوباما “غير التدخلية” في سوريا كانت تدخلية في الممارسة. نعم، رفضت إدارة أوباما دعم المعارضة بالأسلحة الثقيلة، لكنها باركت دعم حلفائها لجماعات المعارضة، بما في ذلك الجهاديين مما مهد الطريق لخلق داعش، كما حافظ أيضا على غلبة وسطوة نظام الأسد.

بالطبع هناك العديد من الأطراف الإقليمية والدولية المعنية، لكن النقطة التي يثيرها أشقر مفيدة بخلاف التحليلات السطحية للتدخلية. وفي هذه النقطة، هاجم أشقر سذاجة مناهضي الإمبريالية الذين يناقضون أنفسهم أيضا عندما يحتجون ضد التدخل العسكري، ويجدون أنفسهم في نهاية المطاف وهم يقفون عمليا مع المصالح والمواقف الإمبريالية.

عموما، إن هذين الفصلين يقدمان سردا نقديا جيدا لحالتي مصر وسوريا اللتان تتسمان بالحساسية المفرطة والتعقيد. وفي كل من المقدمة والخاتمة يتعرض أشقر لحالات أخرى، مثل تونس واليمن وليبيا والبحرين.

وتجدر الإشارة في هذا المقام إلى أن كتاب أشقر الأول قد قابلته شكوك وانتقادات -من كثير من المفكرين والناشطين على حد سواء- واتهم بتقديم سرد متشائم في الوقت الذي كان فيه الكثيرون يحتفلون. ولم يسلم كتابه الثاني أيضا من سهام النقد والتشكيك ولكن من نوع مختلف، حيث اتهم بتقديم بعض ومضات من الأمل في الوقت الذي كان فيه الكثيرون لا يرون شيئا سوى هزيمة الربيع العربي.

ولكن الحقيقة هي أن حجة أشقر لا تزال صائبة في كلتا الحالتين عندما يقول إن ما نشهده هو “عملية ثورية طويلة المدى من شأنها أن تستمر لسنوات، وربما لعقود.”

عمال ولصوص

ينقسم كتاب جويل بينين إلى أربعة فصول رئيسية هي: “من الرأسمالية الاستعمارية إلى التنموية”، و”إجماع واشنطن”، و”العمال المتمردين في خريف الاستبداد”، و”الانتفاضات الشعبية في 2011 وما بعدها”. وبالإضافة إلى ذلك، فإن الكتاب يضم بين دفتيه فصل تمهيدي قيم وفصل ختامي ثمين.

يقدم بينين لمحة تاريخية ممتازة عن النقابات العمالية ونضال العمال في مصر وتونس، حيث يستعرض تاريخهما قبل فترة طويلة من اندلاع انتفاضات الربيع العربي وكذلك في أعقابها. كما يسلط الضوء على الطريقة التي خلق بها تاريخ كل بلد منهما فرصا وكذلك قيودا على نضال العمال، بالإضافة إلى تشكيل مسار أحداث هذه الانتفاضات.

إن دراسته التاريخية في هذا السياق تعني التشكيل المقارن والمعقد للنقابات العمالية والهويات السياسية، وعلاقتهم بالأحزاب السياسية والمثقفين، والمنظمات غير الحكومية في كلا البلدين، والبنية الاقتصادية في كلا البلدين من وقت الاستعمار إلى حكومات ما بعد الاستعمار، وكيف شقت الأنظمة السياسية المتعاقبة طريقها مع برامج التكيف الهيكلي وسياسات الليبرالية الجديدة.

يظهر بينين في الفصل الأول العناصر الحاسمة التي شكلت ولادة نقابات العمال في كل من تونس ومصر. وتشمل مناقشته لهذه العناصر كل من دور الاقتصادات الاستعمارية (التي يصفها بينين بالرأسمالية الاستعمارية) والملامح الفريدة لتشكيل النقابات.

في تونس على سبيل المثال، جاءت عملية تشكيل النقابات بطريقة جعلتها أكثر استقلالية، وهو الأمر الذي استمر حتى عصر ما بعد الاستعمار. وفي هذا الصدد يقول بينين:

في وقت مبكر من عام 1908 احتضن السياسيون ذوي النزعة القومية في مصر -المحامون والصحفيون وغيرهم من أصحاب المهن الحديثة- العمال وقادوا العديد من النقابات العمالية. وتجنبوا اللغة الطبقية إلى أن أدخلها الماركسيون مرة أخرى في ثلاثينيات القرن العشرين. أما على الصعيد التونسي، فكان المثقفون ذوي النزعة القومية أبطأ في تقديم دعمهم للعمال وقضاياهم، لذلك أصبحت النقابات العمالية لاعبا بارزا ومستقلا نسبيا في الحركة الوطنية. (9)

يظهر بينين أوجه التشابه في تاريخ الرأسمالية الاستعمارية فيما يتعلق بالسياسة الاقتصادية التنموية (“الكينزية الطرفية” بحسب مصطلح بينين) لكل من ناصر والرئيس التونسي الحبيب بورقيبة التي تلتها قصة الانتقال من التنموية إلى سياسة السوق الحر في مصر وتونس.

وعلى الرغم من وجود أنماط اقتصادية مماثلة إلى حد ما بين البلدين، إلا أن بورقيبة ترك مساحة أكبر للقطاع الخاص. والأهم من ذلك، كانت النقابات العمالية أكثر استقلالية في تونس.

ويناقش بينين في الفصل الثاني كيف أن تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي والتكيف الهيكلي شكل اقتصاد البلدين، وخلق كذلك الاضطرابات العمالية. حيث استقبل العمال في كلا البلدين برنامج الإصلاح الاقتصادي والتكيف الهيكلي بالإضرابات وأعمال الشغب (مصر في عام 1977، وتونس في عامي 1984 و1987). غير أن تأثير هذه الأحداث على البلدين كان مختلفا.

وذلك أن تونس ومصر استخلصتا استنتاجات مختلفة تماما من أعمال الشغب المناهضة لصندوق النقد الدولي الذي أشاد بجهودهما الأولية في تنفيذ سياسات إجماع واشنطن. وقعت مصر على اتفاقيات مع صندوق النقد الدولي في عام 1978 وعام 1987، إلا أن الرئيسين السادات ومبارك كانا قلقين من أن التنفيذ السريع لسياسات إجماع واشنطن من شأنه المجازفة بوقوع انتفاضة خبز أخرى ولم ينفذا بشكل كامل شروط هذه الاتفاقيات. أما في تونس، فإن [رئيس الوزراء] مزالي، الذي عارض قرار بورقيبة بإلغاء الزيادة في الأسعار التي أثارت أعمال الشغب في يناير 1984، استمر في تنفيذ التوصيات المتعلقة بالسياسة العامة لصندوق النقد الدولي. وتخلى عن الشعبوية الاقتصادية والانفتاح السياسي الزائف الذي ميز السنوات الأولى من ولايته وانتقل بشكل حاد إلى اليمين. (43)

وتجدر الإشارة إلى أن عقد التسعينيات في القرن العشرين هو جزء مهم من القصة في مصر، حيث شهد إضرابات عمالية في مصر احتجاجا على تصعيد برنامج الإصلاح الاقتصادي والتكيف الهيكلي في عام 1993، بينما كانت تلك الفترة هي فترة هدوء ظاهرية في تونس.

يقول بينين في الفصل الثالث إنه لا يمكن دراسة تاريخ الانتفاضات في كلا البلدين دون دراسة تمرد منطقة قفصة التونسية الغنية بالفوسفات في يناير 2008، وإضراب عمال المحلة بمصر في عام 2007؛ بالإضافة إلى دراسة الإضراب الفاشل في أبريل 2008 الذي تطور إلى اضطرابات مدنية في كل أنحاء مدينة المحلة وخرجت من رحمه واحدة من أهم حركات الشباب في مصر، حركة 6 أبريل.

“العمل حق من حقوقنا أيها اللصوص”

في عام 2008 في قفصة، احتج العمال في منطقة التعدين وقُتل بعضهم. وأدى القمع الوحشي للرئيس زين العابدين بن علي إلى حركة تمرد في كل أنحاء المدينة.

ويفسر بينين كيف أن شعار “العمل حق من حقوقنا يا حزمة من اللصوص”، الذي ظهر خلال تمرد قفصة، قد عاد للظهور في سيدي بوزيد في عام 2010؛ حيث يقول عن حق إنه حتى عندما تُهزم الحركات، فمن المهم أن ننظر إلى الوراء وندرس كيف أن ثقافة الاحتجاج تسافر عبر الزمن قادمة من الماضي إلى الحاضر.

وكما يظهر بينين، فإنه لا معنى لدراسة الانتفاضة دون دراسة تدخلات ما بعد الاستعمار: تدخل فرنسا والاتحاد الأوروبي والمؤسسات المالية الدولية في تونس، وتدخل الولايات المتحدة والمؤسسات المالية الدولية في مصر. هذا بالإضافة إلى تجاهل خبراء المؤسسات المالية الدولية للمستويات العالية من الفقر والفساد في كلا البلدين، واستمرارهم في إصدار تقارير غير دقيقة عن النجاح والنمو الاقتصادي في كلا البلدين.

وفي مقابل وصف هذه التقارير لتونس بأنها “معجزة اقتصادية”، يلاحظ بينين ما يلي:

تم بناء “المعجزة الاقتصادية” التونسية على أساس علاقتها مع فرنسا ما بعد الاستعمار، وبالتبعية مع الاتحاد الأوروبي. وكان سبب هذه المعجزة هو الارتقاء التكنولوجيي المدعوم من الدولة، والاستثمارات ذات الدوافع السياسية، وتزوير البيانات الخاصة بمعدل الفقر، والإعلانات قصيرة النظر من قبل الصحفيين والنخب السياسية والاقتصادية الفرنسية أصحاب المصلحة الذاتية. وتجاهل المناصرون الغربيون لهذه المعجزة إمكانية تزوير الحكومة للبيانات، والتوزيع غير العادل لثمار النمو الاقتصادي، وطبيعة الوظائف التي وفرها هذا النمو. لقد حجبوا حالة الفقر الدائمة في تونس والبطالة التي تركزت في المناطق الداخلية من البلاد، وبشكل غير متناسب بين الشباب المتعلم؛ وتجاهلوا بطبيعة الحال سجل تونس المروع في مجال حقوق الإنسان. (57)

وتجدر الإشارة إلى أن العمال لعبوا دورا حاسما خلال الانتفاضات في كلا البلدين. فقد اندلعت الإضرابات في مصر في الأيام القليلة التي سبقت الإطاحة بمبارك (من 6 فبراير إلى 11 فبراير من عام 2011)، ولم يتوقف العمال على الرغم من هجمات النظام العسكري، والتي أعقبها حكم الإخوان المسلمين ثم عودة النظام العسكري.

وفي تونس، لعب الاتحاد العام التونسي للشغل ومنظمين من اليسار دورا هاما في احتجاجات سيدي بوزيد في ديسمبر 2010 وأوائل يناير 2011. إن عداء نظم ما بعد الثورة للعمال في كلا البلدين هو جزء مهم من القصة.

المقارنات والقواسم المشتركة

لا يسعني في هذا المقام إلا التأكيد على بعض القواسم المشتركة في هذين الكتابين. أولا، في مواجهة التحليلات السياسية المبسطة والمنفصلة عن الاقتصاد، أو التحليل البسيط للانتفاضات الذي يدور في فلك الدولة، فإن كلا الكاتبين يدرسان الشروط النيوليبرالية التي أدت إلى هذه الانتفاضات وشكلت نتائجهم. ووفق تعبير بينين، فإن تحليل الانتفاضات دون توضيح الجانب الذي اتخذه اللصوص في هذه المعادلة هو شيء عفا عليه الزمن.

ثانيا، يحثنا الكتابان على التفكير في وجهات نظر نقدية للفاعلين في الانتفاضة. إذ أنه إذا قصرنا تحليلاتنا للانتفاضات على الأطفال اللطاف الذين لديهم حسابات على وسائل الإعلام الاجتماعية أو المجموعات الكبرى المنظمة مثل الإسلاميين، فإنه سيفوتنا حينئذ ما حدث بالفعل والدروس المهمة للمستقبل.

وبقيامهما بذلك، فإن كلا المؤلفين قد قاما على ما أرى بخطوة مهمة مزدوجة. إذ أنهما من ناحية أرادا منا أن نفكر أبعد من الكلام الساذج حول صعود أطراف جديدة، التي نعرفها هنا باسم جيل الألفية. فبينين، على سبيل المثال، يحكي لنا قصة عن الفاعلين القدامى، مثل العمال، الذي كان دورهم ليس شديد الصلة بالأحداث فحسب، بل كان دورا حاسما.

من ناحية أخرى، فمع إيلائهما الأولوية للصورة الاقتصادية والاجتماعية، فإن المؤلفين ليسا من أصحاب النزعة البنيوية الجامدة الذين يحللون الأحداث من منظور اقتصادي ضيق. ولكنهما يضعان هذه الأركان الفاعلة في هيكل ويناقشان دور هذه الأركان وحدودها داخل سياقاتها المتغيرة.

وكلاهما حساس بشدة إزاء الطريقة التي يخبرنا بها التاريخ عن الحاضر. فالنضالات والحركات الماضية، والانتصارات والهزائم على حد سواء، شكلت ما حدث في الربيع العربي. لذا، فإن كلا الكتابين هما بمثابة تصحيح أيضا لتحليلات “محللي اللحظة الآنية” للربيع العربي ومشكلاته. (إن الآنية قد تعني أشياء مختلفة، ولكنني لا أعني بها هنا سوى الميل إلى قراءة الظواهر المعاصرة بشكل منفصل عن التاريخ، أو بدون تأريخ سليم).

ولكونه مؤرخا اجتماعيا متخصصا وعلى دراية كبيرة بالشأن العمالي في المنطقة، يظهر بينين كيف أن الأشكال الاستعمارية وما بعد الاستعمارية قد شكلت نقابات العمال في تونس ومصر. كما يناقش أشقر الجذور أيضا التاريخية لتشكيل الإغراءات القومية الليبرالية/ العربية في الثورة، الأمر الذي جعل منها هدفا سهلا للثورة مضادة، وتاريخ علاقات الإسلاميين المتوترة مع الجيش.

يقدم كلاهما أيضا مقارنات معمقة ذات قيمة بين مصر وتونس والانتفاضات في كل منهما. وفي حين كانت هذه المقارنة الصريحة ليست الهدف الرئيسي لأشقر، إلا أنه على الرغم من ذلك قام بعمل جيد من حيث التحقيق في”النموذج التونسي وحدوده.” (157-165)

نعم، يبدو أن هناك ديمقراطية تعمل من الناحية الإجرائية في تونس. ولكن هذا النموذج يستند إلى حل وسط بين الإسلاميين، والنخبة الليبرالية، والنظام القديم. بيد أن هذه التسوية لا يمكن لها أن تستمر. ولكن ما يهم أكثر هو الظلم الاجتماعي والاقتصادي الذي أخفقت حكومة ما بعد الثورة في الاستجابة له.

وقد فعل الكتابان خيرا بالذهاب إلى أبعد من المقارنة الضحلة بين فكرة الجيش القوي والإسلاميين الانتهازيين البراجماتيين (في مصر) في مقابل الجيش الضعيف والإسلاميين الحكماء (في تونس). ويظهر كلا المؤلفين العلاقة المعقدة بين الإسلاميين في سياقات كلا البلدين، والنظام (القديم والجديد ظاهريا).

ولكن الشئ الأكثر أهمية هو أن كلا المؤلفين ناقشا بالتفصيل كيف هرعت حكومات ما بعد الثورة في البلدين إلى السياسات الليبرالية الجديدة، ولم تفعلا شيئا فيما يتعلق بالمظالم الاجتماعية والاقتصادية التي أشعلت الانتفاضات.

فقد ندد كل من حزب النهضة الإسلامي في تونس وحكومة الإخوان المسلمين في مصر بالإضرابات العمالية وصعدا من حملات القمع ضد العمال. ولا يبدو أن ذلك كفل استقرارا طويل الأمد، ناهيك عن تلبية مطالب الانتفاضات.

وأخيرا، فإنه من المثير للاهتمام إعادة التفكير في الطريقة التي خان بها المثقفون الليبراليون في كلا البلدين -وليس فقط الأنظمة- العمال. ففي كلا البلدين، لم يكن هؤلاء غير متعاطفين تاريخيا مع نضالات العمال وتنظيمهم فحسب، بل ألقوا باللوم أيضا على العمال لكونهم غير مسيسين بما فيه الكفاية. وبطبيعة الحال، ألقى العمال أنفسهم باللوم على تلك النخب لكونها غير مبالية بالعمال.

وبصرف النظر عن هذه القواسم المشتركة، فمن المثير للاهتمام أن بعض النشطاء في المنطقة انتقدوا كلا الكتابين، وخاصة كتاب أشقر؛ لاعتمادهما بشكل كبير على مصادر ثانوية. فقد أشاروا إلى أن إجراء بعض الدراسات الإثنوجرافية لكلا الشعبين أو إجراء مقابلات مباشرة أو كليهما من شأنه أن يعزز التحليلات الواردة في الكتابين.

هذه نقطة جيدة. ولكن الحقيقة هي أن كلا المؤلفين ليسا غرباء عن المنطقة. وفي سياق التغيرات الدراماتيكية في مصر، فإنه يكاد يكون من المستحيل القيام بأي نوع من العمل الميداني.

وفيما يتعلق بكتاب “عمال ولصوص”، فأنا أقدر كيف ناقش بينين العلاقات المثيرة للاهتمام بين العمال وبعض قادة الحركات الشبابية، مثل حركة 6 أبريل، والشكوك المتبادلة بينهما للأسف.

كما أنني معجب بتركيز بينين على أن دور العمال ودور الشباب في هذه الانتفاضات لم يكونا متعارضين. ولكني كنت أود أن يناقش هذه النقطة -علاقات العمال مع جيل الألفية- بمزيد من التعمق في الحالة التونسية.

وفيما يتعلق بكتاب أشقر، فكنت أود أن يناقش أكثر تنظير جرامشي وتحديدا المفاهيم الخاصة بالانتكاس [انتكاس الثورات] و”الأعراض المرضية.” ولكن في الوقت نفسه، فأنا أقدر أن الكتاب خال من المصطلحات النظرية، مما يجعله في متناول فهم شريحة أوسع من الجمهور.

المستقبل: مواجهة رد الفعل

وعموما، فإن كلا العملين هما أيضا تذكرة بأن الظروف ذاتها التي أدت إلى الانتفاضات لا تزال موجودة. نعم، قد لا تندلع الانتفاضات مرة أخرى في المستقبل القريب. ولكن التغيير في المنطقة لم ينته بعد. وكلا الكتابين هما تذكرة لنا بأن نفكر خارج الصندوق حول مستقبل الفاعلين الثوريين في المنطقة.

أن نعترف بأن الانتفاضات قد هزمت هو شيء، وتحديد الأسباب “الصحيحة” والدروس المستفادة من هذه الهزيمة هو شيء آخر. وكلا الكتابين هما دعوة لنا إلى التفكير في الثورات المضادة من حيث شروطها المعقدة. فهذه الشروط لا تمليها ببساطة قوى وسياسات الدولة القومية، بل تمليها أيضا القوى الإقليمية والعالمية.

فمن السهل والبسيط إلقاء اللوم على الناس في المنطقة بخصوص النتائج المضطربة لهذه الانتفاضات، ولكن الحقيقة هي أن القوى العظمى والمؤسسات المالية الدولية، وليس فقط دول الخليج، كانوا في طليعة الجهود الرامية إلى محاربة، أو وقف، أو احتواء الانتفاضات. إن الثورات المضادة معقدة وصعبة (وخصوصا عندما يتم إدراج العنف الشعبي والمعتقدات الطائفية في سياسات الأنظمة).

هذه التحليلات هي دعوة لنا للنظر في الحالات التي يكون فيها مناهضو الإمبريالية السذج مماثلين لليبراليين الذين لا يفعلون شيئا سوى الصراخ والهتاف ضد الفظائع التي تحدث في الخارج دون التشكيك في دور الحكومات الغربية في جعلها تحدث، وعندما يقدمون تحليلات مجردة وسطحية حول التدخلات الإمبريالية المعقدة دون بناء أواصر التضامن العالمية المناهضة للإمبريالية بشكل حاسم.

ولأن التهديد اليميني الخطير هو الآن في مرحلة صعود في الولايات المتحدة الأمريكية، مع احتمال أن يكون لذلك تأثيرا عالميا بالغا، فإن الإمبراطورية الأمريكية سوف تكون أكثر خطورة، بغض النظر عن استراتيجية “التدخل” التي ستضعها. نحن بحاجة لكتابة السرد النقدي بشكل صحيح، وجزء من ذلك هو أن ننأى بأنفسنا عن التحليلات الليبرالية للصراعات في الشرق الأوسط والأزمة والخلاف في الداخل.

صدرت هذه المقالة باللغة الإنجليزية في مجلة ضد التيار العدد 187 (مارس-أبريل 2017)

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

عن كتاب جوزيف ضاهر “حزب الله: الاقتصاد السياسي لحزب الله اللبناني” يهدف كتاب جوزيف ضاهر، الذي يتميز بالبحث الجيد، إلى رسم صورة مكتملة لحزب الله؛ واضعا التنظيم في سياق التغيرات التي شهدتها الدولة والمجتمع اللبناني على مدى السنوات العشرين الماضية.

آن ألكسندر

صعود الوحش والمصرفي… فلنحشد في الشارع وفي الانتخابات البرلمانية! على الحركة العمالية أن تحارب الجبهة الوطنية، ولكن بوسائلها الخاصة وعلى أساس برنامج يساري راديكالي يعالج المشاكل من جذرها بالتصدي لتحكم وسيطرة بعض الطفيليين الأغنياء.

مجلة “ثورة”

اضطهاد الأقباط: دعوة للنقاش من أجل المواجهة ليست السطور التالية مقالا تقليديا عن الطائفية وأسبابها، بل هي مزيج من تأملات وانطباعات ذاتية، وقراءة من وجهة نظر علم النفس وعلم الاجتماع، وتلخيص لنقاشات موسعة داخل الحركة الديمقراطية، أتمنى أن تكون مفيدة في إثراء النقاشات حول الموضوع.

سالي توما

الريف السوري مفتاحا لفهم نظام الأسد (1) إن قراءة هذا الكتاب لا تتيح لنا فقط فهم أمور في غاية الأهمية عن المجتمع السوري وعن نظام الأسد، لكنها كذلك مفيدة جدا للمهتمين بفهم الشرق الأوسط عموما بكل تعقيداته، وللمهتمين بالعلوم الاجتماعية وبصفة خاصة بالماركسية في واحد من أرقى نماذجها في تقديري.

عمر الشافعي

الاقتصاد السياسي والحركات العمالية والانتفاضات الشعبية في 2011 تميل التحليلات الغربية للانتفاضات العربية التي اندلعت سنة 2011 إلى التأكيد على دور شباب الفيسبوك ووسائل التواصل الاجتماعي أو منظمات المجتمع المدني. ولعل التركيز على الحركات الاجتماعية للعمال والعاطلين قبل اندلاع هذه الانتفاضات وأثناءها يوفر مزيدا من العمق التاريخي والفهم الأصيل.

جويل بنين