دول الإقصاء

قضايا

09  مايو  2017

لقراءة النص باللغة الإنجليزية

الدولة القومية ذات الحدود الواضحة هي فكرة حديثة ارتبطت بتطور الرأسمالية. بيد أن العمال والفقراء هم الذين يعانون على جانبيها.

لماذا تُعد الحدود مسألة في غاية الأهمية للدولة الحديثة؟ لماذا تنتاب السياسيين ووسائل الإعلام الهواجس بشأن “أمن الحدود”؟ وما الذي يكمن وراء سياسة الإقصاء والاستبعاد؟

حتى بدايات العصر الحديث (من القرن السابع عشر إلى القرن الثامن عشر) كانت الحدود بين الممالك والإمارات المحلية في أوروبا ضبابية، ونادرا ما كانت تلك الممالك والإمارات تسيطر عليها بإحكام. وكان تنقل البضائع والأشخاص ضروريا للحفاظ على الاقتصادات الإقليمية- كان معظم السكان مرتبطين بالأرض، ولكن كثير من الناس كانوا يتنقلون بحرية نسبيا مثل التجار، والحرفيين، والعمال المتجولين، والباعة المتجولين، والبحارة، والحجاج.

بيد أن التغيير كان ماضٍ قُدُما. ففي الدول “المستبدة” استخدمت النظم المَلَكِيَّة وسائل للسيطرة تتسم بالمركزية على نحو متزايد من أجل فرض الإنصياع والإمتثال لمعايير المجتمع الدينية، ومن ثم، تم طرد أعدادا كبيرة من الناس الذين قيل عنهم أنهم كفار أو مرتدين. وهكذا طُرد الملايين من اليهود والمسلمين من إسبانيا والبرتغال الكاثوليك؛ وطُرد أتباع الكلفينية في وقت لاحق من فرنسا؛ كما أُبعد المنشقين الدينيين والمتطرفين السياسيين من بريطانيا- أكثرهم تم إرساله إلى المستعمرات الأمريكية ومنطقة البحر الكاريبي التابعة لهذه الدول. وهكذا اكتسبت الحدود أهمية جديدة كوسيلة لاستيعاب أو استبعاد فئات معينة من الناس.

أصبحت هذه التطورات أكثر وضوحا بكثير حينما شكلت الرأسمالية الصناعية الدول القومية الجديدة. إذ كانت الطبقات الرأسمالية الصاعدة حريصة على فرض الحقوق المرتبطة بالملكية الخاصة، وإلى سن أنظمة قانونية تعزز امتيازاتهم، وإلى تنظيم حركة السكان المتقلبة التي تأثرت تأثرا عميقا بالتصنيع والتحضر.

وفى هذا الإطار، سعت الطبقات الرأسمالية إلى إقامة أشكال جديدة للسلطة تقوم على أساس الولاء لما يسمى “الأمة”- وهي مجتمع يرتبط أفراده بمجموعة من المصالح التي تحددها اللغة والدين والممارسة الثقافية، والقصص التي تدور حول الأصول المشتركة والمصير المشترك.

يقول “بنديكت أندرسون” أن الأمم الجديدة ظهرت باعتبارها “مجتمعات متخَيَلة” لكتلة من البشر لم يلتقوا أو يتواصلوا مباشرة، ولكن تم تشجيعهم على متابعة جدول أعمال جماعي كما لو كانوا يتقاسمون مصالح مشتركة ضمنية. ثم قامت الحدود الإقليمية بحبس هذه التجمعات فى حظيرة القومية، كإرهاصة لوجودهم في مقابل مجموعات قومية أخرى تختلف عنهم وغريبة بالنسبة لهم.

استنفدت الطبقات الحاكمة للدول القومية الأولى مثل بريطانيا وهولندا وفرنسا الكثير من طاقتها في محاولة لإقناع السكان داخل هذه الحدود بأنهم بريطانيون أو هولنديون أو فرنسيون. وبنوا مؤسسات للدولة تركز على القمع والإكراه (القوات المسلحة، والقضاء، والشرطة، وأنظمة السجون) والتي تدخلت في الصراعات الطبقية المتصاعدة وفرضت قسرا الانصياع والامتثال للمعايير القومية من خلال استهداف الأعداء “الداخليين” بما في ذلك أفراد الجماعات المختلفة لغويا أو إقليميا. ففي حالة فرنسا تم قمع اللغات “غير القومية” واللهجات (الألمانية، والبريطانية، والكتالونية، والأُكْسِيتَانِيَّة) أو التعامل معها على أنها لهجات عامية مُحَرّفة عن اللغة الفرنسية الحضرية الأصيلة.

الولاء

ركز الحكام الجدد على أفكار الانتماء الوطني، تلك الأفكار التي تحدد استيعاب هؤلاء أو استبعاد أولئك من الأمة. إن أنواع الولاء السابقة- الولاء إلى الطبقة الأرستقراطية المحلية، أو الولاء إلى الكنيسة، أو الولاء إلى الطائفة- كانت أقل أهمية من الولاء المكرس لرموز الأمة – العَلَم، والآباء المؤسسين للأمة وكذلك الأمهات (بريتانيا، جان دارك) – ولقصص الإنجازات الوطنية والتفوق الوطني.

تجدر الإشارة إلى أن الحدود الخارجية لها أهمية إقليمية ومعنى اجتماعي وثقافي قوي. فهى وسيلة أساسية لتحديد أولئك الذين لديهم الحق في أن يكونوا جزءا من “الأمة” وفي نفس الوقت وسيلة للتمييز والإقصاء.

غير أن هذه الترتيبات انطوت على مشاكلها الخاصة. إذ لم يكن هناك “توافق” بالضرورة بين فكرة الأمة من جانب وبين دفع الرأسماليين بلا هوادة لعجلة الربح على الجانب الآخر. ففى حين أن أفراد الطبقة الرأسمالية فى حاجة للدولة القومية إلا أنهم لم يكونوا دائما متفقين حول كيفية تعبئة النزعة القومية أو كيفية تطبيق السياسة الحدودية كجزء من سياسة السيطرة.

لقد برز هذا الخلاف في بريطانيا بطرق مختلفة، بما في ذلك في المناقشات حول التجارة الحرة وسياسة الحماية الاقتصادية، كما ظهر في الخلافات الشديدة حول ما إذا كان على بريطانيا السماح بدخول الأجانب بحرية. وكان نتيجة هذا الخلاف أن أيد بعض السياسيين البريطانيين الهجرة غير المقيدة إلى بريطانيا في منتصف القرن التاسع عشر، في حين سأل آخرون لماذا سُمح للمخربين من أمثال كارل ماركس بالعيش في لندن، معلنين بذلك أن المهاجرين يشكلون خطرا على صحة الأمة.

في عام 1870 لاحظ ماركس نفسه كيف أن المشاعر الوطنية وسياسة الإقصاء قد خدمت المصالح الرأسمالية. وعند كتابته عن شعور العداء المتفشي بين صفوف العمال الإنجليز نحو العمال الأيرلنديين، علق قائلا: “إن جمرة [هذا] العداء تظل مشتعلة بشكل مصطنع، تغذيها الصحافة ومنابر الوعظ والمجلات الهزلية؛ باختصار، كل الوسائل التي تقع تحت تصرف الطبقات الحاكمة”.

كان ذلك، كما قال ماركس: “سر عجز الطبقة العاملة الانجليزية على الرغم من تنظيمها… وهو السر الذي من خلاله تحتفظ الطبقة الرأسمالية بقوتها، الأمر الذي تدركه الطبقة الرأسمالية تماما”.

ارتبطت النزعة القومية بالسياسة الحدودية ارتباطا وثيقا ليعملا معا في خدمة الدولة. بيد أن هذا الارتباط كان من شأنه أيضا أن يمنع بعض أجنحة الطبقة الحاكمة من السعي وراء الربح.

ذلك أنه في منتصف القرن التاسع عشر رتبت حكومة الولايات المتحدة سفر الملايين من الناس القادمين من الصين إلى الولايات المتحدة للعمل في مجال البناء والتشييد وفي السكك الحديدية. وكان هؤلاء المهاجرين جزءا لا يتجزأ من النمو السريع للرأسمالية الأمريكية. غير أن هذا الحال قد تغير. ففي أعقاب الحرب الأهلية الأمريكية كان هناك تصاعد في المشاعر القومية والعنصرية المعادية للصينيين، وفى عام 1882 أصدر الكونغرس قانون استبعاد الصينيين. وبمقتضى هذا القانون وصلت الهجرة من الصين إلى نهايتها، مما تسبب في مشاكل كبيرة لأرباب العمل في القطاعات الرئيسية للاقتصاد والذين تحولت أبصارهم في نهاية المطاف إلى اليابان وفي وقت لاحق إلى المكسيك كمصادر للعمالة.

ظهرت هذه التناقضات مرارا وتكرارا مع قيام بعض أجنحة الطبقة الحاكمة -غالبا من بين هؤلاء المرتبطين بالسياسيين الشعبويين- بالدفاع عن المراقبة الصارمة للحدود وحملات الإقصاء. في حين دعا الرأسماليون الآخرون لحرية التنقل، ويعود ذلك إلى حد كبير لرغبتهم النهمة في الحصول على العمالة الرخيصة.

أدخلت الحرب العالمية الأولى الدول القومية المهيمنة في العالم في صراع تصادمى. حيث تم اتخاذ إجراءات لمراقبة الحدود بنشاط غير مسبوق وأصبحت جوازات السفر والتأشيرات شرطا لأول مرة للسفر إلى أوروبا وأمريكا الشمالية.

نتيجة لهذه الإجراءات انهارت الهجرة الدولية فى عشرينيات القرن الماضى لتصبح جزءا ضئيلا مقارنة بمستوى ما قبل الحرب، وعلى مدى السنوات العشرين التالية حجزت نقاط المراقبة الحدودية معظم الناس داخل أراضي دولهم القومية. وفي الوقت نفسه، استهدفت الحملات الشعبوية مرة أخرى “الأجانب”- في حالة الولايات المتحدة كانت هناك مطاردة وإقصاء للمهاجرين المكسيكيين.

سكان المستعمرات

بيد أن مطالب السوق قد خرقت هذه الضوابط في نهاية المطاف. فبعد الحرب العالمية الثانية عادت الهجرة الدولية مرة أخرى حينما تنافس أرباب العمل، بما في ذلك السلطات العامة للدولة الأمة، على جذب العمالة من كل حدب وصوب. حيث اجتذبت وكالات دول أوروبا الغربية المهاجرين من جنوب أوروبا ومن المستعمرات. أما في الولايات المتحدة، فقد قامت الوكالات الحكومية بإعادة الهجرة إلى نصابها من أمريكا الوسطى، ولا سيما من خلال برنامج براسيرو، الذي جلب الملايين من المكسيكيين للعمل في أعمال البناء والتشييد وزراعة البساتين وقطاع الخدمات. [برنامج براسيرو هو سلسلة من القوانين والاتفاقيات الدبلوماسية التي بدأت في 4 أغسطس 1942، عندما وقعت الولايات المتحدة اتفاقية مع المكسيك لجلب العمالة المكسيكية، وكلمة براسيرو هي كلمة إسبانية معناها “عامل يدوي”].

وفيما كان ينمو الاقتصاد العالمي، كانت معظم الطبقات الحاكمة تنظر إلى الضوابط بشأن الحركة والتنقل على أنها عقبة في طريق النمو. فالحدود التي كان يُنظر إليها على أنها مقدسة تم التجاوز عنها أو تجاهلها. وفي الولايات المتحدة الأمريكية كان أرباب العمل الذين انتهكوا القوانين بسبب توظيف المهاجرين “غير الشرعيين” (الذين عبروا الحدود من دون أوراق رسمية) يؤخذ منهم “تعهد شفوي” بعدم فعل ذلك مرة أخرى- وبكلمات أخرى كان يتم تجاهل ممارساتهم المخالفة للقواعد.

أما في فرنسا فقد تم تشجيع المهاجرين القادمين بدون أوراق إثبات شخصية -المهاجرين “غير الشرعيين”- على دخول البلاد حتى لو انتهكوا الضوابط الرسمية. وخلال العقد السادس من القرن العشرين كان أكثر من 80 في المئة من المهاجرين هم من الناحية القانونية وافدين “غير قانونيين”. وفي هذا الصدد علق الوزير الفرنسي للشؤون الاجتماعية في عام 1966 قائلا أن “الهجرة السرية في حد ذاتها لا تخلو من فائدة، لأننا إذا ما تمسكنا بالتفسير الصارم للقوانين والاتفاقات الدولية، فلربما كنا سنواجه نقصا في العمالة”.

تجدر الإشارة إلى أن الأنظمة الحدودية تتوقف على الظروف الاقتصادية المتغيرة وموازين القوى السياسية داخل الدول القومية وفيما بينها. فعندما وصل ازدهار فترة ما بعد الحرب إلى نهايته في بداية العقد السابع من القرن العشرين، حاولت الحكومات في العديد من الدول إعادة فرض الضوابط. وحاولت الدول التي استوردت الملايين من العمال إيقاف حنفية “التدفق” واستهداف المهاجرين بغرض التخلص منهم.

إلا أن هذه الحكومات قد واجهت مشاكل كبيرة. ففي أوروبا أصبح أرباب العمل المتنفذون معتمدين على إمدادات العمالة المنتظمة من بعض المناطق ومن ثم رفضوا قبول القيود. وفي الوقت نفسه، وكما اكتشفت حكومة الولايات المتحدة في ثلاثينيات القرن العشرين، فإن “مسارات” الهجرة لا تجلب الناس فقط بل تجلب معهم أيضا توقعاتهم الخاصة وتطلعاتهم. ومن ثم، يتهرب المهاجرون من الضوابط الجديدة، لأسباب ليس أقلها أن الأزمة الاقتصادية التي جلبت الركود إلى شمال الكرة الأرضية قد أثرت على مناطقهم الأصلية بشكل أشد قسوة.

يعود تاريخ شبكات التهريب الحديثة، التي استمرت فى جلب المهاجرين من الجنوب، إلى هذه الفترة. فقد تطورت على مرأى ومسمع من الدول الأوروبية، حيث كانت تحظى برضاها أحيانا أو حتى بتشجيعها.

والجدير بالذكر أنه كان يتم دمج معظم الناس الذين يصلون إلى أوروبا بسهولة في سوق العمل. وبحلول تسعينيات القرن العشرين كانت كل الاقتصادات الكبرى تعتمد على أعداد كبيرة من المهاجرين غير الشرعيين. ففى كل أنحاء أوروبا وأمريكا الشمالية تم تسوية وضع الملايين من “المهاجرين غير الشرعيين” (تم منحهم حقوق الإقامة وغالبا المواطنة) استجابة ليس فقط لمطالب منظمات المهاجرين، ولكن أيضا لمطالب جماعات الضغط القوية التابعة لأرباب العمل.

وكان هذا بمثابة الاعتراف بأن هناك اثنتين من القنوات التقليدية للهجرة- قناة رسمية وقناة غير رسمية تستخدم وسائل مخالفة للقوانين. وكلاهما خدم مصالح أصحاب العمل وارتبطا على نحو متزايد ارتباطا وثيقا.

عندما حاولت بعض الدول تقييد التنقل “غير النظامي” واجهت مقاومة من جماعات أصحاب العمل المتنفذة والمؤثرة. وفي حالة إيطاليا، أصر اتحاد أرباب العمل على أن الحكومة لا يجب أن “تخنق قنوات تدفق العمال” القادمين من البلقان وأفريقيا وشبه القارة الهندية، ولا سيما العمال الهنود الذين “يقبلون أجورا تعتبر منخفضة جدا حتى فى نظر العاطلين عن العمل”.

منذ فترة طويلة والدولة القومية تستوعب المهاجرين في أوقات وترفضهم فى أوقات أخرى على حسب الاحتياجات والمتطلبات الطارئة للرأسمالية المحلية وعلى حسب القوة النسبية للمشاعر القومية. إن الحدود هي بمثابة “العيد الذي ليس له تاريخ محدد للاحتفال به”- مثل أعياد القديسين والاحتفالات بممارسة الشعائر الدينية، حيث يمكن إقامتها بانتظام، قد يزيد أو ينقص قليلا وبدرجات وضوح مختلفة.

بيد أنه على مدى العقد الماضي اكتسبت السياسة الحدودية أهمية متزايدة. ففى ظل عدم اطمئنانها في مواجهة الأزمة الاقتصادية وتطلعاتها من أجل التغيير، ركزت الدول على الحدود كوسيلة لأخذ زمام المسؤولية من يد أصحاب الثروة والامتيازات.

وفي هذا الإطار تبنت العديد من دول شمال الكرة الأرضية جدول أعمال اليمين المتطرف، لتغذي بذلك مناخا من الخوف والعداء تجاه المهاجرين. ففي إيطاليا، حيث أرباب العمل المتذمرون يطالبون ببقاء العمال المهاجرين، رافق حملة الحكومة لاعتقال وترحيل اللاجئين مطالب من حزب الفاشيين الجدد “عصبة الشمال” تطالب الحكومة بوشم المهاجرين برموز تدل على هويتهم. إن هذا الرجوع السافر إلى الممارسات النازية في ثلاثينيات القرن العشرين يوضح كيف تعزز السياسة الرسمية سياسة تم نبذها في وقت سابق بوصفها سياسة همجية.

وفى حين أن الحدود بالنسبة لبعض المهاجرين هى شئ يمكن النفاذ منه، حيث يجدون تسامحا إزاء الدخول غير الشرعي، كما أن وضعهم غير القانوني يمكن معالجته عن طريق العفو وتسوية أوضاعهم، إلا أن هناك آخرين تستهدفهم أنظمة الهجرة التي تزداد عدوانية يوما بعد يوم من خلال إتخاذ الإجراءات القانونية لتتبع واستبعاد المهاجرين المحتملين، و”تقوية” الحدود بالسياج والأسوار وأنظمة المراقبة الإلكترونية، وعسكرة المنطقة الحدودية.

كذلك، عادت الحدود اليوم لتصبح مرة أخرى موقعا تحاول الحكومات من خلاله إظهار سلطتها لتبرز دورها كوصية على مصلحة وطنية وهمية. وفي ظل عدم رغبتها معالجة التفاوت المتزايد وعدم الأمان، تختلق الحكومات رؤية بشأن التهديد الخارجي وتبرز دورها لتظهر بمظهر الأبطال فى معركة النزاهة الوطنية.

لقد أصبحت المناطق الحدودية ساحات قتال تحارب فيها الدولة الغرباء الأشرار المتوعدين. وأصبح المهاجرون المستضعفون أهدافا لا حول لها ولا قوة، فمعظمهم لا يمتلكون الموارد للوقوف في وجه وابل الحرب الدعائية الرسمية: فهجمات الدولة ضدهم تأتى بدون تكلفة إلى حد كبير لأولئك الذين يلقون باللوم على المهاجرين ويقومون باعتقالهم وترحيلهم.

لقد دعا البيان الشيوعي العمال من جميع البلدان لتوحيد صفوفهم. ومع أن ماركس وإنجلز لم يكتبا بشكل مستفيض في المسألة القومية أو السياسة الحدودية لكنهم كانوا مصرين على ضرورة وجود الأممية في مواجهة المفاهيم الزائفة عن الولاء الوطني. ويستند هذا على النضال ضد كل طبقة من الطبقات الحاكمة المحلية وعلى التضامن الذي يتخطى الحدود. غير أن هذه الأممية لا تشترك في شيء مع أممية الاتحاد الأوروبي الملفقة، التي تتوسل إلى مواطني الدول الأوروبية لكي يصطفوا وراء دعم نظام الاتحاد الأوروبي لمراقبة الهجرة في البر والبحر. ففى هذه الحالة يقوم الاتحاد الأوروبي بحشد التقاليد الوطنية الداعية للإقصاء، وهو إذ يفعل ذلك فإنه كهيئة متخطية للحدود القومية يحاكي أكثر الممارسات العدوانية للدولة القومية.

تناشد “قلعة أوروبا”، التي يدعو لها الاتحاد الأوروبي، الدول الأعضاء بتقوية حدودهم بحيث يتم تعميم سياسات الدول القومية الأكثر إقصائية في جميع أنحاء الاتحاد. وأحد محصلات هذا الاتجاه هو تشجيع القوميات المحلية وزيادة الشكوك بشأن الاتحاد الأوروبي، وما يصاحبه من عواقب وخيمة على المصالح التجارية التي تستفيد من حركة رأس المال والعمالة- إن هذه الحالة هي أحد التجليات المعاصرة للتناقضات التاريخية المرتبطة بالدولة والحدود.

المواطنون

في تسعينيات القرن العشرين بدأ منظرو العولمة فى إقامة الحجة على أن التغيير الاقتصادي سينتج قريبا عالما “بلا حدود”، وأن رأس المال سوف يتدفق بحرية عبر الحدود الوطنية، وأن الدولة القومية سوف تصبح أثرا من آثار الخصومات والنزاعات القديمة. بيد أن كل هذا كان دائما جزءا من صناعة الوهم- رؤية للعالم كما يتمناه بعض منظرو الرأسمالية ووسيلة لتأديب العمال الذين هم على استعداد للقتال من أجل حماية الوظائف والظروف المحلية. إن الدول القومية هي جزء لا يتجزأ من الرأسمالية الصناعية؛ إذ أن دورها هو الإشراف على عملية الاستغلال وتوليد ونشر الأفكار حول الولاء الوطني. وتتطلب الدولة الحديثة أيضا حدودا- سواء أكانت حدودا إقليمية ملموسة أو أفكارا مجردة لاستيعاب المواطنين واستبعاد “الآخرين”.

لقد عملت الدولة في بدايات العصر الحديث بلا كلل من أجل إقناع الناس بهويتهم “الوطنية”. ودعتهم إلى تبجيل الملوك والبرلمانات والانصياع لهم لأنهم يجسدون التقاليد الوطنية، ودعتهم إلى الوطنية وإلى “حب الوطن”. واعتمد منظرو مفهوم الأمة على هذا الولاء إلى جانب العداء تجاه من يعيشون على الجانب الآخر من الحدود.

واليوم عندما يكون النظام في أزمة يستدعي نفس أجندات الإدماج والإقصاء. كما أنه يظهر أيضا نفس التناقضات، حيث يتم التساهل في مراقبة الحدود أو فرضها وفقا لتغير ميزان المصالح بين من هم في السلطة، ووفقا لتأثير التيارات السياسية من اليسار واليمين.

إن الأممية الحقيقية تتحدى الحدود والضوابط الحدودية بكل أشكالها. نحن نرحب بهؤلاء الذين يقال لهم “الغرباء”، إذ قد علمنا التاريخ أن فكرة الفصل بين البشر على أساس الأمة والهوية الوطنية هي فكرة متناقضة وكاذبة في جوهرها. إن حياة المهاجرين تهمنا، واللاجئون هم موضع ترحيب هنا.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

ثورة بغير منظمات ثورية، وسياسة بلا أحزاب سياسية… محاولة نحو فك اللغز المصري (1) لماذا بقيت الثورة المصرية وقد امتد فورانها وزخمها قرابة عامين ونصف عاجزة عن بلورة أحزاب سياسية مؤهلة للتدخل المؤثر والفعال في ترتيبات السلطة السياسية ما بعد اسقاط مبارك وزمرته؟ كيف لم تنجح ثورة شعبية كبرى كهذه في بلورة ولو حزب ثوري واحد؟

هاني شكر الله

مئة عام من وعد بلفور إن خطط الاحتفال بمئوية إعلان وعد بلفور تقوم على وهم أن شيئا شنيعا، هو أمر يستحق الفخر به.

لورانس دايفيدسون

الشريعة في دساتير ما بعد ثورة يناير… نحن الآن في حاجة ماسّة، أكثر من أي وقت مضى، لاستئناف البحث في هذه الإشكاليات ليس انطلاقا من نقطة محمود أمين العالم وتيزيني ومهدي عامل وغيرهم، على ما بينهم من اختلافات وتناقضات في الطرح، وهي النقطة التي تبلورت في أعقاب هزيمة ١٩٦٧ كما سبق الذكر، ولكن من نقطة ما بعد الثورات العربية والتي برزت على خلفية تحولات جذرية في بناء العلاقات الاجتماعية في العالم والإقليم والمجال السياسي والأيديولوجي بطبيعة الحال.

عمرو عبد الرحمن

اضطهاد الأقباط: دعوة للنقاش من أجل المواجهة يعني هذا المقال بمحاولة تفسير وتوصيف الطائفية في المجتمع المصري، انطلاقا من مفهوم المواطنة كمشروع سياسي، يضمن المساواة التامة لجميع المواطنين في الحقوق .والواجبات بغض النظر عن المعتقد أو الطائفة، وبغض النظر عن الجنس أو العرق أو اختيارات المواطنين في حياتهم الشخصية

رامي صبري

هل الاشتراكية أوروبية الطابع؟ إن الراديكالية التي تعتقد أن الاشتراكية فكرة غريبة على البلدان غير الغربية هي بذلك تنكر رد الفعل الإنساني الأصيل المتمثل في محاربة القهر الممارس مع العمال في هذا الجزء من العالم. فهي نقول إن الشعوب غير الغربية غير قادرة على تصور مجتمع حر يسوده العدل

نيفديتا ماجومدار