الغذاء والزراعة والتغير المناخي (1)

قضايا

11  إبريل  2017

تتزايد الدلائل العلمية حول عمق الأزمة البيئية.1 ذلك أن التغير المناخي يحدث بوتيرة أسرع من توقعات النماذج العلمية. وفي الوقت نفسه، فإنه بالرغم من الكلام البليغ الذي تردد في مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي الذي عُقد في باريس في نهاية ديسمبر 2015، فإننا لا نرى الكثير من الفعل ـ إذا كان هناك فعل من الأساس ــ من أجل الحد من انبعاث الغازات المسببة للاحتباس الحراري.

وبالتالي، فإن تظاهر مئات الآلاف أثناء انعقاد مؤتمر التغير المناخي لم يكن أمرا يدعو للدهشة؛ حيث إن هذه الاحتجاجات كانت جزءا من حركة ضد التغير المناخي نشطت مجددا وتصاعدت مؤخرا، ووجدت في مؤتمر باريس فرصة للعودة إلى الشارع. وفي بريطانيا، كما هو الحال في مناطق العالم الأخرى، استطاعت هذه الحركة أن تجمع قوى اجتماعية واسعة، تمتد من دعاة الحفاظ على البيئة، إلى المنظمات غير الحكومية، إلى النقابات والمنظمات اليسارية. وتتجه هذه الحركة إلى اتخاذ مطالب سياسية أوسع. وبالنظر إلى شعبية شعارها “تغيير النظام لا تغيير المناخ”، فقد أصبحت هذه الحركة تتشابه إلى حدود مدهشة مع حركة مناهضة الرأسمالية التي ظهرت في بداية الألفية.

وتثار مناقشات مهمة في داخل هذه الحركة حول الذي يتعين القيام به. ويهيمن على هذه المناقشات الخطاب اليساري الذي تجسده شعبية كتاب ناعومي كلين هذا يغير كل شيء: الرأسمالية ضد المناخ This Changes Everything: Capitalism Versus the Climate.2 ويُعتبر الكتاب جزئيا نتاجا لحركة الدفاع عن البيئة، خاصة ما أطلقت عليه لفظ ” “Blockadia، وهي الاحتجاجات التي نشأت من أجل مقاومة محاولات شركات الوقود الأحفوري بناء خطوط الأنابيب، واستخراج الغاز الصخري، واستغلال رمال القطران. كما ساعد الكتاب على تشكيل الحركة نفسها، حيث خلق نقاشات بين النشطاء حول طبيعة الرأسمالية وحتمية الوقود الأحفوري بالنسبة لها.

لكن نقاشات أخرى تعود للظهور أيضا. وكانت الزراعة والغذاء والتغير المناخي من القضايا التي اكتسبت قوة جديدة. وخلال مظاهرات لندن وباريس وقت مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي، نظّم النشطاء كتلا تدعو إلى النظام الغذائي النباتي كجزء مهم من النضال ضد التغير المناخي. واتسمت هذه الكتل بمطالبة النشطاء الآخرين بتغيير نمط حياتهم الشخصية من أجل “إنقاذ الكوكب”. وفي لندن، حمل بضع مئات من النشطاء النباتيين لافتات تقول “هل تريد تغيير المناخ؟ قم بتغيير نظامك الغذائي وأصبِح نباتيا”، أو “النظام الغذائي النباتي سوف ينقذ الكوكب”. وأصدرت منظمة فيفا التي تدعو إلى النظام الغذائي النباتي ومقرها بريستول لافتات مكتوب عليها “ليس هناك شيء يسمى الناشط البيئي الذي يأكل اللحوم”. لكن هذه المطالب تتناقض مع الشعارات التي هيمنت على الحركة مؤخرا، والتي تطالب بإجراءات واسعة النطاق من جانب الدول لمواجهة التغير المناخي، مثل الدعوة إلى “مليون وظيفة خاصة بالمناخ”.

وأدت شعبية الفيلم التسجيلي مؤامرة البقر: سر الاستدامة Cowspiracy: The Sustainability Secret الذي جرى إنتاجه سنة 2014، إلى زيادة التركيز بقوة على المزارع الحيوانية. وقد أصبح Cowspiracy الذي أخرجه الناشط كيب أندرسون والمخرج كيجان كوهن، مؤثرا بقوة. وعندما تم تحديثه من جانب المنتج التنفيذي ليوناردو دي كابريو وبثته نتفليكس على الإنترنت، أصبحت تتم مشاهدته آلاف المرات. ويطرح الفيلم الذي تبلغ مدته 90 دقيقة أن الزراعة الحيوانية مسؤولة عن 51 بالمائة من انبعاث الغازات على المستوى العالمي، والتدمير المنتظم للغابات المطيرة، وكذلك المشكلات البيئية الأوسع. وكما يشير اسم الفيلم، هناك مؤامرة تشترك فيها كل من الأجهزة الحكومية والشركات الزراعية والمنظمات غير الحكومية العاملة في مجال البيئة، من أجل تجنب الحديث عن دور الزراعة الحيوانية في أزمة البيئة.

ويخلُص الفيلم إلى أنه بوسع نمط الحياة القائم على النظام الغذائي النباتي وحده إنقاذ الكوكب. وتتغلغل هذه المقولة داخل التيار الرئيسي في حركة حماية البيئة، كما تشير إحدى اللافتات في مسيرة لندن حول المناخ والعدالة والوظائف: “السبب رقم 1 للتغير المناخي هو الزراعة الحيوانية”. ولا تقتصر المطالب بالحد من أكل اللحوم على النشطاء، بل إن الحكومات والأمم المتحدة تطرح دعاوى مثيلة.3

غير أن النهج القائم على التأكيد على أهمية السلوكيات الشخصية كطريقة للتعامل مع مشكلة التغير المناخي يفشل في مواجهة المشكلات المنهجية المرتبطة بالنظام الغذائي في ظل الرأسمالية، التي تمثل المصدر الحقيقي للمشكلة. ويسلط فيلم Cowspiracy الضوء عن حق على عديد من المشكلات الناجمة عن الزراعة الحديثة. غير أنه لا يركز على طبيعة الزراعة في ظل الرأسمالية، بل على أحد جوانب هذه الزراعة.4

تُعتبر الزراعة الحديثة مدمرة للبيئة بقوة. ويعود ذلك إلى النظام الغذائي الذي يوجهه الربح وتسيطر عليه محلات السوبر ماركت والشركات المتعددة الجنسيات. ونتيجة ذلك، يتسبب النظام في قدر هائل من الهدر، ويتخذ من “النظام الغذائي الغربي” نموذجا يُحتذى به. ويُلام المستهلكون على اختياراتهم الغذائية السيئة، في ظل اهتمام محدود بالسياق الذي تُتخذ فيه هذه الخيارات.

لكن الحل لا يكمن في إحداث تغيرات في النظم الغذائية للأفراد، بل في التغيير الجذري للنظام الغذائي نفسه. وسوف أبحث في هذا المقال في الأثر البيئي للزراعة الرأسمالية، وخاصة مساهمتها في مشكلة التغير المناخي. وآمل أن يؤدي ذلك إلى تعزيز الجانب المعادي للرأسمالية في حركة الدفاع عن المناخ، وهو ما يعني بدوره تحديا ثوريا أوسع أفقا للرأسمالية.5

الزراعة والتغير المناخي

يشير الرقم الرئيسي في فيلم Cowspiracy إلى أن “الإنتاج الحيواني ومشتقاته يساهم بـ…51 بالمائة من غازات الاحتباس الحراري على المستوى العالمي”. ويستند هذا الرقم على تقرير صادر عن معهد وورلد ووتش أعده روبرت جودلاند وجيف أنهانج اللذان يطرحان التالي:

جرى التقليل بشدة من أثر دورة الحياة وسلاسل التوريد للحيوانات المستأنسة التي تُستخدم في التغذية في توليد غازات الاحتباس الحراري… إن استبدال الإنتاج الحيواني بخيارات أفضل يمثل الاستراتيجية الأفضل لمواجهة التغير المناخي. وفي واقع الأمر، كان ذلك سيؤدي إلى آثار أسرع كثيرا في الحد من انبعاث الغازات المسببة للاحتباس الحراري وتركزها في الغلاف الجوي ـ وبالتالي على معدل ارتفاع درجة حرارة الأرض ـ مقارنة بالإجراءات الرامية إلى استبدال الوقود الأحفوري بالطاقة المتجددة.6 

غير أن هذه الأرقام الدراماتيكية تتناقض مع دراسات أخرى، حيث تقر منظمة الأغذية والزراعة بالأمم المتحدة (الفاو) بأن “قطاع إنتاج الماشية يلعب دورا مهما في التغير المناخي”، لكنها تقترح أن المستوى الفعلي للانبعاثات التي يولدها هذا القطاع أقل كثيرا من ذلك الذي أشار إليه Cowspiracy. وتقول الفاو في تقريرها الصادر في 2013 بعنوان معالجة التغير المناخي خلال إنتاج الماشية: تقدير عالمي للانبعاثات وفرص الحد منها إن الإنتاج الحيواني يسهم بـ 14.5 بالمائة فقط من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري التي يتسبب فيها الإنسان.7 ويقل ذلك عن الرقم الوارد في دراسة سابقة، صدرت سنة 2006 للفاو أكدت أن الإنتاج الحيواني يسهم بـ 18 بالمائة من انبعاثات الغازات.8 واعتبر البعض دراسة عام 2006 معيبة لأنها قارنت دورة الحياة الكاملة للقطاع الحيواني (بما في ذلك الغازات الناتجة عن النقل) بدورات حياة جزئية للقطاعات الأخرى. وحتى عندما أقر معدو الدراسة بذلك، أصر صانعو Cowspiracy على استخدام الأرقام الواردة بها.9

ورفض داني تشيفرز، الكاتب ومحرر الكربون الخارجي الرئيسي لكريسييان أيد وأكشن أيد، الأرقام الواردة في Cowspiracy على النحو التالي:

إن رقم الـ 51 بالمائة يأتي من تقرير وحيد لم يخضع للفحص الدقيق أعده باحثان ـ وهو تقرير تتناثر به الأخطاء الإحصائية. وتقدِّر هذه الدراسة الأثر المناخي لغاز الميثان الناجم عن الحيوانات بأنه يبلغ أكثر من ثلاثة أمثال نظيره الناجم عن المصادر الأخرى، وتضيف إليه على نحو غير ملائم الانبعاثات الناجمة عن استخدام الأراضي، وتتضمن على نحو خاطئ جميع زفير الماشية من غاز ثاني أكسيد الكربون.10

لكن إدراك حدود الأرقام الواردة في Cowspiracy لا يقلل من أهمية دور الإنتاج الحيواني، أو الزراعة عامة، في التغير المناخي. وفي المملكة المتحدة، على سبيل المثال، تشير الأرقام الحكومية إلى أن الزراعة مسؤولة عن 9 بالمائة من إجمالي انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري، والتي تضم 79 بالمائة من إجمالي انبعاثات أكسيد النيتروز، و48 بالمائة من انبعاثات غاز الميثان و1 بالمائة من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون.11 ويمثل الميثان واحدا من غازات الاحتباس الحراري المهمة التي تساهم في ارتفاع درجة حرارة الأرض بمقدار 23 ضعف ما يساهم به غاز ثاني أكسيد الكربون. وينجم الميثان عن عدد من المصادر، مثل تحلل المواد العضوية، لكن قسما مهما من إنتاج هذا الغاز يرتبط بتربية الحيوانات، لأن الحيوانات مثل الماشية والأغنام والماعز والخنازير والجاموس تنتج كميات كبيرة منه كجزء من عملية الهضم لديها. كما ينبعث الميثان عندما يتم تخزين فضلات الحيوانات لاستخدامها كسماد. أما أكسيد النيتروز، فهو ينبعث في الأغلب عند استخدام الأسمدة الصناعية.

وفي مارس 2014، أعلنت الفاو أرقاما تبين أن الانبعاثات الناجمة عن الزراعة في 2011 كانت الأعلى من نوعها في التاريخ، حيث بلغت 5,335 ميجا طن من ثاني أكسيد الكربون (9 بالمائة أكثر من المتوسط السائد في العقد السابق)، ومن المتوقع أن تزيد بمقدار 30 بالمائة بحلول عام 2050.12 ويقدِّر الفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ أن انبعاثات الغازات من الزراعة والغابات والاستخدامات الأخرى للأرض تبلغ نحو 24 بالمائة من إجمالي الانبعاثات على الصعيد العالمي.13 وتطرح دراسة صدرت سنة 2012 أن النظم الغذائية ككل تساهم بما يتراوح بين 19 و29 بالمائة من انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري، ومن بين هذه النسبة، تبلغ نسبة الزراعة بين 80 و86 بالمائة.14

تُعتبر الزراعة مساهما كبيرا في التغير المناخي نتيجة ثلاثة أسباب رئيسية. أولا، يتزايد نصيب المحاصيل التي تنتج علف الحيوان والوقود الحيوي. ثانيا، تمثل الزراعة أحد الأسباب المهمة وراء إزالة الغابات (71 بالمائة من إزالة الغابات الاستوائية بين 2000 و2012 كان مرتبطا بتطهير الأرض من أجل الزراعة15). وأخيرا، فإن الزراعة الحديثة والمصنعة برمتها تعتمد على استخدام الوقود الأحفوري.

إن زراعة المحاصيل تعني تحويل العناصر الغذائية في التربة وثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي إلى نباتات يمكن أن تؤكل. وهناك بعض النباتات لا يأكلها البشر مباشرة ولكن تستهلكها الحيوانات كي تحولها إلى لحوم أو ألبان، أو تعطيها طاقة كي تجر المحراث أو تنقل المواد. ومنذ العصور القديمة، عرف المزارعون أن تزويد التربة بالمواد الغذائية الإضافية يمكن أن يحسن المحاصيل الزراعية. وتاريخيا، كان روث الحيوان يُستخدم لتحقيق ذلك، لكن منذ القرن التاسع عشر فصاعدا، أصبح من الشائع استخدام مخصبات أخرى في ظل تطور فهم العمليات الكيميائية. وتضمّن ذلك في البداية مصادر للمواد الغذائية مثل العظام وذرق الطائر. لكن مع تطور الثورة الصناعية، أصبحت المخصبات الصناعية الوسيلة الأكثر انتشارا لتزويد التربة بالمواد التي تحتاجها. واليوم، يتطلب إنتاج المخصبات مدخلات ضخمة من الطاقة تأتي من الوقود الأحفوري. وفي العالم المتقدم، يُعتبر النفط عنصرا أسياسيا في الحصاد والحرث ونقل الحبوب والحيوانات والغذاء الذي يجري إنتاجه. كما أن من الاستخدامات المهمة للوقود الأحفوري إنتاج المبيدات لقتل الأعشاب الضارة والحشرات.

إن تزايد الطلب على اللحم ومنتجات صناعة اللحوم الأخرى مثل الألبان والبيض والجبن يعني أن الزراعة الحيوانية أصبحت تتميز بضخامة الحجم. ويقدَّر عدد الدواجن في العالم (سنة 2013) بـ 21 مليارا، بينما يوجد 1.4 مليار رأس من الماشية، و1.1 مليار من الخراف و977 مليون من الخنازير.16

تحظى الانبعاثات الناتجة عن مزارع الماشية بالنصيب الأكبر من انبعاثات تربية الحيوان. ومعظم هذه الانبعاثات تأتي من صناعة اللحوم (41 بالمائة من إجمالي الانبعاثات الناتجة عن الحيوانات)، بينما تساهم الانبعاثات الناتجة عن إنتاج الألبان بـ 20 بالمائة. وفي بعض المناطق النامية من العالم، تكون نسبة الانبعاثات الناتجة عن الحيوانات التي يجري استخدامها في النقل أو مشروعات الطاقة مرتفعة ــــــ تمثل ربع الانبعاثات في جنوب آسيا وإفريقيا جنوب الصحراء.17 إن المدافعين عن البيئة ممن يطالبون بتقليل عدد الماشية والجاموس من أجل وقف التغير المناخي نادرا ما يطرحون بدائل للمجتمعات التي تعتمد على الحيوانات في الزراعة والنقل.

ويجدر فحص المقدار الكلي من الانبعاثات الناتجة عن تربية الحيوان. فلنأخذ على سبيل المثال صناعة اللحم البقري في أمريكا الجنوبية. وفقا للفاو، يبلغ نصيب هذه الصناعة 31 بالمائة من إجمالي قطاع إنتاج اللحم البقري في العالم. ويساهم ذلك بنحو 1 مليار طن من ثاني أكسيد الكربون المكافئ لانبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري. وهناك مصدران أساسيان للانبعاثات، أولهما عملية التخمر المعوي، وهي عملية الهضم التي تقوم فيها الكائنات الحية الدقيقة في معدة الحيوان بتفكيك الغذاء بحيث يمكن امتصاصه في الدورة الدموية، مما يُتنِج الميثان (الذي يساهم بـ 30 بالمائة من انبعاثات صناعة اللحم البقري في أمريكا الجنوبية). والمصدر الثاني هو استخدام الروث كسماد، والتغيرات في طريقة استخدام الأرض، مثل إزالة الغابات من أجل توسيع مساحات الرعي، ويساهمان بنحو 23 بالمائة و40 بالمائة من الانبعاثات على التوالي.18

وحتى في ظل النظام الحالي، هناك إمكانية لإجراء تخفيض كبير في الانبعاثات. لكن هذه سوف تتطلب في الأغلب تطورات تكنولوجية أو تغيرات في الممارسات الزراعية، وهو ما قد ترفضه الشركات غير الراغبة في تقليل أرباحها، أو المزارعون الذين يفتقرون إلى رأس المال اللازم لاستخدام هذه الوسائل. لكن مجرد وجود هذه الوسائل يبين أن تبنّي نظام غذائي مرتكز على الحاجة وليس الربح، يمكنه تخفيض الانبعاثات. وعلى سبيل المثال، تلاحظ الفاو أن الانبعاثات من قطاع الماشية يمكن تخفيضها بمقدار 18 بالمائة عن طريق تعميم الممارسات الأفضل التي ينجم عنها مستوى منخفض من الانبعاثات، وكذلك استخدام التقنيات المتاحة. لكن ذلك يعتمد على وجود “سياسات ومؤشرات للسوق مواتية” بغرض التشجيع على استخدام هذه الوسائل الأفضل.19 وتلاحظ الفاو أن الحد من عمليات إزالة الغابات ومن توسيع نطاق المناطق الزراعية وتحسين طرق رعي الحيوان بوسعها أيضا أن تقلل من وجود الغازات المسببة للاحتباس الحراري داخل التربة (والتي تقدَّر بنحو 409 من مكافئ ثاني أكسيد الكربون سنويا). ويمكن لممارسات أخرى، مثل بذر البقوليات (مثل البازلاء والبرسيم والفاصوليا) في المراعي، تحسين قدرة التربة بقوة على امتصاص الكربون.20

ولا يقتصر القلق من انبعاثات الزراعة على تأثيرها على البيئة؛ بل إن هذه الانبعاثات تعكس أيضا اختلالات في العملية الزراعية نفسها. وعلى سبيل المثال، يمثل علف الحيوان الجانب الأكثر تكلفة في تربية الماشية، وتمثل انبعاثات الميثان هدرا في مدخلات الطاقة في شكل علف. وبالتالي، فإن تقليل الانبعاثات يمكنه أيضا أن يخفض من تكلفة الزراعة عن طريق الحد من الطاقة في النظام الغذائي.21

ويختلف مستوى الانبعاثات الناجمة عن الثروة الزراعية الحيوانية بشدة من منطقة إلى أخرى، وهو ما يعكس اختلاف أنماط الزراعة أو طرق استخدام الأرض لدى المناطق المختلفة. وعلى سبيل المثال، تتحمل التغيرات في طرق استخدام الأرض المسؤولية عن 15 بالمائة من الانبعاثات الناتجة عن صناعة اللحم البقري على الصعيد العالمي، لكن هذه النسبة تصل إلى 21 بالمائة فيما يخص إنتاج الدواجن. ويرجع ذلك إلى أن التغيرات في استخدام الأرض ترتبط بإزالة الغابات في حالة اللحم البقري، بينما ترتبط بإنتاج علف فول الصويا في حالة الدواجن. ويخلق ذلك مزيدا من الصعوبات عند تقدير الانبعاثات الناتجة عن هذه الصناعة، لأن فول الصويا يتم تداوله عالميا، مما يُرجِع الانبعاثات إلى مناطق مختلفة في العالم، بينما يُعتبر مصدر الانبعاثات الناجمة عن إزالة الغابات محليا.22 كما توجد اختلافات كبرى بين الدول تعكس تباين الممارسات الصناعية.23 لكنه في العموم، تُعتبر الزراعة في المناطق الأكثر غنى في العالم مصدرا مهما للانبعاثات مقارنة بمساحة الأرض. لكن الانبعاثات بالنسبة لوحدة الزراعة تكون منخفضة.24

 كما يمكن لأساليب الزراعة التأثير على مستوى الانبعاثات لكل وحدة إنتاجية. وهناك تناسب عكسي قوي بين مقدار الألبان التي تنتجها الأبقار وبين كثافة الانبعاثات. بمعنى آخر، عندما يزيد الإنتاج، يقل مستوى الانبعاثات لكل وحدة الإنتاج. وتوجد ثلاثة أسباب لذلك، يكون لها تأثير على تقليل الانبعاثات الكلية الناتجة عن الزراعة. أولها أنه مع زيادة الإنتاج الكلي، تتوزع الانبعاثات على مقدار أكبر من الإنتاج. ثانيا، غالبا ما يرتبط تطوير الإنتاجية (مثل استخدام أعلاف مختلفة أو آلات إنتاج الألبان أو العقاقير التي تزيد من الإنتاج) باستخدام تقنيات تكنولوجية متطورة وممارسات بوسعها الحد من الانبعاثات. وأخيرا، فإن التطورات على صعيد إدارة القطعان وصحة وتربية الحيوان، “تؤدي إلى زيادة نسبة الموارد المستخدمَة لأغراض الإنتاج أكثر من مجرد استخدامها للحفاظ على الحيوانات”.25

ويمكن لاستخدام التكنولوجيا أن يساعد على الحد من مقدار الانبعاثات الكلية والانبعاثات بالنسبة لوحدة الإنتاج، على الأقل في بعض مجالات الثروة الزراعية الحيوانية، مثل إنتاج الألبان. ونظرا لأن كمية غاز الميثان التي تنتجها الأبقار تختلف بشكل طبيعي، تقترح الأبحاث الحالية أن التربية الانتقائية يمكن أن تجعل حيوانات المستقبل أقل تلويثا للبيئة من حيوانات الحاضر، حتى بدون استخدام تقنيات إضافية.26

وبالرغم من أن دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ليس لديها سوى 20 بالمائة من إجمالي البقر الحلوب في العالم، إلا أنها تنتج 73 بالمائة من الألبان على المستوى العالمي. وبالتالي، فإن متوسط الانبعاثات الناتجة عن إنتاج الألبان في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية يُعتبر منخفضا كثيرا عن متوسط المستوى العالمي. وتقترح دراسة حالة لهذا القطاع أجرتها الفاو أن “التحسينات الممكنة في إدارة السماد واستخدام الطاقة وجودة العلف وأداء الحيوانات” يمكن أن تؤدي إلى انخفاض يتراوح بين 14 و17 بالمائة من انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري (أي بين 4 و5 بالمائة من الانبعاثات من قطاع الألبان على الصعيد العالمي). وتتوقف طريقة القيام بذلك على عوامل إقليمية ـ ففي أوروبا الغربية يُعتبر الاستخدام الجيد للطاقة العامل الأهم، في مقابل “الاستخدام الأوسع للتخمر اللاهوائي” من أجل تفكيك فضلات الحيوانات في أمريكا الشمالية.27

لكن في حالة الزراعة، كما هو الحال مع قطاعات أخرى مثل توليد الطاقة أو النقل، يجب أن نكون حذرين إزاء فرضية أن مجرد البحث عن تكنولوجيا مختلفة أو طرق للإنتاج بعينها سوف يؤدي بالضرورة إلى تخفيض الانبعاثات. ولنأخذ مزارع الدواجن مثلا. هناك ثلاثة أنماط لإنتاج الدواجن، هي الفناء الخلفي والطبقات الصناعية التي تنتج اللحوم والبيض، والمراجل الصناعية التي تنتج اللحوم فقط. وتكون كثافة الانبعاثات هي الأقل في حالة المراجل الصناعية ومزارع البيض، وذلك لأسباب تماثل تلك الموجودة في حالة إنتاج اللبن من البقر. لكن الدواجن التي تُترك طليقة في الفناء الخلفي يكون لديها انبعاثات ذات كثافة عالية بالنسبة للبيضة لأن الطائر يأخذ وقتا أكبر كي ينمو، وينتج عددا أقل من البيض، ويكون علف الدجاج في هذه الحالة أقل جودة في الأغلب، وتكون نسبة الطيور غير المنتجة إلى الطيور المنتجة أعلى منها في حالة الإنتاج الصناعي. وبالتالي، فإن الإنتاج الصناعي للدواجن تنجم عنه انبعاثات طاقة أقل للوحدة مقارنة بمزارع الفناء الخلفي.

غير أننا يجب أن نكون حذرين من أن نفقد رؤية السياق الأوسع؛ حيث إنه بالرغم من أن مزارع الدواجن الصناعية تنتج انبعاثات أقل، إلا أن لديها جوانب سلبية أخرى. فالدواجن توضع في ظروف سيئة وتكون حياتها أقصر، وغالبا ما تكون حياتها مؤلمة، وتُستخدم على نطاق واسع المضادات الحيوية والعقاقير الأخرى التي تشجع على النمو السريع. كما أن استخدام العقاقير بغرض إنتاج لحوم أرخص قد يؤدي إلى آثار صحية سلبية على المستهلكين. علاوة على ذلك، فإن مزارع الدواجن الكبيرة تُعتبر غير صحية بالنسبة للعاملين في تلك الصناعة ـــ وتشير أرقام مكتب إحصاءات العمل الأمريكي إلى أن صناعة الدواجن هي واحدة من الصناعات التي لديها أعلى مستوى من أمراض المهنة.28 ويسيطر عدد قليل من الشركات الكبرى على مزارع الدواجن في الولايات المتحدة، وتوكل هذه الشركات لمزارع أصغر مهمة تربية الدواجن (بينما تظل الدواجن نفسها ملكا للشركة الكبرى). ويجعل ذلك مربي الدواجن أسرى علاقة غير متكافئة، يكونون فيها تحت إمرة شركات لا يحركها سوى دافع الربح.29

لكن عندما نأخذ في الاعتبار انبعاثات مزارع الخنازير “لا نجد اختلافات كبيرة بين كثافة الانبعاثات وفقا لاختلاف نظم الإنتاج”. وبالرغم من أن معظم الانبعاثات الكلية من قطاع الخنازير لا تزال تأتي من المزارع الصناعية، فإن هذه الانبعاثات تكون مماثلة لتلك الناتجة عن إنتاج المزارع الخلفية. وغالبا ما يرتبط ذلك برداءة جودة الغذاء الذي يقدم لحيوانات المزارع الخلفية (الذي يكون في العادة مخلفات مصادر أخرى)، وهو ما يعني انبعاثات أقل.30 وبالتالي، فإن الانتقال إلى المزارع المصنعة أو رفع مستوى التكنولوجيا، لا يؤدي تلقائيا إلى الحد من الانبعاثات.

وسوف أعود لاحقا إلى استراتيجيات تقليل الانبعاثات. لكن في الوقت الحالي يجدر بنا أن نشير إلى نتيجتين. أولهما أن هناك إمكانية كبيرة لتقليل الانبعاثات الناتجة عن الزراعة وخاصة مزارع الثروة الحيوانية. وفي ظروف بعينها، يمكن أن تنتج عن استخدام تقنيات متطورة وغيره من الممارسات آثار مهمة على كمية الانبعاثات. وقد أشرت بالفعل إلى أن الفاو خلُصت إلى نتيجة مفادها أنه بالإمكان تخفيض الانبعاثات بين 18 و30 بالمائة إذا استطاع المنتجون في مناطق بعينها تطبيق الممارسات التي ينتهجها أصحاب الانبعاثات الأقل البالغة نسبتهم بين 10 إلى 25 بالمائة.

والنتيجة الثانية هي أن تخفيض الانبعاثات يمكن أن يتحقق في كل من الدول المتقدمة والنامية، لكن طريقة الوصول إلى ذلك تختلف بين هذين النوعين من الدول. ويمكن أن تنخفض الانبعاثات من المزارع الصناعية عن طريق “تعزيز الكفاءة على مستوى المزرعة، عبر تحسين إدارة السماد وأجهزة توفير الطاقة”، لكن تحتاج دول أخرى إلى إدارة أفضل للأرض والقطعان وتغيير ممارسات التغذية.31 وبالتالي لا يوجد أسلوب وحيد لتخفيض الانبعاثات الناتجة عن الزراعة، بل هناك تشكيلة واسعة من الحلول.

كيف يؤثر التغير المناخي على الزراعة؟

وأخيرا، يتعين علينا التركيز على كيفية تأثير التغير المناخي على الزراعة. كان من الشائع الاعتقاد بأن الاحتباس الحراري سوف يخدم المزارعين، لأن ارتفاع مستويات ثاني أكسيد الكربون سيعمل بمثابة مخصب يؤدي إلى زيادة المحصول. وبالرغم من صحة ذلك (حيث إن بعض المحاصيل مثل القمح يمكن أن تزيد بمقدار 30 بالمائة إذا تضاعفت نسبة ثاني أكسيد الكربون)، فإن أي تحسُن يعتمد أيضا على عوامل أخرى مثل مستويات التغذية وإتاحة المياه ومتوسط درجات الحرارة.

وتتأثر الأسماك والمحار بشدة بتغير درجات الحرارة، ومن المتوقع أن تؤدي زيادة حموضة المحيطات إلى تخفيض المخزون، القليل من الأساس. ويمكن أن يؤدي ذلك بدوره إلى آثار سلبية أخرى على الزراعة؛ حيث إن نحو ثلث الأسماك التي يتم اصطيادها تُستخدم كغذاء للحيوان. كما أن تغذية الحيوانات والأسماك على أسماك أخرى وعلى الكريل الموجود في المحيطات يدمر بقوة النظام البيئي للمحيطات.

وفي ظل ارتفاع درجة حرارة الأرض، من المرجح أن يزيد تواتر وحدّة الأحداث الجوية الكبرى، مثل الجفاف والفيضانات. وحيث إن الزراعة غالبا ما تكون متركزة في مناطق بعينها، فيمكن أن تحدث مخاطر فيما يخص إنتاج الحبوب. فعلى سبيل المثال، يأتي ثلث القمح والذرة والأزر الذي يتم تداوله عالميا من الولايات المتحدة. وفي سنة 2012، شهدت أمريكا أسوأ جفاف منذ 1950؛ حيث خبرت 60 بالمائة من المزارع الأمريكية مستوى جفاف بين المتوسط والحاد في أغسطس. ونتيجة ذلك، هبط إنتاج الذرة إلى مستوى 2006 وارتفعت أسعار الصادرات بمقدار 33 بالمائة في الصيف.32

ويهدد ذوبان الأنهار الجليدية الزراعة. وفي جبال الهيمالايا، يغذي نحو 15,000 من الأنهار الجليدية نحو نصف أنهار براهمابوترا والغانج والسند سنويا. وفي ظل ذوبان هذه الأنهار الجليدية، فسوف ترتفع مستويات المياه في البداية، لكن ارتفاع درجات الحرارة سوف يهدد في نهاية المطاف مليار شخص يعتمدون على مياه الأنهار. وفي أمريكا الجنوبية، توفِر الأنهار الجليدية لجبال الأنديز المياه والطاقة الكهرومائية لنحو 80 مليون إنسان. وفي 2010، كتب هنري بولاك أن “ربع سكان الأرض سوف يبدأون في التأثر بقوة خلال عقود قليلة بانخفاض سقوط الجليد وفقدان الأنهار الجليدية”.33

كما أن التغير المناخي سوف يضر بالزراعة والغذاء بطرق أخرى. ويركز تقرير أمريكي صدر في أبريل 2016 على بعض هذه الوسائل. ويطرح هذا التقرير أن بعض الأمراض مثل السالمونيلا والإشريكية القولونية سوف تصبح أكثر انتشارا في ظل ارتفاع درجات الحرارة. ويشير إلى أن زيادة مستويات ثاني أكسيد الكربون سوف تقلل من مستويات البروتين في الغذاء. ولعل النتيجة المخيفة التي يمكن أن نستخلصها من ذلك هي أن قسوة الطقس يمكن أن تؤدي إلى اضطراب سلاسل توريد الغذاء، وتكثيف استخدام المبيدات بفعل التغير في نوع الحشرات الموجودة، والحد من تركُز المعادن الأساسية مثل الحديد والزنك في الطعام.34

التأثير البيئي الأوسع للزراعة

تاريخيا، كانت الزراعة أهم طريقة غيّر بها الإنسان بيئته. ويمكن الربط بين ظهور الزراعة قبل نحو 10,000 عام، وبين تغيرات بيئية كثيرة ومتنوعة، تتضمن إزالة الغابات، وتغيير مسارات الأنهار بغرض الري، والانتقائية في زراعة النباتات وتربية الحيوانات بغرض التدجين. وفي ظل الرأسمالية ـــ كما كان الحال مع المجتمعات الإنسانية الأقدم ــــ لا نزال نقوم بتغيير البيئة، وتمثل الزراعة جزءا مهما من هذه العملية. لكن طبيعة الإنتاج في ظل الرأسمالية كانت تعني أن تغيير الطبيعة أصبح يتخذ مستوى جديدا. وقد وصف كل من جون بيلامي فوستر وبريت كلارك وريتشارد يورك كيف صاغ ماركس تصورا حول الكيفية التي أنتجت بها الرأسمالية “الصدع الأيضي” في “التفاعل بين البشرية والطبيعة”:

كان السياق يرتبط بسرقة المواد الغذائية من الترية في الريف وإرسالها إلى المدن في شكل طعام وألياف، لينتهي بها الأمر إلى المساهمة في التلوث. ويقوض هذا التمزق في دورة المواد الغذائية في التربة قدرات التجدد في النظام البيئي. وقال ماركس إنه من الضروري “استعادة” التمثيل الغذائي للتربة من أجل ضمان الاستدامة البيئية لأجل الأجيال القادمة.35

وترجع جذور هذا الصدع إلى نظام الإنتاج الذي يعامل العالم الطبيعي كجزء من العملية الإنتاجية ذاتها، أي كمصدر للمواد الخام أو الطاقة، أو كمقلب لنفايات هذه العملية الإنتاجية. وبالرغم من أن الإنتاج الزراعي لابد أن يؤثر على الطبيعة، فإن الزراعة المصنعة التي تهيمن حاليا ينجم عنها، وفقا لتعبيرات ماركس، “صدع لا يمكن إصلاحه في العملية التبادلية للأيض الاجتماعي”.36

وتمثل زراعة اللوز مثالا صارخا على ذلك؛ حيث إن 80 بالمائة من إنتاج اللوز في العالم يأتي من مزارع عالية الكثافة في سنترال فالي في كاليفورنيا. وتجري زراعة نحو 60 مليون شجرة لوز في بساتين على مساحة 240,000 هكتار. وتتسم هذه المنطقة بندرة الأمطار وتُصنَف باعتبارها “نصف صحراوية”. وبالإضافة إلى اللوز، توجد في تلك المنطقة مزارع ألبان عملاقة وحقول واسعة للفاكهة والجوز والخضروات. ويصف فيليب ليمبيري في كتاب فارماجيدون Farmageddon المكان على النحو التالي:

إنه مكان مزعج للغاية، حيث لا توجد شفرة عشب ولا تنمو شجرة ولا سياج من الأشجار، باستثناء الحدائق الخاصة والحقول المرسومة بلا رحمة. ويعود الفضل في هذا الكم الهائل من منتجات الفاكهة والخضروات فقط إلى مزيج الكيماويات ونهب الأنهار التي تنهمر من جبال سييرا نيفادا… وبدا أن المزارعين قادرون على النجاح في خدعة سحرية قيمتها مليارات الدولار، حيث استمروا في استخراج المحاصيل من تربة نضبت فيها المواد الطبيعية.37

ويعني هذا النوع من الزراعة المصنعة أنه لا يوجد ما يكفي من النحل من أجل تلقيح المحاصيل، وبالتالي تقوم 3,000 شاحنة بنقل 40 مليار نحلة من جميع أنحاء الولايات المتحدة إلى كاليفورنيا، كي تقوم بتلقيح أشجار اللوز، وهو ما يكلف 250 مليون دولار سنويا.38

إن النحل نفسه، الذي يُعتبر مركزيا بالنسبة لإنتاج الغذاء، أصبح ضحية للزراعة المصنعة. ويرجع اضطراب انهيار مستعمرات النحل إلى استخدام مبيدات تسمى neonicotinoids، إلى جانب عوامل أخرى مرتبطة بقوة بالزراعة المصنعة. فعلى سبيل المثال، فإنه في سنترال فالي، تمت إزالة سياجات الأشجار والحقول غير المحروثة في المناطق الهامشية التي كان يمكن أن يعيش فيها النحل، كي تقام مكانها بساتين عملاقة. لكن الإشكالية الأكبر تمثلت في مناطق المحصول الواحد التي تعتمد على المخصبات الصناعية. وتاريخيا، كان المزارعون يسمحون للتربة بتجديد نفسها عن طريق تناوب المحاصيل ـــــ بإراحة التربة أو زرع محصول مثل البرسيم الذي يشجع أيضا على قدوم النحل. لكن زراعة المحصول الواحد واسعة النطاق تحد من مصادر الطعام وتدمر الأماكن التي يعيش فيها النحل.39

ويطرح الدكتور بارثيبا باسو، خبير البيئة الهندي، أن تراجع الغابات وزيادة استخدام المبيدات يمثلان سببين أساسيين لانهيار أعداد النحل:

كنت آمل ألا تكون خسارة الملقحات بهذه الخطورة في البلدان النامية كما هي في الغرب، لكن الحال ليس ذلك. إنه لأمر مؤسف. نحتاج إلى بذل مجهود كبير كي نعالج هذه المشكلة، لكن للأسف يسير العالم النامي في طريق عكسي حاليا، حيث يتبنى أسلوب الزراعة الكثيفة المستخدم في الغرب. ويعني ذلك زراعة المحصول الواحد والمخصبات الكيميائية واستخدام المبيدات، والمزيد من خسارة البيئات البرية التي يعتمد عليها النحل.40

لكن استخدام طرق تربية النحل الصناعية على نطاق واسع ليس حلا محصنا ضد الفشل؛ حيث إنه في 2014، كان نحو 15 إلى 25 بالمائة من خلايا النحل التي جُلبت إلى كاليفورنيا من أجل تلقيح اللوز في حالة تلف شديد، مما أدى إلى موت ملايين النحل. ويبدو على الأرجح أن السبب كان استخدام “مواد مساعدة” كيماوية بغرض تحسين كفاءة المبيدات الحشرية. لكن هذه المبيدات التي كانت آمنة قبل استخدام هذه المواد المساعدة، أصبحت الآن قاتلة للنحل.41 وبالتالي، فإن صناعة اللوز خلقت صناعة النحل وأصبحت معتمدة عليها، لكن أساليب الزراعة أصبحت أيضا تهدد بقاء صناعة النحل نفسها. ويصعب أن نجد مثلا “للصدع الأيضي” أفضل من ذلك فيما يخص الزراعة الحديثة.42

ربما كان كارل ماركس يتحدث عن اللوز وصناعة النحل عندما كان يعلِّق على الزراعة الرأسمالية:

لم تعد الزراعة تجد الظروف الطبيعية اللازمة كي تقوم بإنتاجها الذاتي اعتمادا على نفسها، بطريقة طبيعية وتلقائية ومتاحة، لكن هذه أصبحت بمثابة صناعة منفصلة عنها ــــ وفي ظل هذا الانفصال، فإن المجموعة المعقدة من الصلات التي توجد بها هذه الصناعة تنسحب على مجال ظروف الإنتاج الزراعي.43

وتسلط صناعة اللوز الضوء أيضا على جانب بيئي آخر للزراعة ـــــ هو المياه. ذلك أن زراعة المحاصيل وتربية الحيوانات يحتاجان إلى كميات كبيرة من المياه. ويحتاج كيلو جرام الأرز إلى 3,400 لتر ماء، بينما يحتاج كيلو جرام الدواجن إلى 3,900 لتر، في مقابل 15,000 و100,000 لتر لكيلو جرام الماشية، وتحتاج اللوزة الواحدة إلى 4 لترات من الماء.45

ويحتاج الهكتار من الأرز “ذو الإنتاجية العالية” إلى نحو 11 مليون لتر كي ينتج 7 أطنان من الأرز. ويحتاج فول الصويا إلى نحو 5.8 مليون لتر كي نحصل على 3 أطنان للهكتار. ويحتاج القمح إلى 2.4 مليون لتر “فقط” لأجل إنتاج 2.7 طن للهكتار. وقد أشارت فندانا شيفا إلى أن هذه المحاصيل ذات الإنتاجية العالية يجب أن تسمى أصناف “عالية الاستجابة”، لأنها تحتاج إلى مدخلات ضخمة في شكل مواد كيميائية وماء.46

وتحتاج زراعة المحاصيل التي تعتمد على الري إلى ثلاثة أمثال الطاقة التي تحتاجها المحاصيل التي تعتمد على مياه الأمطار لإنتاج الكمية نفسها من الحبوب، وهو ما يفاقم من مشكلة انبعاثات الغازات التي تسبب الاحتباس الحراري.47

تعمل الزراعة على الاستنزاف السريع لاحتياطيات المياه العذبة، خاصة المياه الجوفية. وتقوم بعض الآبار بتجديد نفسها تلقائيا، لكن البعض الآخر، التي تسمى طبقات المياه الجوفية الأحفورية، تحوي مياه وُجدت منذ آلاف السنين، لكنها لا تجدد نفسها. وفي الولايات المتحدة، توفِر مياه أوجالالا الجوفية نحو 30 بالمائة من مياه الري التي يستخدمها مزارعو هذا البلد، وقد تجف هذه المياه خلال 25 عاما.48 وكلما كانت المياه أعمق أو أصعب في الحصول عليها، زاد مقدار الطاقة المطلوبة لضخها إلى السطح، وهو ما يعني حرق المزيد من الوقود الأحفوري وزيادة الانبعاثات. ويقدِّر البنك الدولي أن 175 مليون فرد في الهند و130 مليونا في الصين يعتمدون على الحبوب التي تُنتَج عبر الإفراط في ضخ المياه.49

كما تتسبب الزارعة في تلوث مياه الأنهار والبحيرات والبحار. ولعل أحد أسباب ذلك هو التلوث الناتج عن روث الحيوان. وينتج عن الحيوانات في بريطانيا 80 مليون طن من الروث سنويا. وفي بريطانيا، “يمكن لقطيع للألبان متوسط الحجم من 100 بقرة أن ينتج مقدارا ضخما من الروث، يعادل ما تنتجه بلدة يقطنها 5,000 شخص. ويبلغ إجمالي أبقار الألبان في بريطانيا 1.8مليون بقرة، ناهيك عن ملايين الخنازير والدواجن والحيوانات الأخرى التي تُربى في المزارع”.50 وفي الماضي، كان روث الأبقار يوزع على الحقول كمخصبات، لكن زراعة الألبان الكثيفة (أو مصانع تربية الدجاج والخنازير) تنتج كميات كبيرة جدا من الروث لا يمكن نشرها في التربة. ويجري تخرين بعض الروث في بحيرات واسعة، يمكن لتسريباتها أن تُلوث المياه الجوفية وتبعث الغازات في الجو.51 وينقل ليمبري عن كيفين هاملتون، المعالج التنفسي فيما كان يعرف في السابق بسنترال فالي، ما يلي حول تأثير الزراعة عالية الكثافة على التلوث:

إننا نتحدث عن أمراض القلب وتشوهات المواليد وتقزُّم الرئة لدى الأطفال الذين يقضون وقتا طويلا يلعبون في الخارج. إننا نتحدث عن ارتفاع ضغط الدم وتزايد خطر السكتة الدماغية. نحن لدينا ثاني أعلى معدل للإصابة بالربو لدى الأطفال في الولايات المتحدة بأسرها.52

وتضم بعض معامل الألبان الضخمة في المنطقة آلاف الأبقار.53 وتؤدي فضلات هذه المعامل، إلى جانب استخدام المواد الكيمائية والمبيدات الحشرية، إلى كارثة صحية. ويواصل هاملتون حديثه قائلا: “يتعين علينا استخدام كميات هائلة من المواد الكيماوية كي تُستخرج المحاصيل المتعددة من التربة التي لدينا هنا… بوسع هذه المبيدات التغلغل في جسم الإنسان حتى تصل إلى مستوى الجينوم ــــ وهو ما يعني أنه يمكنها التأثير على اللبنات الأساسية في جسم الإنسان.54

ويمكن لتسربات مياه الأمطار أن تدفع بالروث إلى القنوات والأنهار، ويمكن لكميات كبيرة منه أن تخلق “مناطق ميتة” في المياه. وقد نتج عن الزراعة التي تعتمد على الاستخدام “المفرط” للمخصبات في مناطق مستجمعات المياه في الميسيسيبي أن 6,000 متر مربع في خليج المكسيك لم تعد صالحة للاستهلاك.55

وفي الدول المتقدمة مثل بريطانيا والولايات المتحدة، تمكنت منظمات المزارعين من مقاومة الإجراءات الحكومية للحد من هذا التلوث. وفي الولايات المتحدة “لا يقوم الكونجرس بمراقبة الزيادة المفرطة في النيتروجين الناتج عن المزارع، ولا يفرض ضريبة على استخدام المخصبات في الزراعة”. وبدلا من ذلك، يدفع للمزارعين كي يتركوا الأرض غير مزروعة لفترة لأجل الحد من التلوث. وبمعنى آخر، تدفع الحكومة للمتسببين في التلوث بدلا من معاقبتهم. وفي إحدى الحالات، عندما كان آل جور يخطط لفرض ضريبة على مزارعي السكر في فلوريدا بغرض تمويل عملية تنظيف إيفرجليدز، اتصل أحد بارونات السكر بالرئيس -وقتها- بيل كلينتون كي يلغي خطة فرض الضريبة.56

ولا يقتصر أثر استخدام المبيدات الحشرية على الإنسان على أولئك الذين يعيشون بالقرب من مناطق المزارع المصنعة الكثيفة. ذلك أنه في العالم النامي توجد أعداد أكبر من السكان تعمل بالزراعة، وهو ما يهدد المزيد من البشر. وتُعتبر محاصيل الشاي والقطن والبن والخضروات كثيفة الاستخدام للمبيدات، وهو ما يعرِّض مساحات كبيرة من الأرض وأعدادا كبيرة من السكان للمواد الكيماوية. ووفقا لتقدير منظمة الصحة العالمية، يموت 20,000 عامل سنويا، أغلبهم في العالم النامي، جراء التعرض للمبيدات.57

ويجلب استخدام المبيدات منافع ومشاكل محتملة في الوقت ذاته. ففي ظل “الثورة الخضراء” في السبعينيات، تزايد حجم المحاصيل بشكل كبير، حيث جرى تطوير سلالات جديدة من المحاصيل. وإلى جانب ذلك، تزايد استخدام المبيدات، وهو ما ارتبط بقوة بزيادة الدعم الحكومي. وفي بعض الأحيان، كان الإفراط في استخدام المبيدات مؤديا إلى دمار أوسع للبيئة (إلى جانب تكلفته فيما يخص صحة البشر). ففي إندونيسيا على سبيل المثال، في بداية الثمانينات أدى تزايد الدعم الحكومي الكبير للمخصبات والمبيدات إلى الإفراط في استخدامها في حقول الأرز. وفي الوقت الذي يؤدي فيه استخدام المبيدات إلى قتل الحشرات، فإن الإفراط في استخدامها يؤدي إلى دمار كائنات كانت أساسية في مكافحة هذه الحشرات (مثل العناكب). وعندما استطاعت “حشرات سيئة” مثل الفلقورينات، تطوير القدرة على مقاومة المبيدات، اضطُرت الحكومة إلى حظر 75 نوعا من المبيدات كي تسمح بتعافي بعض الحشرات التي تساهم في السيطرة على الآفات الزراعية.58

وكان أحد ردود الأفعال على ذلك عودة بعض المزارعين والمستهلكين إلى المحاصيل العضوية، بغرض الحد من استخدام الوسائل الاصطناعية في مكافحة الآفات. وتُعتبر الزراعة العضوية محاولة لجعل الزراعة أكثر استدامة وتنوعا بيولوجيا وصحية، عن طريق الحد من استخدام الكيماويات الصناعية. وعلى سبيل المثال، جرى استخدام وسائل مثل دورات المحاصيل والروث ومحاصيل التغطية من أجل تجديد التربة، بدلا من الاعتماد على المخصبات الاصطناعية.

ويمثل ذلك رد فعل مفهوما على الزراعة المصنعة، لكننا يجب أن نتعامل بحذر مع محاولات إهمال الفوائد الحقيقية للتطور التكنولوجي في الزراعة الذي جلبته الثورة الخضراء. فعلى سبيل المثال، كانت الهند سنة 1964 تنتج 12 مليون طن من القمح على مساحة 14 مليون هكتار. وبعد ذلك بـــ 30 عاما، بلغ إنتاج القمح 57 مليون طن على مساحة 24 مليون هكتار. وتبين الحسابات أنه بدون مزايا الثورة الخضراء، كانت الهند ستحتاج إلى 36 مليون هكتار إضافية من المساحات المزروعة.59 ولا تحمي الزراعة العضوية في حد ذاتها من المخاطر الصحية. ففي 2006، توفي ثلاثة أشخاص وأصيب المئات بميكروب الإشريكية القولونية نتيجة زراعة السبانخ في إحدى المزارع العضوية في كاليفورنيا، وتوفي تسعة أشخاص من السالمونيلا الناتجة عن مزارع الفول السوداني العضوية في تكساس وجورجيا. وفي 2011، توفي 53 نتيجة الإشريكية القولونية بعدما تناولوا براعم الفاصوليا من مزرعة عضوية في ألمانيا.60 وتبين هذه الأمثلة أن المشكلة ليست في مجرد استخدام المبيدات وأن الحل ليس ببساطة الزراعة العضوية، بل إن المشكلة تكمن في مجموعة كاملة من العمليات الخاصة بالزراعة والتي يمكن أن تؤدي إلى مشاكل صحية.

ونظرا لأن الزراعة العضوية أقل اعتمادا على الوقود الأحفوري (الذي يُستخدم في صناعة المبيدات والكيماويات)، فإنها يمكن أن تؤدي إلى تخفيض كبير في إجمالي انبعاثات الغازات التي تسبب الاحتباس الحراري. وعلى سبيل المثال، يخلُص تقرير صدر في 2006 إلى أنه إذا جرت زراعة 10 بالمائة من الذرة الأمريكية بطريقة عضوية، فإن ذلك يمكن أن يوفِر 4.6 ملايين برميل نفط. ويمكن أن ينطبق ذلك أيضا على زراعة اللحوم. وقدَّرت جمعية التربة في المملكة المتحدة أن الألبان العضوية تستخدم طاقة تقل بمعدل 38 بالمائة عن تلك التي تستخدمها الألبان غير العضوية. أما اللحم البقري المنتَج بطريقة عضوية، فهو يستخدم طاقة أقل بمعدل 35 بالمائة، في مقابل طاقة أقل 25 بالمائة فيما يخص الخراف.61 ونكرر، يجب ألا نرى هذه الأرقام خارج السياق. فقد توصل تقرير لجامعة أكسفورد صدر في 2012 إلى أن “النظم العضوية تكون في الأغلب أفضل للبيئة بالنسبة لوحدة الأرض، لكن النظم التقليدية تكون أفضل للبيئة بالنسبة لوحدة الإنتاج”. ويتناقض هذا التقرير أيضا مع الأرقام التي أوردتها جمعية التربة، حيث يطرح أن”الألبان والحبوب ومزارع الخنازير العضوية أنتجت بالنسبة لوحدة الناتج غازات مسببة للاحتباس الحراري تزيد عن تلك الناتجة عن استخدام البدائل التقليدية”.62

ولعل الخلاصة الأساسية هنا أن طرق الزراعة العضوية لديها الكثير كي تقدمه من وجهة النظر البيئية. لكن فوائد هذه الزراعة ليست تلقائية، وتعتمد على الحجم والنطاق، وكذلك على استخدام التكنولوجيا بطريقة مصممَة كي تقلل من الأضرار على البيئة. ويقول كولين تادج، أحد النشطاء البريطانيين في حملة “الزراعة المستنيرة”، إن “الزراعة العضوية لا يجب أن تكون الشرط المطلق… بل يجب أن تكون الوضع الافتراضي: أي يجب أن تكون هي ما يفعله المزارعون إلى أن يجدوا سببا بيولوجيا جيدا للقيام بشيء آخر”.63

وهناك أثر بيئي وصحي أخير للزراعة يرتبط بصناعة اللحوم على وجه الخصوص – هو استخدام المضادات الحيوية لعلاج الحيوانات وتحسين نموهم وإنتاجيتهم. “وفي الولايات المتحدة، يجري استخدام 80 بالمائة من المضادات الحيوية في المزارع، و70 بالمائة… من أجل تعزيز النمو أو منع الأمراض وليس بغرض العلاج”.64 ويرتبط استخدام المبيدات بشكل خاص مع المزارع المصنعة، حيث يؤدي حبس الحيوانات إلى إمكانية انتقال المرض بسهولة.

غير أن الاستخدام المكثف للمضادات الحيوية يؤدي إلى تقوية البكتيريا المراد تدميرها بواسطة هذه المضادات، والتي يمكن أن تتسلل بعد ذلك إلى سلاسل الغذاء أو جسم الإنسان عن طريق الروث وغيره. وعلى سبيل المثال، يحمل ما يزيد عن نصف مربي الخنازير في هولندا وكذلك 40 بالمائة من الخنازير سلالة البكتيريا العنقودية الذهبية المقاومة للميثيسيلين. وتشير الاختبارات إلى أن هذه البكتيريا موجودة في 35 بالمائة من اللحم النيء في هولندا. وفي بريطانيا، وُجدت 15 حالة تحمل سلالة جديدة من العنقودية الذهبية المقاومة للميثيسيلين في الألبان التي تنتجها معامل الألبان البريطانية سنة 2011. وتؤدي الزراعة المصنعة والإفراط في استخدام المضادات الحيوية إلى خلق سلالات فائقة من الأمراض. وتوصلت دراسة حول السالمونيلا في الدجاج البريطاني إلى أن طيور الأسراب الصغيرة التي لا يتم حبسها في أقفاص تكون أقل عرضة لحمل المرض.65 وفي 2010:

تَبين أن 18 بالمائة من الأسراب المحبوسة في أقفاص مصابة بالسالمونيلا الملهبة للأمعاء، وهي السلالة الأكثر انتشارا التي تُسبب تسمم الغذاء، وذلك في مقابل 3 بالمائة من الأسراب غير المحبوسة في أقفاص. وكانت الأسراب الأكبر التي تضم 30,000 طائر أو أكثر عرضة لحمل السالمونيلا بمقدار سبعة أمثال الأسراب الصغيرة التي تضم 3,000 دجاجة أو أقل.66

وترتبط الأمراض الفيروسية مثل أنفلونزا الطيور وأنفلونزا الخنازير بشدة بالتربية الكثيفة للدجاج والخنازير، التي توفِر ظروفا مثالية لتطور سلالات جديدة من هذه الأمراض.

لا شك أن الزراعة المصنعة تمثل تهديدا لكل من البيئة وصحة الإنسان.67 لكن ما هو السبب في ذلك؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1        I’d like to thank Alex Callinicos, Esme Choonara, Sarah Ensor, Suzanne Jeffery, Ian Rappel and Camilla Royle for their comments on drafts of this article.

2        Klein, 2015.

3        Graham-Leigh, 2014, pp7-8.

4        It is worth noting that Cowspiracy never mentions any agricultural corporations, nor does it investigate food production outside of the United States so there is no attempt to discuss the question of livestock agriculture in the developing world, or the role of animals (such as for ploughing or transport) in agriculture outside of their use for meat, milk and eggs.

5        Because this article focuses on the question of agriculture and climate change, some of the wider debates are only touched on or omitted entirely. There are many books that take these further including my own—Empson, 2014. Other books that are useful include Magdoff and Tokar, 2010, Lymbery, 2014, Graham-Leigh, 2014 and McMahon, 2013.

6        Goodland and Anhang, 2009, p11.

7        Gerber and others, 2013, pxii.

8        Steinfeld and others, 2006.

9        The FAO’s acknowledgement of “methodological refinements and improved data” is in Gerber and others, 2013, p15. See Paarlberg, 2013, p132 for more on the limits of the 2006 FAO report. The “flawed” figures are still quoted at www.cowspiracy.com/facts/ for example.

10      Chivers, 2016.

11      DEFRA, 2015b, pp16-19. Total UK emissions from agriculture in 2013 were 53.7 million tonnes of CO2 equivalent, a decrease of 19 percent since 1990. The decrease has a variety of causes, including a reduction in the amount of livestock and “substantial” reductions in the use of nitrogen fertilisers. Annual figures for the UK can be found in DEFRA, 2015a, p12.

12      Tubiello and others, 2014, p20 and p23. “CO2 equivalent” means the amount of CO2 that would have the same warming effect.

13      IPCC, 2014, p816.

14      Vermeulen, Campbell and Ingram, 2012.

15      Jones, 2014.

16      FAO figures from http://faostat3.fao.org/home/E

17      Gerber and others, 2013, p23.

18      Gerber and others, 2013, pp68-69.

19      Gerber and others, 2013, p46.

20      Gerber and others, 2013, pp50-51.

21      Gerber and others, 2013, p40.

22      Gerber and others, 2013, p41.

23      Gerber and others, 2013, p42.

24      Gerber and others, 2013, p53.

25      Gerber and others, 2013, p42.

26      Ince, 2014. I am indebted to John Parrington for pointing this out to me.

27      Gerber and others, 2013, pp76-78.

28      Lymbery, 2014, p193.

29      For more on the industrial chicken, see Lymbery, 2014, pp187-196.

30      Gerber and others, 2013, pp35-36.

31      Gerber and others, 2013, p44.

32      Adonizio, Kook and Royales, 2012, p2.

33      Pollack, 2010, pp200-202.

34      USGCRP, 2016.

35      Foster, Clark and York, 2010, p46.

36      Marx, 1992, p949.

37      Lymbery, 2014, p13.

38      Lymbery, 2014, pp63-64.

39      Lymbery, 2014, p68.

40      Lymbery, 2014, p70.

41      Philpott, 2014a.

42      I am indebted to Adam Rose for this point.

43      Quoted in Foster and Clark, 2016.

44      McMahon, 2013, p89.

45      Philpott, 2014b.

46      Shiva, 2014, p222.

47      Magdoff and Tokar, 2010, p243.

48      McMahon, 2013, p66.

49      McMahon, 2013, p66.

50      Lymbery, 2014, p172.

51      Agriculture run-off in the UK is one of the major reasons why the UK is not expected to meet the Water Framework Directive well beyond the deadline of 2021.

52      Lymbery, 2014, p23.

53      China also has enormous cow factories. In July 2015 one was being built to house 100,000 cattle to supply milk and cheese to Russian markets. Go to www.fwi.co.uk/livestock/china-building-100000-cow-dairy-unit-to-supply-russian-market.htm

54      Lymbery, 2014, p24.

55      Paarlberg, 2013, pp117-118.

56      Paarlberg, 2013, pp127-128.

57      Hashmi and Khan, 2011, p161.

58      Paarlberg, 2013, pp72-73.

59      Paarlberg, 2013, p73.

60      Paarlberg, 2013, p173.

61      Figures from, Lymbery, 2014, pp238-239.

62      Paarlberg, 2013, p175. The Oxford University study is summarised at www.ox.ac.uk/news/2012-09-04-organic-farms-not-necessarily-better-environment

63      Tudge, 2011, p68.

64      Lymbery, 2014, p139.

65      Lymbery, 2014, pp144-145.

66      Lymbery, 2014, p145.

67      While this article focuses on agriculture, these conclusions are also true of the fishing industry. See Lymbery, 2014, chapter 5, and Ensor, 2016.

نشرت في إنترناشيونال سوشياليزم، أكتوبر 2016

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

أزمات الرأسمالية الديمقراطية إن الشكوك بأن الرأسمالية والديمقراطية لا يمكن الجمع بينهما بسهولة ليست جديدة على الإطلاق. فمنذ القرن التاسع العشر، وكذلك في القرن العشرين، كانت البرجوازية وقوى اليمين السياسي تخشيان من أن حكم الأغلبية، الذي بدوره سيرسي حكم الفقراء على الأغنياء، سيقتلع الملكية الخاصة ويتخلَّص من الأسواق الحرة.

وولفجانج ستريك

اثنتا عشرة أطروحة حول تغيير العالم بدون الاستيلاء على السلطة أصبحت الثورة أكثر إلحاحا عن أي وقت مضى. وصارت الأهوال المتصاعدة من التنظيم الرأسمالي للمجتمع أكثر عددا وشدة. وإذا ثبت أن الثورة عن طريق الفوز بسلطة الدولة كانت وهما، فهذا لا يعني أننا يجب أن نهمل سؤال الثورة؛ بل علينا أن نفكر فيه بطرق أخرى: ليس بالاستيلاء على السلطة، بل في تدميرها.

جون هولواي

الربيع العربي: ضد التفاؤل والتشاؤم السطحيين إن استيعاب القصة بعقدتها متعددة الجوانب لن يحمينا فقط من العواطف السياسية السطحية، بل سيوفر لنا أيضا الدروس الصحيحة المستفادة للتعامل مع صراعات المستقبل. ويعد كتاب "الأعراض المرضية" لجلبير أشقر، وكتاب "عمال ولصوص" لجويل بينين، نموذجين جيدين للتحليلات الهامة التي تهدف للفهم الصحيح لما حدث.

عاطف سعيد

ثورة بغير منظمات ثورية، وسياسة بلا أحزاب سياسية… محاولة نحو فك اللغز المصري (1) لماذا بقيت الثورة المصرية وقد امتد فورانها وزخمها قرابة عامين ونصف عاجزة عن بلورة أحزاب سياسية مؤهلة للتدخل المؤثر والفعال في ترتيبات السلطة السياسية ما بعد اسقاط مبارك وزمرته؟ كيف لم تنجح ثورة شعبية كبرى كهذه في بلورة ولو حزب ثوري واحد؟

هاني شكر الله

التكوين الاقتصادي والطبقات في النظام الرأسمالي (ملاحظات أولية) ليس من الممكن أن نتجاوز أهمية دراسة الطبقات، حيث أن منظور الصراع قائم أصلا على أنه صراع طبقي. هذا ما تؤكده الماركسية، وهو في جوهر رؤيتها للواقع.

سلامة كيلة