قراءات في ثورة يناير 2011:

يناير الذي وُلِدتُ فيه

سجالات

12  مارس  2017

يسقط يسقط حسني مبارك.. الشعب يريد إسقاط النظام.. بشكر تونس، بشكر مصر، بشكر الجزيرة، مفيش ظلم تاني، مفيش خوف تاني.. تحيا تونس الحُرة، بن علي هرب، بن علي هرب.. يا بلادي يا بلادي أنا بحبك يا بلادي.. أصله معداش على مصر أصله معداش على مصر، يا حبيبتي يا مصر يا مصر.. إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بُد أن يستجيب القدر.. أنا الشعبُ أنا الشعبُ لا أعرف المستحيلَ ولا أرتضي بالخلود بديلا.. يا مصر قومي وشدي الحيل كل اللي تتمنيه عندي….

ثورة 25 يناير تستمد قوتها من ذاكرتنا لا من تاريخكم المزيف وإعلامكم المُزوِر!!

في هذا اليوم قد وُلِدت.. اليوم ذا عرِفتُ أنني جزء من قوة يمكنها تحريك بُركان الغضب، ويمكن أن تقول لا في وجه أعتى العُتاه. اليوم الذي كانت فيه كافة شوارع المحروسة ترتجف؛ هتافا برحيل الديكتاتور.. اليوم الذي خُلِعَت فيه القلوب خلعا من أماكنها، ودوى الهتاف فيه -أي في هذا اليوم- يعلو دوي البنادق، وكان الصوت الذي يخرج من صدرِ ثائرٍ بمئات الأصوات التي كانت تهتف بحياة الزعيم الذي كان قد اقترب خلعه.

السطور التالية نبضات قلبٍ.. وشذراتِ فكرٍ.. وصدى لصفيرِ طائرٍ قد رفرفت جناحاته في يومٍ من الأيام؛ مُنادية بالعدالة والحرية بعد أن ظن هذا الطير أن صاحبه قد قصقص جناحاته؛ حتى لا يطير خارج القفص وإن فُتِحت قليلا أبوابه..

كانت بالفعل الحناجر مُقَدَسة.. وحماسُ الشبابِ كان يعلو سقف أحلام المستبدين.

كان الشارع مُشتعِلا قبل يناير بشهور، حتى أن الناظر لوجوه أهل مِصرِ حينها والمارة بالشوارع يعرف أنه هناك حدثٌ يلوح في الأفق؛ إلا أنه لم يكن يُعَرَف كُنهه، ولكن من المُؤَكَد أن الغضب المرسوم على الوجوه –حينها- لو كان وحشا لابتلع الرؤوس التي كانت تُردِد مدى رضا الناس عن النظام ومقدار ما وصلت إليه معدلات التنمية التي أحدثها مهندسو واقتصاديو النظام.

كانت لشوارع الإسكندرية السبق في التنبؤ بالثورة.. وكان الحِراك على أشده، والزخم السياسي قد بلغ أوجُه. احتشدت الجموع في الإسكندرية مراتٍ عِدة قبل تظاهرات يناير: تظاهرات بكليوباترا احتجاجا على مقتل خالد سعيد، تظاهرات تحتج على مقتل محمد مصطفى، حشود تتجمع في محرم بك؛ اعتراضا على مساعي النظام في توريث الحُكم، مظاهرات بالكورنيش أمام محكمة الإسكندرية؛ فضحا للنظام الذي قام بتلفيق قضية للناشط حسن مصطفى، -الذي كان عضوا بحركة الحشد- تظاهُرة فُجائية بميدان الساعة شارك فيها نُشطاء حركتي “شباب من أجل العدالة والحُرية” و”6 إبريل”، مسيرة يعلو فيها الهتاف بالشارع المجاور لمسكن “مدير أمن الإسكندرية”؛ احتجاجا على قمع الشُرطة والتنكيل بالنُشطاء واعتقالهم. هكذا لم تكُن يناير وليدة اللحظة أو صناعة الغرب وقطر والأتراك كما روج – وما زالوا يروجون- أتباع النظام وسدنته؛ فبرغم الحشود العفوية التي ملأت الميادين إلا أنه ثمة جهود سابقة لموجات 25 يناير الاحتجاجية، وكان يقف وراء تلك الجهود شباب حركات “6 إبريل” و”شباب من أجل العدالة والحرية” و”حشد” و”الاشتراكيون الثوريون” و”الجبهة الحُرة للتغيير السلمي” و”حملة لازم”.. وآخرين. كان الشباب حينها يتظاهر عشراتٍ وبأعدادٍ يسهُل فضها والقضاء عليها من قِبَل قوات الأمن.. إلا أنهم كانوا ينتظرون لحظة لها معنى.. لها وجود.. لها ضمير، لتُفرِز آلاف الأصوات حتى يتم التغيير ومناهضة النظام، لا تعكير صفوه للحظات!

تصفع الشُرطية فادية حمدي البوعزيزي في وجهه وتُصادِر عربته، يَضرِم الرجل النار في نفسه، تندلع الاحتجاجات في مدينة “سيدي بوزيد” وولاية “القصرين”، يُتابِع العالَم -عامة- والمصريون –خاصة- عن كثب.. يتوفى محمد البوعزيزي يوم الثلاثاء 4 يناير في مستشفى “بن عروس”، تزداد أعداد المتظاهرين والغاضبين.. يسقط القتلى والجرحة.. تزداد الاحتجاجات اشتعالا.. يعلن التليفزيون التونسي هروب بن علي؛ معلنا سفوط النظام وانتصار ثورة “الياسمين”.. يتم اعتقال 33 من أقارب بن علي.. يبث التليفزيون الرسمي صورا لمجوهرات وحُلي وساعات فخمة وبطاقات مصرفية دولية والأسلحة التي كانت على هيئة أقلام رصاص تخص عائلة الرئيس التونسي المخلوع.. ويتم الإفراج عن 1800 سجين.

رأينا بأمِ أعيُنِنا أنه يمكن هز عروش الحكام، ويُمكِن أن يسقط ديكتاتور –أمضى في سُدة الحكم أكثر من عشرين عاما- بكل سهولة.. يمكن لقوة الشارع أن تفوق قوة الأنظمة وأجهزتها الأمنية.. في وقتٍ رأينا فيه نظاما يتبجح ويخرج علينا مسؤولوه: “لسنا تونس!”. نظامٌ كرخخ الناس في كافة ربوع مصر ونواحيها ومع ذلك يخرج علينا بنتيجة برلمان بلغت 97% في مسرحية برلمانية هزلية أبطالُها لا يمكن أن يكونوا إلا من طراز أبطال بيكيت العبثيين.. قانون طوارئ يسجن الشباب وينكل بالجزء القليل من قادة السياسة الذي كانت ضمائرهم نابهة؛ فاضحة دائما النظام وطغمته.. تقييدٍ للحريات السياسية وانتهاك حُرُمات المنازل والبحث عمن لا يُداهِن الحاكم ويوالس تكنوقراطييه الذين يقومون بهندسة سياسات النظام الغاشمة.. أقسام شرطة تحولت إلى سلخانات تقوم بتصفية المواطنين وإنتهاك إنسانيتهم، وأصبحت مقار أمن الدولة مراكز للتعذيب اللاإنسانيّ المُمَنهَج.. انتخابات مزَوَرة بمجلسي الشعب والشورى ومجالس المحليات والنقابات والجامعات.. 40% يعيشون تحت خط الفقر، ودخل المواطن لا يتعدى ال دولارين يوميا.. رجُلٌ يحكُم منذ ثلاثين عاما ونية لاستمراره بالحُكم أو توريث ابنه؛ استكمالا لعذابات المصريين ومعاناتهم، دون وجود أية بوادر للاستجابة لمطالب الناس المكبوتة طالما لا يوجد ما يبررها بالشارع.. تزاوج بين السُلطة ورأس المال.. حزب واحد يحكُم يسرق أقوات الناس بالنهار وثرواتهم وفي الليل يسن له القوانين ويُشَرِع.. وبين هذا وذاك أصيب المصريون بالاحباط واليأس، وانتشرت ظاهرة البوعزيزية، وقام المواطنين بإضرام النيران في أجسادهم؛ احتجاجا على الظروف المعيشية التي لا تليق بأي إنسان!

لم يجد الناس أي حزب أو أية جماعة يمكن أن تعبر عنهم.. لم يجد الشعب أي تجمع سياسي أو كُتلة يُلتف حولها لتضطلع وأن تقود الضغط وحالة الاحتقان التي كان يقاسيها غالبية المصريين قبيل أيام الثورة.. ومن هُنا كانت الاستجابة فرض عين.. والصيحةُ أقوى.. والنزول كان حتميّ لم يلبث إلا وكان أسرع من عِدة النظام وخطته. مع أول هاتفِ في الشارع ينادي بسقوط النظام ورحيله أتت التجمعات والحشود من كل ناحية.. ومع كل هتاف ينجذب العشرات، حتى يتغير الهاتِف والهتافات ويُحمَل ثائرٌ آخر على الأكتاف ويمتلا الشارع إلى نهايته ويكتظ بالمتظاهرين، لتنضم بقية الشوارع عند الإشارات والميادين، وتلتحم مسيراتٌ أخرى وتنضم إلى مثيلاتِها.. لتهتز شوارع الإسكندرية؛ حيث قضيت الثمانية عشر يوما بها.

كان الأمر غيرُ عاديّ.. ولم يكُن هناك تفسيرٌ لما يحدث بالشارع لدى كُلٌ منا.. ولم تكن هناك –في نفس الوقت- أية تنبؤات لما ستؤول إليه الأوضاع قُدُما.. إلا أن الاهتمام كان مُنصَبا على جلال اللحظة وهيبتها.. الجمهور يحتشد.. الجمهور يصطف.. يتآزر.. يتعانق.. يتكاتف.. يتفائل.. يُزين التحدي وجهه.. أناسٌ آخرين لم تلتقيهم من قبل.. زجاجات المياة والبسكويت والحلوى تُقذَف من الشُرُفات.. ترتفع علامات النصر في كافة المنازل.. تمتد أيدي المسنين وذوي الأعمار مناجية السماء بالتوفيق وسداد خُطى الشباب.. الكرامة.. العدل.. الحرية، لم نكن نسمع هذي الألفاظ، ولم نكن نستطيع التفوه بها.. هذا الثالوث له معنى الآن: “عيش.. حرية.. عدالة اجتماعية”.. يرتوي المتظاهرون بزجاجات المياة المتدلية من المنازل.. تُفرَش الفُرُش أمام المساجد والساحات للصلاة والدعاء على الظالمين.. وتستمر المسيرة.. تُمَزَق لافتات الحزب الوطني.. وتُقَطَع أكبر الصور لمبارك بالإسكندرية، ويعتليها الشباب في غيظ؛ ويكأنه أمامهم الآن ينتقمون منه ويسددون له اللكمات حتى ولو على الورق.. يمضي الشباب إلى النهاية؛ متحديا أجهزة الأمن.. تُقذَف القنابل المسيلة للدموع.. تزداد الحشود ويصبح الوضع خارج السيطرة.. يُزَج بالمجرمين وبمسجلي الخطر بين المتظاهرين، ليسددوا الزجاجات والأحجار في وجه رجال الأمن؛ فيكون وقتها رصاص النظام وقتله للشباب له ما يبرره.. يهرب الشباب والمحتجون إلى الأزقة والشوارع الجانبية ويتجمعون بشوارع أخرى حتى ينتهي ثلاثاء 25 يناير مع استمرار حالة عدم تصديق ما حدث مع توقعات بعدم تكرار هذا الحدث؛ لأنه في يومها لم تكن هناك نية أو أية دعوة للاستمرار في أيامٍ قادمة.

يُعلِن الشباب عن تظاهراتٍ أخرى حاشدة.. في اليوم التالي يداهم رجال الأمن المنازل ويعتقلون الشباب والنشطاء.. تُقطَع الاتصالات.. آلات إعلامية لا شاغل لها إلا مهاجمة عملاء الثلاثاء المنصرم.. وأبواق النظام تحذر من الرصاص الكثيف الذي سيخترق صدور المخربين وأعداء الوطن بجمعة 28 يناير.. إلا أنه قد احتشدت الميادين -في حين قد يأست الجموع التي احتشدت في 25 يناير وقامت بالشك في تكرار ما حدث- وتضاعفت الأعداد -على الرغم من استعدادات النظام وتضييقاته- في سابقة غير عادية لا يوجد ما يبررها حينها.. الحشود تفوق المتوقع.. أصبح النظام في وضع لا يُحسَد عليه.. امتلا كورنيش البحر وشارع أبي قير وطريق جمال عبد الناصر –أكبر الشوارع بالإسكندرية- والآلاف أصبحوا ملايين.. صوت الحناجر أعلى مما كان في الماضي.. الهتافات حماسية جديدة.. الغضب ثار أكثر شراسة على النظام ووحشية.. الأصوات لم تُنادي بمطالب اقتصادية أو إسقاط وزير أو تهاجم فساد كما كان يغلب عليها سابقا، إلا أن المطلب كان واضحا ووحيدا ومن بعده تأتي كافة المطالب –هكذا كنا نرى في الشارع من أصغرنا لأكبرنا ولم يحِد عن هذا أحدٌ- فلم نكن نريد اللهم سقوط مبارك والنظام.. وكانت أعداد المتظاهرين تزداد كل يومٍ عن اليوم الذي يسبقه.. وكانت تزداد المطالب ويعلو سقفها مع ازدياد الحشود بالشوارع وتنوع طوائفها وفئاتها.. وتضاعفت الثقة مع زيادة الأعداد.. وازداد إصرار الناس إصرار لتتحول المطالب إلى محاكمة الرئيس بعد إسقاطه خاصة مع تساقط الأجهزة الأمنية والشُرطية بالتناوُب وخروج الأوضاع عن سيطرة النظام وسلطته حتى يتم الرضوخ إلى الأمر الواقع، إلى أن يأتي الحدث الأهم في أيام الثورة أي بيان عمر سليمان الذي أعلن فيه تنحي الرئيس حسني مبارك.

وكانت وقتها الفرحة لا تُقَدَر بثمن.. وكانت المفاجأة وقعها كبيرا.. وشعرنا بأننا وُلِدنا في يوم 11 فبراير من جديد، ورأينا مصرَ بعيونِ أخرى غير التي كنا نراها بها من قبل.. وأصبحت الرؤية أكثر وضوحا.. والأرض التي نطأها بأقدامنا غير الأرض.. وشعرت بأنني مواطن حديث في دولةٍ جديدة لم ارتادها من قبل.. وكان هذا الشعور ينمو كلما تحققت المكاسب والمطالب التالية لسقوط المخلوع، وكان الفخر يزداد –ولا زال- بمرور أحداث المشاركة أمام عيني وكلما ذُكِرت يناير على لسان الشُرُفاء أو على لسان الحاقدين وأبواق النظام وأذياله.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

ثورة بغير منظمات ثورية، وسياسة بلا أحزاب سياسية… محاولة نحو فك اللغز المصري (2) النضال من أجل الديمقراطية نضال اجتماعي طبقي في المقام الأول، لا يتحقق بالعظات الأخلاقية ولا بالبغبغة حول المعادلات اللاصفرية ولا بنصح البرجوازية بأن بعض الديمقراطية مهم ومفيد للتنمية والسياحة ولجلب الاستثمار الأجنبي وكسب حب ورضاء الاتحاد الأوروبي، ولكن بالنضال ضدها وعلى حسابها.

هاني شكر الله

ثورة بغير منظمات ثورية، وسياسة بلا أحزاب سياسية… محاولة نحو فك اللغز المصري (1) لماذا بقيت الثورة المصرية وقد امتد فورانها وزخمها قرابة عامين ونصف عاجزة عن بلورة أحزاب سياسية مؤهلة للتدخل المؤثر والفعال في ترتيبات السلطة السياسية ما بعد اسقاط مبارك وزمرته؟ كيف لم تنجح ثورة شعبية كبرى كهذه في بلورة ولو حزب ثوري واحد؟

هاني شكر الله

الهوامش والحدود: حالتان من مصر الهامشية حالة معقدة وأثرها على الجماعات التي تعايشها ليس خطا مستقيما. للطبيعة المركبة ومتعددة الأبعاد للهامشية أثارا على العمليات الاجتماعية الأوسع. ليست الهامشية في حد ذاتها قوة تغيير اجتماعي، ولكنها يمكن أن تخدم كمحفز وأحد المحددات لاتجاه التغيير.

ريم سعد

المقاومة الاجتماعية في “أرض الخوف”… أوجه الضعف والقوة يأتي عيد العمال هذا العام والحركة العمالية في وضع متراجع بسبب عوامل عدة في مقدمتها ارتفاع وتيرة القمع، وبالتالي فالنضال في فترات المد الثوري، يختلف عن المقاومة في ظل انتصار ثورة مضادة تسعى لسحق حركة العمال وتنظيماتهم المستقلة، وهو ما انعكس على مطالب الحركة.

هشام فؤاد

اضطهاد الأقباط: دعوة للنقاش من أجل المواجهة ليست السطور التالية مقالا تقليديا عن الطائفية وأسبابها، بل هي مزيج من تأملات وانطباعات ذاتية، وقراءة من وجهة نظر علم النفس وعلم الاجتماع، وتلخيص لنقاشات موسعة داخل الحركة الديمقراطية، أتمنى أن تكون مفيدة في إثراء النقاشات حول الموضوع.

سالي توما