جون بيرجر (1926-2017)

بروفايلات, فنون

18  إبريل  2017

درس جون بيرجر الطريقة التي ننظر بها إلى العالم دراسة مستفيضة. غير أنه بالنسبة للكثيرين من جيلي، الذين كانوا مفتونين بحلقات برنامجه التلفزيوني عن الفن “طرق الرؤية” الذي كان بمثابة مطلع عهد جديد، فإن طريقته في الكلام كانت هي أول ما يتبادر إلى أذهانهم.

إذ كانت له طريقته الهادئة في بث كلماته ذات الأسلوب التخاطبي بما تحمله من ميل إلى استخدام الاستعارات الشعرية التي كانت تربط بين الفن وغيره من الأنشطة البشرية بطريقة مثيرة للدهشة وغير متوقعة. ولم يختلف هذا الصوت عن صوته ككاتب في كتاباته التي تلت البرنامج؛ إذ أن صوته في كلتا الحالتين كان يمثل دعوة مغرية للتفكير والنظر معاً. لقد كان مغايرا تماما لصوت الناقد الفني الذي كنا نعتقد حتى ذلك الحين بأن صوته يحمل لهجة رنانة، جازمة في حجتها، وتشي بوضوح بأن صاحبها يمتلك بين شفتيه أسرارا ليست متاحة سوى لمجموعة صغيرة مختارة من بين البشر. (تلك كانت لهجة كينيث كلارك في سلسلة حلقاته التلفزيونية “الحضارة” التي تم بثها قبل بضع سنوات من سلسلة بيرجر، والذي كان يعطي ايحاء ضمنيا أن نظرة الناقد الفريدة من نوعها هي نظرة متميزة وليس بإمكان غيره أن يراها).

وبهذه الطريقة الهادئة، كشف بيرجر عن مفهوم الحضارة بوصفها متحف للأعمال العظيمة الذي قد يتسنى لنا في بعض الأحيان دخوله لنعبر عن إعجابنا وانبهارنا. وقال لنا إن الفن لا يكمن في الإطار الذي يتخذه ولكن في المساحة الكائنة بين الشيء محل الإبداع والمشاهد، وهي مساحة متنازع عليها حيث تكون القيم الموروثة، والأحكام المسبقة، والتوقعات مثل شظايا الزجاج التي تكسر شعاع الضوء وتحول نظرتنا.

ولقد برهن على ذلك بشكل حاد في تناوله للوحات العارية. ففي معرض ذكره لما قاله ليفي شتراوس بشأن “الرغبة المتعطشة والطموحة للاستيلاء على الشيء لمصلحة المالك”، قال بيرجر أن المرأة العارية ينظر إليها كشيء ويتم الاستيلاء عليها من قبل الناظر. إنها علاقة بين القوة والضعف؛ حيث لا يمكن أن يتم رد النظرة بالمقابل.

إن اللوحة المرسومة (لسنوات عديدة كان بيرجر يتعامل بشكل حصري تقريبا مع الرسم) في المجتمع الرأسمالي هي شيء للامتلاك (تماما مثل الأنثى العارية)، سلعة تباع وتشترى، وهي تمثل الملكية قبل كل شيء. إن لوحة السيد والسيدة اندروز للرسام جينزبورو، على سبيل المثال، تحددها مساحة الأرض التي تمتد من ورائهما ومن حولهما. إن هذه اللوحة تمثل في آن واحد تصوير الطبقة المالكة لنفسها وكونها سلعة للامتلاك في حد ذاتها.

كانت رؤية بيرجر رؤية مزلزلة، ليس فقط لجيل طلاب الفنون الذين احتلوا كلياتهم في بريطانيا في عام 1968، ولكن بالنسبة لأولئك الذين كانوا يبحثون بحثا دؤوبا عن فلسفة للتحرير، وعن سياسية ليست مناهضة فقط للرأسمالية (وإن كانت عبارة “مناهضة الرأسمالية” هي عبارة حديثة على نحو لا يمكن إنكاره)، بل وتعقد الأمل أيضا في مستقبل أكثر إنسانية، وأكثر إبداعا.

إن ما كان لدينا حتى ذلك الحين هو رؤية ستالينية للفن، وبمقتضى هذه الرؤية كان الفن ببساطة “انعكاسا” (أو بكلمة أخرى، مرآة) للواقع أو الصيغ الأيديولوجية السائدة. أما بالنسبة لبيرجر، فكان الفن هو أداة للهدم والتساؤل- حيث يجعل المشاهد يقوم باستكشاف الطريقة التي يفهم بها العالم، ولماذا يرى بعض الأشياء ولا يرى الأشياء الأخرى.

وكان المعنى الضمني دائما من وراء ذلك هو أن الواقع يمكن أن نراه بشكل مختلف، ويمكن أن نغيره من خلال تدخلنا. وكان هذا المنظور منظورا ثوريا، لأن “العلاقات بين ما نراه وما نعرفه لم تحسم أبدا،” على حد تعبيره.

مثلما تُحول الرأسمالية الإبداعات الفنية إلى سلعة يتم التعبير عن قيمتها بالسعر المادي، فهي تُحول كذلك الفنان إلى فيتيش. وكان المثال الأكثر شهرة على ذلك هو بيكاسو – كما استقصاه بيرجر في كتابه “نجاح بيكاسو وفشله” وفي واحد من أهم مقالاته “لحظة التكعيبية”.

في بداية القرن العشرين، كان بيكاسو شخصية رئيسية في حركة فنية كانت تمثل “تحررا ديناميا من جميع أشكال الفن الجامدة.” وكتب بيرجر قائلا إن التكعيبيين “لم يكونوا يفكرون من منطلق سياسي. غير أنهم كانوا مهتمين بالتحول الثوري في العالم”. إن التفاؤل البرجوازي الذي ينعكس في الصور العائلية والطبيعة الأزلية قد تم تقويضه والطعن فيه، وتم تدمير حقائقه الخالدة ووضعها في نسيج حركي. ففي الفن التكعيبي، أصبح كل ما هو صلب من الممكن أن يتبخر في الهواء.

كان هذا هو نجاح بيكاسو؛ أما فشله فقد كان، من سخرية القدر، نتيجة ما حظي به من الشهرة، ومن ترويض دافعه الثوري. لقد صارت نظرته الشجاعة النقدية نظرة منغمسة في الذات، وكما قال بيرجر في مقدمته عن المعرض الذي أقيم لآخر أعمال الفنان أن رسوماته الأخيرة كانت “استجداء حزين”؛ تعبير عن العجز والضياع الذي جلبته عليه الشهرة.

وصف بيرجر نفسه ذات مرة بأنه “ماركسي إلى جانب أمور أخرى.” إن الحجم الهائل لأعماله هو شيء مذهل، حيث تنوعت ما بين مقالات، ومسرحيات، وأفلام، وقصص، ونقد، وتصوير فوتوغرافي، وروايات. وكانت ماركسيته تحيط بكل عمل منهم، إذ كانت تحيط بما هو كائن وما ينبغي أن يكون، وتشتمل على الإنتقاد المستمر للرأسمالية ونظام الملكية الخاصة، وتجمع بين الإمكانيات الخيالية التي يمكن أن تُوقظ في الجميع لإعادة بناء المجتمع.

في أوائل السبعينيات من القرن العشرين، غادر بيرجر بريطانيا ليعيش في مزرعة في قرية هاوت سافوي بفرنسا. ربما يكون ذلك بسبب أن الاعتداءات الغاضبة من المؤسسة الفنية قد وضعت العديد من العقبات في طريقه؛ أو ربما كان قد غادر بحثا عن طريقة حياة أقل اغترابا وأكثر صدقا.

كان بيرجر في هذه الفترة قد أصبح مهتما بالفعل بالتصوير الفوتوغرافي، حيث كان يعمل مع جان موهر على تأليف كتاب “رجل سابع” من أجل إعطاء صوت وصورة للمهاجرين الذين رأى فيهم، ببصيرة تستشرف المستقبل، المواطنين الجدد في هذا العالم المتغير. وفي وقت لاحق، جاءت ثلاثيته “في عالم كدهم”، التي بدأت برواية “خنزير الأرض”، لاستكشاف العلاقة بين الفلاح والأرض، تلك العلاقة التي كانت أكثر عمقا من مجرد الملكية. إلا أن بيرجر قد سعى في كل أعماله لتلمس العالم الخيالي الذي لا يقتصر على ذلك الذي يوصف بأنه عالم الفنانين، الحالمين الرسميين لعالم تكون حتى الأحلام فيه مستعمرة.

وتجدر الإشارة إلى أن الكثير من كتابات بيرجر اللاحقة كانت رواية القصص، وهي ثمرة الأحاديث التي أجراها مع مجموعة واسعة من الناس. ويرى والتر بنيامين أن دور الراوي كان التقاط ونقل الحكمة الجماعية. وثمة شعور قوي بأن هذا هو ما كان بيرجر يسعى أيضا للقيام به.

يبدو أن الدافع لاستكشاف العالم الخيالي الذي وجده بيرجر في الفن قد نضب في الرأسمالية المتأخرة، إذ أن مدرسة ما بعد الحداثة كانت سطحية، حيث رفضت الوصول إلى ما يكمن وراءها. فالنظرة فيما بعد الحداثة أصبحت تقابلها نظرة في المقابل، نظرة انعكاسية محضة، ترفض إمكانية التغيير.

في مقدمة طبعة لاحقة من كتابه “أحمر دائم”، كتب بيرجر: “أعتقد الآن أن هناك عدم توافق مطلق بين الفن والملكية الخاصة، أو بين الفن وملكية الدولة… إذ يجب تدمير الملكية حتى يمكن للخيال أن يتطور أكثر… وهكذا فإنني أجد اليوم أن وظيفة النقد الفني المنتظم… لدعم سوق الفن… من المستحيل قبولها”.

في الأيام التي تلت وفاة بيرجر، كان بعض ما كتب لنعيه يشوبه الإستياء تقريبا، والانتقاد لجديته أو التزامه الراسخ بمدرسة نقدية كانت تقوم “على الحوار أكثر من التقييم.” وقد لاحظ آخرون أن أسلوبه السردي ذو المنحى الشخصي العميق، والنزعة الإنسانية العميقة التي يعكسها، لم تنتج أي مدرسة فكرية.

لقد كان جادا، هذا صحيح، ولكنه لم يكن بائسا أبدا. لقد ظل مقتنعا بحماس بأن التضامن مع من لا صوت له هو واجب كل ماركسي، وأن الرأسمالية هي العدو اللدود لكل أشكال العمل الإبداعي، وأن بذور عالم جديد نابض بالحياة والأمل يمكن العثور عليها خارج أكاديمية الفنون، أينما كان البشر قادرين على تشكيل مصائرهم، وإن يكن لفترة وجيزة.

صحيح أنه لم يترك وراءه مدرسة فكرية، إلا أنه ساعد في تشكيل جيل جعل من الممكن أمامه اكتشاف طريقة مختلفة ونقدية لرؤية الأشياء.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

تجربة محمد منير بين انتفاضتي (يناير “1977 و2011”) ما قدمه منير من أغنيات يمكن وصفها بالحب التقدمي أو واقعة تحت سيطرة حالة شجن رهيبة ظلت تصل ما ساد بعد نكسة يونية، هي نتاج موهبة شعراء وملحنين مثلما حدث مع عبد الحليم حافظ في تجربته، ولكن هذه المرة ممزوجة بطعم الشعور بالمرارة والإحباط حتى لو كانت تتوق للحلم والآتي.

أيمن عبد المعطي

الغذاء والزراعة والتغير المناخي قال ماركس إنه يمكن وجود زراعة عقلانية، لكن ذلك يعني تغييرا في نظم الإنتاج والملكية. ففي ظل الرأسمالية، "بدلا من التعامل الواعي والعقلاني مع الأرض باعتبارها ملكية جماعية دائمة وشرطا لا غنى عنه لوجود واستمرار سلاسة الجنس البشري، نجد استغلالا وإهدارا لقوى الأرض".

مارتن إمبسون

العلم … والثورة

أيمن أحمد عياد

اضطهاد الأقباط: دعوة للنقاش من أجل المواجهة يعني هذا المقال بمحاولة تفسير وتوصيف الطائفية في المجتمع المصري، انطلاقا من مفهوم المواطنة كمشروع سياسي، يضمن المساواة التامة لجميع المواطنين في الحقوق .والواجبات بغض النظر عن المعتقد أو الطائفة، وبغض النظر عن الجنس أو العرق أو اختيارات المواطنين في حياتهم الشخصية

رامي صبري