قراءات في ثورة يناير 2011:

يناير… وقرع الطبول في وضح النهار

سجالات

05  مارس  2017

في العرض الأول لمسرحية الكاتب المسرحي والشاعر الألماني الشهير برتولد بريخت “قرع الطبول ليلا”- والتي عرضت في “كارفان” أصر الكاتب على أن ترفع لافتة على أعلى المسرح بعنوان “رجاءً لا تشاهدوا بمثل تلك الرومانسية!”

المسرحية عبارة عن حكاية جندي ألماني يفاجأ بعد عودته من الحرب العالمية الأولى أن خطيبته قد ارتبطت بأحد أبناء البرجوازية الألمانية.. قصة حب تتقاطع فيها سياقات اجتماعية عديدة وأحداث سريعة متتالية. إذ بعد عودة الجندي الشاب في عام 1919، تقوم ثورة عارمة في ألمانيا، حيث يتوجه الجميع نحو حي الصحف ويتم حرق كل شيء. كانت ألمانيا بعد خسارتها في الحرب العالمية الأولى عرضة لتفسخ اجتماعي رهيب أنتج بعد عشر سنوات “الرايخ الثالث”.. كانت النازية هي نهاية ثورة تآمر عليها الجميع بما فيهم القوى الإصلاحية. تلك الثورة المهزومة في 1919 أنتجت النازية، لذلك “رجاءً لا تثوروا بمثل تلك الرومانسية”.

“أوديستنا” التي لم يعد يكترث بها أحدٌ سوانا

لسوء الحظ لم أعش تلك اللحظة المتجلية لانتصار يناير في الحادي عشر من فبراير، عندما وقف عمر سليمان مدركا أن الملايين التي تقف في الشارع لا يمكن بأي حال من الأحوال احتواءها سوى بإعلان تنحي مبارك. لم أكن أدرك في ذلك الحين الفارق بين الدولة والنظام السياسي. كانت يناير هي اللحظة الفارقة في الوعي السياسي للملايين وكنت أنا واحدا منهم.

في علم النفس يعتبر الوعي ممارسيا في المقام الأول، حتى أنه يُشكِل في مرحلة الطفولة مكونا هاما وأساسيا في تكوين النمط العقلي الذي ينمو عليه الطفل. كانت يناير بمثابة “الأسرة” التي تربى فيها أطفال سياسيون كثيرون من خلال شعارات مثل “يسقط حكم العسكر”… “يسقط حكم المرشد”… “الداخلية بلطجية”، وحتى تلك التي خرجت عن سياق اجتماعي محافظ لتسب وتلعن في أشخاص ومؤسسات الدولة واحدة تلو الأخرى. كنا نعرف منذ اللحظة الأولى أن هؤلاء هم العدو، من يطلق الغاز عليك في مظاهرة لا يمكن إلا أن يكون عدوا، من يبرر لقتلك على شاشات التلفزيون لابد أن يكون عدوك، حتى أن البعض شملت مساحة الاستعداء لديهم النطاق الأضيق والأكثر أمنا بحكم المجتمع المصري التقليدي وهو الأسرة، كانت هناك دعوات انتشرت على نطاق واسع بأن يسرق الشباب “بطاقات الهوية” لآبائهم حتى لا ينتخبوا شفيق.

كما انتصار لحظي لجنود استطاعوا أن يجتاحوا نقطة حصينة للعدو، شعرنا بأننا الأقوى. كنا نطلق النيران في كل ناحية، لم ندرك حتى أن رصاصنا محدود. كان التكتيك ينقصنا جميعا. لم أكن شخصيا أعرف “وماذا بعد”؟! وأكاد أجزم أن أحدا لم يكن يعلم وقتها كيف يدير معركة واحدة صحيحة. كانت لحظة التنحي هي لحظة الانتصار، أعقبها شعور فارغ بالقوة مع العجز المرتبك، الذي يحاول فقط أن يدافع عن مساحات اكتسبها دون أن يتقدم خطوة واحدة للأمام.

لم أعش لحظة الانتصار، مع ذلك ظللت أنتظرها. في تيه الوهم بتلك الانتصارات الصغيرة، كنا نتوهم أنها أكبر. حاولنا أن نقنع أنفسنا بأنه لا يمكن أن نخسر بعد هذا المكسب. أزحنا مبارك، ووقفنا ننتظر مبارك أخر نزيحه!. تتوالى الهزائم بينما تشتد عزائمنا. مع كل شهيد يسقط كنا نعرف أننا حتما سوف ننتصر، في”محمد محمود”، و”مجلس الوزراء”، و”الاتحادية”، وغيرها كثير.

يميز (جاك دريدا) بين مفهومي القاعدة والاستثناء في القانون الطبيعي ومن ثم في الممارسة السياسية، في محاولة منه لتبيان كيف تتحول المكونات المادية للعالم إلى مخرجات غير مادية “أفكار بالمقام الأول”، حيث أنه من أجل أن نصل إلى “عتبة الوعي” أو “الأثر المبدئي” تلعب مكونات الواقع المادي الأولية دورا هاما في صياغة الأفكار. لا يمكن مثلا أن يصيب “ضابط العيون” صديقك لتخرج بعدها تطالب بأن يتم اعتبار عمليات القتل التعسفي التي تقوم بها الداخلية مجرد “حالات فردية”. من هنا تنشأ صياغة متضادة أكثر عمقا وأكثر وعيا بموقعها، حيث تصبح الأشياء في صورة حدية، إما دولة أو ثورة، أو ثورة وثورة مضادة، أو إصلاحيون وثوريون، أو تقدميون ورجعيون.

كانت الأمور تبدو حدية جدا بالنسبة لي في تلك الفترة: لا يوجد مكان للمساحة الرمادية.لا يمكن أن نقدم تنازلات مبدئية في تلك اللحظات. وهنا نحتاج لأن نتعرف على هؤلاء الذين لم يقدموا تنازلات، هؤلاء الذين كانت يناير بمثابة لحظتهم الخاصة، طفولتهم التي تربوا على شعاراتها، الذين خرجوا ليسبوا ويلعنوا الدولة وكل مكوناتها على كل شاكلة كانت.

ثورة تنتحر وحيده في الميدان

لا يمكن فهم تبعات السقطات المتتالية التي وقع فيها الفاعلون السياسيون، خاصة على جانب الثورة والمدنية والديمقراطية، بدون تقديم نقد ذاتي للأشخاص والحركات التي ارتكبت تلك الأخطاء التي دفعت الدولة لأن تحتل مساحات لم تكن تحلم أن تعيد سيطرتها عليها.

في البدء علينا إعادة تعريف الفاعل السياسي، أو ما يسمى في السياسة الحديثة بالذات السياسية، وهو مصطلح أوسع يشمل كل المهتمين بالشأن العام والذين تتيح لهم عملية جدل الأفكار في المجال العام إمكانية صقل مهارتهم الأيديولوجية والسياسية وبالتالي في ممارسة.

الافتراض هو أن ما يربو على 60% من المحتجين الأوائل في يناير 2011 كانوا شبابا يتراوح سنهم بين الـ18 وال35 عاما. يشكل هذا المجموع ما يسمى بالمجال العام النشط. هم الذوات السياسية التي تتراوح بين تيارات رجعية بالمجمل كجماعات الإسلام السياسي- في القاع من تلك الذات السياسية تقبع التصورات الفردية حول السياسة، حول الانتماء القومي الواحد، القيم المشتركة، النازع الديني، والهوية بتعريفها الاجتماعي الأوسع – وبين من هم على هوامش الرجعية كالإخوان المسلمين، أو أصحاب المزاج المحافظ والذين ينتمون لعموم الطبقة الوسطى المصرية التي كانت منذ لحظة نشأتها الأولى محافظة بطبعها. هؤلاء الـ60% لازالت الأكثرية منهم حتى يومنا هذا تحمل نفس الأفكار القديمة عن كيفية تنظيم المجتمع بدولة فوقية، يمتلكون نفس الخيالات عن القومية الواحدة سواء كانت إسلامية أو عربية. هم جماعات مُتخيلة متحققة ماديا، تظهر في نقاشات المجال العام الأكثر جذرية حول التحرش والحرية الجنسية وخدش الحياء وكل هذه النقاشات التي جعلت كثيرين يخرجون من معسكر التقدمية نحو الرجعية بكامل إرادتهم.. النسبة الأقل من هؤلاء هم من جعلتهم يناير يتشككون في المنظومات الفكرية الجمعية المحافظة للمجتمع أو حتى جعلتهم يرتبكون حول تلك المنظومات. هنا تتم صياغة معادلة من نوع أخر؛ فثنائية الدولة والمجتمع لا تصلح في مثل تلك الحالة، التي الآن أصبحت أكثر رمادية، وواقعها الرمادي يفرض على الجميع التعامل معه. أصبحت المعادلة دولة مجموعها رجعى ومجتمع مجموعه رجعى يحاول أن ينتزع مساحات اقتصادية واجتماعية من الدولة الرجعية. لا يمكن تصنيف تلك الحالة في يناير بأنها ثورة برجوازية ديمقراطية كما في أدبيات الماركسية. لا يمكن إطلاق أي توصيف آخر عليها سوى أنها “يناير”. بل لا أعتقد حتى أنه يجب محاولة تصنيفها من الأساس.

تركزت معظم الأخطاء التي وقع فيها الجمع الثوري ليس فقط في قدرته المحدودة على بناء مجال عام غير مركزي، غير مرتبط بالإشكاليات التي تطرحها الدولة، وغير مرتبط بالأسس المحافظة لنشأته، بل تركزت أيضا في حالات متعمدة من الخطأ المتكرر الذى يمكن وصفة بالسذاجة السياسية في معظم الأحيان. “السياسية” هنا تحيل الأمر لواقع ممارسي حيث يسعى الجميع للوصول للسلطة، حيث لا مجال للتبرؤ من حلم الوصول للسلطة، حيث لا مكان لمقولات ساذجة على غرار “الشباب الثوري النقي الذي لا يسعى للوصول للسلطة”. لا مجال أن نقف نشهر أصابع متوعدة لا تحمل أي أمل. ففي النهاية سوف تُقطع هذه الأصابع ولن تستطيع لاحقا أن تتوعد بأي شيء.

ربما كانت اللحظة الأكثر تجليا لتلك الحالة هي انتخابات مجلس الشعب الأولى والتي أدارت فيها القوى المدنية والديمقراطية العملية بمنطق أكثر انهزامية مما كانت تبدو عليه. كانت التبريرات جاهزة حتى قبل العملية الانتخابية: “لا يمكن أن ننتصر على تنظيم قوى قاعدي بحجم الإخوان المسلمين”، أو “الإخوان يستخدمون الدين” ..الخ، ليتضح في النهاية أن الإخوان ليسوا كما يشاع عنهم وليسوا كما تصورناهم يومها.

سفر الخروج من حالة العدمية السياسية

يتمثل أحد أهم مخرجات الثورة في هذا الكم من الشباب والفاعلين السياسيين الذين ينتمون عموما لطبقات وسطى دنيا أو وسطى أو حتى لأصول فلاحيه في ريف مصر، الذي طالما كان عاملا غير جوهري في أي نقاش حول المجال العام المصري منذ 1919. أصيبت تلك الكتلة من الفاعلين بالارتباك بشأن مفاهيم كانت راسخة طيلة عقود في الخيال السياسي المصري حول الدولة الأبوية، والدولة التي ترعى مواطنيها مقابل أن تسلب منهم حريات سياسية واجتماعية، ربما بفعل الضغوطات الاقتصادية المتزايدة التي تتعرض لها المراكز الحضرية والريفية وأيضا الطبقات المختلفة وهوامشها. فالعامل الاقتصادي يلعب هنا دورا هاما في تشكيل رؤية تلك الذوات السياسية لأنفسها في المجال العام، وتصنيفها لنقاشاتها على هامش الدولة. بالطبع تتم العملية بقدر كبير من البطء وبقدر كبير من الارتباك. فلم تتمكن “يناير”، رغم الزلزال الذي أحدثته في السياسة المصرية، من التخلص من البيئة الآسنة التي نمت فيها التيارات السياسية الرئيسية في ما تلا يوليو 52، حيث اتجهت الدولة لتأميم المجال العام بل لتأميم المجتمع ككل، عن طريق فرض سيطرتها على مؤسسات صناعه الخطابات المختلفة سواء الدينية أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو حتى السياسية فلم تعرف مصر حياة حزبية يمكن أن توصف بأنها حياه من الأساس.

لكن يظل الارتباك مقدمة هامة لتفكيك تلك الدرزينة من المفاهيم والضلالات والخيالات السلطوية لدى جموع الثوريين في مصر، وحتى لدى المجتمع ككل. فلم يعد التساؤل عن دور الجيش الاقتصادي، ورواتب الضباط من بين المحرمات في المجتمع المصري. الجميع تحت الضغوط الاقتصادية يجب أن يتساءل، والضغوط الاقتصادية، رغم التبريرات المختلفة للدولة، توجه دفة التساؤلات نحو الدولة نفسها.

يمثل النقد الذاتي في نظري أحد أهم تلك المكونات التفاعلية التي يمكن من خلالها بناء طرح قوى ومتماسك حول الامكانات النضالية في المرحلة القادمة. وهنا أريد الإحالة لمقال محمد نعيم المنشور في مدى مصر بتاريخ 18 أكتوبر 2016 بعنوان (أشباح يناير التي تنتظر النقد الذاتي) وإن كنت أمتلك بعد الملاحظات حول المقال الذى يعتبر عملية النقد الذاتي هو أقل العمليات حظا في الممارسة الفعلية بين الفاعلين السياسيين في الثورة المصري طيلة 7 سنوات منذ انتفاضة يناير. تتركز ملاحظاتي حول الطرح الذي قدمه نعيم في مقالة حول النظر للنقد الذاتي باعتباره عملية منظمة، أي تقع في فضاء التنظيمات السياسية أكثر منها في فضاء الفاعلين المستقلين في الثورة. يبقى الأهم بجانب تقديم هذا النقد الذاتي هو الوعي بالموقع الثوري. بمعنى آخر، يمثل الوعي بالموقع الثوري الذي يجب تصنيفه بحسب تلك الدرزينة من الأفكار التي أنتجتها يناير على المستوى الفردي والجماعي، والتي تمثلت في النقاشات الممتدة على جانبي المجال العام حول الحرية والديمقراطية والتوافق الاجتماعي وأيضا حول أفكار ثقافية وأفكار دينية ناقدة للمؤسساتية الدينية الدولاتية مثلا.

لقد أنتجت “يناير” الكثير من وجهة نظري. نحن فقط بحاجة لإعادة قراءتها على أنها بداية لحالة صيرورة ثورية مستمرة طالما استمرت أسباب وجودها – بحسب تعبير المفكر السوري جلبير الأشقر-والتي يمكن أن نجمل أسباب وجودها بعيدا عن تبسيط مخل في مطالبها (عيش – حرية – عدالة اجتماعية).

فطالما لم تتحقق تلك المطالب طالما استمرت تلك الصيرورة الثورية.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

الشيطان يعظ يقولون لك "وكيف نطلب أن يكون هناك سياسي في ظل نظام مستبد وقامع مثل هذا؟! السياسة ابنة المجال الحر". تقبل منطقهم وترد عليه "اذن اكسروا مثل هذا النظام، ثوروا عليه.” سيصرخون في وجهك "مزايدة!”.

محمد علاء الدين

عندما تصبح الصورة بألف كذبة احتلت الصورة الفوتوغرافية - لمدة 150 سنة من تاريخها وحتى الثمانينيات من القرن الماضي - منصب الحقيقة المطلقة. ولكن في أيامنا هذه، ومنذ 25 سنة تقريبا، صرنا نعيش في عصر الصورة المركبة، صورة علاقتها بالواقع غامضة ومقصود غموضها ويمكن أن تكون في أيادي فنانين لتقدم أمثلة راقية من الجمال والتفكير والعمق البشري، ويمكن أيضا أن تكون في أيادي السلطات القمعية - أي ليكون دورها تسهيل مزيد من السيطرة والقمع.

ياسر علوان

ثورة بغير منظمات ثورية، وسياسة بلا أحزاب سياسية… محاولة نحو فك اللغز المصري (4) أربع لحظات فاصلة في مسار الصراع السياسي والاجتماعي في بلادنا تتميز بالسمة الجوهرية نفسها: البرجوازية تتخلى عن الحكم من خلال المجال السياسي ذعرا من الحركة المستقلة للجماهير الشعبية، بينما تلك الحركة تمتلك من القوة ما يثير الذعر في صفوف البرجوازية ودولتها، لكنها تبقى أضعف من أن تفرض نفسها على المجال السياسي الرسمي وتجبر البرجوازية إجبارا على الحكم من خلاله.

هاني شكر الله

اضطهاد الأقباط: دعوة للنقاش من أجل المواجهة في التحليل الأخير، التمحور حول الأمن هو تمحور حول هيمنة الدولة البوليسية وإن أخذت طابعا حداثيا في آليات الحكم، ولكنها تجهز على فكرة الحرية والمساواة ومن ثم فكرة المواطنة والحقوق.

علي الرجال

موازنة مصر 2018.. الاقتصاد في خدمة الدائنين في مقابل كل جنيه ستنفقه الحكومة على الاستثمارات العامة، التي تستشعر آثارها عزيزي المواطن في خدمات مثل التعليم والصحة وغيرها، ستمنح الحكومة ثلاثة جنيهات أو أكثر قليلا لدائنيها، هذه هي الحقيقة التي تُظهرها بيانات مشروع الموازنة العامة 2017-2018.

محمد جاد