الاقتصاد العالمي: عودة الأزمة

قضايا

13  يوليو  2017

نشر في مجلة International socialist Rview

في أعقاب الأزمة الاقتصادية العالمية في 2008، أعادت الرأسمالية تنظيم صفوفها، حيث ضخَّت الدول مبالغ طائلة من الأموال في النظام من أجل حفظ استقراره. لكن النتيجة كانت تحسناضعيفا نسبيا، فشل في إزاحة المشكلات التي أنتجت هذه الأزمة بالأساس. وكنتيجة لذلك، تهدد الأزمة بالعودة مرة أخرى بعد ثمانِ سنوات.

استمر التعافي الاقتصادي العالمي الضعيف بصعوبة حتى النصف الثاني من 2016، حتى بعد أن هرعت الاقتصادات العالمية الكبرى إلى الإنفاق التحفيزي في أعقاب تباطؤ النمو الاقتصادي في الصين. وقد أطلق تصويت بريطانيا للخروج من الاتحاد الأوروبي موجة أخرى من الفزع المالي في أرجاء النظام. ظلَّت الدول المُصدِّرة في ركود بسبب تراجع الطلب من جانب الصين. وقد صار التناقض بين الدول القومية والاقتصاد العالمي المتكامل، الذي كشف الماركسيون الثوريون عنه النقاب منذ قرن من الزمان، موضوعا حديثا وهاما مثله مثل عناوين صحف اليوم.

قد تحافظ التدابير التحفيزية الضخمة، التي اتُخِذَت في أواخر 2015 وأوائل 2016، على الانتعاش لبضعة أشهر، تلك التدابير التي تمثلت في إنفاق الكونجرس الأمريكي الأعلى من حدود التقشف السابقة، وشراء سندات من قِبَل البنك المركزي الأوروبي بشكلٍ غير مسبوقٍ لضخِ تريليون دولار في الاقتصاد، وبرنامج الائتمان والإنفاق الذي تجاوز تريليون دولار من جانب الصين. ومع تحفيزاتٍ إضافية، ربما على الأرجح لتخفيف تأثير خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، قد يستمر التوسع الاقتصادي لبضع سنواتٍ أخرى.

خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يقود الاقتصاد العالمي إلى المجهول. تبخر 2 تريليون دولار من الأسواق المالية بعد يومٍ واحدٍ من التصويت، الأمر الذي يفتح الباب أمام المزيد من الاضطرابات (1). وعلى الرغم من التحفيز الصيني، لا تزال اقتصادات السوق الناشئة الرئيسية غارقةً في الأزمة منذ منتصف 2016، بينما يظل النمو في الاقتصادات المتقدمة بطيئًا. في الولايات المتحدة، هبطت الأرباح بحلول 2016، كما تباطأت الإنتاجية وظل الاستثمار متوقفًا عند مستويات منخفضة تاريخية. لاحت حروب العملة والحروب التجارية في القلب من الحروب العسيرة في الشرق الأوسط وأجزاءٍ أخرى من العالم. أما في أوروبا، فقد يؤدي خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي إلى الاحتمال الذي لم يكن ممكنًا حتى التفكير فيه من قبل، بتفكك الاتحاد الأوروبي، حيث تطالب الأحزاب اليمينية في عدة دول بإجراء استفتاءات على خروج دولها أيضًا.

المؤشر المؤكد على ضيق فرص الاستثمار المربح هي أن المستثمرين الباحثين عن ملاذٍ آمن قد استثمروا 10 تريليون دولار في السندات الحكومية والصكوك المالية الأخرى، التي دفعت أسعار الفائدة السلبية (2). لقد فعلوا ذلك بالأساس من أجل الحصول على امتياز إقراض الحكومة لهم. ومثل هذه الاستثمارات، التي من شأنها زعزعة استقرار المؤسسات المالية مثل صناديق التقاعد وشركات التأمين، منطقية بالفعل فقط إذا ظهرت احتمالات أسوأ في أي مكانٍ آخر. أما هذا القدر من التشاؤم فهو مبررٌ تمامًا، وفقًا لخبراء الاقتصاد في صندوق النقد الدولي (3)، والبنك الدولي (4)، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (5)، الذين خفَّضوا جميعًا توقعاتهم بشأن نمو الاقتصاد العالمي في 2016.

لم يأتِ توقيت هذا التباطؤ الاقتصادي مفاجئًا، بل جاء بعد سبع سنواتٍ من انتهاء الكساد الكبير في الفترة من 2007 حتى 2009، قياسًا بالتوسع الاقتصادي في الولايات المتحدة. وما يهدد فعلًا باحتمالية ركودٍ جديدٍ هو أن الاقتصاد العالمي لا يزال بعيدًا عن حل المشكلات التي أدت إلى الكساد الكبير نفسه: الإفراط في الصناعة مما أدى إلى تراجع الأرباح، والتهديد بالإفلاس، وإجبار الشركات على مستوياتٍ غير مسبوقةٍ من الديون بالنسبةِ إلى الناتج الاقتصادي. لقد أدرك المُنظِّرون الاقتصاديون الماركسيون الكلاسيكيون هذه الأزمة التي تلوح في الأفق، حيث التنافس على بناء المصانع الأكثر قدرة على المنافسة من الناحية التكنولوجية، وطوفان الائتمان لتمويل التسابق على جني الأرباح، وما يلي ذلك من انخفاض في الأرباح حين تجني الاستثمارات الأكبر عوائدًا أصغر نسبيًا وتُنتج الكثير من السلع لتُباع بأسعارٍ مُربِحة. وكما طرح كارل ماركس وفريدريك إنجلز، فإن:

“في هذه الأزمات يتفشّى وباءٌ مجتمعيّ ما كان ليبدو، في كل العصور السالفة، إلا مستحيلًا، وهو وباء فائض الإنتاج. حيث يجد المجتمع نفسه فجأة وقد رُدَّ إلى وضع من الهمجية المؤقتة، حتى ليُخيَّل أن مجاعةً وحرب إبادةٍ شاملة قد قطعتاه عن وسائل العيش؛ فتبدو الصناعة والتجارة وكأنهما أثر بعد عين، و لماذا؟ لأن المجتمع يملك المزيد من الحضارة، والمزيد من وسائل العيش، والمزيد من الصناعة، والمزيد من التجارة” (6).

أزمة النيوليبرالية

خلال العقود الماضية، ربما كان الاقتصاديون التقليديون يسخرون من مثل هذا التحليل. أما اليوم، فقد توصَّل الاقتصاديون الأكثر أمانةً إلى حقيقةِ أن النيوليبرالية (سياسات الخصخصة، وإلغاء القيود، والتجارة الحرة، وخفض الإنفاق الاجتماعي، وضرب النقابات، تلك التوجهات التي أدت إلى الانتعاش الطويل في الاقتصاد العالمي منذ 1982 حتى 2007)، لا تقدِّم حلًا لأزمة الاقتصاد العالمي المُزمِنة، بل على العكس؛ صار يُنظر إليها باعتبارها جذور المشكلة ذاتها.

في عام 2011، صرَّح الاقتصادي بجامعة نيويورك، نوريا روبيني، لوول ستريت جورنال، بأن: “كارل ماركس كان على حق. الرأسمالية تدمِّر نفسها عند نقطةٍ معيَّنة… كنَّا نظن أن الأسواق هي الحل، لكنها ليست كذلك” (7). بعد سبع سنواتٍ أخرى من النمو الاقتصادي الضعيف، رفض الكثيرون من الاقتصاديين التقليديين هذه الفرضية المُسَلَّم بها. والجدير بالذكر أن وزير الخزانة الأمريكية السابق، لورينس سامرز، الذي غيَّر وجهته إلى انتقاد الاقتصاد الأمريكي، صار الآن يجادل بأن الاقتصاد العالمي اليوم واقعٌ في قبضة “الركود”، واصفًا الفترة الممتدة من النمو الضعيف. استنتج سامرز أن النظرية الاقتصادية التي درَّسَها لسنواتٍ طويلة خاطئة (8). كما اعترفت وكالة تحصيل الديون للبنوك للغربية بأن: “الأجندة النيوليبرالية… فشلت في تحقيق ما هو مُتوقَّع” (9). أما الكاتب الصحفي بالفاينانشيال تايمز، مارتن وولف، فقد شدَّد على أنه إذا كان لابد من تأميم البنوك الكبرى فعليًا خلال أزمة 2008، فينبغي وضعها اليوم تحت وصاية الدولة (10). وقد أصدر الاقتصادي روبرت جوردون كتابه الأخير بعنوان “صعود وهبوط النمو الأمريكي” (11). والقائمة تطول.

تؤدي هذه التوليفة من الأزمات الاقتصادية والأيديولوجية مباشرةً إلى أزماتٍ سياسية. لا يتناول هذا المقال تأثيرات الركود العالمي الجديد على السياسات العالمية، لكن يكفي القول أن الاستقطاب الذي شهدته السنوات الاقتصادية الأخيرة “الجيِّدة” سوف يستمر. وتؤكد سيولة العلاقات الإمبريالية، التي تلت الهزيمتين المتلاحقتين للولايات المتحدة في أفغانستان والعراق، أن العواقب السياسية للاقتصاد العالمي المأزوم سوف تتعاظم بشكلٍ كبير. وهذا بالطبع يتضمن ثوراتٍ، وثوراتٍ مضادة، وحربًا أهليةً في الشرق الأوسط، وأكبر أزمة لاجئين منذ سبعين عامًا، وصعود سياسات اليمين المتطرف المعادية للمهاجرين في أوروبا، ومقاومة من جانب الطبقة العاملة كما شهدنا في فرنسا وفي بلدانٍ أخرى. وتُعد الأزمة المستمرة التي تعانيها الأحزاب السياسية الأبرز، سواء في البلدان الصناعيةِ الأقدم أو الأحدث، جزءًا من عملية الاستقطاب السياسي التي تفرز فرصًا وإمكانياتٍ سياسية لكلٍ من اليمين واليسار على السواء.

هناك إحياءٌ انتخابيٌ جديدٌ لليسار في اليونان وإسبانيا والبرتغال، علاوة على انتصار جيريمي كوربين في حزب العمال البريطاني، ذلك الحزب الذي كان رائدًا في تحوُّلِ الاشتراكية الديمقراطية الأوروبية نحو النيوليبرالية. ورغم تفاوت النتائج، حيث استسلام سيريزا في اليونان للدائنين، والترجيح بأن يواجه بوديموس تحديًا مماثلًا في إسبانيا، إلا أن السياسات المناهضة للتقشف قد وجدت ما يعبِّر عنها في صناديق الاقتراع، بينما تسعى الأحزاب اليمينية المتطرفة، مثل حزب الجبهة القومية بزعامة ماري لو بان في فرنسا، وحزب الحرية بزعامة نوربرت هوفر في النمسا، لتحقيق مكاسبٍ انتخابية مبنية على توجيه الغضب الشعبي المتولِّد أساسًا من الأزمة الاقتصادية تجاه المهاجرين. لكن الإضرابات والاحتجاجات، التي نظمتها النقابات في فرنسا ضد القوانين المعادية للعمال في 2016، تسلِّط الضوء على إمكانات مقاومة الطبقة العاملة والفرص المتزايدة لتجديد اليسار من داخل هذا النضال (12).

وتعزِّز اللا مساواة المتنامية في الولايات المتحدة كلًا من صعود حملة دونالد ترامب ضد المهاجرين تحت شعار “لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا”، والنجاح غير المُتوقَّع لبيرني ساندرز في إعادة تقديم الاشتراكية في النقاشات السياسية الأمريكية السائدة لأولِ مرةٍ منذ عقود.

بالطبع لن تقف الطبقة الرأسمالية وممثلوها السياسيون مكتوفي الأيدي أمام انجراف الاقتصاد العالمي من أزمةٍ إلى أخرى، بل على العكس، سيواجه رأس المال والدولة أي تحدٍ خطيرٍ من أسفل إما بالاحتواء أو بالقمع، وستطوِّر الإمبريالية الأمريكية استراتيجيةً جديدة لإعادة إحكام سيطرتها، وفي نفس الوقت سيبحث رأس المال عن طريقةٍ لإعادة هيكلة النظام لاستعادة النمو والربحية، مما سيُكثِّف بدوره من حِدة الصراع الطبقي. وإذا كانت النيوليبرالية قد نجحت في تحقيقِ “شراكةٍ” في العلاقات بين العمال والإدارات، فستسعى إعادة الهيكلة المقبلة للرأسمالية لتمزيق ما تبقى. في فرنسا، هناك قانون “الخمري” الذي يسلب العمال حقوقهم، وفي الولايات المتحدة، هناك برامج “الإصلاح” التي تفتح الباب أمام تقليصِ الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية.

ستزداد هذه التقلبات السياسية في العواصف الاقتصادية المقبلة، وستخلق فرصًا وتحدياتٍ أمام الميلاد الجديد للسياسات الاشتراكية الثورية والتنظيم الاشتراكي الثوري. لعل فرص إعادة الإحياء واضحة، ولكن إذا كان على الاشتراكيين طرح آرائهم والإقناع بها، فلابد من تقديم تحليلٍ شاملٍ للأزمة الراهنة وفهمٍ متكاملٍ لاستحالة حلَّها على أساسٍ رأسمالي دون معاناةٍ إنسانيةٍ أكبر مما شاهدنا في السنواتِ الأخيرة.

نقدِّم فيما يلي استقصاءً أوَّليًّا للأزمة الاقتصادية المتجدِّدَة، والتي لا تزال في مراحلها الأولى.

من الفزع إلى الانتعاش الضعيف

لفهم الضعف البادي على الاقتصاد العالمي، من المفيد أن نتذكر ما تُفضِّل وول ستريت أن تنساه: أن النظام المالي انهار بكامله تقريبًا في خريف 2008، حيث تداعى الإنتاج الصناعي بمعدلٍ أسرع مما كان عليه في بداية الكساد الكبير في 1929 (13). انخفضت قيمة الاستثمارات المالية المعقدة المرتبطة بالرهون العقارية – مثل مقايضات العجز الائتماني التي تُقدَّر بـ62 تريليون دولار، أي نحو أربعة أضعاف حجم الاقتصاد الأمريكي – في أعقاب فشل بنك ليمان براذرز الاستثماري (14). ورفضت البنوك إقراض بعضها البعض خوفًا من ألا تستعيد أموالها بعد ذلك (15). وكنتيجةٍ لذلك، انكمش الاقتصاد العالمي بنسبة 2.1% في 2009 (16)، كما تقلَّصَت التجارة العالمية بنسبة 11%، في أسوأ ركودٍ عالمي منذ ثلاثينات القرن الماضي (17).

تمكنت حكومات أوروبا والولايات المتحدة من تفادي الانهيار الشامل بعد أن تدخلت لإنقاذ بنوكها الكبرى، بالأساس من خلال تأميمها لفترةٍ مؤقتة (18). وأعقب ذلك برنامج التحفيز الذي دشَّنته إدارة أوباما بقيمة 787 مليار دولار، والذي يقول بعض الاقتصاديين أنه رفع الناتج المحلي الإجمالي بين 2.1 و3.8% (19). وأشادت بعض الدوائر الليبرالية بهذا الإجراء، باعتباره إحياءً للكينزية، المسماة باسم الاقتصادي البريطاني الذي رأى أن الإنفاق الحكومي الهائل هو الطريق الوحيد للإفلات من الكساد الكبير، حيث يربط الليبراليون الكينزية بالتوسع في الإنفاق الحكومي على البرامج الاجتماعية. لكن النسخة الكينزية لدى إدارة أوباما ركَّزَت على دعم النظام المالي، بينما عملت الدول المتعثرة ماليًا والحكومات المحلية على تقليص الإنفاق (20).

في الوقت نفسه، اتبعت البنوك المركزية في الولايات المتحدة، كما على المستوى الدولي، السياسات المالية للراحل ميلتون فريدمان، الذي كان ينتقد كينز لصالح السوق الحر. ومن هذه الزاوية، فإن العامل الرئيسي لتجنب ركودٍ ممتد هو إتاحة أكبرِ قدرٍ ممكن من الحرية لكسب المال، حتى ولو بإسقاطه من طائرات الهليكوبتر كما جاء على لسان فريدمان في مقولته الشهيرة (21). وجاءت أموال هيلكوبتر فريدمان هذه في صورة تخفيضاتٍ قصيرة الأمد في الضرائب على الأجور. ورغم ذلك، جاء الحافز الأقوى من بنك الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي)، الذي خفض، في إجراءٍ غير مسبوقٍ منه، معدل الفائدة إلى 0.25% حيث بقيت هكذا حتى عام 2015 (22). اشترى بنك الاحتياطي الفيدرالي حيازات البنوك من سندات الخزانة الأمريكية، ليغرق البنوك بالأموال، لكن حتى هذا لم يكن كافيًا لتحفيز البنوك على الإقراض، فاتجه البنك إلى شراء كمياتٍ هائلة من سندات الرهن العقاري (23). ويُعرف هذا، وفق المصطلحات المصرفية المركزية، باسم “التيسير الكمّي – QE”، وهو النسخة المُحدَّثة من طبع النقود. وقد أسفر ذلك عن ميزانيةٍ عمومية لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي تفوق التصوُّر، حيث تُقدَّر بـ4 تريليون دولار (24).

تجلى تأثير هذا المسخ من السياسات الكينزية والفريدمانية في مجرد نموٍ ضعيفٍ في أفضل الأحوال، مُدّخرًا المزيد من المشكلات الأكبر للمستقبل. وفي أوروبا، أدى انتقال ديون البنوك والقطاع الخاص إلى الدين العام، إلى زيادة هذا الدين العام نفسه إلى مستوياتٍ جعلت بعض الدول، مثل اليونان والبرتغال، غير قادرةٍ على اقتراض المزيد من المال عن طريق بيع سنداتٍ حكوميةٍ جديدة. وللحد من هذا الاقتراض، طبَّقت هذه الحكومات إجراءاتٍ تقشفية، أو بالأحرى أجبرتها الترويكا وصندوق النقد والبنك الدوليين والبنك المركزي الأوروبي على تطبيقها.

في عصرِ ما قبل منطقةِ اليورو، كان الخيار متوافرًا أمام هذه الدول لتخفيض عملاتها لمحاولة الخروج من ركودها من خلال خفض سعر منتجاتها في السوق العالمية، إلا أن هذا الخيار ليس مطروحًا اليوم أمام الدول الأعضاء التسعة والعشرين في منطقة اليورو، بل إنهم محصورون في إطار السياسات التي يسمح بها البنك المركزي الأوروبي الذي تهيمن ألمانيا عليه.

ولمحاولة استعادة النظام المالي، عَمَدَت الحكومات الأوروبية، تحت ضغوط ألمانيا وحاملي السندات والبنوك، إلى إطلاق برامج تقشفٍ تتضمن تخفيضاتٍ عميقة في الإنفاق الاجتماعي (25)، بينما كان الهدف هو “استعادة الثقة” والتأكيد على أن البنوك الأوروبية ستستعيد أموالها مهما كانت التكلفة الاجتماعية، الأمر الذي يؤدي إلى خنق اليونان اقتصاديًا. وبعدما عاد الكساد إلى أغلب دول أوروبا في 2011، انعطف الأوروبيون بشكلٍ حادٍ مع رئيس البنك المركزي الأوروبي، ماريو دارجي، متعهِّدين بالقيام “بكل ما يتطلبه الأمر” لإنقاذ اليورو (26). واتبع البنك المركزي الأوروبي خطوات بنك الاحتياطي الفيدرالي في سياسة التيسير الكمّي، من خلال شراء 1.2 تريليون دولار من الأصول لرفع ميزانيته إلى 3 تريليون دولار (27).

إلا أن التقشف استمر في البلدان المُثقلة بالديون، بالأخص اليونان، التي فُرِضَت عليها هذه المعاناة، ليس فقط لضمان استرداد البنوك أموالها، لكن أيضًا لبعث رسالة مفادها أن الأعضاء الأصغر في منطقة اليورو سيُسحَقون إذا ما حاولوا مقاومة الأجندة الألمانية. وكان يبدو أن هذه الاستراتيجية ناجحة، حتى فجَّر خروج بريطانيا ثقبًا كبيرًا في قلب الاتحاد الأوروبي.

كانت بريطانيا في الأصل خارج منطقة اليورو، فحافظت على عملتها وبنكها المركزي تحت سيطرتها. إلا أن الاقتصاد البريطاني قد واجه الكثير من الضغوط نفسها التي تَعَرَض لها أعضاء منطقة اليورو. عانى الاقتصاد البريطاني من تراجعٍ طويل الأمد في التنافسية الاقتصادية في مواجهة ألمانيا والقوى الصناعية الناشئة مثل الصين (28). وقد أدت الأعباء التي خلقتها الأزمة المالية إلى تراجع الاقتصاد البريطاني، مع ما أطلقت عليه منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية – OCED إنتاجية “ضعيفة للغاية” منذ 2007، على الرغم من انخفاض نسبة البطالة إلى 5%. وعشية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، بلغ العجز في الحساب الجاري 7% من الناتج المحلي الإجمالي، كانعكاسٍ جزئيٍ لتراجع الصادرات. أما النمو، الذي كان من المُتوقَّع قبل الاستفتاء أن يبلغ 1.75%، فيبدو أنه سيكون أضعف (29).

إن سياق الحملة المؤيدة لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي هو ضعف الاقتصاد البريطاني نفسه، ذلك الذي مهَّد الطريق لبناء تحالفٍ بين اليمين المعادي للمهاجرين وقطاعاتٍ من الطبقة الرأسمالية البريطانية التي ترى مستقبلا أفضل خارج الاتحاد الأوروبي الذي يُخيِّم عليه شبح الأزمة. وعلى الرغم من الفوضى التي حلَّت سريعا، إلا أن الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي ربما يعزز نفوذ الغضب من سياسات البنك المركزي الأوروبي، ذلك الغضب الذي لا يتضمن اليمين المتطرف فقط، بل أيضًا قطاعاتٍ مؤثرة في الطبقات الحاكمة الإيطالية والفرنسية (30).

وخلال أمدٍ قريب، ستختبر الاضطرابات الاقتصادية الناجمة عن خروج بريطانيا قدرة الساسة وصانعي السياسات على درء الكساد أو تفاديه. وبرغم تريليونات الدولارات التي تدفقت في الاقتصاد العالمي عبر معدلات الفائدة المنخفضة، لم يتمكن الإنفاق الحكومي ولا سياسة التيسير الكمّي من إيقاف التضخم في اليابان وفي أسعار السلع الصناعية. وعلاوة على ذلك، فقد خلقت ثمانِ سنواتٍ من الأموال السهلة كمياتٍ هائلة مما يسميه ماركس “رأس المال الوهمي”. وهذا ليس مجرد تخمينٍ أو تكهُّن، بل تقييمٍ للأصول – سواء الحقيقية أو الأصول على الورق – التي وصلت إلى مستوياتٍ عالية دون أن يقابلها نموٌ في رأسِ المالِ الإنتاجي الأساسي.

صار أنصار السياسة النقدية في حيرةٍ من أمرِهم؛ فقد اعتقدوا أن سياسات الأموال السهلة من شأنها أن تضخِّم الأصول بما يكفي لتسمح للأثرياء بالاستثمار على نحوٍ أوسع وأكبر، وافترضوا أن ذلك سيصب بدورِه في صالح العمال والطبقة الوسطى في صورةِ وظائفٍ جديدة وزيادة الطلب على السلع الاستهلاكية. لكن في المقابل، كانت هناك فقاعاتٌ عتيقةٌ من الأصول الضخمة في الأسهم العالمية، وكذلك في السندات والإسكان (31). وقد ألقى الـ2.4 تريليون دولار المتوقفين بالخارج من قِبَل الشركات الأمريكية الكبرى، الضوء على هذا العزوف عن الاستثمار (32).

الصين: من الإنقاذ إلى تصدير الأزمة؟

خلال العقود الثلاثة الماضية، صارت الصين، بشكلٍ متزايد، مركزًا للاقتصاد العالمي وعاملًا حاسمًا في استراتيجية الشركات الأمريكية الكبرى. وجاء انفتاح الصين على السوق العالمي في وقتِ نهوض الدول الغربية المتقدمة من أزمة السبعينات، التي تميَّزت بانخفاض معدلات الربح والنمو المتقطع. واستجابت الولايات المتحدة والدول الأوروبية الكبرى لهذه الأزمة بإعادة هيكلة الصناعات التي كفَّت عن أن تكون تنافسية على المستوى العالمي. اختفت بين ليلةٍ وضحاها شركاتٌ كانت قد تأسست منذ عقودٍ من الزمن، حيث ردَّ رأس المال على الأزمة بالنيوليبرالية والعولمة، واضعًا الأساس لتوسُّع اقتصادي جديد (33).

في الوقت نفسه، فتح تحوُّل الاتحاد السوفييتي السابق وأوروبا الشرقية وآسيا – الصين بالأساس – إلى السوق الحر، الباب أمام رأس المال للوصول إلى عمالةٍ جديدة رخيصة وهائلة الحجم، تُقدَّر بنحو مليار عامل، بوسائل إنتاجٍ محدودة ورأسِ مالٍ متراكمٍ من دول الكتلة الشرقية غير القادرة على المنافسة اقتصاديًا، ومن الصين الصناعية جزئيًا (34). أرسى ذلك القاعدة لرخاءٍ اقتصادي على المستوى الدولي، مرتكزٍا على التوسع الصيني غير المسبوق، ما وصفه مايك دافيس بدقة باعتباره أعظم ثورة صناعية في التاريخ البشري (35)، وقد تلقى هذا الرخاء الاقتصادي التمويل اللازم من أكبر توسعٍ للائتمان في تاريخ العالم. وكانت الشركات والحكومة الصينية قد استثمرت ما يعادل 40%، أو أكثر من الناتج المحلي الإجمالي، على مدار عقودٍ من الزمن، في البنية التحتية وفي بناء مصانعٍ جديدة، وكذلك في الطاقة الإنتاجية (36). وزاد الناتج المحلي الإجمالي في الصين، منذ عام 2000، عشرة أضعاف، ليتجاوز حاجز الـ10 تريليون دولار (37). وقد مُوِّلَ هذا النمو الهائل بائتمانٍ كبير يُقدَّر بنحو 30 تريليون دولار (38).

سمحت الاستثمارات المباشرة من جانب الشركات الأمريكية – ربما تكون شركة أبل هي المثال الأشهر في ذلك – للصين بأن تكون مصدرًا للعمالة الرخيصة لمنتجاتٍ تمكنت الشركات الأمريكية من بيعها بعد ذلك على المستوى المحلي والدولي. وفي نفس الوقت، خلق النمو السريع للصين سوقًا هائلة جديدة للشركات الأمريكية الكبرى. لذا فإن مسئولية المرحلة الأخيرة من الأزمة لا تقع على عاتقِ حكامِ الصين، كما يروِّج النقاد الغربيون، بل على عاتقِ الطبقة الرأسمالية على المستوى الدولي، وكذلك فوضى السوق العالمية.

وبالفعل، ساهمت الخطوات الحاسمة التي اتخذتها القيادة الصينية في احتواء الكساد الكبير. وحينما اندلعت أزمة 2007 – 2009، لم تتعرض البنوك الصينية لنفس الصدمة التي تلقتها نظيراتها في الغرب واليابان. كان لدى الصين أكثر من 2 تريليون دولار في احتياطيات النقد الأجنبي حين ضربت الأزمة، مما مَكَّن القيادة الصينية من توفير الائتمان والتحفيز (39). وبرنامج التحفيز الذي دشنته الحكومة الصينية، بحوالي 590 مليار دولار في 2009 – أكبر بكثيرٍ من برنامج الولايات المتحدة – هو ما ساهم بشكلٍ أكبر في تخفيف الأزمة العالمية (40). وأدى الإنفاق الحكومي الصيني، جنبًا إلى جنب مع التوسع في الائتمان على المستوى القومي والإقليمي والمحلي، إلى تسريع الاقتصاد الصناعي، ذلك الذي كان في حالة تأهب قصوى عندما حلَّت الأزمة.

كان تأثير الأزمة عالميًا أن ارتفعت أسعار السلع والطاقة، مما أعطى دفعة كبيرة للأسواق الناشئة، مُجنِّبًا إياها الآثار الأسوأ للكساد الكبير. وعزَّزَ هذا التوسع اقتصادات الدول المنتجة للسلع، مثل روسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا (المعروفين بدول البريكس – BRICKS)، ليزيد من سرعةِ تحوُّلهم إلى مراكز عالمية جديدة وهامة لتراكمِ رأسِ المال. والنتيجة هي أن صارت الصين ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وبحلول 2015 قفزت احتياطاتُ النقدِ الأجنبي لدى الصين إلى أكثر من 4 تريليون دولار (41).

ولتحقيق هذا النمو، توسعت الحكومة الصينية أيضًا بشكلٍ كبير في منحِ الائتمان، ليس فقط في القطاع المصرفي الرسمي، بل أيضًا عبر الوكالات الحكومية المحلية والإقليمية، والمؤسسات المالية غير المصرفية الأخرى، مما أدى إلى توسعٍ سريعٍ في النظام المصرفي الموازي، بأصولٍ تُقدَّر بـ43% من الناتج المحلي الإجمالي (42).

وراهنت الحكومة الصينية بالأساس على تعافي الاقتصاد العالمي ليستوعب دورةً جديدةً من الصادرات الصينية، لكن هذا التعافي كان أضعف من أن يحقق ذلك. وإذ ترتبط العملة الصينية، اليوان، بالدولار، فقد فقدت الصين بعضًا من أسعارها التنافسية، حيث ارتفعت قيمة الدولار أمام عملاتٍ أخرى، وأدى ذلك إلى تدهورٍ في الصادرات الصينية حتى مع توسع الطاقة الإنتاجية (43).

بلغ التوسع الصيني الناتج عن ذلك، جنبًا إلى جنب مع الأسواق الناشئة الأخرى، نحو نصف النمو الاقتصادي العالمي في 2014، حيث ظلَّت اقتصادات الولايات المتحدة وأوروبا واليابان راكدة (44). لكن لم يكن ذلك فقط بسبب الإنفاق التحفيزي الحكومي والتوسع الصيني في منح الائتمان. وعلى خلفية تثبيت معدلات الفائدة عند الصفر في الولايات المتحدة وأوروبا، تدفَّقت الأموال إلى حيث يتحقق النمو وتُجنى الأرباح، أي إلى الصين والاقتصادات المُنتِجة للسلع في أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا، التياستفادت من التوسع الاقتصادي الصيني (45).

اجتمعت هذه العوامل لتدفع النموذج الصيني المعتمد على التصدير إلى حافة الانهيار. وفي أواخر العام 2015، انخفضت معدلات النمو المُتوقَّعة في الصين إلى حوالي النصف (6 أو 7%)، إذا ما اعتبرنا الأرقام الرسمية صحيحة (46). وأدى التباطؤ الصيني بدورِه إلى انهيار أسعار النفط وغيره من المواد الخام، مما زَعزَعَ اقتصادات البرازيل وروسيا والمملكة السعودية وفينزويلا وغيرهم (47).

ويرى منتقدو الصين الغربيون أن هذا النموذج يفشل لأن الاستهلاك منخفض للغاية بالنسبةِ للاقتصاد الكلي. لكن في الحقيقة، زادت أجور العمال الصينيين، على عكس الولايات المتحدة أو غيرها من دول العالم المتقدم، بنسبة 12% سنويًا على مدار عشر سنوات (48). المشكلة إذن لا تكمن في فشل الصين في “إعادة التوازن”، بل في تناقضات النظام الرأسمالي. لقد أضحى التحوُّل الصناعي الصيني عائقًا أمام المزيد من التوسع، حيث زاد بشكل كبير التركيب العضوي لرأس المال – أي نسبة رأس المال الثابت إلى العمل الحي. وبالتالي فإن على الصين أن تتعامل مع نفس الديناميَّات التي أدت إلى تراجع ربحيِّة الدول الغربية في السبعينات. في مطلع 2016، أكد مارتن وولف في الفاينانشيال تايمز، على نحوٍ غير مقصود، التحليل الماركسي لهذا الوضع: “إن حجم رأس المال اللازم لتوليد دخلٍ إضافي تضاعف تقريبًا في مطلع القرن الحادي والعشرين. إن نسبة إجمالي رأس المال الناتج في الصين عالية للغاية أيضًا وآخذة في الارتفاع” (49). وبالفعل يقدِّر المتشككون في الإحصاءات الرسمية الصينية معدل النمو الفعلي بنحو 2 إلى 4% (50). وانعكس هذا التباطؤ في الأرقام الرسمية التي تخص معدل الربح، وفي يناير شهدت الأرباح الصناعية أكبر تدهورٍ لها منذ عام 2000.

وفي نفس الوقت، ارتفع الدين الصيني بشكلٍ هائل إلى حوالي 260% من الناتج المحلي الإجمالي، ورغم أن هذه النسبة أقل من نسبة دين الولايات المتحدة، إلا أنها لا تزال كبيرة وربما تؤدي إلى زعزعة استقرار دولة صناعية بنظامٍ ماليٍ لا يزال ناميًا (51). وقد لخَّصت مؤسسة ماكينزي الاستشارية، التي ترى أن نسبة الدين أكبر من ذلك، الآثار الناجِمة عن ذلك على النحو التالي: “هناك ثلاثة تطورات تثير القلق: أولًا، أن يرتبط نصف إجمالي القروض، بشكلٍ مباشر أو غير مباشر، بسوق العقارات الصيني المنهك بالفعل. ثانيًا، أن تصل الحسابات المصرفية الموازية لما يقرب من نصف الإقراض الجديد. ثالثًا، أن تصبح ديون العديد من الحكومات المحلية غير محتملة” (52).

ووفقًا لإحدى الدراسات الاقتصادية، فعلى الأقل 14% من هذا الدين يتألَّف من ديونٍ معدومة (53)، لكن دراساتٍ أخرى تستنتج أرقامًا أعلى. الأكثر من ذلك، أن الصين لديها 16 تريليون دولار في ديون الشركات، مما يمثل 160% من الناتج المحلي الإجمالي – ضعف النسبة في الولايات المتحدة الأمريكية – والتي قالت وكالة أنباء رويترز أنهاتمثل تهديدًا أكبر على الاقتصاد الصيني من تقلبات البورصة في الأشهر الأخيرة (54). وهذا يعني تنامي الخطر على النظام العالمي برمته، حيث حذَّرَ صندوق النقد الدولي في أبريل الماضي من أن النمو الصيني “ينشر الأزمة” إلى الأسواق المالية العالمية على نحوٍ متزايد (55).

وبالإضافة إلى أزمة القروض الصينية، هناك مشكلة هروب رأس المال منذ العام 2015، حين وصل إجمالي احتياطيات العملة إلى 4 تريليون دولار. وبالنظر إلى الفائض التجاري الصيني الذي وصل إلى 300 مليار دولار في ذلك الوقت، كان على الدولة أن تحافظ على احتياطي 4.3 تريليون دولار في 2016، لكن في المقابل لم يتجاوز هذا الرقم 3.3 تريليون دولار (56). السبب الحقيقي وراء ذلك هو هروب 1 تريليون دولار من البلاد في 2015 (57)، كما أنفقت الحكومة تريليون آخر في محاولةٍ لإنقاذ العملة الصينية من الانهيار (58).

وقد أدى التباطؤ الاقتصادي في الصين إلى فائضٍ في الاستيعاب في حوالي ثمانية عشر صناعة بحلول منتصف العام 2015 (59). ومع ذلك، تنتج شركات الصلب الصينية سنويًا أكثر من 800 مليون طن من الصلب، بسعةٍ إجمالية لإنتاج 1.13 مليار طن (60). وتصل الصادرات الصينية وحدها من الصلب إلى ما يعادل إجمالي إنتاج الصلب ككل في اليابان، بل وتتجاوز إنتاج الصلب ككل في الولايات المتحدة. ويضغط ذلك بشكلٍ كبير على شركات الصلب على المستوى العالمي، كما يهدد بشبح الإفلاس في هذه الصناعة، ويمهِّد الطريق أمام حروبٍ تجاريةٍ ضارية (61). وتهدف اتفاقية التجارة للشراكة العابرة للمحيط الهادي (TPP)، والتي تتزعمها الولايات المتحدة، إلى دحرِ الصين إلى الوراءِ من خلال تمكين الرأسمالية الأمريكية من تشكيل كتلة آسيوية تابعةٍ لها (62).

لكن تأثير هذه الاتفاقية، بافتراضِ موافقة الكونجرس الأمريكي عليها، لن يتأتى إلا بعد سنواتٍ بعيدة. أما الآن، فحروب التجارة وتخفيض قيمة العمل تُضاف إلى الضغوط التي أدت إلى انكماش الأسعار، الذي ضرب أجزاءً من أوروبا وهدَّد الولايات المتحدة نفسها حتى بعد أزمة 2007 – 2009. وإذا تمكن هذا الانكماش من اقتصاداتٍ كبرى، سيكون من الصعب للغاية تجاوز التوسع الكبير للديون على المستوى العالمي، ذلك لأن القيمة النسبية للديون تزداد كلما انخفضت الأسعار. ينطبق هذا بشكل حقيقي على دولٍ مثل البرازيل، التي لابد عليها من تسديد ديونها بالدولار بعملةٍ انخفضت قيمتها بشكلٍ حاد. وبالنظر إلى التوسع الكبير في الديون على المستوى العالمي منذ الكساد الكبير، فالخطر سيكون مهولًا.

صار التهديد الذي تفرضه الديون واضحًا مع الانهيار العالمي في أسعار السلع الذي بدأ في 2013، بينما تم تداركه فقط في منتصف 2016، حين وجد التحفيز الصيني طريقه إلى النظام العالمي. انهارت أسعار النفط، من 2014 إلى بدايات 2016، بنسبة 75%، من 120 إلى 30 دولار للبرميل، قبل أن تتعافى الأسعار مجددًا (63). وجرى الأمر نفسه مع النحاس والألومنيوم وغيرهما من المواد الخام. ولعل هذا مؤشرٌ أكيدٌ على تباطؤ الطلب على الإنتاج الصناعي على المستوى العالمي. تحوَّلت الأرباح الطائلة لمنتجي السلع إلى خسائرٍ كارثية بين ليلةٍ وضحاها، واستمر إنتاج النفط ليس بسبب الفرص المُتاحة في السوق، ولكن لدفع فوائد القروض. ووجد مصدرو النفط الكبار في العالم أنفسهم في حربٍ مدمرةٍ للأسعار، حيث رفعت المملكة السعودية الإنتاج للحفاظ على حصتها في السوق، ليس فقط على حساب أعضاء منظمة الأوبك مثل فنزويلا ونيجيريا، لكن أيضًا على حساب نفط وغاز الولايات المتحدة (64).

وأدى انهيار أسعار السلع إلى انخفاضٍ كبيرٍ في قيمة عملات الاقتصادات التي تعرضت للتأثيرات الأكبر لهذه الأزمة، مثل البرازيل التي شهدت انخفاضًا يتراوح من 30 إلى 40% (65). ولأن ديون معظم الدول المنتجة للسلع بالدولار، فالعملة الأضعف تعني زيادة فعلية في قيمة ديونها الخارجية، وهذا بالأساس ما حدث في أزمة شرق آسيا المالية في 1997 – 1998.

وكانت بعض هذه التغيرات في أسعار الصرف تخفيضاتٍ تنافسية في قيمة العملات، حيث تسعى إحدى الدول لسرقة نمو الاخرى من خلال استخدام عملتها الأرخص لتخفيض أسعار السلع التي تنتجها. هذا ما يُطلق عليه “إفقار الجار”. وهكذا شرعت اليابان في تخفيض الين بشكلٍ حاد مقابل الدولار في السنوات الأخيرة. وهذا أيضًا ما فعله البنك المركزي الأوروبي مع اليورو (66).

ومع انخفاض أسعار السلع، جاء التباطؤ الحاد في التجارة العالمية، التي لم تتعافَ تمامًا منذ الكساد الكبير (67). وبحلول 2015، كانت الصادرات الصينية قد بدأت في التراجع. وانخفض مؤشر بالتيك دراي، وهو المؤشر الأساسي للشحن البحري على مستوى العالم، بنسبة 80% من ديسمبر 2013 إلى يناير 2016 (69).

وفي هذا السياق، صار معدل وحجم الأرباح العالمية ينخفض منذ بداية 2016. ومع انكماش الأرباح، جاءت محاولات خفض النفقات، من خلال تسريح العمال وغيرها من إجراءات تخفيض تكاليف العمال، علاوة على محاولات تخفيض النفقات الرأسمالية. وتُعد شركات النفط والتعدين رائدةً في هذا الاتجاه. وكانت شركة أنجلو – أمريكان للتعدين قد أعلنت عن تسريح ثلثي عمالها، الذين يُقدَّر إجمالي عددهم بـ85 ألف (70).

التحفيز

وفي رد فعل الصين على التباطؤ الاقتصادي في بدايات العام 2016، بعد محاولتها إعادة توجيه الاقتصاد من الصناعة الهادفة للتصدير إلى الخدمات والسلع الاستهلاكية المحلية، أطلقت برنامجًا للتحفيز بقيمة 1.1 تريليون دولار (71). وأتاحت الحكومة حرية الائتمان للصناعات الثقيلة، فيما يبدو على أنه تفضيلٌ لرفع المزيد من الديون والفائض على المخاطرة بالعواقب الاقتصادية والسياسية الوخيمة للتباطؤ الاقتصادي. أحد الأمثلة المعبرة عن ذلك هو أنه، نتيجةً للتحفيز في ربيع 2016، أُعيدَ فتح مصنعٍ للصلب، كان قد أفلس وأُغلقَ من قبل، لينتج وحده نصف الإنتاج البريطاني الكلي من الصلب (72).

ومن شأن التحفيز الصيني أن يضع حدًا أدنى لأسعار النفط وغيره من السلع الآخذة في الانخفاض، وأن يعطي كذلك دفعةً للاقتصاد العالمي. لكن بحلول منتصف العام 2016، لم يكن قد حقق هذا التحفيز ما هو مأمولٌ من نمو (73)، وأخفق أيضًا برنامج البنك المركزي الأوروبي متعدد المحاور وكذلك برنامج التيسير الكمّي، في تحقيق نموٍ في منطقة اليورو الذي نهض بالكاد من كسادٍ ثانٍ في العام 2011 وكان من المتوقع أن يصل في 2016 فقط إلى 1.6% (74). وفي الولايات المتحدة، ابتعدت إدارة أوباما الديمقراطية والكونجرس الجمهوري بهدوءٍ عن التقشف، بخطة إنفاقٍ تُقدَّر بـ1.1 تريليون دولار، لتوفير حافزٍ في عام الانتخابات يستفيد منه الطرفان سياسيًا (75).

إلا أن الاقتصاد الأمريكي لا يزال، رغم النمو الثابت، يسعى للوصول إلى معدلِ نمو 2% منذ انتهاء الكساد الكبير، مقارنةً بنموٍ يبلغ 3.5% كان يحققه سنويًا منذ الحرب العالمية الثانية. كما ظلَّت الاستثمارات منخفضةً بالمقاييس التاريخية. وعلَّقت وول ستريت جورنال على ذلك قائلةً: “تبدي الشركات ممانعةً عن الإنفاق على الركائز الأساسية للاقتصاد، مثل الماكينات وأجهزة الكمبيوتر والمباني الجديدة” (76). ولا ينتج عن هذه الاستثمارات المنخفضة إلا مكاسبٍ ضئيلة في الإنتاجية التي هي أساس الربحية، حيث زادت الإنتاجية بمعدلٍ سنوي 1.2% فقط منذ بداية الكساد الكبير في 2007، مقارنةً بـ2.6% من عام 2000 إلى عام 2007، وفي الحقيقة انخفض المعدل عن ذلك في 2015 (77).

كل ذلك خلق أزمة كبيرة لدى رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي، جانيت يلين، التي بدأت الدفع في سلسلة مُخطَّطة من الإجراءات لرفع أسعار الفائدة بدءًا من أواخر العام 2015 بهدف مساعدة ربحية البنوك وتوفير ما يمكن به خفض معدل الفائدة في المستقبل حال وقوع أزمة. ثم جاءت الزيادات المتعثرة لفرص العمل، في منتصف العام 2016، إلى مخاوفٍ بانتهاء الانتعاش الأمريكي – إذا أمكن تسمية هذا التعافي البائس بهذا الاسم – مما أدى بدورِه إلى تأجيل خطط زيادة معدلات الفائدة. ومن ناحيةٍ أخرى، كان لقنبلة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي دورٌ في تحميل يلين المزيد من الضغوط للإبقاء على معدلات الفائدة منخفضة كما هي. إلا أن الإبقاء على انخفاض معدلات الفائدة لفترةٍ أطول يهدد أرباح البنوك، وكذلك استقرار النظام المالي برمته. في المقابل، قد يؤدي الارتفاع الكبير في هذه المعدلات إلى خنق النمو من خلال تشديد الائتمان ورفع قيمة الدولار أمام العملات الأخرى، مما سيضر بالصادرات الأمريكية وسيقلِّص أرباح شركات S&P 500، التي تجني 40% من أرباحها، أو أكثر من ذلك، من الخارج.

هذا التأثير الصامت لجهود التحفيز يلفت الأنظار إلى أن تلك التدابير التي اتُخِذَت للتعافي من الأزمة لم تفشل في توليد نموٍ جديد فحسب، لكنها صارت هي نفسها بمثابة مصاعب جديدة. ربما يمنع الإنفاق التحفيزي الأخير، على النُسُق الكينزي، الذي دشنته الحكومة الصينية، المزيد من التباطؤ الاقتصادي، لكن النتيجة ستكون إضافة جديدة على الديون المتزايدة، وفائضٍ أكثر، وتوتراتٍ إضافية في التجارة، مما يمهِّد الطريق لأزمةٍ ربما تكون أسوأ. قال وزير المالية الصيني، لو جي وي، في المؤتمر السنوي لقادة الحكومتين الصينية والأمريكية في 2016، أن “في عام 2009، أشاد العالم الصين وشكرها على الخطوة التي اتخذتها لدعم النمو الاقتصادي العالمي”، ثم استطرد: “والآن يشير العالم إلى الصين ويقول أن الفائض لديها يمثل عبئًا عليه، لكنه لم يكن يقول ذلك وقتما كانت الصين تساهم في النمو الاقتصادي العالمي” (78).

استنفذت السياسات النقدية الفريدمانية، هي الأخرى، ما في جعبتها. وقد نجح تثبيت معدلات الفائدة عند الصفر، ذلك الإجراء الذي طبقته البنوك المركزية في اليابان وأوروبا، في الحفاظ على قدرة البنوك الكبرى على السداد خلال الأزمة المالية في 2008. لكن، بعد ثمانِ سنواتٍ من معدلات الفائدة شديدة الانخفاض، تمثل هذه السياسة تهديدًا للنظام المالي، فهذه المعدلات المنخفضة تقيِّد أرباح البنوك، بالأخص في أوروبا، ما يعني أن البنوك لا تتمكن من الوصول إلى احتياطي رأس المال الذي تتطلبه اللوائح المفروضة بعد أزمة 2008 (79).

وإذا كانت البنوك نفسها تجد صعوبة نتيجة الإبقاء على معدلات الفائدة عند الصفر، فالمؤسسات المالية الأخرى تتهاوى نحو الأزمة، بينما يتطلب نموذج شركات التأمين وصناديق التقاعد توليد دخلٍ يتراوح من 7 إلى 8% سنويًا، وبالتالي فإن الاستمرار في سياسة معدلات الفائدة المنخفضة يهدد سيولتها في السنوات المقبلة (80). ولمحاولة انتزاع احتياطيات أكبر، شرعت الكثير من شركات التأمين وصناديق التقاعد لتحمُّل المزيد من المخاطر، مثل التزامات الرهن العقاري، والسندات من اقتصادات الأسواق الناشئة – تلك الاقتصادات التي تشهد الآن كارثةً نتيجة أزمة أسعار السلع. وقد تنفجر بعضٌ هذه الاستثمارات في الركود المقبل، مما يمكن أن يضع صناديق تقاعد الموظفين العموميين، المأزومة أصلًا، في مهب الريح.

لكن البنوك المركزية في الدول المتقدمة لم تتوصل بعد إلى بديل. وقد استجابت دولٌ عديدة، من اليابان إلى السويد، بفرض معدلات فائدة بالسالب – فرض ضريبة على الودائع. والهدف من ذلك هو إجبار الشركات على الاستثمار، والمستهلكين على الإنفاق، لكن ذلك لم يكن له نتائجٌ فوريةٌ تُذكر، ناهيك عن عدم قدرة اليابان على الإفلاتِ من عقدين من الركود (81). أما البنك المركزي الأوروبي، الذي لابد أن يحافظ على توازن المصالح المتنافسة للاعبين المهيمنين في منطقة اليورو (ألمانيا وفرنسا وإيطاليا)، فقد أطلق، في مارس 2016، برنامجًا دفع بعض المعدلات إلى ما تحت الصفر، كما سيدفع للبنوك من أجل إقراض المال وشراء سندات الحكومة والشركات (82). وفي اليابان، لم يشترِ البنك المركزي السندات فحسب، بل الأسهم أيضًا، ما جعله أكبر المساهمين في كبرى شركات اليابان، في خطوةٍ حطَّمت العقيدة المتعارف عليها لديه (83).

أوروبا: من الأزمة إلى التَفكُّك؟

يُعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي نتاجًا لمتوسط معدل نمو الاقتصاد الأوروبي الذي لم يتعدَ 0.3% منذ عام 2009. ومنذ ذلك الحين، تمركزت سياسات الاتحاد الأوروبي – بزعامة ألمانيا – على الحفاظ على النظام الاقتصادي الذي تهيمن عليه ألمانيا والسيولة المالية لدى البنوك الأوروبية. ولأن بريطانيا خرجت من الاتحاد الأوروبي، فقد تمكنت من تفادي هذا الضغط. لكن اليونان قد تعرَّضت لأسوأ أزمة اجتماعية في تاريخ أوروبا (في وقت السلم). وكان الهدف إما استعادة أموال حاملي السندات والتعثر، أو الخروج من الاتحاد الأوروبي، وإيصال رسالةٍ إلى الطبقات الحاكمة في إيطاليا وفرنسا بأن عليها اتباع خطى ألمانيا في منطقة اليورو.

أما حكومة سيريزا في اليونان، التي انتُخِبَت خصيصًا في 2015 لإيقاف مثل هذه الإجراءات التقشفية، فقد استسلمت في النهاية وتوصلت إلى اتفاقٍ مع الدائنين يتضمن تقليصًا أشد قسوة في الإنفاق الاجتماعي كشرطٍ للتفاوض على القروض. لكن هذا لم يكن كافيًا لإيقاف التهديدات الواقعة على اليونان، غير القادرة على تلبية هذه الشروط، والتي قد تتخلف عن سداد ديونها على أي حال. وبينما كانت اليونان في وضعٍ يُرثى له في ربيع 2016، فوجئ مسئولو صندوق النقد أنفسهم بحملة ألمانيا التي لا هوادة فيها للضغط عليها (84).

لكن من وجهة نظر الحكومة الألمانية في برلين، وحلفائها في مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل، فإن تطبيق هذه الشروط القاسية على اليونان جزءٌ ضروري في عملية تسوية الديون في البلدان الأوروبية الأكبر. في بداية العام 2016، تجاوزت نسبة الدين الإيطالي إلى الناتج المحلي الإجمالي الدين اليوناني في بداية عملية الإنقاذ، كما وصلت القروض المتعثرة الإيطالية إلى 18% من إجمالي القروض، ما يُقدَّر بأكثر من 400 مليار دولار (85). واضطرت البنوك الإيطالية الكبرى، الضعيفة بالفعل، إلى ضخ المليارات لإنقاذ نظرائها الأصغر من أجل الامتثال لقواعد الاتحاد الأوروبي ضد المساعدات الحكومية المباشرة.

يكمن أحد جذور المعضلة في إيطاليا في تراجع تنافسية الصناعة الإيطالية مقارنةً بألمانيا. لقد سمح استحداث اليورو في عام 1999 للصناعة الألمانية بالاستفادة من العملة التي قُدِّرَت قيمتُها بما هو أقل كثيرًا من المارك الألماني القديم. وفي نفس الوقت، استفادت الحكومة الألمانية، بعد التوحيد في أوائل تسعينات القرن الماضي، من العمالة الرخيصة في ألمانيا الشرقية سابقًا، لتعتصر تكاليف العمالة رغم المكاسب الكبيرة من إنتاجية العامل (87). أضيفوا إلى ذلك أن ألمانيا قد حوَّلت سلسلة التوريد من أوروبا إلى آسيا (88). وكانت النتيجة هي تفكك مطرد للصناعة الإيطالية، مما أدى إلى تزايد الديون المعدومة الخاصة، وكذلك العجز في الموازنة الحكومية. وعلاوة على ذلك، تظلّ البنوك الإيطالية معتمدةً على معدلات فائدة عند الصفر تجنبًا للغرق، مما يشعل الصراع داخل الاتحاد الأوروبي، حيث ترى البنوك الألمانية، وغيرها من البنوك، بمعدلاتٍ منخفضةٍ أو سلبيةٍ من البنك المركزي الأوروبي. وقد اتهم الساسة الألمان، علانيةً، رئيس البنك المركزي الأوروبي، الإيطالي ماريو دراجي، بالموالاة للبنوك الإيطالية (89). ويمنع حُكَّام الاتحاد الأوروبي الدول من إنقاذ أنظمتها المصرفية، إلا إذا تَعَرَضَ حاملو السندات للخسائر أولًا، وهي السياسة التي تدفع الأزمة المصرفية الإيطالية إلى أقصى حد.

تضرَّرَ الاقتصاد الفرنسي هو الآخر من المنافسة مع ألمانيا، وبحلول 2016 لم تكن فرنسا قد عوَّضت بعد ما فقدته خلال الكساد الكبير، ووصلت نسبة البطالة إلى 10.8% (90).

لكن هذا لا يعني أن ألمانيا تفادت الأزمة، فالبنك الرئيسي لديها (دويتشهبنك) اضطر لاتخاذ تدابيرٍ استثنائية لدرء المضاربات المالية، حتى أنه كان سيلزمه عملية إنقاذ مالي في حال تباطؤ الاقتصاد أكثر من ذلك (91). وفي منتصف 2016، كان نحو 96% من أصول دويتشه بنك فيما يُسمى رأس مال المستوى الثالث، ذلك التصنيف الذي يختص بالحيازاتِ المُبهمة التي من الصعب تقييمها، مثل المشتقات المالية التي كانت في القلب من الأزمة المالية لعام 2008. وحينما تُفرز هذه الأصول، يُطلِق المصرفيون على هذه العملية اسم “علامة أسطورية” (92). أما إسبانيا، فبالرغم من التعافي، الذي ساعد رئيس الوزراء المحافظ على تفادي تحدي انتخابي من اليسار، فقد سجَّلت أعلى معدلِ بطالةٍ في الغرب (93).

كل هذه العوامل تجعل من المُحتَمَل أن يؤدي التباطؤ الاقتصادي أو الكساد في الأسواق الناشئة إلى أزمةٍ ماليةٍ أيضًا. السؤال هنا هو متى سيحدث ذلك؟ وبأي درجةٍ من الحِدة؟ من المستحيل التنبؤ بذلك؛ إذ أن النظام المصرفي الموازي غير المُنظَّم – المؤسسات المالية غير المصرفية التي لعبت دورًا محوريًا في أزمة 2008 – أكبر بكثيرٍ من أي وقتٍ مضى، حيث قُدِّرَ بحوالي 75 تريليون دولار في 2015 (94).

ويتحكم الاقتصاد الراكد في رد الفعل الأوروبي تجاه أكبر أزمة للاجئين منذ الحرب العالمية الثانية. ويمكن لرد الفعل المعادي للمهاجرين، والذي تحتضنه الأحزاب الحاكمة في القارة، أن ينهي اتفاقية شينجن لفتح الحدود داخل الاتحاد الأوروبي، وحتى أن يحد من انتقال العمالة من بلدٍ إلى آخر. أما في بريطانيا، فقد فقد كان أكثر الدوافع وراء الجدال حول الخروج من الاتحاد الأوروبي هو الحس القومي المعادي للمهاجرين، وكذلك حسابات قطاعات من رأس المال البريطاني للتوصل إلى صفقة أفضل خارج إطار الاقتصادات التي تهيمن عليها الأزمة في القارة الأوروبية.

لكن عملية تَفكُّك الاتحاد الأوروبي قد لا تنتهي مع خروج بريطانيا، فربما تضغط الأزمة المقبلة على الحكومات لإنقاذ بنوكها وشركاتها باستخدام وسائلٍ تنتهك قواعد الاتحاد الأوروبي. وقد يكون ثمن قبول الهيمنة الألمانية غاليًا على الرأسماليين الفرنسيين والإيطاليين، الذين يُعتبرون أقوياء بما فيه الكفاية للدفع في اتجاه اتحادٍ أوروبي أكثر مرونة، أو الخروج منه، أو حتى تفكيكه. وقد تخرج اليونان من منطقة اليورو، سواء كان ذلك بقرارٍ منها أو بدفعةٍ من آخرين. ومع تفاقم الأزمة، يصبح ما لا يمكن تصوُّره ممكنًا، أو على الأقل مُرجحًا.

هل بمقدور الولايات المتحدة الإفلات من الأزمة؟

ربما تصبح الولايات المتحدة آخر دولة في الانزلاق إلى هوة الكساد، على عكس ما جرى خلال القرن الماضي، ذلك لأنها خرجت من أزمة 2007 – 2009 أقوى من منافسيها التقليديين. من المؤكد أن متوسط نمو الناتج المحلي الإجمالي، الذي يُقدَّر بـ2% سنويًا في الولايات المتحدة، هو أضعف معدلاتها، لكنه يظلّ أعلى مما تحققه دول أوروبا أو اليابان. تداركت الولايات المتحدة نفسها على الحافة، لأنها أنقذت بنوكها، ودعَّمتها ودمجتها، على نحوٍ أسرع، وهكذا تمكنت هذه البنوك من مراكمة احتياطياتها أسرع. وربما تكون هذه البنوك أقوى فعليًا من نظرائها في الخارج.

كان الاقتصاد الأمريكي قد أخذ دفعةً من طفرة النفط في الولايات المتحدة، مما جعلها أكبر منتجٍ للنفط في العالم (95). أما إحياء التصنيع مرةً أخرى، ذلك الذي طالما روَّجت له إدارة أوباما، فقد كان محدودًا نسبيًا، نظرًا لأن التوسع كان الأضعف من نوعه منذ ثلاثينات القرن الماضي (96). لكنه كان كافيًا لزيادة معدلات التوظيف، رغم ثبات الأجور وانخفاض متوسط دخل الأسرة عن العام 2007.

كانت هذه الأجور المتدنية انعكاسًا لتحولٍ دراماتيكي لـ750 مليار دولار من الدخل القومي، من العمالة إلى رأس المال، بين 2003 و2013. وبالتأكيد افتتح ذلك فترةً مجيدةً للشركات الأمريكية الكبرى لتجني أرباحًا طائلة. وفي العام 2013، وصلت الضرائب على الأرباح إلى 1.7 تريليون دولار، بما يعادل 10% من الناتج المحلي الإجمالي بعد حساب التضخم، وهو المستوى الأعلى منذ خمسة وثمانين عامًا، حيث وصلت الضرائب على الأرباح في العام 1942 إلى 12.1% من الناتج المحلي الإجمالي. لكن فلويد نوريس يعلِّق على ذلك في النيويورك تايمز، قائلًا: “في العام 1942، كانت أغلب هذه الأرباح معفاة من الضرائب. وبلغ معدل ضرائب الشركات الفعلية حوالي 55%، على النقيض التام من العام الماضي الذي بلغ فيه هذا المعدل نسبة الـ20% فقط”. وفي الوقت نفسه، انخفضت تعويضات العاملين إلى أدنى مستوياتها منذ خمسة وستين عامًا” (97).

تحسَّن نمو الوظائف بسِتة ملايين وظيفة في عاميّ 2014 و2015، وهي الزيادة الأفضل منذ نهاية تسعينات القرن الماضي (98). وعاد بناء المساكن إلى مستويات غير مسبوقة منذ العام 2007 عشية الانهيار (99). وولَّد ذلك آمالًا بأن تتجنب الولايات المتحدة الكساد الذي ضَرَبَ العالم النامي في 2015.

لكن نظرةً أقرب إلى هذه الأوضاع يمكنها أن تكشف تناقضات الاقتصاد الأمريكي، فصعود الدولار يعني أن التصنيع بدأ في الركود والتراجع قليلًا في بدايات العام 2016 (100). وهذا مهم للغاية، إذ أنه، رغم أن عائدات التصنيع تبلغ 12% فقط من الناتج الاقتصادي الأمريكي، إلا أن ثلثيّ أرباح شركات S&P 500 الكبرى تأتي من شركات التصنيع (101).

وفي الوقت نفسه، تراجعت الصادرات في بداية العام 2016 لأولِ مرة منذ الكساد، إذ توازنت الأجور المنخفضة، التي تتميز بها الولايات المتحدة عن أوروبا واليابان، مع صعود الدولار (102). وفي هذا السياق، بدأت القدرات المصنعية في الانخفاض في النصف الأول من العام 2016 (103). والأكثر من ذلك أن تحوَّلت طفرة النفط في الولايات المتحدة إلى فشلٍ جديد في ظل انهيار أسعار الطاقة عالميًا. وهكذا أفلست سلسلة من شركات الطاقة، لتدشِّن بذلك أكبر موجة من الإفلاس في تاريخ الولايات المتحدة، خالقةً بذلك أزمةٍ لدى البنوك التي اقترضت منها (104). وأخيرًا، تَدَهوَرَ الدافع النهائي للاقتصاد الرأسمالي، ألا وهو الأرباح، وبدأ في التراجع، وفي ربيع 2016 أفاد مؤشر S&P 500 بأن التراجع مستمر للربع السنوي الثالث على التوالي (105).

وعلى الرغم من أوجه الضعف هذه، إلا أن وضع الولايات المتحدة قد تحسَّن في مواجهة منافسيها – فيما عدا الصين. لكن الأمور لم تنته بعد، فبينما تمثل الاقتصادات الأوروبية حلقةً ضعيفةً في السلسلة، لا تزال ألمانيا منافسًا قويًا. ويعتمد 51% من الاقتصاد الألماني على الصادرات، وفي 2015 كان نصيب ألمانيا في فائض الحساب الجاري العالمي 8.8% (106)، وهذا يعني أن لدى ألمانيا فائضًا يُقدَّر بنحو 250 مليار دولار في تجارة السلع والخدمات، وهو الرقم الذي تجاوز الصين، رغم النمو السريع والتعداد السكاني الأكبر أضعافًا.

هناك تهديدٌ آخر تتعرض له الولايات المتحدة، هذه المرة من النظام المالي، تمامًا كما حدث خلال أزمة 2008. صحيحٌ أن اللوائح المفروضة على البنوك الأمريكية مذاك الحين صعبةٌ وشاقة على المؤسسات المالية الفردية، إلا أنها رغم ذلك غير قادرة على منع أزمة مالية جديدة. أضف إلى ذلك أن هذه اللوائح لا تغطي النظام المصرفي الموازي. وكنتيجةٍ لذلك، تُجرى أغلبية الرهون العقارية اليوم في البلاد من خلال مؤسساتٍ غير مصرفية، مما يعرِّض النظام المالي لمخاطرٍ جديدة (107). أما الشركات المساهمة الخاصة – المصطلح المُهذَّب للنظام المصرفي الموازي في الولايات المتحدة – فقد اتجهت بعنفٍ إلى قطاع الرهن العقاري، لتكرر نفس الممارسات الجشعة التي أدت إلى أزمة الإسكان في 2007 و2008 (108). هذا علاوة على شراء بنك الاحتياطي الفيدرالي لما يقرب من نصف سندات الرهن العقاري التي تبيعهاشركتا فاني ماي وفريدي ماك، الليتان ترعاهما الدولة وتتحكم فيهما. كل ذلك يطرح من جديد إمكانية انفجار فقاعة سوق الإسكان في الولايات المتحدة.

ومنذ أن برعت البنوك في إخفاء ميزانياتها وكذلك الصكوك المالية التي ظهرت في الأزمة الأخيرة، مثل التزامات الدين المضمونة (CDOs)، وقليلون فقط خارج البنوك هم من يعلمون المشكلات التي قد تنشأ في حالة التباطؤ أو الانكماش الاقتصادي في الولايات المتحدة، أو الأخطار التي يمكن أن تواجهها البنوك الأمريكية مقارنةً بنظرائها في أوروبا أو آسيا. لكن في ربيع 2016، أوضح بنك الاحتياطي الفيدرالي أن هناك أسبابًا عِدةً تدعو للقلق. وفي خطابٍ من مسئولي البنك إلى جي بي مورجان تشيس حول خطة البنك، أوضح المسئولون أن لديهم “عجزًا مجهولًا” في الخطة ربما “يفرض آثارًا سلبيةً خطيرة على الاستقرار المالي للولايات المتحدة” (109). وفي كل الأحوال، فإن الطبيعة المتداخلة للنظام المالي العالمي تعني أن البنوك الأمريكية مُعرَّضةٌ للأزمات في باقي أرجاء العالم بشكلٍ لا مفر منه.

ولكل هذه الأسباب، فإن الركود المقبل لن يكون إلا على قدر سوءِ أزمة 2007 – 2009، أو ربما أسوأ، بالأخذ في الاعتبار الإفراط في الإنتاج والمزيد من الديون اليوم. وبما أن الصين قد قادت من قبل عملية تعافي الاقتصاد العالمي من الكساد الكبير، فيبدو أن إخفاق الاقتصاد الصيني سيكون له تأثيرٌ أكبر من الأزمة المصرفية والعقارية الأمريكية. بالطبع من المستحيل التنبؤ بحِدةِ الأزمة المقبلة، لكن بحلول منتصف العام 2016 بات واضحًا أن سنوات الاستقرار النسبي قد ولَّت.

كيف ستتعامل الحكومات والرأسماليون مع الركودِ الجديد؟ أخفقت أساليبهم التقليدية: الكينزية والتقشف ومدرستهم النقدية، وكذلك التيسير الكمّي. سيكون على رأس المال أن يتوصل إلى طريقةٍ جديدة لإعادة هيكلة النظام، لكن الجهود التي ستُبذل في هذا الاتجاه ستزداد تعقيدًا مع صعود القومية الاقتصادية المتمثلة في ترامب في الولايات المتحدة، ولو بان في فرنسا، وكذلك خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. في أزمة 2008 – 2009، قامت 20 دولة صناعية بتنسيق جهودها في خطط الإنفاق التحفيزي وإنقاذ البنوك، وبالكاد تمكنت من تجنب ركودٍ بحجم ما كان في ثلاثينات القرن الماضي. أما اليوم، فإن تلك الحكومات، المُثقلة بديونٍ هائلة والتي تتعرض لضغوط القوميين، ربما لا تقدر على – أو لا ترغب في – اتخاذِ تدابيرٍ مشابهة وتطبيقها عمليًا.

توقعات

مرَّت على الرأسمالية فترات من الأزمات الاقتصادية الطويلة، توصلت إلى حلولٍ لها من خلال إعادة هيكلة نفسها. الأولى كانت تلك التي امتدت من سبعينات إلى تسعينات القرن التاسع عشر، وقد تجاوزتها الرأسمالية من خلال صعود الشركات الاحتكارية، ورأس المال المالي، والإمبريالية، مُمَهِدةً بذلك الطريق للحربِ العالميةِ الأولى. وفي هذا السياق، طوَّر الثوريان الروسيان فلاديمير لينين ونيقولاي بوخارين النظرية الماركسية في الإمبريالية، التي طرحت أن التناقض بين الدول القومية والاقتصاد العالمي أدى بشكل حتميّ إلى صراعٍ مُسلَّحٍ حيث تدخلت الدول للدفاع عن شركاتها المحلية.

فشلت الحربُ العالمية الأولى، سواء على المستوى الاقتصادي أو السياسي، في حلِّ هذه التناقضات، لتفتح الأبواب أمام الكساد الكبير في ثلاثينات القرن العشرين، وكذلك حربٍ ثانيةٍ بين القوى الإمبريالية. ومع انتهاء الحرب العالمية الثانية، وفي ظل الدمار الهائل لرأس المال في أوروبا واليابان، صعدت الولايات المتحدة كقوةٍ مُهَيّمنةٍ واستخدمت مؤسساتٍ مثل صندوق النقد والبنك الدوليَين لتأمين تلك الهيمنة.

أما الأزمة الثالثة، التي استمرت من 1974 حتى 1982، كما ناقشنا أعلاه، فقد تجاوزتها الرأسمالية من خلال إعادة الهيكلة النيوليبرالية للصناعة، وكذلك رفع القيود، وانهيار الستالينية الذي كان من شأنه أن يُخفِض التركيب العضوي لرأس المال بشكل كبير على النطاق العالمي، فاتحًا الطريق أمام تجدُّد الربحية.

من المستحيل التنبؤ بماهية إعادة الهيكلة التي ستجري نتيجة الأزمة الطويلة الحالية. في زمن الحربِ العالميةِ الأولى، وكما شرح بوخارين، اندمجت الدول القومية الغربية مع رأس المال المالي في الصراع من أجل تقسيم العالم للسيطرة على المواد الخام من أجل دعم احتكاراتها الصناعية المتنافسة. أما في اقتصاد العولمة اليوم، فإن الصورة مغايرة تمامًا، حيث لابد على القوى الإمبريالية التقليدية، التي لا تزال الولايات المتحدة تهيمن عليها، أن تنافس مع اقتصاد عالمي يُعاد تشكيله من قِبَل الصين وبقية دول البريكس، مما يُمثِّل تحديًا جديدًا لهيمنتها.

وبالرغم من التحوُّلات التي طرأت على النظام العالمي منذ ذلك الوقت، إلا أن تلخيص بوخارين لتناقضات الاقتصاد الرأسمالي المُعوّلَم يوفِّر إطارًا عامًا ليومنا الحالي:

“إذا أخذنا في الاعتبار المشكلة في مجملها، وتناولنا بالتالي وجهةَ النظرِ الموضوعية، أي وجهة نظر تأقلم المجتمع الحديث مع ظروف وجوده، نجد تنافرًا متناميًا بين قاعدة الاقتصاد الاجتماعي التي صارت عالمية، والبنية الطبقية الخاصة للمجتمع، تلك البنية التي تُقسِّم فيها الطبقة الحاكمة (البرجوازية) نفسها إلى مجموعاتٍ “قومية” بمصالح اقتصادية متناقضة، مجموعاتٍ معادية للبروليتاريا العالمية تتنافس فيما بينها من أجل تقسيم فائض القيمة على المستوى العالمي. إن للإنتاج طابعًا اجتماعيًا؛ حيث يُحوِّل تقسيم العمل الدولي الاقتصادات “القومية” الخاصة إلى أجزاءٍ من عمليةِ إنتاجٍ هائلة تمتد لتشمل البشرية بأسرها تقريبًا” (110).

أوضح بوخارين أن التنافس الاقتصادي بين الطبقات الرأسمالية القومية هو أساس التنافس الإمبريالي. وهنا أيضًا يُعد تحليله ملائمًا بشكلٍ عام. إن الإخفاقات العسكرية للولايات المتحدة في كلٍ من أفغانستان والعراق تزيد من تعقيد الهدف الذي تسعى إليه الطبقة الرأسمالية الأمريكية، ألا وهو الحفاظ على هيمنتها. وما بدأ منذ خمسة عشر عامًا، كمحاولة من القوة الأعظم عالميًا لتأمين هيمنتها، ينتهي اليوم بزعزعة استقرار الشرق الأوسط وجنوب غربي آسيا. وبالتالي فإن ما يُطلَق عليه “محور الولايات المتحدة الآسيوي”، لمواجهة صعود الصين، يجري في ظل ارتباك سياسات الولايات المتحدة. أما طرح اتفاقية التجارة للشراكة العابرة للمحيط الهادي (TPP)، بالتوازي مع تحالفات الولايات المتحدة العسكرية مع اليابان وفيتنام والفلبين وغيرها من الدول، فهي محاولة لتشكيل كتلة تتحدى صعود الصين، لكن النجاح ليس مضمونًا على الإطلاق.

إلا أنه، من المنظور الرأسمالي، لابد من إعادة الهيكلة، لأن النظام نفسه في حالةٍ من التدهور. إن أزمة الأحزاب السياسية السائدة، حيث صعود ترامب وأحزاب اليمين المتطرف في أوروبا من جانب، والتطورات المتعلقة بسيريزا وبوديموس وساندرز من جانبٍ آخر، تمثل ضغطًا على الطبقات الحاكمة القومية لإيجاد من يقدر بشكلٍ كفءٍ على تطوير برنامج سياسي يدير الأزمة، ويتكيَّف مع تصاعد الصراع الطبقي، ويتجاوز الحروب والخصومات الدولية. في بعض الحالاتِ يتخذ ذلك شكلًا من استمالة أحزاب يسارية مثل سيريزا، وفي حالاتٍ أخرى قد يعني إطلاق العنان لليمين المتطرف لتقديم المزيد من أكباش الفداء من المهاجرين والأقليات من أجل تشتيت حركة الطبقة العاملة بإشعال الحمية القومية. وبالتالي، فنحن ندخل اليوم في فترةٍ شديدة التقلب، اقتصاديًا وسياسيًا، وكذلك على صعيد العلاقات الإمبريالية، وهو ما سيضع اليسار قيد الاختبار على المستوى الدولي.

في نفس الوقت، تفتح الأزمة الطريق أمام تجديد اليسار الاشتراكي، فجيل الشباب الذين ترعرع في قلب الركود والنمو الضعيف والحروب الإمبريالية التي لا تنتهي، صار نشيطًا وواعيًا سياسيًا. وبالفعل يعتبر الملايين من الشباب في الولايات المتحدة أنفسهم اشتراكيين، رغم ضبابية مفهومهم عن ذلك. لكن اليسار ليس مُنظَّمًا جيدًا ولا متماسكًا سياسيًا مثل اليمين. لذا فإن مهمة الثوريين هي العمل على تجاوز نقاط الضعف هذه، بتوضيح التنظيم والسياسات التي يحتاجها اليسار لمجابهة هذه التحديات. هذا التحليل لأزمة الرأسمالية اليوم إنما هو مساهمة في كفاحِ جيلٍ جديدٍ من المناضلين من أجل فهمٍ أفضل للمعارك المُقبِلة.

هوامش:

  1. Eric Platt and Nicole Bullock, “Global Markets Take $2tn Brexit Hit,” Financial Times, June 26, 2016, ft.com.
  2. Ben Eisen, “Negative-Yielding Debt Tops $10 Trillion,” Wall Street Journal, June 3, 2016, wsj.com.
  3. Ian Talley, “IMF Cuts 2016 US Economic-Growth Forecast to 2.2%,” WSJ.com, June 22, 2016.
  4. “World Bank Cuts 2016 Global Growth Forecast to 2.4 Percent,” World Bank, June 26, 2016, worldbank.org.
  5. Sean M. Dougherty, “Is Mexico a New China?” OECD Echoscope, June 7, 2016, https://oecdecoscope.wordpress.com.
  6. Karl Marx and Frederick Engels, The Communist Manifesto: A Road Map to History’s Most Important Political Document, Phil Gasper, ed.(Chicago: Haymarket Books, 2006), 47–48.
  7. Simon Constable interviews NourielRoubini, “Roubini Warns of Global Recession Risk,” Wall Street Journal, August 11, 2011,wsj.com/video/roubini-warns-of-globa…
  8. Lawrence H. Summers, “The Age of Secular Stagnation: What It Is and What to Do About It,” Foreign Affairs, March 29, 2016,foreignaffairs.com.
  9. Jonathan D. Ostry, PrakashLoungani, and David Furceri, “Neoliberalism: Oversold?” IMF Finance and Development,imf.org/external/pubs/ft/fandd/2016/….
  10. Martin Wolf, The Shifts and the Shocks: What We’ve Learned—and Have Still to Learn—From the Financial Crisis(London: Penguin, 2014), 126-127.
  11. Robert J. Gordon, The Rise and Fall of American Growth: The US Standard of Living Since the Civil War. (Princeton, NJ: Princeton University Press, 2015).
  12. Léon Crémieux, “What Stirred the Stormy Seas in France?,” SocialistWorker.org,May 24, 2016.
  13. Barry Eichengreen and Kevin Hjortshøj O’Rourke, “A Tale of Two Depressions: What Do the New Data Tell Us? Vox, March 8, 2010, http://voxeu.org.
  14. Felix Salmon, “Recipe for Disaster: The Formula that Killed Wall Street,” Wired Magazine, February 23, 2009,http://archive.wired.com.
  15. Mark Gilbert and Matthew Brown, “Interbank Lending Market ‘Died with Lehman’: Chart of the Day,” Bloomberg.com, June 1, 2010.
  16. Michael Deal and Allison McCann, “2009 Global GDP’s Negative Growth Rate,” Bloomberg.com, September 12, 2013.
  17. MatthieuBussière, Fabio Ghironi, and Giulia Sestieri, “Estimating Trade Elasticities: Demand Composition and the Trade Collapse of 2008–09,” Vox, February 14, 2012,  http://voxeu.org.
  18. Lee Sustar, “Why Should Bankers Get More of Our Money?,” SocialistWorker.org, February 11, 2009.
  19. Michael Grunwald, “Five Myths about Obama’s Stimulus,” Washington Post, August 10, 2012, washingtonpost.com.
  20. Phil Oliff, Chris Mai, and Vincent Palacios, “States Continue to Feel Recession’s Impact,” Center on Budget and Policy Priorities, June 27, 2012, cbpp.org.
  21. Milton Friedman, The Optimum Quantity of Money and Other Essays (London: Macmillan, 1969).
  22. Binyamin Appelbaum, “Fed Raises Key Interest Rate for First Time in Almost a Decade,” New York Times, December 16, 2015,nytimes.com.
  23. Lowell R. Ricketts, Christopher J. Waller, “The Rise and (Eventual) Fall in the Fed’s Balance Sheet,” Regional Economist, January 2014, stlouisfed.org.
  24. Jim Puzzanghera, “Federal Reserve to Send Record $98.7-Billion Profit to Treasury,” Los Angeles Times, January 9, 2015,latimes.com.
  25. Peter Spiegel and Quentin Peel, “Berlin Insists on Eurozone Austerity,” FT.com, April 30, 2012.
  26. Stephan Riecher and Alessandro Speciale, “Draghi Aggression Shows Pledges Backed by Rate Surprise,” Bloomberg.com, November 8, 2013.
  27. Jana Randaw, “Europe’s QE Quandary,” Bloomberg,com, June 1, 2016.
  28. Robert Skidelsky, “Meeting Our Makers: Britain’s Long Industrial Decline,” New Statesman, January 24, 2013,newstatesman.com.
  29. “United Kingdom,” OECD Economic Outlook, vol. 2016, no. 1, (OECD Publishing, 2016), 228–32, oecd-ilibrary.org.
  30. Interview with Jacob Funk Kirkegaard, “The Growing Franco-German Divide,” Council on Foreign Relations, October 24, 2012,cfr.org;Simon Nixon, “Italy Versus Germany: Europe’s Latest Fault Line,” WSJ.com, January 18, 2016.
  31. FerdinandoGiugliano, “Central Banks Urged to Raise Rates as Asset Bubble Fears Grow,” FT.com October 23, 2015.
  32. “Fortune 500 Companies Hold a Record $2.4 Trillion Offshore,” Citizens for Tax Justice, March 4, 2016, http://ctj.org.
  33. Kevin L. Kleisen, “Restructuring and Economic Growth: Taking the Long-term View,” Federal Reserve Bank of St. Louis, July 1993, stlouisfed.org.
  34. Richard Freeman, “What Really Ails Europe (and America): The Doubling of the Global Workforce,” TheGlobalist.com, March 5, 2010; Edward N. Wolff, “What’s Behind the Rise in Profitability in the US in the 1980s and 1990s?” Cambridge Journal of Economics27, no. 4 (2003): 479–99, jstor.org/stable/23602104.
  35. Mike Davis, “Planet of Slums,” New Left Review II, no. 26 (2004): 5–34.
  36. Minxin Pei, “China Keeps Throwing Trillions in Investments Down the Drain,” Fortune.com, December 1, 2014.
  37. “China Economic Outlook,” FocusEconomics, June 21, 2016, focus-economics.com.
  38. Joyce Ho, “Bernanke Downplays China Impact on World Economy,” Nikkei Asian Review, January 19, 2016,http://asia.nikkei.com. 
  39. Brad Setser and ArpanaPandey, “China’s $1.7 Trillion Bet: China’s External Portfolio and Dollar Reserves,” Council on Foreign Relations, January 2009, cfr.org.
  40. JamilAnderlini, “World Bank Credits China Stimulus for Higher Growth,” FT.com, June 19, 2009.
  41. Fion Li and Kyoungwha Kim, “China’s Reserves Retreat from $4 Trillion Mark as Outflows Seen,” Bloomberg.com, October 16, 2014.
  42. Douglas Elliott, Arthur Kroeber, and Yu Qiao, “Shadow Banking in China: A Primer,” Brookings Institution, March 2015,brookings.edu.
  43. Bloomberg News, “China’s Exports Decline as Trade Surplus Swells to Record,” Bloomberg.com, February 15, 2016.
  44. “Recovery Strengthens, Remains Uneven, April 2014,” IMF World Economic Outlook, April 2014,imf.org/external/pubs/ft/weo/2014/01….
  45. Ralph Atkins, “World Bank Warns of Capital Flow Risk to Emerging Markets,” FT.com, January 15, 2014.
  46. “China Sees Steady Economic Growth of ‘around’ 7 Percent in Third Quarter,” Reuters, September 25, 2015.
  47. Ana Swanson and Kevin Sieff, “China’s Slowdown, Financial Mayhem Cast Long Shadow across World,” WashingtonPost.com, January 11, 2016.
  48. Jiaxing and Yangon, “The Future of Factory Asia: A Tightening Grip,” Economist, March 14, 2015. economist.com.
  49. Martin Wolf, “China’s Great Economic Shift Needs to Begin,” FT.com,January 19, 2016.
  50. Luke Kawa, “Six Ways to Gauge How Fast China’s Economy is Actually Growing,” Bloomberg.com, November 2, 2015.
  51. George Magnus, “China’s Debt Reckoning Cannot be Deferred Indefinitely,” FT.com, April 29, 2016.
  52. Richard Dobbs et al., “Debt and (Not Much) Deleveraging,” McKinsey Global Institute, February 2015, mckinsey.com.
  53. Matt O’Brien, “China’s Debt Bubble is Getting Only More Dangerous,” WashingtonPost.com, May 16, 2016.
  54. Umesh Desai, “Manage, Meddle or Magnify? China’s Corporate Debt Threat,” Reuters.com, July 24, 2015.
  55. Shawn Donnan, “Impact of China on Advanced Economies Set to Grow, FT.com, April 4, 2016.
  56. Peter Coy, “China’s Capital Flight,” Bloomberg.com, January 14, 2016.
  57. “China Capital Outflows Rise to Estimated $1 Trillion in 2015,” Bloomberg.com, January 25, 2016.
  58. Lingling Wei and AnjaniTrivedi, “China’s Forex Reserves Fall by Record $93.9 Billion on Yuan Intervention,” WSJ.com, September 8, 2015.
  59. Scott Paul, “The Real Problem in China,” CNBC.com, July 10, 2015.
  60. David Stanway, “China Steel Capacity at 1.13 billion Tonnes, More Cuts Required—Official,” Reuters UK, April 10, 2016, uk.reuters.com.
  61. Holly Ellyatt and Karen Tso, “China Has Conducted a ‘War’—Not Trade—With Steel, Experts Say,” CNBC.com, May 20, 2016.
  62. Ashley Smith, “A Treaty to Declare Economic Ear,” SocialistWorker.org, April 20, 2015
  63. Mark Shenk, “Crude Falls below $30 a Barrel for the First Time in 12 Years,” Bloomberg.com, January 12, 2016.
  64. Stanley Reed, “Saudi Arabia Keeps Pumping Oil, despite Financial and Political Risks,” NYTimes.com,, January 27, 2016.
  65. Joe Leahy and John Paul Rathbone, “Brazil’s Real: How Low Can It Go?,” FT.com, February 8, 2016.
  66. Roger Blitz and Leo Lewis, “Currency War Heating Up for Yen and Euro,” FT.com, August 17, 2015.
  67. David Brancaccio, Katie Long, and Justin Ho, “Have We Reached Peak Trade?” Marketplace, June 23, 2016, marketplace.org.
  68. “Chinese Economy: Exports Fall by 2% and Imports by 11% in April,” Guardian, May 8, 2016, theguardian.com.
  69. 69    Jeffrey Rothfeder, “The Surprising Relevance of the Baltic Dry Index,” New Yorker, June 22, 2016, newyorker.com.
  70. Scott Patterson and Alex MacDonald, “Anglo American to Slash Assets, Cut 85,000 Jobs,” WSJ.com, December 8, 2015.
  71. Angelo Young, “Why China is Launching Massive $1.1 Trillion Stimulus Package,” International Business Times, January 6, 2015, ibtimes.com.
  72. Christian Shepherd, “China Steel Mills Fire Up as Prices Flare,” FT.com, May 16, 2016.
  73. Michael Lelyveld, “China Growth Slows despite Stimulus Spur,” Radio Free Asia, February 5, 2016, rfa.org.
  74. “ECB Raises 2016 Eurozone Growth & Inflation Forecasts,” RTTNews, February 6, 2016, rttnews.com.
  75. Christopher Rugaber, “US Budget Deal Approved by Congress May Boost Economy Just as Fed Pulls Back on Stimulus,” US News & World Report, December 19, 2015, usnews.com.
  76. Eric Morath, “Companies Shy Away from Spending,” WSJ.com, November 30, 2015.
  77. Jeffry Bartash, “US Worker Productivity Sags Again in the First Quarter,” Market Watch, June 7, 2016 marketwatch.com.
  78. “China’s Lou Says Not So Fast on US Calls to Cut Overcapacity,” Bloomberg.com, June 6, 2016.
  79. David Keohane, “Bank Profits, Negative Rates and Evidence,” FT.com, February 15, 2016.
  80. Ellie Ismailidou, “BlackRock’s Larry Fink Says Negative Interest Rates Are ‘Biggest Crisis’ in the World,” MarketWatch.com, March 14, 2016.
  81. Peter Wells, “Japan Falls (a Little) Deeper into Deflation,” FT.com, May 27, 2016.
  82. Alessandro Speciale and Jeff Black, “Draghi Expands ECB Stimulus with More QE and Lower Rates,” Bloomberg.com,March 10, 2016.
  83. Yuji Nakamura, Anna Kitanaka, and Nao Sano, “The Tokyo Whale is Quietly Buying up Huge Stakes in Japan Inc.,” Bloomerberg.com, April 24, 2016.
  84. Marcus Walker, “IMF Proposal on Greece Sets Up Battle with Germany,” WSJ.com,May 17, 2016.
  85. Alexandra Gibbs, “Here’s How Toxic Italy’s Bad Loans Really Are,” CNBC.com, April 11, 2016.
  86. Raoul Ruparel, “A Bad Deal on Bad Loans at Italian Banks,” Forbes.com, January 28, 2016.
  87. Tomas Hirst, “The Changing Face of the German Economic Miracle?,” Bloomberg.com, December 11, 2016.
  88. Stefano Casertano, “Entitled to Fail: Inside Italy’s Downward Spiral,” World Affairs Journal, July/August 2012,worldaffairsjournal.org. 
  89. Jens Münchrath, Daniel Schäffer, and Kevin O’Brien, “In Germany, Zero Interest in Mario Draghi,” Handelsblatt Global Edition, March 11, 2016, global.handelsblatt.com.
  90. Larry Elliott, “France: The New Sick Man of Europe,” TheGuardian.com, January 14, 2014.
  91. James Shotter, Patrick  Jenkins, and Gavin  Jackson,“Deutsche Bank Considers Multibillion Bond Buyback,” FT.com, February 9, 2016.
  92. Landon Thomas Jr, “Hard-to-sell Assets Complicate European Banks’ ‘Brexit’ Risks,”com, June 28, 2016.
  93. Tobias Buck, “Spain’s Economic Recovery Powers Ahead despite Political Crisis,” FT.com, April 3, 2016.
  94. Sheridan Prasso, “Shadow Banking,” Bloomberg.com, March 31, 2015.
  95. RakteemKatakey, “US Ousts Russia as Top World Oil, Gas Producer in BP Data,” Bloomberg.com, June 6, 2015.
  96. Meagan Clark, “The Renaissance of US Manufacturing Is Real but Maybe Not What You Think,” IBTImes.com, February 4, 2014.
  97. Floyd Norris, “Corporate Profits Grow and Wages Slide,” NYTimes.com, April 4, 2014.
  98. “Robust Hiring in December Caps Solid Year for US Jobs,”  NYTimes.com, January 9, 2016.
  99. Reuters, “US Housing Starts Rebound as Single-family Projects Soar,” CNBC.com, March 16, 2016.
  100. Shobhana Chandra, “Manufacturing Output in US Falls by Most since February 2015,” Bloomberg.com, April 15, 2016.
  101. Burt White and Jeff Buchbinder, “The S&P and GDP Are Not the Same Thing,” Business Insider, November 4, 2014,businessinsider.com.
  102. Matt Egan, “US Exports Drop for First Time since Great Recession,” CNN.com, February 5, 2016.
  103. Michelle Jamrisko, “US Factory Production Falls More than Forecast on Auto Output,” Bloomberg.com, June 15, 2016.
  104. Ernest Scheyder and Terry Wade, “US Oil Industry Bankruptcy Wave nears Size of Telecom Bust,” Reuters.com, May 5, 2016.
  105. Theo Francis and Kate Linebaugh, “US Corporate Profits on Pace for Third Straight Decline,” WSJ.com, April 28, 2016.
  106. “German Trade Surplus Swells to Fresh Record,” FT.com, May 10, 2016.
  107. AnreaRiquier, “An Old Fear Returns as New Mortgage Market Players Rise,” MarketWatch.com, February 29, 2016.
  108. Matthew Goldstein, Rachel Abrams, and Ben Protess, “How Housing’s New Players Spiraled into Banks’ Old Mistakes,” NYTimes.com, June 26, 2016.
  109. Tyler Durden, “The Fed Sends a Frightening Letter to JPMorgan, Corporate Media Yawns,” Zero Hedge, April 15, 2016,zerohedge.com. 
  110. Nikolai Bukharin, Imperialism and World Economy(New York: International Publishers, 1929 reprint), 106. Also available at Marxists.org.

اضافة تعليق جديد

التعليقات

  1. Pingback: الاقتصاد العالمي: عودة الأزمة – جويل جاير، ولي سوستار | اكتب كي لا تكون وحيدا

موضوعات ذات صلة

عن كتاب جوزيف ضاهر “حزب الله: الاقتصاد السياسي لحزب الله اللبناني” يهدف كتاب جوزيف ضاهر، الذي يتميز بالبحث الجيد، إلى رسم صورة مكتملة لحزب الله؛ واضعا التنظيم في سياق التغيرات التي شهدتها الدولة والمجتمع اللبناني على مدى السنوات العشرين الماضية.

آن ألكسندر

الغذاء والزراعة والتغير المناخي (2) وحده هذا النوع من الزراعة، الذي يجد جذوره في الملكية الجماعية للأرض ووسائل الإنتاج، سوف يكون قادرا على إنتاج ما يكفي من الغذاء الصحي من أجل إطعام العالم في الأجل الطويل.

مارتن إمبسون

حول مفهوم الشر: "كريستوفر كوكس" و" مولي والن" يحاوران الفيلسوف الفرنسي الكبير آلان باديو عن مفاهيم الشر والخير وكيف تتشكل وكيف تتغير.

كريستوف كوكس  ,  مولي والن  ,  آلان باديو

التجريد ضرورة ثورية موضوع المقال هو المنهج الجدلي عند ماركس، وبوجه أخص، "التجريد" كنمط من التفكير يكمن في صميم المنهج الجدلي.

عمر الشافعي

الغذاء والزراعة والتغير المناخي قال ماركس إنه يمكن وجود زراعة عقلانية، لكن ذلك يعني تغييرا في نظم الإنتاج والملكية. ففي ظل الرأسمالية، "بدلا من التعامل الواعي والعقلاني مع الأرض باعتبارها ملكية جماعية دائمة وشرطا لا غنى عنه لوجود واستمرار سلاسة الجنس البشري، نجد استغلالا وإهدارا لقوى الأرض".

مارتن إمبسون