قراءات في ثورة يناير 2011:

آفاق وحدود البديل السياسي والصراع على السلطة

سجالات

05  مارس  2017

أين البديل؟ كان أحد الأسئلة المركزية للضغط على ثوار يناير وترسيخ العجز والعوار في قدرة الثورة على تحقيق شعارتها وما طرحت من أحلام. إلا أن المشكلة لم تكن في وجود نخبة عاجزة عن طرح بديل، بل في وجود نخبة عاجزة عن خوض صراع حقيقي وعنيف حول السلطة وأسئلتها المختلفة. ولعل أبرز مثال على ذلك هو الشكل الهش من القيادة الذي جسده البرادعي. فقد أتيحت للرجل كل المقومات المطلوبة لخوض صراع على السلطة: مجموعات شبابية تتنوع بين الطبقة الوسطى العليا والدنيا، قادرة على الاشتباك والصمود في وجه ماكينة الدولة وآليات القمع، وحتى بعض الشرائح البرجوازية، غطاء دولي وترحيب به، إمكانيات مالية، وفرصة سياسية تاريخية حيث انهيار النظام السياسي لمبارك وسقوط جانب كبير من الدولة (هزيمة الداخلية المصرية في 28 يناير) وارتباك مؤسسة الجيش. إلا أن البرادعي آثر النضال القانوني والدستوري في أوج المخاض الثوري والتغيير الاجتماعي الضخم في مصر، وكانت معركته تتجسد في “الدستور أولاً”.

ويمكن القول بوجود محاولة للهروب حتى داخل أروقة الثورة من مساءلة السلطة في العمق، والاكتفاء بشعارات كثيراً ما كانت معلَّبة ولا ترقى لاحتدام الصراع السياسي والاجتماعي، مثل الشفافية، والإجراءات، والديموقراطية. وكان النَفَس الإصلاحي والتقهقري هو أحد المعوقات أمام خلق بديل، لأنه لا يوجد بديل بدون صراع وتصادم مع التشكيلة الاجتماعية للسلطة وطبيعة الدولة. هذا بالتأكيد لا يعني تمجيد النزعات الراديكالية الطفولية والتصادمية، والتي قادت هي الأخرى إلى حالة من الاستنماء الثوري تجسد إما في الهوس بالحشد الجماهيري بلا هدف أو رؤية لهذا الاستدعاء الشعبي، أو في إلقاء بعض الحجارة على قوات الأمن مثلما تجسد في ذكرى محمد محمود الثانية وأحداث سيمون بوليفار.

الديموقراطية هي الحل!

وفي أثناء الثمانية عشر يوماً بميدان التحرير، ساد اعتقاد وتصور مفاده أن كل شيء قابل للإصلاح السريع، وأن جل ما تحتاجه الثورة هو إزاحة النظام السياسي المتجسد في مبارك وأسرته والحزب الوطني. وحدث انقسام كبير بين حركة النخبة والقوى السياسية، وبين حركة الشارع. فالأولى كانت تواجه بنية السلطة والدولة بشكل مباشر في الشارع ولكن دونما أي وجود لأفق سياسي ومحاولة جادة للاستحواذ على السلطة أو طرح أسئلة حول ما سوف يسفر عنه غيابها. وتجلى ذلك بشدة في اختيار المعارك. فالنخب من كل التيارات اختارت معركة الدستور والعلمانية مباشرة بعد خلع مبارك، بينما خاض بعض شباب الثورة معركة شرسة ضد أمن الدولة بالإسكندرية في 33 آذار/مارس وانتقلت شرارتها إلى القاهرة وعدة أماكن أخرى.

إلا أن كلّاً من النخب والحركات الثورية لم يقم بتحديد مستويات الصراع بشكل جيد، وكان هناك تصور فضفاض حول الديموقراطية الإجرائية كحل سحري وبديل لنظام مبارك الذي اتسم بطابع سلطوي غير شمولي. بدءاً من هذه اللحظة أُخذت الثورة إلى متاهة السياسة كلعبة إجرائية، وبالفعل استنزفت طاقات وجهود كبيرة لمحاولة إيجاد تمويل لتأسيس أحزاب سياسية قادرة على خوض الصراع الانتخابي خوفاً من استيلاء الإسلاميين أو فلول النظام القديم على البرلمان. هنا توقف الصراع الجاد ضد السلطة والدولة وكيفية إزاحة الحكم القديم لصالح صراع بين القوى السياسية على مساحة ضيقة يجسدها البرلمان.. بل حتى لم يجتهد أحد في التصدي لسؤاليّ كيف كنا نُحكم، وكيف نريد أن نُحكم (صلب تكوين البديل الاجتماعي والسياسي).

وظلّت منظومة السلطة قادرة على التمترس في أهم خطوطها وهي احتكار معرفة إدارة المجتمع، وأين تقع أوصال الحكم ومع من وكيف. فمثلاً نحن نعلم أننا دولة أمنية ولكن لا نعلم كيف تعمل هذه الماكينة علينا، وكيف تُدار. ولم تنجح الإنتلجنسيا المصرية في تحطيم أسوار الدولة التي تغلف تاريخ مصر كي نعرف ماذا حدث ومن كان مسؤولاً عن ماذا. لقد نجحت السلطة بالكلية، بقيادة المجلس العسكري آنذاك، في تحويل الثورة عن المسار الجذري، وقطع الطريق على محاولات تكوين بديل اجتماعي وسياسي سواء للحكم المدني أو للنخبة العسكرية، أو إزاحة الدولة البوليسية وتحالفها مع النيوليبرالية في أواخر عصر مبارك.

وهم البديل الجاهز

تاريخياً، لا يوجد نموذج بديل فوري، باكتماله وطرح تطبيقه تتم إزاحة السلطة القديمة وأفرادها. فمثلاً، تؤكد أديبات دراسة الثورات أن الإيدولوجيا والبرامج السياسية لا تلعب دوراً رئيسياً في مرحلة الثورة نفسها ولكن تأتي كتأطير للثورة في مرحلة لاحقة وإضفاء معنى على الحدث. بينما يقع الفارق الحقيقي في إمكانية مجموعة ما أو نخبة ما من خوض الصراع مع المجتمع وتنظيمه لإزاحة السلطة القديمة وانتزاع حقوقه لا المطالبة بها.

إلا أن الإطار الإيديولوجي مهم في طرح فكرة ملهمة على المجتمع ليتحرك في أفقها. بمعنى ليس المطلوب بناء إيديولوجية كاملة وبديلة قابلة للتطبيق الفوري، ولكن هناك احتياج لطرح موضوع يملأ الخواء الذي يتخلف عن المعركة التصادمية مع النظام والدولة ويكون قادراً على رسم خط لصراع من شأنه الشروع في بناء البديل. فمثلاً شعار الثورة الفرنسية “الحرية والمساواة والأخوة” كان بمثابة تصور لعالم جديد. كان شعار الثورة المصرية هو الآخر قادر على هذا، ولكنه أولاً تقهقر إلى المطالبة، ثانياً تراجع إلى هوس الحل الديموقراطي على حساب الصراع السياسي والاجتماعي. وبما أن الثورة أعلنت الحرب على منظومة السلطة كاملة في وقت مبكر، لم تكن الحركات الثورية على إدراك بعواقب إعلان حرب كهذا. فالثورة أعلنت صراعاً مفتوحاً، ولأول مرة في تاريخ مصر الحديث، من أجل الحرية بمعناها الواسع وهو ما أدى إلى الصدام مع العسكر وأجهزة الأمن والمنظومة الأبوية والحركات الإسلامية والشرائح المحافظة من البرجوازية والطبقة الوسطى، وكذلك التصادم القيمي مع وجهاء الريف والدلتا والصعيد. كما أن الثورة لوّحت بالحرب أيضاً على الظلم الاجتماعي والاقتصادي من دون أن تحدد مفاصله والقطاعات التي يجب محاربتها. وبالتالي ناصبت الثورة الحرب لعدو لم تحدده بينما يستطيع العدو أن يحدد الثورة والثوار بشكل واضح. وهكذا لم تعلن مثلاً أيّ من العائلات الكبرى في مصر مناصرة الثورة مثلما حدث في ثورة 1919 أو حتى في الثورة العرابية، ولم يحمل لواء الثورة المصرية شرائح من التجار أو الحرفيين، ولم تحاول الثورة استمالة كوادر من الأجهزة الأمنية واكتفت بمطالبتهم أخلاقياً بكف الأذى عن الثوار.

ثورة بلا وعد وبلا خريطة

لم ترسل الثورة أي رسائل للقطاعات الجغرافية المهمشة مثل سيناء والإقليم الغربي والواحات (سيوة..) أو النوبة، وهذا بسبب غياب التصور المادي لحدة الصراع وتحديد مَنْ هي الأطراف التي يمكن أن تخوض المعركة الثورية بشكل شرس ويكون لها القدرة (والحاجة) لاستكمال الحرب ضد النظام. غاب عن أفق الثوار الصراع المادي كجوهر للعملية السياسية، وتراجع الثوار إلى مطلب الديموقراطية كحل تمثيلي لهذه الجماعات من شأنه أن يقوم بإصلاح أوضاعها في المستقبل. لم تقم الثورة ببناء وعد سياسي واجتماعي مادي ليكون حافزاً حقيقياً لجذب قطاعات واسعة للمعركة مثل إعادة توزيع الأرض أو عودة النوبيين إلى قراهم أو تدمير الشبكات الزبونية لمصلحة قطاعات جديدة من أبناء الأحياء الشعبية أو المحافظات.

وبدلاً من الكشف عن خرائط الصراع اكتفى الثّوار ببعث مندوبين لهم في بعض المحافظات في مراسم احتفالية للحديث عن عظمة ونقاء ثورة يناير، أو لإلقاء بعض الندوات أثار بعضها الضيق، وهي تركزت على تناول عدم سقوط النظام بالكلية وأنه علينا مواصلة المزيد من الحشد والاحتجاج حتى نسقط النظام… فمثلاً لم يعتن ثوار الإسكندرية بالإقليم الشمالي الذي يمتد حتى الكيلو 60 على طريق الساحل أو الإقليم الغربي الذي يمتد من الضبعة حتى مرسى مطروح، أو حتى لم يلتفتوا لسؤال البلطجة والاقتصاد السياسي للجريمة، فكان هناك تصور يساري ساذج يرى أنه بمجرد سقوط النظام ستكمل الجماهير الغفيرة مسيرة الثورة وتهدم آخر أركانه.

كان من الممكن استبعاد هذه الدوائر من الصراع لو أن التجربة بعد شهورها الأولى أثبتت أنها ثورة سياسية فقط تسعى لإعتاق النظام من القيود القمعية والسياسية المفروضة عليه. ولكن المشكلة الأكبر كانت في النظام الاجتماعي وطبيعة الحكم والدولة في مصر. فقط نموذج الثورات أو التمردات التي تقوم ضد نظم سميت “نيو باتريمونيالية” (neo patrimonial)، (أي الأنظمة التي تظهر واجهتها وجود مؤسسات دولتية “موضوعية” لكنها تقوم فعلياً على ركائز تقليدية مثل الولاءات القبلية أو شبكات الزبائنية) هي التي يمكن أن تكتفي بالديموقراطية ومكافحة الفساد كحل. وتختفي أهمية السؤال والإيدولوجيا في هذه التمردات لأن الهدف المركزي منها يكون مجرد إطاحة شخص أو مجموعات أشخاص بعينهم ولا تكون ثورات معنية بتغير الأنظمة وتركيبة السلطة والواقع الاجتماعي.
الحالة المصرية، بما تطرحه من خواء مخيف نعيشه في هذه اللحظة، يعيد الاعتبار لمسائل الأفكار وتحديد الصراع ومساءلة السلطة والأبنية الحاكمة.. هذا إذا أردنا حقاً أخذ سؤال البديل بجدية. كما أن تجربة السنوات الخمس الأخيرة تفضح زيف سؤال البديل الجاهز، حيث قدمت بالفعل مئات إن لم يكن آلاف المشاريع والبرامج الإصلاحية، مشاريع صغيرة ومشاريع عملاقة لمعالجة كل الأزمات من الطاقة إلى الصحة.

العداء للتنظير وعدم بلورة محاور الصراع

أعاق العداء الطفولي للتنظير إمكانية خلق استجابات جادة لما كشفت عنه الثورة من وضع أثبتت سنوات النضال أنه يتخطى إزاحة رأس السلطة كي ترى مصر تغيراً عميقاً للحياة. كان هناك استسهال في افتراض امتلاك معرفة بالمجتمع، وكان قطاع كبير من النّشطاء يكتفي بترديد أننا بمواجهة “دولة ديكتاتورية”، أو بإدانة الداخلية بسبب التعذيب والعنف، وليس مساءلتها عن الإدارة والحكم. وكذلك الحال حينما انتقل الصراع إلى التّصادم مع العسكر والإسلاميين. ونحن هنا نتحدث عن أبنية عميقة وممتدة داخل أنسجة المجتمع المصري وتقوم بأدوار ووظائف عديدة لا يمكن الاكتفاء بشعارات في الصراع ضدها. بالأخص أنه بعد سقوط الداخلية في خضم الحدث الثوري، كان يجب التنبه إلى أن الحواجز التي كانت تحول دون الصراع الاجتماعي سقطت وأننا على أعتاب لحظة مواجهة شاملة.

في حقيقة الأمر: المواجهة الثورية وقعت بالفعل ولكن على مستوى أخلاقي، وليس على أسس مادية، وهو ما جسده أحد أهم شعارات الثورة: “يسقط كل من خان، عسكر فلول إخوان”. والخيانة كانت تصلح كغطاء ومركز لصراع أخلاقي ولكنها ليست كافية لصراع على الحكم وحول السلطة.

نشر هذا المقال بموقع السفير العربي بتاربخ 3 مارس 2016

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

من يناير إلى يوليو: قراءة في ثورة ودولة يوليو بمناسبة مرور ٦٥ عامًا على انقلاب الضباط الأحرار(١) اندفع قادة الثورة يضربون ذات اليمين وذات اليسارببراجماتية عملية يحركها تطور الأحداث. لم تكن القضية لديهم هي التحالف الاستراتيجي مع هذا وضد ذاك، بقدر ما كانت تغييب المجال السياسي في مجمله باعتباره عقبة أمام التعبئة الشعبوية المطلوبة لإحداث قفزة التراكم المستقل المطلوبة للبزوغ على ساحة التنافس العالمي.

تامر وجيه

اضطهاد الأقباط: دعوة للنقاش من أجل المواجهة المسيحيون يقتلون ويهجرون ويهاجرون طلبا للنجاة من القتل والترويع والاضطهاد في مصر وفلسطين المحتلة وسوريا والعراق، بل ولبنان نفسه. فما العمل؟ هذه دعوة ملحة من أسرة تحرير "بالأحمر" للتدبر والحوار حول المذبحة الجارية والكارثة المحدقة وكيفية المواجهة

بالأحمر

ثورة بغير منظمات ثورية، وسياسة بلا أحزاب سياسية… محاولة نحو فك اللغز المصري (5) شهدت الثورة المصرية اللحظة الرابعة لبزوغ مجال سياسي حي وحيوي من شأنه أن يفتح آفاقا واسعة، رحبة لتطور ديمقراطي غير مسبوق في تاريخنا الحديث كله، مجال سياسي يصنع صنعا في الشوارع والميداين، يصنعه فقراء الوطن وكادحيه في مواجهة صريحة وضارية مع البرجوازية المصرية ودولتها.

هاني شكر الله

قراءات في ثورة يناير 2011: يناير كانت السؤال الذي أُخذ بخفة مقابل ما طرحه من أسئلة حاسمة وعاجلة وعميقة، ويوليو كانت العقاب على عدم الإجابة.

محمد نعيم