الهوامش والحدود: حالتان من مصر

قضايا

12  مارس  2017

عبر الأفرع المعرفية، لا تفتقد الكتابات الأكاديمية إلى التعريفات الدقيقة والشاملة لمفهوم الهامشية. ومن أمثلة تلك التعريفات ما يلي:

“الهامشية حالة معقدة من الظروف المعوقة التي يعاني منها الأفراد والمجتمعات نتيجة كونها عرضة للتأثر بعوامل غير مواتية: بيئية، وثقافية، واجتماعية، وسياسية، واقتصادية. ورغم أن معظم المناقشات حول الهامشية تدور حول الأحوال الاقتصادية والبيئية الصعبة، فإن مفهوم الهامشية يمكن أيضا أن ينطبق على أحوال الحرمان، ثقافيا واجتماعيا وسياسيا” (Mehretu et.al 2000:90)

يؤكد جورونج وكولمير Gurung and Kollmair أيضا على الطبيعة متعددة الأوجه للمفهوم، وعلاقته بحالة الحرمان. وبالإضافة إلى ذلك، فهما يعرفان إطارى عمل مفهوميين رئيسيين يجرى من خلالهما تعريف ووصف الهامشية: إطار الحالة الاجتماعية التى تركز على “الأبعاد الإنسانية مثل الديموجرافيا، والدين، والثقافة، والبنية الاجتماعية (مثلا، التراتبية الطائفية، الطبقة، العرق، النوع)، والاقتصادات والسياسات ذات العلاقة بتسهيل الحصول على الموارد للأفراد والجماعات”. والإطار المكاني الذي يركز على “الموقع الفعلى ومسافة البعد عن مراكز التنمية”، (Gurung and Kollmair 2005: 10).

والمهم أنهما يشيران إلى حقيقة أن الهامشية، أو بالأحرى التهميش، هي عملية دينامية تتطور بمرور الزمن (2005:11).

ولكن، من الجدير بالذكر أن ثراء المفهوم والمحاولات المعقدة والمدققة الكثيرة لالتقاط شكل هذا الثراء، لا تنعكس بنفس القدر فى استخدام المفهوم فى خطاب وتطبيق التنمية. وداخل هذا الإطار العملى، فإن الهامشية (مع ما يرافقها من أفكار الهشاشة، والاستبعاد، والحرمان) تضع علامة على نقيصة يمكن علاجها من خلال التدخل، وغالبا ليست أكثر من اختصار يغطى مجموعة من الحالات المتصلة بالفقر وكذلك بالجماعات الاجتماعية.

تبتعد هذه الورقة عن هذا النوع من فهم واستخدام مصطلح الهامشية لاستكشاف مجموعة أوسع من المعانى تتعلق بمفهوم وحالة الهامشية. وأنا مهتمة على وجه الخصوص باستكشاف إمكانية أن حالة من الهامشية يمكن أن تقدم دافعا أكبر للتغير، وفى بعض الحالات، يمكن أن تكون لها نتائج إيجابية.

ومن أجل هذا الهدف، سوف أقدم مثالين للهامشية مختلفين تماما، والحق أنهما متناقضين، قائمين على خبرة البحث الحقلى فى مصر. الحالة الأولى تدرس الهامشية (الذاتية غالبا) لمجموعة من المثقفين والفنانين، والحالة الثانية تتناول الهامشية الموروثة لمجموعة قبلية ذات وضعية متدنية فى صعيد مصر. وبتقديم هاتين الحالتين، أحاول أن أظهر أن الهامش قد يكون حيزا ينطوى على ديناميات تغير اجتماعى نشطة على نحو خاص، وفى بعض الحالات، يمكن فى الواقع أن يكون أمامنا نوع من الحدود وليس حالة إبعاد إلى الأطراف([1]).

وقد يكون من المفيد في هذا السياق أن نذكر الفارق بين الهامشية الثقافية والاجتماعية. يوظف نويل جيست Noel Gist هذا الفارق فى محاولته لتوصيف الأوجه المختلفة للهامشية فى المجتمع الإنجليزى-الهندى فى الهند (Gist 1967). فيقول:

يشير مصطلح الهامشية الثقافية إلى الوضع الهامشى أو الطرفى لجماعة ما فيما يختص بالمعتقدات، والتقاليد، والتنظيم الاجتماعى، والسلوك النمطى، وأنظمة القيم التى تميز هذه الجماعة عن الجماعات أو المجتمعات الأخرى. وتشير الهامشية الاجتماعية إلى وضع جماعة كما تدل عليه العلاقات بين الأشخاص أو بين الجماعات مع جماعة مختلفة أو أكثر، وإلى المواقف و”الصور” التى تميل لتشكيل هذه العلاقات. (1967:365)

هذان النوعان من الهامشية يصوران جانبا واحدا من الفارق بين الحالتين اللتين أناقشهما هنا. حالة جماعة من المثقفين والفنانين تدخل غالبا فى الهامشية الثقافية الفعلية أو المدركة حيث تعمل الجماعة بشكل عام داخل إطار عمل ثقافى يتميز باختيارات لأسلوب الحياة تبتعد عن المتعارف عليه وعن الممارسات الثقافية للمجموعات الاجتماعية ذات الموقف الاجتماعى المماثل. ولكن هذا لا ينتج عنه إبعاد أو رفض اجتماعى. ومن الناحية الأخرى، فإن القبيلة متدنية المكانة فى صعيد مصر تشترك فى نفس الإطار الثقافى من معتقدات، وممارسات، وتقاليد الغالبية العظمى من سكان الريف فى الصعيد. ورغم ذلك، فإن الجماعة تعاني من الرفض والإبعاد الاجتماعيين.

المثقفون واختيارات أسلوب الحياة

النموذج الأول الذي أتناوله يقوم على عمل قمت به حول أختيارات المثقفين والفنانين لأسلوب حياتهم مع توكيد خاص على قضايا التذوق والموضة، وعلى بحث تال حول تحويل معنى وقيمة الحرف التقليدية. وقد جاء بحثي حول اختيارات أسلوب الحياة لمن سوف أطلق عليهم، تقريبا، تعبير “النخبة المثقفة” – من ارتباطى الطويل بدراسة قضايا التغير فى الريف المصرى. وساقتنى إحدى الملاحظات المدهشة إلى بحث أحد جوانب التفاعل بين القرية والمدينة. حوالى أواخر السبعينيات، كان الفلاحون يستخدمون المال المكتسب من الهجرة لتغيير بيوتهم التقليدية المبنية من الطوب اللبن ببيوت من الأسمنت والطوب الأحمر على طراز بيوت الطبقة الوسطى المدينية، وفى نفس الوقت تقريبا بدأت طبقة المثقفين المصريين والمغتربين من الشريحة العليا للطبقة الوسطى (الكتاب، الفنانون، الأكاديميون،…. الخ) بناء بيوت أخرى (إلى جانب بيوتهم فى المدينة)، “تقليدية” من الطوب اللبن على الطراز الريفى فى مناطق ريفية جميلة مختلفة فى كل مكان من البلاد([2]).

وكانت حركة الطوب اللبنى النخبوية متصلة عن قرب بأسماء ويصا واصف وحسن فتحى. فقد كان كل منهما معماريا، ورفعا منذ أواخر الأربعينيات شعار الفن التقليدى. وعُرف ويصا واصف بإنشاء مدرسة للخزف والسجاد فى الحرانية على أطراف القاهرة، بينما كان حسن فتحى معماريا مشهورا قامت شهرته فى العالم كله على دفاعه عن استخدام الخامات الملائمة والمتاحة فى البيئة للبناء، وكذا على نشر صيغ معمارية جميلة خاصة الأقبية والفولتات. وكانت الفكرة الرئيسية لدى حسن فتحي هي بناء مساكن رخيصة لفقراء مصر، التى يستطيعون بناءها بأنفسهم باستخدام خامات محلية. وتلخصت هذه الفكرة فى عنوان أشهر كتبه: عمارة الفقراء (1973).

وأشهر مشروعات حسن فتحي هي قرية القرنة بالأقصر، والتي كانت بتكليف من مصلحة الآثار حيث أرادوا إعادة توطين أهل القرنة القديمة الذين يعيشون فوق مقابر الفراعنة ويزعم أنهم يكسبون عيشهم من التجارة فى الآثار. صمم حسن فتحى وبنى قرية جميلة اشتهرت بأنها كانت فشلا تاما، لأنه إلى جانب الكثير من المضايقات البيروقراطية، فإن أهل القرنة لم يرحبوا بالمشروع. لم يكونوا يريدون الانتقال أو الحياة فيها. وانتقل بعض الأهالى إليها فيما بعد، ولكنهم سرعان ما غيروا التصميم الأصلى لدرجة أن المكان الآن لا يمكن التعرف عليه عمليا. وأكثر الأسباب التى تتردد لفشل هذا المشروع هو أن الأهالى لم يكونوا يريدون أن يبتعدوا عن مصدر عيشهم، وهو تجارة الآثار. لكن لابد أنه كانت هناك أسباب أخرى أيضا وراء عدم تقدير الأهالى لعمارة حسن فتحى.

أحد الأسباب الرئيسية لفشل المشروع هو المشكلة الخاصة بموقف القرويين من شكل القبة. فهناك إجماع أن القبة قيمة جمالية بصرف النظر عن أى معنى اجتماعى معين. فهي كما يقول حسن فتحي: “تسر العين”، ولها “تناغم قوسى مريح”. لكن، فى سياق حياة القرية، للقبة معنى معين يتصل غالبا بالموت أو الأبنية الدينية (المساجد والكنائس). فهي غالبا تشبه مقابر الأولياء المحليين (والتى تقع عادة بالقرب من المقابر). ولا تعتبر القبة مناسبة لمسكن يستخدم للمعيشة. لكن إذا كان القرويين الذين بنى من أجلهم هذا المعمار لم يعجبوا به ولم يقدروه، فقد قدره وأعجب به آخرون. لقد ألهم الطراز المعمارى لحسن فتحى أعضاء نخبة من المثقفين للبناء على غراره، خاصة بالطوب اللبنى، والأقبية، وغير ذلك من الموتيفات الزخرفية المتميزة.

وبينما كان اتجاه امتلاك بيوت أخرى ذات طراز “جمالى” خاص موجود فى أماكن كثيرة، فإنه أكثر كثافة وتبلورا فى قرية تونس، التى تقع على الجانب الأبعد من بحيرة قارون فى محافظة الفيوم. هذه المستعمرة من المصريين والمغتربين من الفنانين والكتاب والأكاديميين والمهنيين بدأت باستقرار إيفلين بوريه فى أواخر السبعينيات، وهي خزافة سويسرية كانت تلميذة ومريدة لويصا واصف، زميل حسن فتحى ومعاصره. وبمرور الوقت، اجتذبت المنطقة آخرين لجمال مشهدها الطبيعى، ومع دائما فكرة الهروب من القاهرة وتجربة أسلوب حياة بديل. ويركز بحثى بشكل رئيسى على هذه المجموعة التى أنا عضو فيها، ولكن صوتهم وخياراتهم تردد صدى تلك الخاصة بفئة أوسع. وعلى الأقل، عندما قمت ببحثى فى أوائل سنوات 1990، كان هناك تعبير واضح عن شعور بالهامشية بين أعضاء هذه الجماعة. إما أن أعمالهم لا تنال تقدير العامة، أو أنهم لا يستطيعون أن يعيشوا نوع الحياة التى يريدونها. والمجموعة يمكن وصفها بالهامشية الذاتية، أو لاستخدام العبارة التى استخدمها حبيب عايب: إنها حالة من “الهامشية الاختيارية” التى أعلنت عن نفسها جزئيا فى هذا الهروب إلى منطقة طرفية فعلية ورمزية.

ولكن هنا، الجانب الآخر من عملة الطرفية هو “التميز” بالمعنى الذي قصده بورديو. فكما يقول بورديو: “التذوق يصنِّف، وهو يصنِّف القائم بالتصنيف. الذوات الاجتماعية مصنفة بتصنيفاتها، يميزون أنفسهم بالفروق المميزة التى يصنعونها، بين الجميل والقبيح، الفاخر والسوقي، والذي فيه يجرى التعبير عنن موقعهم فى التصنيف الموضوعى، أو كشفه” (1984:6). ومن خلال تطبيق أذواقهم فى العمارة، والأثاث، والملبس، والحلى عبرت هذه المجموعة ومارست تميزها. ولكن على عكس البورجوازيين الفرنسيين فى السبعينيات، الذين وضعوا أنفسهم فى تعارض مع جماليات الشعب، فإن التميز فى هذه الحالة كان مستلهما من الشعب، ويحمل تعبيرا يحتفل بالتقليدى. وأنا هنا لا أقصر التحليل على سكان قرية تونس، ولكن على جماعة أوسع معظمها من مثقفى الشريحة العليا من الطبقة الوسطى، والنخبة الكوزموبوليتانية.

وبدلا من أن تكون هذه الاختيارات دلالة على الإبعاد، فإنها فى الحقيقة قد وضعت حدود القصر على الجماعة. ميزت الحرف التقليدية والأساليب الإثنية المظهر للعمارة، والأثاث، والأزياء، والحلى تفضيلات الذوق والنمط للنخبتين المثقفة والكوزموبوليتانية، وعملت تلك التفضيلات كعلامات للتميز وعلى أن هؤلاء هم القلة البصيرة التى تكشف وتعرض الجماليات الخفية التي تميز “الفلاح” و”الشعبى” وصاروا يميزون أنفسهم بها عن أغلبية الشريحة العليا من الطبقة الوسطى ذات الذوق الغربى.

وهذا الوجه بالضبط الخاص بالقصر على الجماعة هو الذي يساهم في تغذية الإغراء بهذا الاتجاه الذوقى، وقد كان بالغ الأهمية في ترويج الذوق الذي يميل للتقليدي خارج الدائرة الصغيرة التي نشأ فيها. وكان لهذا الاتجاه تبعات مهمة فيما يختص بالمهن التقليدية. فالطلب المتنامى للنخبة المدينية والكوزموبوليتانية لعب دورا حيويا في الحفاظ على العديد من الحرف التقليدية وإعادة إحيائها كما أن تثمين الحرف التقليدية كمنتجات فنية قد صاحبه تحول في معناها وقيمتها.

وهناك مسارات عديدة وجدت بها منتجات الحرف اليدوية لصعيد مصر – على سبيل المثال – طريقا لمواقع مثل محلات السياح فى الأقصر وأسوان، بازارات أيام الكريسماس فى فنادق وجاليريهات القاهرة، المعارض السنوية لمشروعات التنمية، وعروض الأزياء فى السفارة الفرنسية بالقاهرة، فضلا عن المعارض فى مختلف العواصم الأوروبية. وفى كل تلك الأماكن، أحضرت الحرف إلى زبائنها من أبناء المدنية من خلال مشاريع تنموية أو تجارية من أنواع متعددة.

وتورد منى أباظة بالتفصيل الأشكال والتطورات فى اتجاهات الأزياء المستوحاة من الطرز الفلاحية أو الإثنية بين بعض أعضاء الشريحة العليا من الطبقة الوسطى المصرية، والطرق التى تتصل بها تلك الاتجاهات بقضايا الهوية والاستهلاك (2006:189-217). وهي تؤكد أنه من الصعب معرفة إن كانت تلك الاتجاهات سيكون لها وقع هام على الثقافة (2006:211). ورغم أن التأثير التام لهذه الاتجاهات قد يكون من الصعب قياسه بطريقة دقيقة، إلا أنه لا شك فى أن التأثير موجود. وسوف أقدم الآن ببعض التفصيل حالة نجادة، القرية المصرية الصعيدية التى أصبح اسمها علامة تجارية لإحدى منشآت الأزياء الاستثنائية فى البلاد. وهناك عامل حاسم في قصة نجادة وهو يتعلق بكيف كانت أذواق ومتطلبات النخبة المثقفة والدفع نحو التميز بالغة الأهمية فى دعم “التقليدى” والترويج للطلب عليه عبر دوائر أوسع.

قصة نجادة([3])

كانت مدينة نجادة (نقادة) فى محافظة قنا معروفة كقرية تعمل بالنسيج منذ آلاف السنين. كانت القرية معروفة بإنتاج أقمشة مصنوعة من الحرير، واشتهرت على وجه الخصوص بصناعة العباءة، ثوب خارجى بلا أكمام يرتديه رجال العرب (Voogelsang-Eastwood & Einarsdottir 2003:98). وفى القرن العشرين، تخصصت نجادة فى منتج خاص: الفركا. هذا المنتج عبارة عن قطعة من القماش طولها 3 أمتار فى عرض 90 سم، وينسج من الحرير الصناعى بتصميمات هندسية من الأحمر والأصفر والأسود (Ammoun 1987:47)([4]).

كانت الفركا تنتج للتصدير إلى السودان حيث كان الطلب كبيرا عليها من جانب النساء السودانيات، للاستخدام فى المناسبات الشعائرية، مثل ميلاد طفل، وختان الذكور. وكان الإنتاج محكوما بالتجار الذين يمدون بالغزل، ويدفعون للعمال أجرا على عملهم، ويصدرون المنتج إلى السودان. وقدر أحدهم عدد العائلات التى تعتمد على هذا النوع من العمل بـ 2000 (www.nagada.net).

وبنهاية أعوام العقد 1980، أدى سوء العلاقات بين مصر والسودان إلى ركود فى تصدير هذا القماش (وبالتالى فى إنتاجه). وشهدت نجادة تحولا كبير فى أوائل سنوات 1990 عندما حدث تدخل تنموى عن طريق الصندوق الكندي الذي ركز على إحياء هذه الحرفة. كانت رائدة هذا التدخل نائلة رفعت، التى كانت فى ذلك الوقت منسقة الصندوق الكندى، بتشجيع من محمد عمر، الأستاذ بكلية الفنون التطبيقية. وصفت نائلة رفعت أهداف المشروع بأنه إحياء حرفة النسيج، وكذلك مساعدة النساجين فى محنتهم، حيث فقدوا عملهم بإغلاق الحدود المصرية السودانية. وكان من الأهداف الرئيسية للمشروع تقوية النساجين من خلال خلق تجمعية للنساجين لمساعدتهم على تسويق إنتاجهم بشكل مستقل عن التجار الكبار، ولتطوير الصلات التسويقية ومنافذ البيع. وكان المأمول أيضا أنه، إلى جانب الدكان التعاونى، سيكون هناك متحف صغير يعرض منتجات نجادة من النسيج (Naela Refaat, Personal Communiqué 9 March 2004).

وأغرى المشروع الفنان السويسرى ميشيل باستور، فقدم تصميمات جديدة، وخامات جديدة، وتقنية جديدة. وضع باستور التصميمات الجديدة على الموتيف الهرمي التقليدي القديم للفركة، وهو تغيير يصفه بأنه “استخدام التقليدى كبذرة للعصرى”. وكانت النتيجة تنويعا واضحا لمنتجات نجادة. وفى نهاية المشروع، عرضت المنتجات الجديدة فى معرض كبير فى معهد جوته ولقى نجاحا هائلا. ومن التخصص فقط فى منتج الفركا، ينتج الآن نساجو نجادة أشكالا مختلفة من الشيلان، ومفارش السفرة، وأغطية السرير، وقطعا متنوعة من الملابس. وترى نائلة رفعت أن مدى النجاح أدهش الجميع ولكن الآن نفد التمويل وتبعته مرحلة صعبة. ولم يكن من الممكن الحصول على المزيد من التمويل لعمل الخطوة الهامة بتأسيس جمعية النساجين وتأسيس آلية تسويق قابلة للنمو، ولم يتحقق المشروع بالصورة التى سبق تصورها.

وبعد مرحلة من التقلب، بدأ ميشيل باستور بمشاركة مصممة الأزياء اللبنانية سيلفا نصر الله بيت أزياء نجادة الذي يقع الآن في أحد الأحياء الراقية بالقاهرة. وفى البداية اعتمدوا بشكل رئيسى على القماش المنسوج فى نجادة. ولكن مع الوقت، بدأ هذا يتغير لدرجة أنه، فى الحاضر، لا يأتى من نجادة إلا قسم صغير للغاية. ووفقا لباستور ونصر الله، أحد أسباب ذلك صعوبة الإشراف على الإنتاج الذي يتم في بيوت الناس. وهناك سبب أكثر أهمية هو التنوع المتزايد لمنتجاتهم، والحاجة المستمرة لتجديد الطرز. ولكنهم لا يزالون يستخدمون ما يصفونه بالقماش المصري التقليدي الذي ينتجونه من مصانع فى أجزاء مختلفة من مصر. والأمر ذو المغزى هنا أنهم فى الفترة الأخيرة تحولوا إلى بلدان أخرى، مثل الهند، وتركيا، وسوريا… وهم يستوردون فقط كميات صغيرة، تصفها سيلفا نصر الله بأنها “التوابل” التى تضيف شخصية خاصة على منتجاتهم (اتصال شخصى، 16 March 2004). وحتى القماش المستورد يتصل بما هو تراثي في البلدان المعنية. ويظل التراث مفهوما مركزيا لأزياء نجادة، لكننا هنا نرى نمطا من التميز يباعد نفسه عن الإبداعات الإثنية الواضحة للمبادرات الأخرى. هذا الإبعاد يمكن سماعه في قول باستور: “نجادة تحب التقليدي، لكنها لا تحب الفولكلور” (اتصال شخصي، 16 March 2004).

والآن، هذه حالة لم يحدث فيها بلوغ أهداف المشروع التنموى كما كان متصورا فى البداية، بالإضافة إلى حقيقة أن بيت أزياء نجادة يتزايد فقدانه للاتصال بالقرية. لكنى لا أزال أود أن أحتج بأن هذه قصة تحمل أملا. قد لا يكون هذا شديد الوضوح لو تحدثنا فقط مع أولئك الذين قاموا بهذا التدخل الهام، ولكن إذا تحدثنا مع نساجى نجادة أنفسهم فقد نرى صورة مختلفة. فى القرية، تكشف المقابلات مع النساجين تقييما إيجابيا واضحا للتحول الذي حدث فى مهنتهم. فهم يشيرون إلى حقيقة أن الأنوال التى كانت مهجورة فى بيوت الناس تعمل الآن مرة أخرى. ورغم التناقص فى الطلب من جانب بيت أزياء نجادة، إلا أن منتجات نجادة حازت اسما ليس كمنتجات تقليدية، ولكن كنمط ملابس جيدة منسوجة يدويا. فقد أصبحت نجادة تمد بازارات السياحة فى الأقصر وأسوان والقاهرة بالشيلان الملونة المميزة، وهم أنفسهم فى عملية مستمرة من التحول. ومما يلفت النظر أن النساجين اليوم يحتفظون بنسخ من تلك التصميمات التى كانت فى وقتها جديدة والتى قدمها ميشيل باستور، ويستخدمونها لصنع نماذج جديدة. والمبالغة التى تسمع كثيرا بأنه لا يوجد حاليا فى نجادة متعطل قد لا تكون انعكاسا دقيقا للواقع، ولكنها تدل على الحالة. وقد لا يكون من السهل أن نقيس مقدار تأثير التدخلات والتحول الناشىء عنها. ولكنى أقدم لمحتين سريعتين قد تشعرننا بهذا التغير الإيجابى:

  1. الأولى هي عن يونس، ابن أحد النساجين. وهو يعمل على نوله أمام نول آخر فى نفس الغرفة يعمل عليه أبوه. يونس حامل للدبلوم وقرر أن يتعمل النسيج ويجعل منه مهنته. وهو واحد من العديد من الجيل الجديد من النساجين. إن تمرير مهارات الحرفة إلى الأجيال التالية هو مفتاح بقاء الحرف التقليدية. ولا يتوقف الأمر على أنها مربحة بشكل كاف، ولكن سياق استهلاك النخبة، وتقييم هذه المنتجات كمنتجات فنية وفريدة قد زاد من الاعتبار المتصل بهذه المهنة، ما ساهم في رفع قدرها في عيون أبناء الجيل الجديد وانجذابهم نحوها. 2. والحالة الثانية هي عن نوع جديد من الشيلان كان يقصد بيعه فى بازارات السياح. وعلى عكس الشيلان المتعارف عليها أكثر للسياح والمصممة على هيئة الفركة، هذا النوع منتج جديد يفيد من تصميمات باستور الجديدة. وهو من نوعية أفضل كثيرا، ويباع مقابل مبلغ أكثر كثيرا من الشيلان التقليدية. وهو لافت للنظر لأنه يصور إبداعا تطور محليا، بعد زمن طويل من ذهاب من صنعوا هذه النهضة.

وهناك تطور آخر حديث يمكن على الأقل جزئيا أن يكون على علاقة بتقييم الحرف التقليدية لدى النخب الثقافية وهي أن المهن التقليدية تتحول الآن لتصبح موضوع الانتباه الرسمى وشبه الرسمى على نحو غير مسبوق. فقد بدأوا يتعاملون معها كجزء ثمين من تراث مصر القومى، ويحتفل بها بطريقة ولغة كانت حتى الآن لا تستخدم إلا مع الآثار القديمة. هذه الأشياء تحركت من أن تصبح علامة على جودة الذوق إلى أن تنشرها الدولة كعلامة على الهوية القومية. وقد يكون حقيقيا أن التعامل مع الحرف التقليدية يحتوي دائما عنصرا لتوكيد الهوية المصرية([5]). ولكن مع التأييد الرسمى والمؤسسى الواضح، تتقدم هذه الحرف نحو مكان “مركزي” في الخطاب الذي يحدد القومية المصرية المعاصرة، وتصبح أداة فعالة فى تحديد والتعبير عن “كينونة هويتنا”.

إن النخبة المثقفة تؤثر على المجتمع باختياراتها لأسلوب حياتها أكثر مما تفعل ربما بمنتجاتها الثقافية، من خلال وضع معايير الأذواق والأشكال. ولكن انتشار الأساليب الإثنية التقليدية ينظر إليه الآن كنوع من الابتذال، إما من خلال المبالغة فى النظرة التجارية، أو من خلال النغمات القومية الثقيلة. والآن إذ أصبحت اختياراتهم “آخر موضة”، فإن القليلين المتميزين بالهامشة الذاتية يهجرونها سعيا إلى وسائل أخرى من التميز([6]).

هامشية موروثة: قبيلة صعيدية ذات مكانة متدنية

والآن أنتقل لتقديم النموذج الثاني الذي يخص جماعة قبلية متدنية المكانة فى صعيد مصر. كنت قد تعرفت على هذه الجماعة أثناء نشاطى البحثى الطويل فى القرية التى أدعوها “منارة” فى منطقة إدفو بمحافظة أسوان. إن المجتمع الريفى الصعيدى فى مصر، خاصة المحافظات الثلاث الجنوبية، سوهاج، وقنا، وأسوان، تتسم بملامح قوية لتنظيم اجتماعي قبلي تراتبي، والذي يملى، بين أشياء أخرى، أنماطا سكنية، وقواعد زواج، وتحالفات سياسية واقتصادية. والتراتبية القبلية محدِّد حاسم للمكانة. وحقيقة أن الأخيرة تتقرر في الأساس من خلال الموروث (بصفته مقابل الإنجاز) أمر يحمل مضامين ذات مغزى بالنسبة للضغوط والفرص أمام الحراك الاجتماعى.

وفى قاع التراتبية القبلية، هناك عدد من الجماعات القبلية ذات المكانة المتدنية والتى تتميز بتخصص موروث فى الإنتاج الحرفى أو مهن معينة تعتبر وضيعة. وتلك الجماعات التى لا تمتلك أرضا، وتتزاوج داخليا، ذات التخصصات المهنية الموروثة فى الواقع تذكرنا عن قرب بنظام الطوائف الهندى. وتشمل هذه الجماعات الخزافين، وصانعى المناخل، والحدادين. وهم مندمجون جزئيا فى حياة القرية، ولكنهم أيضا يميلون للتطابق مع بِنًى أكبر موجودة خارج القرى التى يعيشون فيها. بعض هذه الجماعات فى الواقع موصومة وتعتبر بلا شرف.

والجماعة التي أتناولها هنا هي جماعة الحويان القبلية، الذين كانوا تقليديا من سحرة الثعابين متخصصين فى البحث عن وجود ثعابين فى البيوت، وكذلك معالجة لسعات الثعابين والعقارب. وعلى عكس الحالة المذكورة سابقا للهامشية الذاتية، فإن هامشية هذه الجماعة مورورثة تماما. كما هو الحال مع الجماعات المماثلة الأخرى، يعيش أبناء الحويان في حي على أطراف القرية. وهم لم يعودوا يمارسون سحر الثعابين، ونشاطهم الاقتصادى الرئيسى هو الصيد وتجارة الخضر والفاكهة.

وقد تمكن أعضاء هذه الجماعة من تحسين مستويات معيشتهم كثيرا، وكانت جوانب وضعيتهم الهامشية هي التي أتاحت حراكهم الاقتصادي. فحقيقة أنهم بلا أرض تقليديا، وأنهم يعتبرون من خارج المجتمع، تتيح لهم حرية الحركة والفعل. ومن ثم فهناك علاقة متبادلة بين الحراك الاجتماعى المقيد ودرجة كبيرة من الحراك الفعلى. وكما هو الحال مع جماعات أخرى، تخصصوا فى التجارة والبيع المتجول. ولكن أوضح حركة للحراك الاجتماعى بينهم، والتى عززت حظوظهم كثيرا هي أنهم أصبحوا روادا لاستصلاح الصحراء فى سنوات العقد 1970، والآن يمتلكون مساحة معتبرة من أرض الصحراء المستصلحة. وهناك مصدر آخر خفي لهامشيتهم ومكانتهم المتدنية هي أنهم ليسوا خاضعين لأية قيود صارمة بالنسبة لعمل النساء خارج البيت. وعلى عكس نساء قريتهم الأعلى مكانة، تعمل نساء الحويان في الحقول. وقد أصبح هذا أكثر ملاءمة مع العمل فى الأراضى المستصلحة بعيدا عن قوانين ونظر المجتمع المركزى من سكان القرية. والحق أن القليل يمكن فعله لمحو وصمة الانتماء إلى قبيلة ذات أصول مريبة. لكنه حقيقي أيضا أن الحويان استطاعوا أن يتقدموا بسرعة فيما يتعلق بالحراك الاقتصادى.

لكن الحويان أنفسهم بالطبع متمايزون داخليا. وأقدم الآن حالة من داخل أكثر أفراد هذه الجماعة حرمانا. هذه الحالة تخص امرأة شابة أطلق عليها اسم كريمة. تزوجت أم كريمة عامل باليومية من قرية بعيدة توفى مبكرا تاركا كريمة وأختها الأصغر. وعاشت الأم والبنتين بجوار أخوالهما، ولأنه ليس لهن مصدر رزق ثابت، فقد عشن بشكل رئيسى على الصدقات، ورغم ذلك، استطاعت كريمة أن تحصل على دبلوم المدرسة التجارية. وهن الآن فى وضع أفضل كثيرا مما كن عليه حين عرفتهن أول مرة، والفضل يرجع بشكل رئيسى لعمل كريمة الكادح والإبداعى بشكل رئيسى فى التجارة. ولابد أن نقول إن التنوع الكبير للغاية من النشاط المربح الذي يوضع تحت تصنيف “التجارة”، ومرونة الأحوال المواكبة لممارسته قد جعله دائما مخرجا واضحا للجماعات المهضومة والهامشية، إذ يمدهم بفرصة حقيقية لتحسين مستويات المعيشة، وحتى لحراك اجتماعى كبير. وأوضح علامة على هذا الصعود هي أنها استطاعت إعادة بناء بيتهم المتهالك من الطوب اللبن، وأن تؤثثه بأناقة وبمستوى ما كان لأحد فى حالتها أن يفكر فيه. بدأت كريمة بدكان منزلى صغير، تبيع الحلوى والشاى والسكر للجيران والأقارب. ومن خلال الاتصال ببائعى التجزئة فى مدينة إدفو دخلت إلى تجارة الملابس بالتقسيط فى القرية.

وعندما سألتها عن دكانها، قالت أمها أنها تشترى أنصاف كراتين من البضاعة. لكن كريمة قاطعتها بفخر: “لا، دة كان زمان. دلوقت باشتري الكرتونة بحالها والطلبيات بتجيلي مخصوص””. وتروى كريمة قصة كفاحها بعد أن أصبحت مسئولة عن عائلتها الصغيرة بعد وفاة الوالد.

بدايتي لما كانت بنت خالي صغيرة وكنت باشيلها على كتفي وفي مرة شدت حلقي الدهب كسرته. شلت الحلق المكسور لغاية ما في يوم قلت لأمي أنا هابيع الحلق واشتري بضاعة وابيعها. في الوقت دة مكنش عندي فكرة عن اي حاجة- مكنتش أعرف إيه هي البضاعة ولا بيجيبوها منين. رحت إدفو وبعت الحلق بـ85 جنيه- لو مكنش مكسور كان جاب أكتر بكتير. قبل كدة رحت لجارتي وقلتلها أنا هابيع الحلق واشتري بضاعة وطلبت منها تسلفني فلوس عشان أكمل عالمبلغ فادتني 20 جنيه وانا كنت محوشة 20 تانية. دة كان رأسمالي اللي بديت بيه. في الوقت دة كان معاش المرحوم أبويا 50 جنيه فقلت لاختي هنعيش ازاي بـ50 جنيه؟ قالتلي هنتصرف باللي بنبيعه من زبدة الجاموسة. وامي كانت ضد الفكرة خالص وجابت خلاني وولادهم يضغطوا علي عشان أغير رأي بس انا كنت مصممة وقلتلهم دة حلقي وإذا خسرت محدش له دعوة. واديكي شايفة أهو: التجارة هي اللي رفعتني.

رحت إدفو بالفلوس ووانا ماشية قعدت أسأل نفسي: هاقول إيه لتجار الجملة؟ هاروح اقولهم الكرتونة دي بكام وخلاص على كدة؟ وانا ماشية في الشوارع قابلت واحدة ست شابة كدة بتشتغل في دكانة لبس كان اسمها عبير فلما لقتني قلقانة كدة وزعلانة سألتني مالك. قلتلها ياختي أنا هنا غريبة معرفش اي حاجة في إدفو- تعرفي كرتونة الزيت أو السكر بكام قالتلي هاساعدك. كانت بتشتغل في دكان بيبيع عبايات وطرح وغيارات والحاجات دي يعني فقالتلي: إيه رأيك أديكي من الحاجات دي تبيعيها في بلدك؟ كانت وثقت في فاديتها 30 جنيه بس وخدت بضاعة كتير من الحاجات دي على اتفاق اننا نسوي الحساب بعد ما ابيع. بعد كدة رحت اشتريت صابون وزيت وسكر وحاجات من دي بـ100 جنيه- دة كل اللي كان معايا. ربنا كرمني وبعت كل حاجة وكسبت كتير. بعد كدة رحت على إدفو وسددت لها فلوسها. في الوقت دة جاموستنا ولدت فرحت بعت العجل واديت شريكنا نصيبه وخدت نصيبنا واشتريت ملايات ولبس مدارس وعبايات وغيارات وكنت بابيع كتير فوري وبالقسط وكسبت فلوس كتير حوالي 700 جنيه. أقسم بالله قبل كدة كنا بنموت من الجوع ومكناش بنلاقي الأكل وكانوا ولاد عمامي بيدونا أي حاجة كدة صدقة.

بس بعد كدة اضطريت ابطل اتاجر في اللبس عشان الناس كانوا بياخدوا حاجات بالقسط وبعد كدة ميقدروش يسدوا. في ناس كان لي عندهم مية وناس مية وخمسين ومش قادرين يدفعوا اللي عليهم. فبطلت بقى الحاجات دي وكملت مع الرز والمكرونة والماجي والخل والعدس والفول وكدة- ركزت مع الحاجات دي واتوسعت فيها. كل دة ابتدا بالـ130 جنيه ودلوقت باجيب كل حاجة البيت من تجارتي ولو رايحة زيارة لواحدة قريبتي ولا جارتي عيانة باعرف اخد لها شوية عصير ولا كيسين مكرونة.

وإلى جانب نجاحها في نشاط تجارى، كانت كريمة مرتبطة بأنشطة أخرى فى القرية وخارجها. ورغم أن تلك الأنشطة لا تعتبر “غير لائقة”، إلا أن بعضها يظل غير مألوف بالنسبة لفتاة غير متزوجة من الصعيد. كانت واحدة من بين عدد من نساء القرى المتعلمات اللائى اشتركن فى برنامج برعاية الحكومة لتوفير الوظائف للحاصلين على الدبلوم من خلال إقامة فصول لمحو الأمية. وبدأت فصلا لبعض نساء القرية، والذي ساعدها على كسب بعض النقود، بالإضافة إلى كسب لقب يتمتع ببعض الاحترام، هو “أبلة”.

لكن ثمة مسار أكثر تعارضا مع المعتادا، هو دخولها فى نشاط التنمية والجمعيات الأهلية على مستوى القرية. استطاعت أن تحصل على وظيفة لفترة فى مشروع للرعاية الصحية، والذي تطلب منها السفر إلى أسوان وقضاء وقت للتدريب، وهي تجربة تذكرها بفخر، حيث أنها المرأة الوحيدة فى القرية التى نالت هذه الفرصة. وربما الأكثر أهمية أن كريمة استطاعت أن تلتحق بمجلس جمعية تنمية المجتمع في قريتها، وهي جمعية أهلية نصف رسمية مسئولة أساسا عن إدارة مشروعات تنموية محلية. وهي ليست فقط المرأة الأولى التى تنضم لعضوية المجلس، ولكنها أيضا أول شخص من قبيلة متدنية المكانة تصل إلى مثل هذا الموقع. ولابد من الإشارة، رغم هذا، إلى أن اختيارها/انتخابها لهذا الموقع قوبل بمقاومة كبيرة من القيادة التقليدية القائمة. كما أن وجودها فى هذا المنصب كان قصير العمر، حيث أنها لم تستطع تحمل موقف الأعضاء الآخرين العدائى لوجودها. وسبب رئيسى أنها استطاعت أن تصل إلى هذا المكان يرجع فى المقام الأول إلى التوجيهات السياسية وضغوط الجهات المانحة للحث على مزيد من تمثيل النساء فى المجالس على المستوى المحلى.

ويرجع الفضل فى الأساس لوضعية جماعتها الهامشية أن استطاعت أن تحرز أشياء ما كانت ممكنة لغيرها من النساء غير المتزوجات من أصحاب المكانة الأعلى فى القرية. إن الانتماء إلى جماعة ذات وضعية متدنية وكذا عدم وجود أقارب من جهة الأب هي الأسباب الرئيسية لوضعيتها الهامشية، لكن فى نفس الوقت كان هو السبب الرئيسي الذي جعلها تتمتع بحرية الحركة والفعل دون أن تحمل على كاهلها عبء الشرف. لم تصل كريمة فقط إلى إنجازات فردية استثنائية، ولكن إلى حد ما كانت رائدة ومثالا لغيرها من النساء الشابات فى القرية.

فى بعض الحالات، وبطرائق معينة، يمكن للهامشية أن تكون حالة تمنح القدرة، ويمكن أن يكون لها نتائج إيجابية. وفى الحديث عن الهامشية الذاتية خاصة، ترى رودا أونجر Rhoda Unger أنها “تسمح للفرد أن يتجنب الممارسات المعيارية، حيث يكون أو تكون حرة فعلا من بعض جوانب التحكم الاجتماعى” (2000:167). لقد حاولت أن أبين أن الهامش يمكن أن يكون ساحة تتوقف فيها القواعد الاجتماعية الراسخة، وحيث لا تكون القوانين الاجتماعية فى كامل قوتها. وهي ليست حيزا للفوضى ولكنها حيز يصبح فيه النظام الاجتماعى نفسه فى حالة تغير متواصل. ويمكن أن تكون حيزا للتجريب والإمكان شديد الاستجابة لعوامل التغير، بما يشمل اقتناص الفرص السانحة؛ هي جبهة وليست منطقة طرفية.

المراجع
  • Abaza, Mona. (2006). Changing Consumer Cultures of Modern Egypt: Cairo’s Urban Reshaping. Leiden, Boston: Brill.
  • Ammoun, Denise. Egypte des Mains Magiques. Institut Français d’Archeologie Orientale du Caire. 1987.
  • Bourdieu, Pierre (1984). Distinction: A Social Critique of the Judgement of Taste. Translated by Richard Nice. Cambridge, Massachusetts: Harvard University Press.
  • Fathi, Hassan. (1973). Architecture for the Poor: An experiment in rural Egypt. Chicago: University of Chicago Press.
  • Gist, Noel. (1967) “Cultural versus Social Marginality: The Anglo –Indian Case”. Phylon. Vol 28, No.4. pp. 361-375.
  • Gurung, Ghana and Michael Kollmair. (2005). Marginality: Concepts and their Limitations. IP6 Working Paper No.4. Development Study Group. Department of Geography. University of Zurich
  • Mehretu, Assefa, Bruce Wm. Pigozzi, Lawrence M. Sommers. (2000). “Concepts in Social and Spatial Marginality”. Geografiska Annaler. Series B. Human Geography, Vil. 82. No. 2. Development of Settlements pp. 89-101.
  • Nadim, Asaad. Traditional Arts and Crafts from Cairo. Prism Series 3 n.d. Ministry of Culture Foreign Culture Information Department.
  • Saad, Reem. (2006) “Transforming the meaning and value of traditional crafts in Egypt”. In Cairo Papers In Social Science Special Issue: Cultural Dynamics in Contemporary Egypt. Vol. 27. Nos 1&2.
  • Saad, Reem (2003). “Mud-brick or no mud-brick? Architectural preference in two Upper Egyptian communities” Jordens Folk (vol. 38, no. 1, 2003) (In Danish).
  • Unger, R. K. (2000), Outsiders Inside: Positive Marginality and Social Change. Journal of Social Issues, 56: 163–179
  • Vogelsant-Eastwood, Gillian and Sibba Einarsdottir. “Some Upper Egyptian Textiles”. In: Upper Egypt: Life Along the Nile. Nicholas Hopkins (ed). Aarhus: Moesgaard Museum: 2003.
  • www.nagada.net
  • ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] ) وبمناسبة الطبيعة الدينامية للمفهوم، يعلق جورونج وكولمير موضحين أن “العواقب السلبية للهامشية يمكن حتى أن تخدم كنقطة انطلاق للابتكارات والإمكانات” (2005:11).

[2] ) للاطلاع على المزيد حول هذا الموضوع انظر Saad 2003.

[3] ) هذا القسم يعتمد على Saad 2006.

[4] ) تشير مصادر أخرى إلى أنها مصنوعة من خليط من القطن والريون. (www.nagada.net & Voogelsang-Eastwood & Einarsdottir 2003).

[5] ) على سبيل المثال، يصفها أسعد نديم بأنها تعبر عن “الشخصية القومية” المتميزة للمصريين (Nadim n.d: 4).

[6] ) “لأن القوة المتميزة للممتلكات أو الممارسات الثقافية – منتجات يدوية فنية، كفاءة، ثقافة فيلم – تميل للانحدار مع النمو فى العدد المطلق من الناس القادرين على امتلاكها، فإن مكاسب التميز قد تذوى إن كان حقل إنتاج البضائع الثقافية، والمحكوم هو نفسه بجدلية الادعاء والتميز، لم يستمر إلى الأبد فى الإمداد ببضائع جديدة أو طرق جديدة لاستخدام نفس البضائع” (Bourdieu 1984: 230).

صدرت هذه الدراسة ضمن كتاب: التهميش والمهمشون في مصر والشرق الأوسط

تحرير: حبيب عائب وراي بوش، القاهرة: دار العين 2012

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

ثورة بغير منظمات ثورية، وسياسة بلا أحزاب سياسية… محاولة نحو فك اللغز المصري (3) لم يكن الفريد في التجربة المباركية هو طابعها الأوليجاركي ولكن في طغيانه الشامل إلى حد أن ابتلع كل شئ حوله، حد أن أخضع وأعاد صياغة كافة مكونات وعناصر الدولة الرأسمالية الحديثة على صورته، وفي انه لم يضعف المجال السياسي ويهمشه ولكن قضى عليه قضاءً تاما، محاه من الوجود.

هاني شكر الله

اضطهاد الأقباط: دعوة للنقاش من أجل المواجهة طرح الأستاذ محمد مختار قنديل هذا السؤال في مقاله، والإجابة السريعة على هذا السؤال هي نعم لأن لمصر تاريخ طويل في التمييز بين المواطنين على أساس الدين وهو أساس الفرز والعنف الطائفيين اللذين يميزان الوضع الحالي في مصر ويجعلها دولة طائفية، وسوف نحاول فيما بقي من هذا المقال استعراض مظاهر التمييز الديني في مصر.

محمد منير مجاهد

اضطهاد الأقباط: دعوة للنقاش من أجل المواجهة ليست السطور التالية مقالا تقليديا عن الطائفية وأسبابها، بل هي مزيج من تأملات وانطباعات ذاتية، وقراءة من وجهة نظر علم النفس وعلم الاجتماع، وتلخيص لنقاشات موسعة داخل الحركة الديمقراطية، أتمنى أن تكون مفيدة في إثراء النقاشات حول الموضوع.

سالي توما

الشريعة في دساتير ما بعد ثورة يناير… إعادة الجدل بشأن أسئلة الإسلام والسيادة والسلطة (1) تسعى الورقة لإعادة سرد تاريخ تلك العلاقة الملتبسة بين الشريعة والقانون الوضعي بما قد يسفر عن تعميق الرؤى السابقة وتطويرها باتجاه معرفة أفضل بالشريعة والديمقراطية في آن واحد.

عمرو عبد الرحمن

الشريعة في دساتير ما بعد ثورة يناير… إعادة الجدل بشأن أسئلة الإسلام والسيادة والسلطة اقتصر سعي هذه الورقة على إعادة تقديم وتحرير الإشكاليات المتعلقة بموقع ما تعارف الفقهاء على تسميته بالشريعة في البناء الدستوري والقانوني المنظم لعمل أجهزة الدولة الحديثة كما كشف عنها الجدل الدستوري التالي لتحولات يناير ٢٠١١ عبر منهجية ماركسية مطورة. ولم تتجاوز ذلك إلى التفكير في مخارج لهذه الإشكاليات، إلا عرضا بالطبع وفي معرض إشارتها لاجتهادات قائمة بالفعل كوثيقة الأزهر الصادرة في يونيو ٢٠١١.

عمرو عبد الرحمن