ثورة بغير منظمات ثورية، وسياسة بلا أحزاب سياسية… محاولة نحو فك اللغز المصري (3)

قضايا

05  مارس  2017

ثالثا: البرجوازية المصرية والمجال السياسي

Hubris كلمة يونانية المنشأ تجمع بين معاني الكبرياء والزهو والصلف، وهي خصال لم تكن مستحبة لدى آلهة الأغريق. إحدى الأساطير الإغريقية الشهيرة تروي قصة نايوبي، كانت إمرأة خصوب، ابنة ملك وزوجة ملك، تزهو وتتباهى بخصوبتها (فلها ستة أولاد وست بنات في روايات، وسبعة من النوعين في روايات أخرى). غير أن زهو نايوبي بخصوبتها أمام إمرأة أخرى لم ترزق بغير طفلين توأم جلب عليها انتقاما رهيبا، فالمرأة الأخرى مجروحة المشاعر تنتمي للجيل الثاني من آلهة الأغريق، الـ Titans ويطلق عليهم بالعربية الجبابرة، وأبو طفليها التوأم كبير آلهة الجيل الثالث، زوس شخصيا، وولديها آلهة بدورم: أبولو وأرتميس. عقابا على زهوها واساءتها لمشاعر أمهم يقوم أبولو بقتل كل أولاد نايوبي وتتولى أرتميس قتل كل بناتها، لتقضي نايوبي بقية حياتها أما مكلومة تبكي أطفالها إلى أن تحولت إلى حجر.

خليهم يتسلوا، يجدر بها أن تحتل بدورها مكانا بارزا في الدراما المصرية وإن انتمت للتاريخ السياسي الواقعي وليس لعالم الأسطورة. قالها حسني مبارك منتشيا، مزهوا، هازءا بمعارضيه في افتتاحه برلمان 2010 المشؤوم، ليجئ قوله تكثيفا دراميا للمأثرة الأهم لعهده وكاشفا عن السر الأعمق لصيرورته الكؤود، فيشاء ديالكتيك العملية التاريخية (أو القدر، إن شئت) أن تُرد السخرية للساخر مضاعفة مدوية، فتصبح عنوانا هازئا لسقوط مبارك ولنهاية عهده.

فمثله كمثل نايوبي المكلومة لم يكن زهو مبارك وخيلاءه محض جعجعة فارغة: السيدة التعسة خصوبة بالفعل، أنجبت (وفقا للأسطورة) ما بين 12 و14 ولدا وبنتا، أما ديكتاتورنا التعس فيقف على عهد دام ثلاثين عاما تجاوز بهم سائر حكام مصر الحديثة باستثناء مؤسسها محمد علي باشا، وتميز حكمه بركود وثبات مدهش، مقيت، رتيب، كئيب. يكفيك أن تقارن عهده بعهدي سلفيه العاصفين، أو أن تتأمل في حجم التحولات الهائلة داخليا وإقليميا وعالميا التي أحاطت به: تحويل شامل لهيكل الاقتصاد المصري ولبنية الطبقة الحاكمة، عدوان متواصل متنام وناجز على الحقوق الأساسية للطبقات العاملة في المدينة والريف وتحلل تام من العقد الاجتماعي الناصري. أيديولوجية سائدة تمد بجذورها للقرن التاسع عشر يُلقى بها في سلة المهملات وتستبدل بخلطة عجيبة من الفكر الديني والليبرالية الجديدة؛ تدله وخنوع للغرب الاستعماري وتصالح وود مع إسرائيل تتعايش في وئام مع ديماجوجيا المؤامرات الأمريكية الصهيونية على مصر والعرب والإسلام؛ إعجاب بإسرائيل ومنجزاتها وكراهية واحتقار لليهود؛ تشييد المساجد بسرعة صاروخية وبجانب كل مسجد فرعا لماكدونالد وكنتاك؛، كراهية وازدراء متصاعد للمسيحيين المصريين الكفار” “المستكبرينلا تقف حائلا أمام أجازات صيفية ومهمات وظيفية تُقضى كلها شوبنجفي لندن وباريس ونيويورك؛ نتغنى بنظافة الدول الغربية المسيحيةوبحسن تنظيمها وبطرقاتها ومعالمها المعمارية، ونحظر بناء الكنائس أو ترميمها عندنا، هذا إذا لم نحرقها أو نهدمها؛ نحذر من الغزو الثفافي الغربي ونستهلك زبالته بنهم محموم؛ نهتف بخصوصيتنا الحضارية والثقافية والدينية ونترك المساجد الأثرية تتهاوى محاطة بأكوام القمامة؛ نترك معمار العصر الإسلامي يتهاوى أو نهدمه لنفسح مكانا للمولات والمساجد المستوحاة من ثقافة النفط الخليجية.

التعددية المقيدة الموروثة من السادات تحفل بالتناقضات وتحيا رغمها في تعايش ووئام؛ صعود متواصل وعارم للمكون الديني في فكر وقيم وأنماط سلوك عامة الناس من أعلى السلم الطبقي إلى أسفله، وبأكثر رموزه ومعانيه رجعية وتخلف ومعادة للعقلانية والإنسانية، لا يفضي إلى حكم اسلاميولكن لثبات ممتد يشمل المناورات والأخذ والعطاء والتلاعب والتآمر والشد والجذب وكلها تحت السيطرة” – بين النظام والإسلام السياسي بإخوانه المعتدلينوجهادييه المتشددين؛ بطل الحرب والسلاميُغتال بين جنوده ومحاولة تمرد مسلح تُجهض يعقبها تجنيد الجهاديين أنفسهم دعما للتحالف مع أمريكا في حربها على الكفارالروس في أفعانستان؛ عقد كامل من الحرب على الإرهابيدعم النظام ولا يضعفه، يتحول الشعب بموجبه لمتفرجين مذعورين بينما تتوطد دعائم دولة بوليسية لا حدود لتوحشها وهمجيتها.

كل هذا في سياق إقليمي وعالمي حافل بالعواصف والتحولات الكبرى تشمل، من ضمن ما تشمل، غزوا اسرائيليا ساحقا للبنان، يصفي وجود المقاومة الفلسطينية المسلحة على أرضها، يعقبه غزوات وغزوات؛ عولمة رأسمالية جامحة ودول من العالم الثالث المتخلف تدخل نادي الدول الصناعية الحديثة، وتحالف مع العراق في حربها المجنونة والمدمرة مع إيران ثم تحالف مع أمريكا لتدمير العراق وصولا لغزوها وسحقها؛ حائط برلين يسقط وبعده الاتحاد السوفيتي ومعسكره الاشتراكي، والغرب يحتفل بانتصاره النهائي وبنهاية التاريخ؛ سقوط الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، وموجات من التحول الديمقراطي تتواصل دفهات ترقم، وتمتد من شرق آسيا لأمريكا الجنوبية لعدد من البلدان الأفريقية؛ ثورة تكنولوجية تفوق الخيال تدخل بها البشرية ما يسمى بعصر المعلومات.

كل هذا ومبارك وحكمه قاعدون ثابتون مستقرون استقرارا هو أشبه بالموتى، حتى شخوص الطاقم الحاكم لا يكادوا يتغيرون، اللهم إلا بالإرادة الإلهية أو بأقل القليل من التضحيات التجميلية بكباش فداء، عادة ما تكشف عن نزاع بيزنسي ما.

عام 1999 قدمت ورقة (لم تُنشر) لحلقة نقاشية لليسار استضافها مركز الدراسات الافريقية والعربية ورئيسه الرائع حلمي شعراوي، أستميح القارئ عذرا في أن أقتبس بعضا منها هنا:

نظام الاستبداد الشعبوي في حالة تحلل منذ ثلاثة عقود. ما سمي بتجربة التعددية المقيدة التي ولدت عام 76 تجاوزت سن الرشد، والحصاد معروف للجميع: نظام رئاسي ملكي، السلطة الفعلية في أيدي رئاسة الجمهورية وأجهزة الأمن، برلمان معين لا يُشرع ولا يراقب ولا شأن له بتشكيل حكومات من أي نوع، أجهزة الأمن هي المجال الرئيسي لتجنيد وإعادة إنتاج الطاقم الحاكم على كل مستويات الدولة، دولة بوليسية فاقت في شراستها ودمويتها ونطاق إرهابها أي لحظة سابقة في تاريخنا الحديث؛ تطور مستمر في الطابع الديني للدولة والخطاب الأيديولوجي السائد، وتوسع متواصل في سلطات وصلاحيات الأجهزة الدينية الرسمية يقابله تقليص متزايد للعناصر العلمانية في بنية الدولة المصرية الحديثة (فلم تكن أبدا دولة علمانية). وكل هذا في تزاوج فريد مع تعددية حزبية مقيدة ونطاق لحرية التعبير محاط بالقيود ولكنه في كل الأحوال أوسع كثيرا مما كان متاحا في ظل نظام الاستبداد الشعبوي الناصري. والمثير للانتباه هنا يكمن في مفارقة أن هذه الظواهر المتناقضة على السطح للاستبداد واللبرلة لا توجد – رغم المعارك الجزئية بين الحين والأخر – في حالة تناقض وصراع وإنما أساسا في حالة تعايش ووئام: تعذيب وكشف عن التعذيب، تزوير وكشف عن التزوير، انتخابات برلمانية ومحلية تقوم نظريا على التعددية الحزبية والصراع بين أحزاب المعارضة والحزب الحاكم وفعليا على التنافس بين أعضاء الحزب الحاكم نفسه على كسب ود ورضاء السلطة التنفيذية حتى ولو رغم أنفها في بعض الأحيان؛ صحافة حزبية ومستقلة يدار بعضها بـالتليفون إياه” (على حد تعبير صلاح عيسى) وبعضها الأخر من لاظوغلي مباشرة، وكلها رديئة ورثة واستبدادية النزعة، مبدأها الأساسي هو احتقار الحقيقة والإزدراء بعقول القراء، حين تعارض فمعارضتها ديماجوجية فظة وحين تمالئ فممالئتها ذليلة رثة، معارضتها لا تضعف النظام وممالئتها لا تقويه (يخوض الصحفيون معركتهم المجيدةضد قانون 92 ليبدأ حبس الصحفيين بعد انتصارهم المجيدبالذات.)

أما أحزاب المعارضة فحدث ولا حرج. البعض يملأ الدنيا صراخا وضجيجا، والبعض الأخر يلبس ثوب العقلانية الرزينة، والكل يهرج. ويبدو التهريج وانعدام الجدية في أنصع صورهم في النشاطات المشتركة للأحزاب: اجتماعات وبيانات وإنذارات ومؤتمراتالمعارضة كلها (بما فيها بطبيعة الحال الإخوان والشيوعيين المحجوبين عن الشرعية“) تطالب بتعديل الدستورالمعارضة كلها تضع شروطها لضمان نزاهة الانتخابات البرلمانيةالمعارضة كلها تطالب بتجميد العلاقات مع اسرائيلالمعارضة كلها تطالب بالتضامن مع شعب العراق وكسر العقوبات ضدهالمعارضة كلها تطالب بمقاطعة البضائع الأمريكية والبريطانية (!!!) – أحداث جلل لا يعيرها النظام انتباها، ولا الشعب ولا المعارضون أنفسهم، تسجل في الصحافة الحزبية الأسبوعية، ولا ينقضي أسبوعا حتى يكون الجميع، حكومة ومعارضة وشعبا، قد نساها. (يصل الأمر إلى مستوى الملهاة في الاحتجاجات الموسمية من خلال صلاة الجمعة في الأزهر، وتلك المسيرة المحبطة أبدا).”

لم يكن مبارك مبالغا في خيلائه واستهزاءه، غير أن زهوه أعماه عن جديد كان ينمو بتؤدة تحت السطح، جيل جديد وأدوات جديدة وخيال ثوري جديد تنشأ من الناحية الأساسية بعيدا عن المجال السياسي الكاريكاتوري وخارج نطاقه. لم تكن مشكلة مبارك في قراءته لكامل عهده، ولكن في أن العملية التاريخية (أو القدر إذا أردت) شاءت أن يأتي تصريحه المتبجح بتلك القراءة في دقائقها الأخيرة: شيئ ما غير معهود وغير مألوف كان يجري في بر مصر؛ مجال سياسي جديد تمام الجدة كان يغلي ويفور تحت القشرة الأرضية للنظام ليخرج إلى السطح فجأة في 25 يناير 2011، منفجرا كالبركان.

وهو ما يعود بنا لمسعانا لتفسير ذلك الركود المذهل لعقود مبارك الثلاثة، وبالأخص لنجاحه الفائق في انتاج واعادة انتاج مجال سياسي وهمي قوامه اللا سياسة؛ شكل بغير محتوى، تمثيل للسياسة لا ممارسة لها، يتفق أطرافه جميعا، حكومة ومعارضة، ضمنا أو صراحة، كل على لعب دوره المحدد وفقا لسكريبتمعد سلفا، وإن سمح ببعض الارتجال (وبالأحرى التهريج) على طريقة المسرح التجاري المصري، ويماثله ركاكة وابتذال ورداءة في الأداء.

في الورقة التي اقتبست منها أعلاه، طرحت مفهوم الأوليجاركية كأداة رئيسية لتفسير تحولات النظام السياسي للمباركية وكان قد مضى عليه ما يقرب من عقدين من الزمان، بينما الخطاب السائد حوله داخليا وخارجيا محصور في فكرة التحول المحجوز، وهو القائم على فرضية أن التعددية التي خلفت تحلل نظام الاستبداد الشعبوي الناصري مآلها المحتوم هو التحول لديمقراطية من نوع ما، وكاد النقاش يقتصر على ابتداع نوع الديمقراطية الملائم لـخصوصيتنا الثقافية والحضارية والدينية، وأصبح موضوع الإسلام والديمقراطية موضوعا مأثورا في مئات رسائل الماجستير والدكتوراه، شرقا وغربا، عربا وعجما، ومعه نقاشات لا حصر لها عن كونية حقوق الانسان أو خصوصيتها، وعود أبدي للغو الأصالة والمعاصرة وفيض من الخرافات الاستشراقية المحدثة حول الجواهر الحضاريةللغرب المسيحي والشرق الإسلامي، وعن الديمقراطية والشورى، وحقوق المرأة في الإسلام وحقوق الانسان في الاسلام، وعن أي شئ يترائى لباحث طموح البحث فيه في الإسلام. فنحن في عصر الهويات بامتياز، وليس من سبيل للحصول على منحة دراسية سخية أيسر من التعمق في خاصية أو خصوصية ما في الإسلام من شأنها أن تبين كيف أن الشرق شرق والغرب غرب، وربما تقترح وسطا ذهبيا ما لديمقراطية إسلامية ما، تسمح بحوار الحضارات وتبادل السلع والخدمات والاستثمارات.

ما طرحته في الورقة المشار لها أعلاه، وما أعيد طرحه هنا، هو أننا لم نكن قط بصدد تحول أو انتقال محجوزأو بطئ أو متباطئ بفعل عوائق الخصوصية الثقافية/الدينية أو عناد بيروقراطية ناصرية مزعومة أو ضعف الطبقة الوسطى أو صغر حجم القطاع الخاص أو لقصور اجراءات تحرير السوق والخصخصة بفعل عقدة 18 و19 يناير، وغيرها من خرافات الحكم العامة الشائعة وقتها، ولكن أن تحولا نوعيا قد حدث بالفعل، وانه لم يكن تحولا من الاستبداد الشعبوي الناصري ومجاله السياسي المؤمم نحو تعدديةليبرالية الطابع، اسلامية النكهة، مثلما طرحت جماعة الخبراء غربا وشرقا، ولكنه كان تحولا للأوليجاركية، حيث خصخصة المجال السياسي لا تساوي تحريرهولكن تصفيته، وحيث المقابل السياسي لتحريرالاقتصاد ليس تحرير السياسة ولكن خصخصة الدولة.

دعنا نوضح ما نقصده بالأوليجاركية، والشائع عنها هو الاشارة لنوع من اتحاد السلطة السياسية والمال، وهو صحيح وإن ليس بكاف إذا لم نوضح أن ذلك الاتحاد يتم من وراء ظهر المجال السياسي وعلى حسابه. وهي ظاهرة مصاحبة للدولة الرأسمالية في كل الأحوال، تتسع أو تنقبض في علاقة مع طابع أسلوب الانتاج وشروط تطوره، والمسار التاريخي للصراع الاجتماعي. وهو ما يقودنا إلى ضرورة التمييز بين طابع أوليجاركي لنظام رأسمالي ما وبين طغيان الطابع الأوليجاركي إلى الحد الذي يسم فيه النظام بأكمله. أوليجاركية النظام الروسي تحت بوتين واضحة للعيان ويكاد يجمع عليها الكل، ولكن ماذا عن الطابع الأوليجاركي المتنام للرأسمالية الأمريكية ورئيسها (الجمهوري) دوايت أيزنهاور يحذر في الخمسينيات من نفوذ ما أسماه هو بـالمجمع العسكريالصناعي، وقد قطع أشواطا بعيدة في التضخم والتبلور منذ ذلك الحين.

حين تصاحب الأوليجاركية ديمقراطية تمثيلية تبدو كنوع من الغش والاحتيال وهي كذلك فعلا. فالديمقراطية التمثيلية، كما سبقت الاشارة، تفترض أرضا مستوية إلى هذا الحد أو ذاك لتنافس الرأسماليين أفرادا ومجموعات وكتل، لا حول مصالحهم الاقتصادية فحسب وانما أيضا حول الرؤى المختلفة والمتباينة والمتنازعة بين صفوفهم في كيفية تحقيق مصلحة النظام ككل، أي الهيمنة. فالبرجوازية على حد تعبير أنطونيو جرامشي ليست يهودي قذر” (وعذرا على العبارة العنصرية وجرامشي يستخدمه تهكما على النزعة المعادية لليهود المهيمنة في عصره) يسعى أفرادها ومجموعاتها وراء مصالحهم الاقتصادية المباشرة فحسب وانما يمتلكون تصورات ورؤى عامة تأخذ شكل الفكر والسياسة والثقافة والدين بما يحافظ على صيرورة النظام ويضمن خضوع بل وقبول الطبقات المسودة. ومثل هذه الرؤى تتبلور وتتحقق وتتنافس عبر آليات تقسيم العمل الاجتماعي من خلال المفكرين والأكاديميين ورجال الدين وبطبيعة الحال، الأحزاب السياسية، وساحة التنافس الأساسية هي المجال السياسي. وهي تفترض أيضا قدرا من الاستقلال النسبي لكل من الدولة والمجال السياسي عن كتل البرجوازية ومجموعاتها وأفرادها، تأكيدا لمقتضيات الهيمنة، أي لضرورة النظر للمصالح العامة للمجتمع البرجوازي ككل ولمقتضيات صيرورته واستقراره وليس الانحياز للمصالح المباشرة لهذه الكتلة أو تلك من الرأسماليين. هذا الاستقلال النسبي هو الذي مكن في الدول الديمقراطية من الاتفاق الجديد” (أو الـ New Deal) لفرانكلين روزفلت في الولايات المتحدة ومن صعود الأحزاب العمالية للسلطة في أنحاء أوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية وتأسيس دولة الرفاه، في صلة وثيقة، بطبيعة الحال وكما سبقت الاشارة، بتطور الصراع الطبقي محليا وعالميا. وهو أيضا الذي قامت على أرضه دول السلطوية الشعبوية عندنا وعند غيرنا من البلدان، ليصل حد توجيه الضربات القاسمة للبرجوازية حفاظا على الرأسمالية ولأن تحل البرجوازية البيروقراطية محلها كفئة طبقية سائدة.

تتحايل الأوليجاركية على هذا كله بروابط مباشرة بين مجموعات وكتل رأسمالية كبرى وبين البيروقراطية، وبمعنى أدق قمم جهاز الدولة، أي البرجوازية البيروقراطية. مثل هذه الروابط والاتحادات تتشكل وتفعل فعلها من وراء ظهر المجال السياسي وتخلق – بقدر استفحالها واتساع نفوذها – أمرا واقعا يحاصر ذلك المجال ويشكل قيودا صارمة على الاختيارات المتاحة أمامه. (يندر أن تجد جنرالا أمريكيا مهما لا يعلم خير العلم ان وظيفة دسمة تنتظره عند التقاعد في أحدى الشركات الكبرى التي كان يتعامل معها وهو في الخدمة). كما أن التطور الأوليجاركي لا يحاصر المجال السياسي ويحيده ويعقمه بشكل متزايد فحسب، ولكنه يفسده هو نفسه. (الزعيم العماليتوني بلير يقبض ثمن دوره البارز في تدمير العراق بتعاقدات خليجية بعشرات الملايين، والوظائف الدسمة في القطاع الخاص الأمريكي لا تقتصر على الجنرالات ولكن تشمل كبار أعضاء الكونجرس والسياسيين وكبار موظفي الدولة، بما فيهم رؤساء الدولة أنفسهم؛ وفي دولة من أكثر دول الغرب ديمقراطية، ألمانيا، يتولى رئيس الوزراء الاشتراكي الديمقراطيجيرهارد شرودر لدى تقاعده وبفضل الرئيس الروسي بوتين رئاسة مشروع خط أنابيب الغاز لشمال أوروبا، وهو الخط نفسه الذي تعاقد عليه شرودر مع بوتين إبان رئاسته للوزراء، فالأوليجاركية معولمة بطبيعة الحال).

الجميع تقريبا يقرون هذه الأيام (وبعد انتهاء حفلة نهاية التاريخالتسعينية) بأزمة الديمقراطية التمثيلية، وبأزمة السياسة، وبأزمة الأحزاب السياسية، وبإنصراف الناس عموما والشباب خصوصا عن العملية السياسية في الدول الديمقراطية، وتقدم الأرقام المتناقصة طرديا للمشاركة في الانتخابات ولعضوية الأحزاب السياسية تدليلا على تفاقم الأزمة. بل ويذهب باحثون إعلاميون إلى أن الأزمة الطاحنة التي تعيشها الصحافة المطبوعة في كل مكان لا تعود لبروز الفضاء الالكتروني المحدث ولكن لتراجع السياسة، ويربط بعضهم رقميا بين انخفاض عضوية الاحزاب السياسية والإقبال على الانتخابات في أوروبا وبين انخفاض توزيع الصحف فيها. ما لا يقر به الجميع مع ذلك هو أن هذه الأزمة وليدة استفحال الطابع الأوليجاركي للرأسمالية العالمية المعولمة في هذه المرحلة من حياتها، وما ترتب عليه بالضرورة من تهميش متزايد للمجال السياسي حيث لا فرق ذي بال بين أحمد والحاج أحمد“.

ربما كان من الطبيعي أن ينعكس انهيار الإتحاد السوفيتي ومعسكره الاشتراكيوالنهاية الفعلية لعصر التحرر الوطني عالميا (حيث لم تعد هناك قضية وطنية كبرى في عالم اليوم غير القضية الفلسطينية، وقد همشتها خدعة أوسلو)، ومشهد موجات التحويل الديمقراطي أو المقرطةفي شرق أوروبا وأمريكا اللاتينية وشرق آسيا، فضلا عن الديمومة الكؤود للاستبداد البوليسي المتوحش فيما بات الجميع يطلقون عليه صراحة الاستثناء العربي/الاسلامي، ربما كان من الطبيعي أن ينعكس هذا كله علينا بشيوع نوع من السذاجة في فهمنا لقضية الديمقراطية وتشبعه بالأوهام والأساطير الليبرالية. ومع ذلك ورغمه، فقد جاءت الثورة المصرية والثورات العربية لتقول: عيش، حرية، عدالة اجتماعية، كرامة انسانية، متجاوزة الوعي الشائع من ناحية، وغير مسلحة كفاية لتحقيق مثل هذا التجاوز من ناحية أخرى. وهذا نقاش أخر.

لم يكن الفريد في التجربة المباركية هو طابعها الأوليجاركي ولكن في طغيانه الشامل إلى حد أن ابتلع كل شئ حوله، حد أن أخضع وأعاد صياغة كافة مكونات وعناصر الدولة الرأسمالية الحديثة على صورته، وفي انه لم يُضعِف المجال السياسي ويهمشه فحسب ولكن قضى عليه قضاءً تاما، محاه من الوجود، وهو ما بدأ المصريون في ادراكه مع بزوغ الألفية الثانية والعقد الثالث لحكم مبارك وطغمته لتشيع مقولات من نوع تبويروتجريفالمجال السياسي، وأظنها لهيكل.

تعددت الأسباب والموت واحد. الكثير من العناصر ساهمت في النجاح الساحق للمباركية في تصفية المجال السياسي وصولا به لزهو خليهم يتسلوا، ولكن أهمها على الاطلاق يكمن في الخصائص المتشابكة للتشكل التاريخي للبرجوازية المصرية، ولا نعني بها مجرد طابع اقتصادها ولكن أيضا تجربتها التاريخية وطبيعة تكوينها البشري ومن ثم مكونات وخصائص وعيها بذاتها وبالدولة والمجتمع والعالم. ومن المهم في هذا الصدد أن نلفت النظر لخلط شائع وهو الميل لاختزال البرجوازية المصرية في تلك المجموعة القليلة من كبار الأوليجارك المعروفين إسما وأسرا وروابطا وبيزنس وثروة، وما خفي كان أعظم. نحن في الواقع نتحدث عن طبقة عريضة تتنوع تنوعا كبيرا في أصولها وثقافتها وأنواع نشاطها الاقتصادي وميولها الفكرية والثقافية والقيمية (ولعل أكثر هذه بروزا موقفها من الدين) تمتد من العاصمة والمدن الكبرى إلى آلاف البلدان الكبيرة والصغيرة والقرى والعزب. ولكن، ولأنها ليست شذرات أفراد يعرفون بموقعهم من علاقات الانتاج، ولكن طبقة اجتماعية تشكلت تاريخيا، فهي تمتلك وعيا مشتركا بذاتها وبمصالحها وبعلاقاتها بالآخرين، حلفاءً أو خصوم.

الخصائص الفكرية والثقافية والقيمية والأنماط السلوكية للبرجوازية المصرية تستدعي عشرات الدراسات الأنثروبولوجية المهمة وربما الممتعة، فنحن حقا إزاء طبقة سطيحة وعاملة فصيحة وجايبة العارعلى حد قول الرائع أحمد فؤاد نجم. ولكن موضوعنا هنا هو علاقتها بالسياسة وبالدولة. ولعلي ألاحظ بداية مظهرا طالما أثار حيرتي، وهو افتقاد البرجوازية المصرية شبه التام لما يطلق عليه بالانجليزية الـ civic spirit، أو الروح المدنية (ومدنية هنا ليست مرادفة لعلمانية، وهو مصطلح التقيةالذي اقتحم حياتنا مؤخرا تجنبا لكلمة علمانيةوالعياذ بالله). الروح المدنية هنا تعني الحد الأدنى من ادراك المواطن لأن مصالحه الخاصة تقتضي درجة من الاهتمام بما حوله سواء في مجتمعه المحلي أو في المجتمع ككل، أي أن لا يكتفي مثلا بأن يكون مسكنه حلوا مريحا به لمسة من جمال قدر استطاعته وتبعا لذوقه الجمالي، ولكن أن يكون شارعه والحي الذي يقطنه كذلك. البرجوازيون المصريون يتنافسون على عدد وحجم وفخامة ما يمتلكنه من فيلات شتوية وصيفية، ولا يضيرهم أن تحيطها أكوام القمامة والشوارع المهشمة من كل جانب. هي نفسية ست البيتالتي تحرص كل الحرص على أن تحافظ على بيتها نظيفا لامعا وتلقي بالمياه الوسخة وربما القمامة من الشباك على الشارع أسفل الدار.

مثال طالما أذهلني هو حي الزمالك. جزيرة لا تكاد تحوي غير البرجوازيين القدامى منهم والمحدثين وخدمهم، ومع ذلك تهدم الأبنية القديمة الجميلة أو تترك لتتآكل وتنهار حتى يشيد مكانها المولات والعمارات الشاهقة متنافسة في قبحها وفي افسادها الهواء واعاقتها المرور؛ القمامة والشوارع المهدمة في كل مكان، ولكن لا ينتفض أهل الحي احتجاجا إلا حين تطرح الحكومة مشروعا لإقامة محطة لمترو الأنفاق في وسطهم، فلا مانع عندهم من احتمال الاختناق المروري المروع وفساد الهواء من عوادم أرتال السيارات طالما يقفل الطريق ولو جزئيا على قدوم الرعاع“.

قصة حي الزمالك تكاد تلخص علاقة البرجوازية المصرية بالمجال السياسي وبدولتها: الحماية من الرعاع، وصفقات البيزنس منتهى طموحها المدني، أما القمامة وما عداها من أمور تتعلق بالحي أو المدينة أو الوطن فقد اعتادت ترك العيش لخبازينه” – أي الدولة، وبالأحرى القائمين عليها.

ولكن للقصة ملحق، وهو الهروب للمجمعات السكنية المسورة والمحاطة بشرطة مخصخصة يملكها ويديرها كبار رجال شرطة متقاعدون، مجمعات لا يطرقها من الرعاعغير الخدم تحت أعين رجال الأمن الخاص والعام، أما قاهرة المعز وحضارة الـ7000 سنة فلتترك تتهاوى على سكانها والاستثمار العقاري يعلو على الميراث الحضاري (فالسياحة مضروبة وسواح اليوم يفضلون الشواطئ على الأثار).

المهم هو البيزنس والأمان.

لقراءة الجزء الأول من المقال
لقراءة الجزء الثاني من المقال

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

اضطهاد الأقباط: دعوة للنقاش من أجل المواجهة يعني هذا المقال بمحاولة تفسير وتوصيف الطائفية في المجتمع المصري، انطلاقا من مفهوم المواطنة كمشروع سياسي، يضمن المساواة التامة لجميع المواطنين في الحقوق .والواجبات بغض النظر عن المعتقد أو الطائفة، وبغض النظر عن الجنس أو العرق أو اختيارات المواطنين في حياتهم الشخصية

رامي صبري

الفصل التاسع من كتاب (الاقتصاد المصري في القرن الحادي والعشرين) يستعرض هذا الفصل أهم الدراسات والبيانات التي تعطي صورة أفضل عن شرائح أغنى الأغنياء في مصر. كما يعرض لأهم السياسات التي تبنتها الحكومات المصرية خلال القرن الحادي والعشرين (ومن قبل ذلك أحيانا)، والتي عادة ما تؤدي من ناحية إلى تزايد تركز الدخل والثروة في يد أقلية من المواطنين، ومن ناحية أخرى إلى دفع المزيد من المواطنين إلى ما دون خط الفقر. أي زيادة حدة اللا مساواة.

سلمى حسين

تجربة محمد منير بين انتفاضتي (يناير “1977 و2011”) ما قدمه منير من أغنيات يمكن وصفها بالحب التقدمي أو واقعة تحت سيطرة حالة شجن رهيبة ظلت تصل ما ساد بعد نكسة يونية، هي نتاج موهبة شعراء وملحنين مثلما حدث مع عبد الحليم حافظ في تجربته، ولكن هذه المرة ممزوجة بطعم الشعور بالمرارة والإحباط حتى لو كانت تتوق للحلم والآتي.

أيمن عبد المعطي