ثورة بغير منظمات ثورية، وسياسة بلا أحزاب سياسية… محاولة نحو فك اللغز المصري (4)

قضايا

12  مارس  2017

المجال السياسي بين النهوض والاندحار

البرجوازية المصرية لا تحب السياسة، ولم تعهدها إلا لفترات محدودة من حياتها، ارتبطت فيها بالنضال الوطني العام ضد الاحتلال البريطاني والقصر وهيمنة الأرستقراطية الشركسية، ليحكم حزبها التاريخي -حزب الوفد- لمدة لم تتجاوز ست سنوات متقطعة، وحتى حين يتولى سدة الحكم مشاركة بينه وبين الإنجليز والقصر، تدفعه الحركة الجماهيرية من الخلف ويرده أولئك كحائط سد من الأمام، فتُحل الحكومات الوفدية وتقام حكومات الأقلية وتعلن حالات الطوارئ؛ والبرجوازية المصرية تتراوح بين هذا وذاك، لنشهد الانسلاخات والتحولات الرجعية في صفوفها، ماثلة في انسلاخات حزبية متتالية تشكل منها “حكومات الأقلية”، وليزداد حزب الوفد نفسه ارتباكا وترددا ووجلا، ويقوى نفوذ اليمين داخل قيادته (ورمزها الأهم صعود فؤاد سراج الدين باشا لموقع القيادة الثانية للحزب)، مصحوبا بفضائح الفساد وفضائح أخرى لا داعي لذكرها، تصب الوقود في ماكينات اليمين من جهة، وتسهم في بلورة راديكالية وطنية لا ديمقراطية متأثرة بالفاشية الأوروبية من جهة ثانية.

اللحظة الفاصلة في 51: تصاعد عارم للحركة الجماهيرية يتجاوز القيادة البرجوازية ويتحدى هيمنتها ليفتح أفاقا جديدة للنضال الوطني، تربطه ربطا وثيقا بالطبقي والاجتماعي، يدفع بحزب البرجوازية الكبير دفعا لاتخاذ أكثر خطواته راديكالية –فيعلن زعيم حزب الوفد “والأمة” الغاء معاهدة 36 من جانب واحد– ليصاب بعدها حزبه بالشلل التام، بعد أن فتح بابا لا قبل له بالخطو ولو خطوة واحدة عبره. انها لحظة “كلاسيكية” إذا جاز التعبير: “البرجوازية لم تعد قادرة، والطبقات العاملة ليست قادرة بعد”، ليأتي الانقاذ من داخل جهاز الدولة وأدوات القسر فيه بالذات.

ولكن دعنا نتوقف قليلا هنا لنربط تلك اللحظة التاريخية بسياق نقاشنا، ولنبين ما أقترحه مظهرا متكررا لمسار الصراع السياسي والاجتماعي في مصر منذ ذلك الحين وحتى يومنا هذا:

المقولة الشهيرة لكارل ماركس في تفسير الظاهرة “البونابرتية” في فرنسا في حلقتيها: “التراجيدية” (نابوليون بونابرت) والملهاة (لويس بونابرت) تلقي الضوء على جوهر لحظات متكررة في مسارات الصراع الاجتماعي في عالمنا الحديث، حيث توازن القوى بين البرجوازية والطبقات الشعبية يصيب الجميع بالشلل. البرجوازية لم تعد قادرة والكادحون غير قادرين بعد، فيأتي المخلص مستندا لأجهزة القسر في الدولة ليعيد “الاستقرار” وينهي “الفوضى”، محققا لبعض من مطالب وطموحات الكادحين من فوق (بشرط تسريحها وقمع حركتها المسقلة) في حالات، وساحقا لتلك المطالب والطموحات بدعوى استعادة الاستقرار في حالات أخرى. وفي الحالتين تُسلِم جمهرة البرجوازية بالاستنكاف عن الحكم من خلال المجال السياسي مفوضة أمرها للزعيم/الديكتاتور.

ولكن ماذا لو أعدنا صياغة المقولات السابقة بصورة مختلفة بعض الشيئ؟ الضغط الجماهيري من القوة بحيث يصيب البرجوازية بالوجل والذعر ويشل قدرتها على الحكم من خلال المجال السياسي ورغبتها فيه، ولكنه وفي الوقت نفسه أضعف من أن يجبرها على العودة للمجال السياسي معدَلا إلى هذا الحد أو ذاك بما يفسح مساحة أوسع للطبقات الشعبية للتعبير عن مصالحهم والتأثير في العملية السياسية والدولة البرجوازية، وهو ما يرتبط في كل الأحوال -وكما أوضحنا أعلاه- بمحاولات البرجوازية ودولتها احتواء ذلك التأثير وتعقيمه والتحايل عليه.

صحيح أن هناك إمكانية أخرى -وهي التي قصدها ماركس- وهي تجاوز المجتمع البرجوازي ودولته الرأسمالية تماما واحلالهما بدولة ومجتمع من نوع جديد، أي بالاشتراكية. ولكن لعل التاريخ علمنا أن مثل هذا التجاوز لا يتم بخبطة واحدة قاضية وإنما بـ”ثورة مستمرة” جلها تعميق الديمقراطية وتوسيعها إلى أقصى حد. فالنضال الحقيقي من أجل الديمقراطية في عصرنا ما هو إلا نضال ضد الرأسمالية وعلى حسابها، وما الاشتراكية –كما سبق أن اقتبسنا –إلا أقصى تحقيق للديمقراطية: “الديمقراطية الأتم” (على حد القول المأثور للينين)، ونزيد عليه انها أيضا وبوصفها كذلك، الانتصار الناجز للسياسة وتحققها الأعلى، من حيث هي التحقيق المتنام لسيادة المستوى السياسي في المجتمع، أي لإخضاع العلاقات الاجتماعية بين البشر لاختياراتهم الواعية، وليس لغلالة قدرية قهرية مبهمة تتحكم في تلك الاختيارات وتخضعها لقوانينها، مخفية حقيقتها كعلاقات بين البشر وراء ستار العلاقات بين الأشياء. وبعبارة أخرى، هي الإعلاء الأتم والأكثر اكتمالا للإرادة السياسية المتحققة والفاعلة للناس.

أربع لحظات فاصلة في مسار الصراع السياسي والاجتماعي في بلادنا تتميز بالسمة الجوهرية نفسها: البرجوازية تتخلى عن الحكم من خلال المجال السياسي ذعرا من الحركة المستقلة للجماهير الشعبية، بينما تلك الحركة تمتلك من القوة ما يثير الذعر في صفوف البرجوازية ودولتها، لكنها تبقى أضعف من أن تفرض نفسها على المجال السياسي الرسمي وتجبر البرجوازية إجبارا على الحكم من خلاله.

اللحظتان الأولى والثانية، وتأتيان متتابعتين مترابطتين: أولهما لحظة 51، وسبق أن عرجنا عليها سريعا (وأنصح كل من لم يقرأ الدراسة الرائعة للأستاذ طارق البشري “الحركة السياسية في مصر 1954-1953” بأن يفعل)، وفيها نشهد كما سبقت الاشارة، الشلل يدب في أوصال حزب البرجوازية الأكبر، حزب الوفد– هو وطبقته –بعد أن أقبل على الغاء معاهدة 36 مع الإنجليز تحت ضغط التصاعد العارم للحركة الجماهيرية؛ فحريق القاهرة في يناير 52 وإزاحة الوفد من الحكم بغير مقاومة وإعلان حالة الطوارئ، فالاقتحام التاريخي للبكباشي جمال عبد الناصر وضباطه الأحرار لحلبة الصراع السياسي في يوليو من العام نفسه، مشبعين براديكالية وطنية مختلطة بالعداء للديمقراطية وللحياة الحزبية تأثرا بالفاشية الأوروبية وبحركة الإخوان المسلمين من ناحية، وبالعجز والعقم الذي أصاب القيادة البرجوازية للحركة السياسية في البلاد من ناحية أخرى.

في غضون عامين تأتي اللحظة الثانية: أزمة 54. ويروي عنها عبد الناصر نفسه (في مجرى حواراته مع السياسيين السوريين في مباحثات الوحدة المصرية السورية): “الجميع كانوا ضدنا”. وكان الضباط الأحرار قد خنثوا بعهدهم باستعادة “حياة ديمقراطية سليمة”، فحلوا الأحزاب وصادروا الحريات العامة، فكانت المحاولة الأخيرة لحزب الوفد والقوى الديمقراطية، وانضم لهم الإخوان المسلمون لاستعادة الحريات والحياة الحزبية، مستفيدين من صراعات داخل صفوف الظباط الأحرار أنفسهم، ولكنها كانت أشبه بالمحاولة اليائسة من الجميع: حزب الوفد، أو ما تبقى منه، بات من الناحية الأساسية حزبا بلا قاعدة طبقية أو جماهيرية، فجمهرة البرجوازية كانت قد أخذت في التبرؤ منه والانسلاخ عنه خوفا ووجلا قبل حركة الضباط الأحرار، فما أن تأتي هذه حتى ينبعث فيها الاطمئنان، وتنبري ترحب بسطوة الضباط الشباب وبإجراءاتهم المعادية للديمقراطية، ترحيبها بالمخلص والمنقذ من مصير مخيف مجهول.

القواعد الجماهيرية للحزب بدورها تفقد ثقتها فيه والتفافها حوله منذ زمن، وموقف الحزب من الاصلاح الزراعي الناصري يفقده قواعده الفلاحية. أما القوى الديمقراطية، وفي مقدمتها المنظمات الماركسية، فمرتبكة بدورها، حيث لا يتسع خيالها الاستراتيجي لتصور طريقا مستقلا للنضال من أجل الديمقراطية والتحرر الوطني لا يشمل تحالفا ما مع هذا القسم من البرجوازية أو ذاك (فتبقى حائرة بين الضباط الأحرار واصلاحهم الزراعي من جهة وحزب الوفد واستعادة الحياة الحزبية من جهة أخرى)، ولا هي نجحت بعد في بناء صلات وطيدة بما يكفي مع الطبقة العاملة وفقراء الفلاحين تسمح لها بشق مثل ذلك الطريق، فضلا عن الأثر الفادح عليهم للموقف السوفيتي من القضية الفلسطينية البازغة حينئذ كقضية وطنية كبرى مصرية بامتياز. والإخوان المسلمون من ناحيتهم (ولا تُقطع لهم عادة) يطمحون ويسعون في بادئ الأمر لركوب حركة الضباط الأحرار وصبغ الديكتاتورية العسكرية بالصبغة الدينية، وما يترتب عليه من مشاركة في الحكم. وعند فشل المحاولة يذهبون يتمسحون بالديمقراطية وباستعادة الحياة الحزبية، بعد أن أيدوا بحماس حل الأحزاب. وكان الضباط الأحرار قد استثنوهم وحدهم من قرار الحل بحجة انهم جماعة وليسوا حزبا.

وللمرة الثانية، تتخلى البرجوازية عن الحكم من خلال المجال السياسي (بما في ذلك حزبها التاريخي) خنوعا لسطوة البيروقراطية، كمنقذ من خطر الجماهير الشعبية، بينما هذه الأخيرة ليست بعد من القوة لإجبار البرجوازية على الحكم السياسي.

اللحظة الثالثة حافلة بالتناقضات، فالهيمنة الناصرية تتهاوى تحت تأثير الهزيمة الفاجعة في يونيو 67، مطلقة حركة جماهيرية تتصاعد بسرعة هائلة، لا ردا على الهزيمة فحسب ولكن لتطرق آفاقا جديدة في النضال الوطني والاجتماعي وسبيلها الأول هو كسر تأميم المجال السياسي التعبوي ومصادرته البيروقراطية والبوليسية، لتبعث مجالا سياسيا جديدا يناضل بشراسة لفرض شرعيته، ينطلق في الشوارع وفي الجامعات والمصانع وفي حركات فلاحية بازغة. مجال سياسي جديد يولد من خارج المجال السياسي البيروقراطي المؤمم والفاسد حتى النخاع، يُقابل بالقمع، يجدد وجل البرجوازية وذعرها من الكادحين، ولكن مرة أخرى يبقى أضعف من أن يجبرها على فتح المجال السياسي حتى وإن باتت مواصلة تأميمه مستحيلة.

قلت سابقا: تعددت الأسباب والموت واحد. البرجوازية البيروقراطية وقد حولت نفسها للفئة السائدة في البرجوازية المصرية ضجرت بالعقد الاجتماعي الناصري وبالمعارك الوطنية، تتطلع باشتياق محموم للعودة لمكانها الطبيعي بين أقرانها وحلفائها الطبيعيين في الرأسمالية العالمية ولتحويل ملكيتها العامة لملكية خاصة لأفرادها وجماعاتها ولتوطيد اندماجها مع الرأسمالية الخاصة محليا وإقليميا وعالميا، وكله يضعها في صدام محتوم وشرس مع جماهير الكادحين في البلاد، ويضاعف من خوفها التاريخي من خطرهم.

“نصر” أكتوبر يسحب بعض من الأرض من تحت الحركة الجماهيرية الصاعدة ويدعم شرعية الديكتاتور الجديد ويقوي من قبضته الاستبدادية، ويفتح في الوقت نفسه الطريق أمام بناء أواصر التحالف مع الإمبريالية العالمية والولايات المتحدة على رأسها، ومسيرة المصالحة مع إسرائيل تضحية بالقضية الفلسطينية وقد باتت عند البرجوازية المصرية عبئا لا يحتمل. وعلى الجانب الأخر تهدر الفرصة التاريخية لمقاومة ضروس تشنها الحركة العمالية في وجه العدوان الضاري على الحقوق والمكتسبات الأساسية للطبقة العاملة ولجماهير الكادحين والفقراء في أنحاء البلاد؛ تهدر وتبدد تلك، وكانت تحمل في رأيي إمكانية حقيقية للتبلور كحركة مقاومة شعبية سياسية واجتماعية شاملة، لعل كان من شأنها أن تفرض مجالا سياسيا ديمقراطيا وتقطع الطريق على التحول الأوليجاركي المدمر الذي عشنا في أسره ثلاثين عاما وما زلنا.

أما اللحظة الرابعة فهي الثورة المصرية الكبرى في 25 يناير 2011، وسوف أتناولها في الحلقة القادمة والأخيرة من هذا المقال.

لقراءة الجزء الأول من المقال
لقراءة الجزء الثاني من المقال
لقراءة الجزء الثالث من المقال

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

مشكلة التنظيم والثورة ونهاية عصر الأفندية (1) الإرادة الثورية تُفرض من الشارع وليس من خلال مؤسسات الدولة التي قامت الثورة في مواجهتها، أيا ما كان شكلها. حق الاقتراع العام انتُزِع في الشارع، والحقوق النقابية تم انتزاعها في المصانع والشوارع وكذا حقوق المرأة وحقوق الأقليات الدينية أو العرقية.

هاني شكر الله

اضطهاد الأقباط: دعوة للنقاش من أجل المواجهة هناك مجموعة من الخطوات الأولية التي يجب إتباعها قبل الشروع في الحديث عن كيفية المواجهة، أولى تلك الخطوات تتعلق بالتعرف على سياق التفجيرات، وثانيها متعلق بالتعرف على العقل السياسي للجماعة المتبنية للحادث، وثالثها مرتبط بالتعرف على الأهداف الخفية من وراء تلك الأحداث، وخامسها مرتبط بالإجابة عن سؤال هل هناك طائفية بمصر؟

محمد مختار قنديل

الفلاحون والثورة في مصر: فاعلون منسيون إن فهم علاقة الفلاحين بالثورة يحتاج أولا إلى انفتاح زمني لما قبل وما بعد لحظة الـ18 يوما، وثانيا إلى انفتاح جغرافي يرصد ويحلل ما يحدث خارج حدود العاصمة وفضائها العام، وأخيرا إلى انفتاح معرفي لإعادة تعريف ماهية الثورة وأشكال الحراك الثوري.

صقر النور

الشريعة في دساتير ما بعد ثورة يناير… إعادة الجدل بشأن أسئلة الإسلام والسيادة والسلطة (1) تسعى الورقة لإعادة سرد تاريخ تلك العلاقة الملتبسة بين الشريعة والقانون الوضعي بما قد يسفر عن تعميق الرؤى السابقة وتطويرها باتجاه معرفة أفضل بالشريعة والديمقراطية في آن واحد.

عمرو عبد الرحمن

الريف السوري مفتاحا لفهم نظام الأسد (1) إن قراءة هذا الكتاب لا تتيح لنا فقط فهم أمور في غاية الأهمية عن المجتمع السوري وعن نظام الأسد، لكنها كذلك مفيدة جدا للمهتمين بفهم الشرق الأوسط عموما بكل تعقيداته، وللمهتمين بالعلوم الاجتماعية وبصفة خاصة بالماركسية في واحد من أرقى نماذجها في تقديري.

عمر الشافعي