نحو نظرية عامة بشأن ترامب:

من أجل مقاومة استراتيجية حمراء -حمراء- خضراء

قضايا

12  مارس  2017

في ندوة لطلاب الدراسات العليا بقسم الاقتصاد السياسي بجامعة سيدني عقدت يوم 6 فبراير 2017، تناولنا الخطوط العريضة “لنظرية عامة بشأن ترامب”. في نهاية الندوة تقدم الطلاب وأعضاء هيئة التدريس بعشر نقاط للنقاش بشأن نظرية عامة بشأن ترامب أعلق عليها هنا بما ينقلنا من التحليل إلى طرح الحاجة إلى تحالف تقدمي عالمي يجمع ما بين الاشتراكية الديمقراطية والليبراليين اليساريين والخضر واليسار الراديكالي.

1- جاء فوز ترامب نتيجة أزمة أيديولوجية في سياسات الليبرالية الجديدة في الولايات المتحدة الأمريكية: أي ليس بالأساس نتيجة أزمة اقتصادية عميقة أو نتيجة “كساد في الاقتصاديات المنزلية” بين أسر الطبقة العاملة. لقد “فازت” الولايات المتحدة الأمريكية بانتعاش ما بعد أزمة عام 2008 تحت حكم أوباما نتيجة عوامل مالية ونقدية وتلاعب بالعملة؛ وعن طريق استغلال قدرات سوق العمل الحر على خلق فرص عمل منخفضة الأجور؛ والالتزام بقواعد مالية متعددة الأطراف (باسل-3)؛ وإعادة تشكيل خطة المرحلة التالية من العولمة لصالحها (اتفاقيات الشراكة العابرة للأطلنطي في مجالي التجارة والاستثمار، والشراكة العابرة للمحيط الهادي). إلا أن ذلك تسبب في تنافر أيديولوجي عميق ما بين نخبة الشركات العملاقة، الذي انعكس واستمد قوته من حركة فابية رجعية.

2- الدافع وراء الأزمة الأيديولوجية هو حالة التنافر بين ما كان يجب فعله من أجل إنقاذ النظام المالي العالمي وبين ما رأت الأيديولوجية النيوليبرالية ضرورة فعله. الأيديولوجية تقول: فلتفشل البنوك، واخفض العجز، وافرض التقشف، وحافظ على العملة. الفعل المطلوب هو دعم الدولة للبنوك، إجراء نقدي ضخم مدفوع بحجم الدين حيث تصبح الدولة هي الشاري – كملجأ أخير- لكافة أشكال السندات. يكمن التنافر الثاني في حاجة الولايات المتحدة الأمريكية إلى الاستمرار كجزء من النظام العالمي متعدد الأطراف في مجال البيئة: حيث تطابقت مصالح كبار منتجي الطاقة (النفط واستخراج الغاز) مع نظريات اليمين الديني الرجعية وغير العلمية. وأخيرا، من خلال التركيز داخليا على دعم الاقتصاد والإصلاح الاجتماعي (البسيط)، تسببت إدارة أوباما في تراجع سريع، بدون تنظير، للولايات المتحدة عن وضعها السابق كقوة عظمى عالمية: فتركت أزمة ليبيا للمملكة المتحدة وفرنسا لكي يعبثا بها؛ وتركت سوريا للأسد وبوتين ليهيمنا عليها؛ ولم تتدخل لوقف ضم روسيا لشبه جزيرة القرم؛ وسعت إلى سلام استراتيجي مع كوبا. تسبب هذا أيضا في حالة من التنافر، خاصة بين الفئات المحافظة التي عاشت لثلاث أجيال في حالة “أمريكا القوة العظمى دون منازع”، كما في قطاعات من المؤسسة العسكرية والأمنية.

3- إلا انه لا يوجد مرادف أيديولوجي لحالة الاسترخاء هذه. بمعنى أنه وقت أن تنهار رواية ما، يبدأ البشر في البحث عن رواية جديدة. مثلما هو الحال في الموسيقى، يتطلب النشاز حلا. من هنا يمكن فهم رواية الانتخابات الرئاسية في عام 2016 باعتبارها انهيار مفاجئ للتماسك النيوليبرالي، وانتقال قطاع من النخبة وقطاع من الطبقة الوسطى والطبقة العاملة الأمريكية نحو النزعة القومية المناهضة للعولمة.

4- إلا أن فرضية ستان جرينبرج بشأن أغلبية أمريكية جديدة هي فرضية صحيحة: ذلك أن الأقليات الاثنية والنساء العازبات والمثليين والمثليات والأسر العلمانية وجيل الألفية الجديدة مجتمعين يشكلون 63% من السكان – وكانوا حوالي 52% في عام 2010. لقد كانت رحلة الولايات المتحدة الديموغرافية الطويلة في اتجاه أغلبية متعددة الاثنية وتقدمية حريصة على الحفاظ على المؤسسات متعددة الاطراف والانخراط العالمي وحكم القانون. وإذ يختلف هؤلاء تماما من حيث القناعات والسلوك عن اليمين الفابي الأبيض، شديد التدين في المدن الصغيرة فقد أصبح القطاعان الديموغرفيان أشبه “بأمتين” -بحسب ما لاحظ كتاب السياسة في خمسينيات القرن التاسع عشر- مقدر لهما أن يتصارعا من أجل السيادة في الولايات المتحدة الأمريكية.

5- رغم ذلك عجزت هذه “الأغلبية الأمريكية الجديدة” عن أن تدعم بيرني ساندز (الذي كان بإمكانه الفوز) كما عجزت عن أن تتماسك حول هيلاري كلينتون (التي لم تفز لأنها لم تتمكن من تعبئة الجمهور في ولايات رئيسية).

6- نتيجة لذلك، ولأول مرة منذ الحرب الأهلية، تُحكم الولايات المتحدة ليس بواسطة مجموعة سياسية شديدة المحافظة (مثل ريجان وبوش) وإنما بواسطة زمرة وجماعة ديموغرافية مكرسة للانقلاب على الحداثة العلمانية التكنوقراطية متعددة الاثنية. ومهما كانت المهام والمشروعات المحددة للشركات الداعمة لمشروع ترامب، فإن الضرورة الديموغرافية تستدعي تدمير وإضعاف الأغلبية التصويتية ذات التوجهات الليبرالية والعالمية: ومن ثم التهديد بترحيل 11 مليون مهاجر غير شرعي؛ والانتقال نحو المزيد من استبعاد الناخبين، والاعتقالات الجماعية والعودة الحتمية القريبة إلى نمط الستينات والسبعينات في قمع المعارضة السياسية.

7- إذا قمنا بتصنيف تلك القطاعات من الطبقة الحاكمة التي دعمت ترامب أو سرعان ما كيفت نفسها معه تتضح لنا صورة من تحالف مصالح الشركات الكبرى ضد العولمة متعددة الأطراف.

ا- يحتاج ايكسون ولوبي الكربون الأوسع، خاصة فيما يتعلق بالفحم، إلى التخلص من التزامات باريس الخاصة بالبيئة. كما يحتاج ايكسون أيضا، وما يحيط به من تمويل رهيب متاح للكربون الأمريكي، إلى رفع العقوبات عن روسيا بحيث تتمكن من المنافسة في اتفاقية القطب الشمالي مع روزنفت.

ب- البنوك وصناديق الاحتياطي الداعمة لترامب ترغب في تيسير اتفاق بازل 3 بعد أن وضعوه على أعلى قائمة أجندة أعمال الدولة. انهم يريدون العودة إلى حال ما قبل 2008 حيث قدمت الدولة الاتحادية ضمانات ضمنية وغير محدودة لمؤسسات مثل AIG وهي شركة تأمين أمريكية متعددة الجنسية، والتي فرضت بدورها سياسة قاسية في اتجاه التحرير المالي. بالنسبة لهم كان تكيف أوباما وكلينتون مع “وول ستريت” مع الوول ستريت الخطأ، أي مع طرف الوول ستريت الذي تعلم أن يقيد المالية المعقدة نتيجة ما حدث في عام 2008.

ج- يحتاج القطاع الصناعي العسكري إلى حرب، وأن يرفع الإنفاق العسكري بشكل عام. إلا أن هذا الاحتياج يتزامن مع الرغبة في بناء لوبي مناهض لإيران داخل هذا القطاع. ينسجم موقف هذه المجموعة بشدة مع المصلحة الاستراتيجية لروسيا كما يلي: روسيا ترغب في رؤية نهاية لتعددية الأطراف، وتفتيت “الغرب” والعودة إلى نظام القوى العظمى، حيث كل قوة عظمى تدرك وتعترف بمصالح والمطالب المشروعة للأخرى. بالتالي فمن المناسب جدا لبوتين أن تكون لديه زمرة أمنية حاكمة في واشنطن تعيد توجيه اهتمامها للشرق الأوسط وتتخلى عن اتفاقية السلام مع إيران وتعتبر إيران وسوريا وروسيا مصادر خطر يجب احتواءها من خلال سلسلة من القواعد الحربية باهظة الثمن والأقمار الصناعية وتقنيات الطائرات بدون طيار.

د- البرجوازية/المافيا الكوبية الأمريكية في حاجة إلى تراجع شديد وسريع عن سياسات أوباما في التصالح مع كوبا.

هـ- لوبي الزراعة، وخاصة لوبي تجار الماشية، يحتاج إلى تراجع عن الضرائب واللوائح التي وضعت للتقليل من انبعاثات الكربون وغاز الميثان.

و- المؤسسات الرأسمالية الكبرى، خاصة سيليكون فالي وول ستريت تحتاج إلى رئيس يقوم بما رفض أوباما أن يقوم به: إعلان العفو عن أرباح الخارج التي تصل قيمتها إلى 2.5 تريليون دولارا أمريكيا، تنتظر العفو بما يسمح باسترجاعها الى البلاد.

8- وسط تحالف المصالح هذا اندفعت الكوادر الفكرية لأقصى اليمين، نتاج ما يسمى “بالتنوير الأسود”؛ إضافة إلى اللوبي المناصر لروسيا داخل زمرة ترامب – مانافورت وفلين وأسرة ترامب.

9- الإجابة على سؤال ما إذا كان ترامب يمثل انقطاعا أو استمرارا للبرالية الجديدة تعتمد على ما إذا كنا نناقش نظاما موضوعيا أم أيديولوجية. في كتابي “ما بعد الرأسمالية” أعبر عن تفضيلي دراسة الليبرالية الجديدة، لا باعتبارها واقعا موضوعيا فحسب (أي ليس باعتبارها أيديولوجية) وإنما باعتبارها نظام عالمي كامل، بما يشمله ذلك من دول تحكمها المافيا مثل روسيا وكازاخستان؛ وثقافات السوق الحر من استدانة وإنفاق مثلما في الولايات المتحدة؛ ومن فاعلين تجاريين مثل ألمانيا والصين واليابان.

10- ترامب هو عرضٌ يشير إلى انهيار النظام بأكمله. إلا أن فوزه هو في نفس الوقت تعبيرٌ عن فقدان الولايات المتحدة للتوافق بِشأن دورها التقليدي “كمساوم” ضمن نظام الليبرالية الجديدة، أي كبورجوازية تقنية ومالية ضخمة ذات توجه عالمي. بل أن مضمون برنامج ترامب هو برنامج عدائي يستهدف فك العولمة؛ هجوم على المؤسسات متعددة الجنسية بهدف تفتيتها، هجوم على حكم القانون، هجوم على العقود الاجتماعية غير المكتوبة التي سمحت ببروز أغلبية ديموغرافية أمريكية متنوعة وتقدمية اجتماعيا. بالتالي فإن مشروع ترامب هو تقويض العولمة لمصلحة أمريكا، مثلما عولمت العالم في التسعينات.

11- الإشكالية التي تحملها هذه النية هي أنها – رغم كونها لازالت على مستوى الخطاب – إلا أنها سوف تؤدي إلى عدد من ردود الفعل سوف تعيد التفكيك السريع للعالم مثلما حدث بين سنوات 1931 و 1934. إن فعلا مفردا ضخما من قبل ترامب نحو تحطيم هذا النظام متعدد الأطراف سوف يؤدي بالتأكيد إلى رد فعل كهذا، خاصة في تلك البلدان التي يعتمد وضعها التنافسي تماما على الحفاظ على تلك التعددية في الأطراف: ألمانيا واليابان والصين. ومن هنا فإن مخاطر الانتقام من قبل المفوضية الأوروبية سوف تصبح حقيقية في حال قرر ترامب انسحاب الولايات المتحدة من اتفاق بازل 3. كذلك فإن خطاب ترامب الانفصالي بشأن الاتحاد الأوروبي يتم تفسيره باعتباره فعل حرب اقتصادية سوف تشعل ردود فعل دفاعية من الاتحاد الأوروبي فيما يخص المعايير العالمية الخاصة بالتجارة والاستثمار.

12- إلا أن نزعة ترامب القومية الاقتصادية وعنصريته الداخلية يعقدها وجود مشروع أكثر عمقا – ليس على هامش فريقه وإنما في القلب منه، متمثلا في شخصية ستيف بانون. بانون والحركة التحررية على أقصي اليمين لديها منظور كارثي للولايات المتحدة يعتمد على إشعال ترامب لأزمة أكبر داخليا وعالميا. ذلك أن هوس بانون بالانقلاب الرابع لموجات كوندراتييف.. الخ يشير إلى نظرية في التاريخ تقول بضرورة الانهيار قبل العودة إلى العظمة. في هذا السيناريو تتحول حرب الثقافات الطويلة هادئة النبرة في أمريكا إلى نزاع مسلح منخفض الوتيرة وإن كان متسع جغرافيا – مرة أخرى أمر شبيه بفترة كنساس الدامية في خمسينات القرن التاسع عشر. في نفس الوقت تُستدعى التهديدات الخارجية لتحرِم المشتبه بهم من حكم القانون. ثم يسعى ترامب -أو يُدفع في اتجاه- نزاع مسلح تقليدي ضخم، إما مع إيران أو كوريا الشمالية أو الصين نفسها. هذا السيناريو الشبيه “بعالم ما بعد عام 1945” سوف يعيد تشكيل التكوين النفسي الجماعي للولايات المتحدة بما يقوي نخبة حاكمة سلطوية قومية النزعة وفاسدة.

13- يمثل ترامب -وقت كتابة هذا المقال- مزيجا من القومية الاقتصادية المحافظة لكبرى الشركات الرأسمالية ومشروع أكثر راديكالية وأقرب إلى الفاشية.

15- في هذا السياق، لا يكاد يهم ما إذا كان حليفا لفلين ومانافورت (كما تدعي ملفات ستيل) الواقعين فعليا تحت تأثير الدولة الروسية، أو مصدرا للابتزاز أو منجذبا ببساطة للجنس والسلطة والأموال التي لا يحتاجها بوتين. فعليا، تخدم الترامبية مصالح بوتين العالمية من خلال تفكيك النظام متعدد الأطراف ذاته الذي أوقف مشروعات الكريملين عند حدودها.

15- ترامب ليس الفاشية. إلا انه مكن الفاشية الأمريكية وجماعات التفوق العنصري البيضاء حولها. وفي مجتمع حديث، حيث الحركات العمالية ضعيفة، لم يعد الأمر بحاجة إلى الفاشية التقليدية لتحقيق أهداف سعت إليها النخب الحاكمة الألمانية والايطالية في عشرينات وثلاثينات القرن العشرين. بل أن التشابه مع الدولة الهتلرية يبرز من إصرار ترامب الواضح على “ركوب” الأزمة: كسر القواعد الدستورية؛ الحط من مؤسسة الرئاسة لتصبح محلا لبذخ الإنفاق؛ إشعال أزمات متكررة تستدعي ردودا إيمائية، مع تجاهل تام لآليات الدولة التكنوقراطية والوصم العلني للإعلام الليبرالي عالي الجودة بأنه “عدو الشعب الأمريكي”. المشكلة هي أن مثل هذه الأشكال الإيمائية من الحكم تتطلب في الواقع نتائج وتصعيد بلا هوادة. لقد استولي هتلر على الحكم من هيندنبرج وعين بلطجيته في الشرطة وخرق الدستور فورا ثم انتقل إلى القتل خارج القانون، كل ذلك بحلول يونيو 1934. أما ترامب فهو على العكس من ذلك يشهد ترحيل اليمين الراديكالي وداعمي روسيا بتطبيق آليات دستورية: استبعد فلين بعد تسريبات من داخل مجتمع المخابرات، واستبعد ميلو بواسطة أمر تنفيذي من سيمون وشوستر، وكان مانفورت قد استبعد فعليا نتيجة تحقيقات مخابراتية في علاقاته مع روسيا ويانوكوفيتش.

16- لكل هذه الأسباب فإن أي “نظرية عن ترامب” يجب أن تتوقع تغيرات سريعة ومفاجئة. ذلك أن ترامب، وهو بصدد تحقيقات بطيئة وصامتة وإن متصلبة بشأن الملف الروسي، يحتاج إلى أن يشعل أزمة ما سريعا.

ا- يمكننا بسهولة أن نتصور شكل الأزمة الداخلية المحتملة: استدعاء احتياطي الحرس الوطني، حوالي 100 ألف، للإشراف على الاعتقال الجماعي وترحيل ما يقرب من 11 مليون مهاجر غير شرعي. إن ذلك لن يشعل اضطرابا خفيض المستوى فحسب بل سوف يتسبب في نزاعات مع حكومات الولايات ووحدات الحرس الوطني والمحاكم الخ.. كلها في نفس الوقت.

ب- أما اتجاه الأزمة الخارجية فمن الأصعب توقعه: تكمن مشكلة أمريكا الإستراتيجية في أنها تواجه تحديات متعددة: الصين وروسيا والإرهاب الإسلامي. بالنسبة لليمين المتطرف يأتي الإسلام في المرتبة الأولى كعدو والصين في المرتبة الثانية. أما الجناح الموالي لروسيا في إدارة ترامب فجل ما يهمه هو أن تَعقد واشنطن سلسلة من اتفاقيات شبيهة بسايكس بيكو مع أوروبا والشرق الأوسط، وأن تقبل بدور مؤثر لروسيا فيما عدا ذلك. فيما يخص القطاع المتأثر بالسعودية وإسرائيل في واشنطن، من الضروري أن تصبح إيران عدوا في التقسيم الإقليمي الجديد. سوف تتوقف أولوية الأعداء على نتيجة صراع داخلي – شبيه بشكل غريب ومثير للقرف مع جدال الهادي-الأطلسي داخل إدارة روزفلت في عام 1942.

17- لا يملك ترامب إذا إجابة واضحة على سؤال “كيف يكون شكل النجاح”. مع ذلك يمكننا ان نضع تصورا للنتيجة المتوقعة من خلال فهم رغبات القاعدة الفابية الرجعية التي صوتت له:

ا- حرية الولايات الأمريكية في تقييد حقوق الإجهاض وفرض صيغة حديثة من قوانين الفصل العنصري على نمط قوانين جيم كراو؛ وأداء شرطي عنصري خارج السيطرة وعنف دولة خارج القانون؛

ب- اعتداء المحكمة العليا، بعد أن مزقت تمزيقا، على الحريات المدنية التي تم اكتسابها منذ الستينات؛

ج- دولة رقابية ضخمة خارج السيطرة، متحررة من أي قيود في ملاحقة “الأعداء” الداخليين؛

د- تحرير هائل للمالية وقطاع الأعمال والحقوق البيئية وحقوق العمل وتمكين الشركات الأمريكية الكبرى من “حل” الأزمة على حساب الفقراء والعمال والأقليات (ومن خلال تدمير البيئة)؛

هـ- والانسحاب الكامل أو الجزئي من اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (NAFTA) واتفاق باريس حول المناخ وبازل-3 وتحويل منظمة التجارة العالمية إلى مساحة صراع اقتصادي وعودة صندوق النقد الدولي إلى لعب دوره كمروج لمصالح الولايات المتحدة المالية والشركات الكبرى وتحييد الأمم المتحدة باعتبارها مؤسسة متعددة الأطراف.

18- من الممكن، وإن ليس من المرجح، أن “تنتصر” أمريكا في لعبة الخاسرين الناجمة عن تقويض العولمة مثلما انتصرت أمريكا في ظل حكم روزفلت في الصراعات الاقتصادية والعسكرية في ثلاثينات وأربعينات القرن العشرين. إلا أن ملاحظة تشارلز كيندلبرجر بأن نظاما عالميا جديدا يحتاج إلى طرف مهيمن صاعد لكي يتحمل مسئولياته – تطرح إمكانية أن تتخلى الصين عن دورها الإقليمي وتفرض النظام العالمي التالي. لكن يبدو أن ذلك سوف يستغرق عدة عقود. ولأسباب تناولتها في كتابي ما بعد الرأسمالية، لم تعد الديناميكية الداخلية للرأسمالية أمرا مضمونا.

19- في هذه الحالة سوف يفشل ترامب، فيفتح الطريق أمام مجموعة خيارات أكثر جذرية في الولايات المتحدة تتراوح ما بين الحداثة والأصولية الدينية، بين حكم القانون ونهب أوليجاركي للسلطة، بين العولمية والنزعة القومية.

20- لقد خلق ترامب على المدى القصير حراكا غير متوقع لمشروعات قومية موازية في هولندا وألمانيا وفرنسا. كما أن شبكات ترامب على الانترنت وداعميه الشوفينيين يخلقون حالة من التحدي متغيرة يوميا، لم تتمكن قوى الاشتراكية والليبرالية في أوروبا أن تتحرك بالسرعة الكافية لمواجهتها. ومن المتوقع خلال الشهرين القادمين أن يفوز حزب من أجل الحرية والجبهة الوطنية بالانتخابات في كل من هولندا وفرنسا على التوالي، ليحرما من الوصول إلى السلطة بواسطة نظام الانتخابات في كلا البلدين. عندها سيصل حزب البديل من أجل ألمانيا على الأرجح إلى البرلمان، فيدمر بين ليلة وضحاها الأعراف اللغوية والسلوكية للسياسة الألمانية ويأتي براديكالية جديدة ووقحة في خطاب الهجرة والإرهاب وحقوق الإنسان.

21- يسمح لنا ترامب إذا بمشاهدة لقطة من كيفية انهيار المجتمعات والنظم السياسية النيوليبرالية: مثلما حدث مع الشيوعية، عندما انهارت في اتجاه شوفينية فاسدة، سلطوية وعنصرية.

22- مما سبق يتبين لنا ضرورة أن تتغير الاستراتيجيات السياسية لليبرالية والشركات العالمية الكبرى والاشتراكية الديمقراطية والمنظمات غير الحكومية العالمية والخضر واليسار الراديكالي. هناك سؤال مطروح على كل منها: ماذا ستفعلون إزاء هذه الحرب لإنقاذ العولمة التقدمية والمجتمعات متعددة الإثنية، المتسامحة والمنفتحة؟ بصفتي اشتراكي ديمقراطي جذري أعمل في مساحة التقاطع بين حزب العمال البريطاني ومشروع الاستقلال الراديكالي الأسكتلندي وأحزاب اليسار الأوروبية، أعتقد أنه على القطاع السياسي الذي أنتمي إليه أن يفعل التالي:

ا- عقد تحالف استراتيجي مع بقايا الليبرالية الجديدة للدفاع عن حكم القانون والديمقراطية والتسامح فيما يشبه مشروع الجبهة الشعبية برعاية الكومنترن في ثلاثينيات القرن العشرين.

ب- الدفاع في إطار هذا التحالف عن انسحاب محكوم من بعض مظاهر العولمة – على سبيل المثال الإلغاء الدائم لاتفاقيتي الشراكة عبر الأطلنطي في مجالي التجارة والاستثمار واتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي – وتعزيز المطالبة بأهداف واضحة بشأن العدالة الاجتماعية في العالم المتقدم تتقاطع مع بعض جوانب العولمة. على سبيل المثال الإصلاح الفوري والجذري لاتفاقية لشبونة، إلغاء الاتفاق المالي وكذلك تسييس البنك المركزي الأوروبي واستبداله بمشروع اقتصادي ضخم يشمل الاقتصاد الأوروبي بأكمله.

ج- طالما الأحزاب التقليدية لليمين النيوليبرالي تخاف ترامب وتساوم على العنصرية والشوفينية الاقتصادية، يجب أن يبرز مشروع حكومة (تحالف الأحزاب الحمراء مع الخضر). في ألمانيا حيث تتوفر هذه الإمكانية بعد انتخابات 2017، يجري فعليا البحث في تحديات بناء ذلك التحالف. في أسبانيا يمكن أن يترجم ذلك في الواقع في تحالف بين الأحزاب الحمراء والحمراء والكاتالونية والباسكية؛ وفي إنجلترا، حيث أصبح حزب العمال فعليا تحالفا هشا قابل للانشقاق بين الأحزاب الحمراء، سوف يعني ذلك مشروع تحالف تقدمي مع الحزب الوطني الأسكتلندي والحزب الاشتراكي الديمقراطي في ويلز والخضر، مع الإتزام بإصلاح فوري في النظام الانتخابي.

د- أخيرا، ماذا يعني هذا بالنسبة لشبكات الحركات الاجتماعية والمنظمات غير الحكومية التقدمية ومفكري اليسار؟ ترامب هو الثمن الذي دفعناه مقابل إستراتيجية “رفض السلطة” التي تبناها اغلب المفكرين والنشطاء خلال فترة “احتلال الميادين” ومقابل تذويب فعالياتنا بين مجالات متعددة ومتنوعة أكثر مما ينبغي ومن ثم غير مؤثرة. لقد انتقل الكثيرون من هذا الموقف إلى مواقف تمكنوا من خلالها من التأثير في الأحزاب التقليدية على اليسار: ساندرز في الولايات المتحدة الأمريكية وكوربين في بريطانيا وهامون في فرنسا. وفي سياقات أخرى تمكنت الأحزاب اليسارية الجذرية الجديدة من الصعود وسط حركات جماهيرية وتحدي السلطة – مثلما الحال مع سيريزا وسين فاين وبوديموس.

هـ- إلا أن كل مرتكزات مقاومة الترامبية تفتقد إلى التنسيق العالمي. الحرس القديم لليبرالية الجديدة ينسق بكفاءة من خلال دافوس، جاكسون هول، المؤتمر الأمني بميونيخ الخ. قد يحتاج اليسار العالمي– التحالف الأولي بين الأحزاب الحمراء والخضر – قد يحتاج في البداية إلى مراكز تنسيق، لكن تبقى هناك حاجة ملحة إلى فرز المعلومات والأفكار والممارسات الفضلى. في الفيلم السوفييتي الممنوع من العرض “المفوض” لفايلي جروسمان، تستخدم شخصية الحداد اليهودي الشريرة جملة قد تصف ما نحتاج إلى بنائه: “أممية الخير”.

لقراءة النص الأصلي بالإنجليزية

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

اضطهاد الأقباط: دعوة للنقاش من أجل المواجهة يعني هذا المقال بمحاولة تفسير وتوصيف الطائفية في المجتمع المصري، انطلاقا من مفهوم المواطنة كمشروع سياسي، يضمن المساواة التامة لجميع المواطنين في الحقوق .والواجبات بغض النظر عن المعتقد أو الطائفة، وبغض النظر عن الجنس أو العرق أو اختيارات المواطنين في حياتهم الشخصية

رامي صبري

حروب الإجهاض بات على المشاركين في الحملات المؤيدة للإجهاض العودة باستمرار إلى الحجة الرئيسية وهي أن أي سياسي أو طبيب أو صاحب أيديولوجية، يخبر المرأة بضرورة الحفاظ على حملها غير المرغوب فيه، يتصرف على نحو يتعارض مع حقوق المرأة. لا يمكن التغاضي هذا الطرح باعتباره تقدميا أبدا.

جوديث أور

دور قطر: هل تتخلى عنه الولايات المتحدة؟ ثمة أسئلة تطرح نفسها الآن: هل ستتدخل الولايات المتحدة لفض الاشتباك الحالي؟ وإذا تدخلت، كم سيكون حجم صفقة الأسلحة هذه المرة؟ إن الولايات المتحدة هي الوحيدة التي يمكنها حل الأزمة بمكالمة تليفونية، إلا إذا كانت لم تعد ترى نفعا من دور قطر ولم يعد لديها مانع من تركها فريسة بين فكي السعودية.

صبري زكي

اليسار العربي وسنوات التيه تقع على عاتق اليسار العربي حاليا مهمة قاسية وصعبة للغاية لأجل إبداع تطبيقه "الخاص" من خلال التفرقة الناضجة بين المنهج والنظرية والقانون والتراث في عالم جديد بأدوات مختلفة.

رائد سلامة

حوار مع أناند جوبال: رغم أن تنظيم الدولة الإسلامية يعمل في سوريا، ولديه أذرعه حول العالم، إلا أن داعش، في صميمه، ظاهرة عراقية، بل ومن المستحيل فهم هذا التنظيم قبل أن نفهم أولا الهيكل الاجتماعي للمجتمع العراقي قبل وبعد الغزو الأمريكي.

أناند جوبال  ,  أشلي سميث