الشريعة في دساتير ما بعد ثورة يناير…

إعادة الجدل بشأن أسئلة الإسلام والسيادة والسلطة (2)

قضايا

26  فبراير  2017

التحول للتقنين الوضعي و”علمنة الشريعة”:

أخذًا في الاعتبار هذه الخلفية، كانت تحولات الربع الأخير من القرن التاسع عشر بمثابة تفكيكًا كاملًا لهذا النسق المفاهيمي المغلق وتأسيسًا لنمط جديد لممارسة السيادة والسلطة وإعادة مفصلة الشريعة مع عدد مختلف تمامًا من المفاهيم والممارسات. انتهت حركة التقنين الوضعي في مصر بعد تجارب عدّة إلى النسخ المباشر من المصادر الفرنسية أو الإيطالية كما هو الحال في القانون المدني الأول الذي تم نقله مباشرة من القانون المدني المطبق في المحاكم المختلطة ثم قانون العقوبات وغيرهم. واقترن ذلك بالطبع بصعود نخبة قانونية جديدة من المحامين المتدربين في مدارس التعليم الأوروبي سواء في فرنسا أو في مصر وقضاة وأساتذة قانون شكلوا نواة مدرسة قانونية مصرية متميزة. وبالتوازي كذلك، بدأت تتشكل نخبة سياسية، جلها من القانونيين المتعلمين تعليمًا غربيًا، تتنافس على شغل المساحة الموكولة لممارسة الأمة لسيادتها المطلقة وتشريعها لنفسها. لم يعن هذا التحول تغييبًا للشريعة أو قطيعة معها بالمعنى البسيط والمباشر للكلمة، كما يحلو للغالبية العظمى من المنظرين الإسلاميين توصيف الوضع، بقدر ما كان يعني تحويلًا عميقًا في معنى الشريعة وآليات تطور القانون الإسلامي وكيفية انتاجه. لم ينقطع المصريون عن تراثهم أو “شريعتهم” بقدر ما غُزلت علاقة مختلفة تمامًا مع هذه الشريعة نتيجة تحول كامل في آليات ممارسة الحكم وعلاقات السلطة. انتقلت الشريعة هنا من كونها قانونًا مقدسًا أقرب ما يكون للعهد بين المسلمين وبارئهم إلى قانون المسلمين أو إلى “تراث المسلمين” بالمعنى الحضاري للكلمة الذي يكتسب محوريته من كونه تقليدًا تاريخيًا متبعًا من الأغلبية أكثر من كونه نص مقدس. فما الدافع لهذا التحول؟ وكيف تم التأسيس له سواء على يد النخبة الأزهرية أو النخبة القانونية الحديثة؟ وما هي مواطن التوتر التي اعترت هذا التأسيس؟

جرى هذا التحول بشكل بطيء وتالٍ لميل القوى الغربية الاستعمارية لفرض امتيازات لرعاياها الأجانب الذين يعيشون في أرجاء الإمبراطورية العثمانية، ومن أهم تلك الامتيازات هو استثناء هؤلاء الرعايا من تطبيق أحكام الشريعة المتعارف عليها وتأسيس محاكم خاصة للنظر في منازعات الأجانب بما يستدعيه ذلك من قانون خاص لهذه المحاكم. كذلك كان الانخراط المتصاعد في السوق العالمي وما يستدعيه ذلك من التكيف مع ممارسات تجار من مشارب وخلفيات متنوعة عامل ضغط إضافي باتجاه التوسع في إمكانية التشريع في المساحة التي فتحها إجتهاد ابن تيمية ومفهومه للسياسة الشرعية (زيادة ١٩٨٧). على أن ما يميز هذا التوسع هنا أنه كان منحول بالكامل تقريبًا من قوانين العالم المسيحي، المنافس التقليدي للإمبراطورية العثمانية.

هذا التحول هو صنو التحول من نموذج دولة الفتح المحاربة إلى الدولة المنكفئة على حدودها والتي تتحول حربها إلى حرب داخلية تستهدف البقاء على النوع الإنساني وتعظيم انتاجية السكان، كالحرب على الأوبئة والأمراض وكافة مظاهر الانحلال الاجتماعي، وأي حرب خارجية فهي إما حرب دفاعية سواء بغرض الدفاع عن الإقليم أو الدفاع عن مصالح الدولة نفسها، ومن هنا جرى تبرير الحروب الاستعمارية بطبيعة الحال. هنا تفرض حدود خارجية على فعل سلطة الحكام لتشكل مقدمة طبيعية لتقييد هذه السلطة داخل الحدود عبر عمل الأسواق بالأساس ثم تبلور فكرة حكم القانون ونزع الشخصنة عن السيادة لتصبح مستقرة في مؤسسات لا في أشخاص الحكام (فوكو ٢٠٠٤). ومن هنا تطورت أجهزة الحكم بالطبع وتشعبت ونحت نحو المركزية والتعقيد وولدت الحاجة للتقنين للتعامل مع هذا التحول الاجتماعي الجديد.

أولى محاولات التقنين التي عكست هذا التحول كان ما يعرف “بمجلة الأحكام العدلية” العثمانية التي اكتملت أحكامها في ١٨٧٦. هذه المجلة تؤشر على التحول البطيء والمعقد من نموذج “السياسة الشرعية” الذي أصل له ابن تيمية لنموذج السياسة الدستورية الحديثة. فالمادة الأولى من الكتاب الأول من المجلة وإن كانت لا تتحدث من قريب أو من بعيد عن مبدأ السيادة الشعبية، إلا أن نقطة انطلاقها ليست كذلك الأحكام الشرعية وحتمية انفاذها في العالم بقدر ما أنها تنطلق من نقطة علمانية بالكامل تتمثل في ضرورة الحفاظ على النوع الإنساني ونظام العالم ورفاهية سكانه، في تعبير صافي عن غرض ممارسات السلطة الجديد. وتم تقديم الفقه كأحد المعارف الساعية لتحقيق هذه الأهداف الجماعية وليس بوصفه علم هادف للبحث في “أفعال المكلفين” وتقسيمها كما تم التعارف عليه على مدى قرون. تذكر المادة الأولى أن:

“الفقه علم بالمسائل الشرعية العلمية. والمسائل الفقهية إما تتعلق بأمر الآخرة وهي العبادات وإما أن تتعلق بأمر الدنيا وهي تنقسم إلى متناحكات ومعاملات وعقوبات. فإن الباري تعالى أراد بقاء نظام هذا العالم إلى وقت قدره وهو إنما يكون ببقاء النوع الإنساني. وذلك يتوقف على ازدواج الذكور مع الإناث للتوالد والتناسل. ثم إن بقاء نوع الإنسان إنما يكون بعدم انقطاع الأشخاص، والإنسان بحسب اعتدال مزاجه يحتاج في البقاء للأمور الصناعية، إلى الغذاء واللباس والمسكن وذلك أيضًا يتوقف على التعاون والتشارك بين الأفراد. والحاصل أن الإنسان من حيث هو مدني بالطبع لا يمكن أن يعيش على وجه الانفراد كسائر الحيوانات، بل يحتاج إلى التعاون والتشارك ببسط بساط المدنية… فلأجل بقاء العدل والنظام [بين الناس] محفوظين من الخلل يحتاج إلى قوانين مودة شرعية في قسم المناكحات من علم الفقه وفيما به من التمدن والتعاون والتشارك وهي قسم المعاملات منه ولاستقرار أمر التمدن على هذا المنوال لزم ترتيب أحكام الجزاء وهي قسم العقوبات من الفقه” (مجلة الأحكام العدلية ٢٠١٣).

هذا الميل لربط الفقه بما يسميه فوكو مجال عمل “السلطة الحيوية”، أي ربطه بمسار انكفاء الدولة داخليًا على شئون حفظ حياة ورفاه السكان ومضاعفة انتاجيتهم، اقترن بالميل الآخر للخروج بالتشريع من دائرة الاجتهاد الشخصي للعلماء لصالح صياغة هذا الاجتهاد في صورة قواعد آمرة مجردة. فبينما كانت القواعد الأصولية سابقة الذكر لا تعدو أن تكون منهجًا للمجتهد والقواعد الفقهية لا تعدو أن تكون مؤشرًا على الإجماع السابق على اجتهاده، فقد تم تحويل القواعد الفقهية في المجلة لصيغة القواعد القانونية الآمرة المجردة التي تشكل مرجعًا ضروريًا في التعامل مع موضوعات النزاع المدنية والجنائية كما لو كانت سوابق قضائية. فخُصص الكتاب الأول من المجلة للنص على هذه القواعد الفقهية في المذهب الحنفي، مذهب الدولة العثمانية، والتي جُمعت في ٩٩ قاعدة يأتي على رأسها القواعد الخمس الأساسية سابقة الذكر في القسم السابق من الدراسة. هنا نحن بصدد قانون حديث من حيث الشكل والمضمون وإن كان صامتًا عن مسألة السيادة، أو مصدرية التشريع، وعن مسألة سلطة التشريع نفسها ومدى إمكانية فتح مجالها للعامة. فقد تعاملت المجلة مع نصوصها كما لو كانت حصيلة اجتهاد جماعي ملزم للقائم على تنفيذه ولم تشغل بالها كثيرًا بالحديث عن إمكانية نقض هذا الاجتهاد في المستقبل إذ أنها ظلت إمكانية محجوزة حصرًا للحكام في ضوء اجتهادات الفقهاء. وهو ما يعني بالتبعية ضرورة مأسسة هذه الاجتهادات الفقهية لتتوائم بدورها مع حاجة التشريع المتغيرة في الواقع الجديد بعد أن كانت هذه الاجتهادات تجري بالانفصال أو التمايز عن عالم الحكم لقرون. هنا ولدت الأرثوذكسية الدينية الرسمية مرة أخرى بالارتباط الوثيق مع ولادة الدولة الحديثة وليس بالتمايز عن الدولة ومجال الحكم كما جرى في عصر التدوين في القرن التاسع الميلادي.

وفي مصر، وعلى يد مفكري عصر النهضة الأوائل كمحمد عبده، وبالتأثر بحركة التقنين العثماني والضغط الاستعماري الغربي كذلك، بدأت ترتسم ملامح تصور جديد للشريعة كمنتج حضاري لكل سكان العالم الإسلامي من مسلمين ومسيحيين والتركيز على طابعها الديناميكي المتطور في تفاعله مع مستجدات حياة سكان هذا العالم. ومن هنا بدأت تظهر الشريعة كذلك، وكما يرصد طلال أسد بحق، كمعيار موجه للحياة الأخلاقية لمواطني مجتمع برجوازي قيد التشكل[1] (أسد ٢٠٠٣) وكقانون على قدم المساواة يمكن تصنيفه ومقارنته بغيره من القوانين ثم تقنينه اعتمادًا على نفس التقنيات الغربية وعبر ترجمة متبادلة يتم فيها تقريب مفاهيم أصول الفقه لأقرب مفاهيم متاحة في المعرفة القانونية الغربية والعكس بالعكس. وتحفل كتابات عبده بتحميل معضلة جمود الشريعة لعموم المسلمين الذين كفوا عن الابداع الحضاري وأن تأخر الشريعة عن مواكبة التطورات القانونية لا يعود لعيب مؤسس في العقيدة أو مناهج أصول الفقه بقدر ما يعود أساسًا لتخلف المسلمين. والمسئول عن هذا التخلف عدة عوامل يأتي على رأسها الاستبداد السياسي بالطبع وعجز العلماء المنوط بهم التجديد عن التصدي لمهامهم تلك نتيجة “آفة التمذهب والتقليد”.[2] وحل هذه المعضلة، من وجهة نظره، يتمثل في تبني أشكال من الحكم الدستوري الحديث مع إطلاق حرية الاجتهاد في ضوء محددات أصول الفقه الموروثة حتى تواكب مؤسسات وممارسات القانون الإسلامي طبيعة التحولات في المجتمع.[3]

وكما كان الحال مع التجربة العثمانية التي قادت إلى ضرورة مأسسة وتحديث عملية الاجتهاد حتى توائم ضرورات الحكم المتغير في واقع يزداد تعقيدًا، كان عبده نفسه من أهم رواد الدعوة لإصلاح الأزهر باتباع أساليب التعليم الحديثة من حيث المناهج والامتحانات والتراتبية، وكذلك إصلاح نظام إدارة المساجد، والتي دائمًا ما تركت في فضاء الأوقاف بعيدًا عن تنظيم الدولة المركزية، وإصلاح المحاكم الشرعية بالطبع لتتبع قانونًا موحدًا يمثل خلاصة الاجتهاد عبر النظر في أحكام المذاهب الأربعة.[4] وهنا أيضًا نلحظ تحول لجماعة العلماء من رقيب على الحكام إلى جزء عضوي من أجهزة الدولة الحديثة يقوم بأدوار تشريعية وتنفيذية أكثر من كونه معبرًا عن رأي عام أو جماعة ضغط. وهو ما جرى على مراحل بالفعل بدءًا بالقانون رقم ٢ لسنة ١٨٩٦ الخاص بنظام التعيين والتدريس في الأزهر والذي قنن عملية اختيار مجلس إدارة الأزهر بالتعيين من قبل الخديوي، والقانون رقم ١٠ لسنة ١٩١١ والذي حدد اختصاصات الأزهر وعلاقته بباقي سلطات الدولة كمرجع نهائي في العلوم الشرعية ترجع إليه مختلف الجهات التشريعية والتنفيذية عند تنازع التفسير. بالتوازي اتجهت القوانين الجديدة إلى اتباع نظم الدراسة الحديثة المعتمدة على مناهج ثابتة غير مشخصنة بعد قرون من نظام حلقة الدرس حول الشيخ القارئ لكتاب بعينه من اختياره. واختيار تلك المناهج بالطبع لم يخرج عن التقسيم التقليدي للعلوم الشرعية بدءًا بالتفسير ثم الحديث فأصول الفقه والفقه المقارن، بخلاف علوم اللغة بالطبع وعدد من العلوم الطبيعية. أي أن السعي للتقنين والمركزة السياسيين ارتبط بالسعي لمأسسة مناهج العلوم الشرعية وإكسابها طابع منتظم ونمطي لا يرتبط بشخص المجتهد.

وما بدأه عبده في شكل حجاج مع المستشرقين الغربيين، ثم في شكل “إصلاحًا” ومأسسة للأزهر وعلومه الشرعية، استمر وتعمق في كتابات النخبة القانونية المصرية كما تشير أعمال قدري باشا مثلًا. والأخير كان صاحب إسهام مهم في محاولة تقنين الشريعة الإسلامية على غرار تجربة “المجلة العثمانية” عبر عمله المرجعي “مرشد الحيران في معرفة أحوال الإنسان” والذي اشتمل على جمع لأحكام المذهب الحنفي في المعاملات المدنية دون المقدمة الشرعية المميزة للمجلة (محمد قدري باشا، ١٨٩١). وكما هو الحال في “المجلة”، كانت قوانين قدري باشا خطوة في اتجاه علمنة الشريعة بمعنى اعتمادها الكامل في حياتها على صاحب للسيادة منبت الصلة بأي مصدر مقدس وعلى آليات تقنين متغيرة بطبيعتها وزمنية بالمعنى الحرفي للكلمة. حتى ولو شكلت الشريعة محتوى هذه القوانين أو مصدرًا للحياة الأخلاقية للمواطنين المخاطبين بها، وحتى لو فرضت حدودًا وتقييدًا على أنماط بعينها من الحياة الدينية والأخلاقية والجنسية، كما كان الحال مع الحريات الدينية أو الجنسية في دستور ١٩٢٣ مثلًا،[5] فقد ظلت من الناحية النظرية قابلة للتعديل دون حائل إلا إرادة الأغلبية. باختصار أصبحت الشريعة معتمدة في حياتها على الأمة بعد أن ظل التصور الراسخ في التجربة الطويلة للفقهاء المسلمين يرى في الشريعة حاكمًا على الأمة.

إلا أن هذا التحول وإن كان تأسس داخل النظريات القانونية والسياسية الحديثة إلا أنه لم يلق تأسيسًا قويًا داخل الحقل المعرفي الإسلامي التقليدي وظلت اجتهادات عبده، وتلميذه رشيد رضا، محصورة في نطاق ضيق للغاية داخل الأزهر الذي ظل يلهث وراء التطورات القانونية دون أن يقطع تمامًا وللأبد مع عالم الشريعة القديم ويتكيف مع طبيعة الشريعة المعلمنة. ظلت الأسئلة بخصوص توفيق المفهوم الجديد للشريعة مع الملامح الثلاثة لحياتها السابقة معلقة، أي كيف يمكن التمهيد لحسم مسألة السيادة بالكامل لجسد الأمة، وكيف يمكن التأسيس لتفكيك سلطة العلماء بالكامل والتمهيد لدخول “العوام” لساحة التشريع للمرة الأولى في تاريخ المسلمين. محمد عبده نفسه وعلى الرغم من اجتهاداته السابقة المحكمة نظريًا على صعيد تفكيك التمذهب وتقديم تصورات ليبرالية الطابع لأحكام الشريعة، لم يقدم اسهامات عميقة تذكر في التأسيس لهذا الشكل الجديد من أشكال السيادة والسلطة. وظلت محاولاته مبتورة ومفتقرة للتأصيل الشرعي.

 يتضح هذا الارتباك بجلاء عند مناقشة عبده لمفهوم السلطة السياسية والدينية في الإسلام واختلافها عن التاريخ المسيحي. فبينما ينفي عبده أي طابع ديني أو مقدس عن سلطة العلماء ويحصرها بالمجال المعرفي فقط، إلا أنه لم يتمكن من تجاوز الحدود الضيقة التي فرضها مؤسسو علم أصول الفقه على إمكانية الاجتهاد وتمييزهم القاطع بين العامة ومجتمع الفقهاء، وهو التمييز الذي يستدعي بدوره سلطة ممأسسة حتى ولو كانت معرفية الطابع. ففي معرض حجاجه مع فرح أنطون، يعلن محمد عبده في أحد المواضع أن “الإسلام لم يجعل لهؤلاء [علماء الشريعة] أدنى سلطة على العقائد وتقرير الأحكام. وكل سلطة تناولها واحد من هؤلاء، فهي سلطة مدنية قررها الشرع الإسلامي، ولا يسوغ لواحد منهم أن يدعي حق السيطرة على إيمان أحد أو عبادته لربه، أو ينازعه في نظره” (محمد عبده ٢٠٠٦ ج٣: ٣١١). إلا أنه عند مواجهة سؤال علاقة هذه “السلطة المدنية” بجمهور المسلمين المفترض تحولهم لمناط السيادة في عالم الدولة الحديثة لم يسعه إلا إعادة إنتاج ثنائيات أصول الفقه بين علم العامة وعلم الخاصة والأخير محجوز حصرًا لسلطة المجتهد بالطبع. يقول عبده في هذا الصدد:

“لكل مسلم أن يفهم عن الله من كتاب الله، وعن رسوله من كلام رسوله، بدون توسيط أحد من سلف ولا من خلف. وإنما يجب عليه قبل ذلك، أن يحصل من وسائله ما يؤهله للفهم: كقواعد اللغة العربية وآدابها وأساليبها، وأحوال العرب خاصة في زمن البعثة، وما كان الناس عليه زمن النبي – صلى الله عليه وسلم- وما وقع من الحوادث وقت نزول الوحي، وشيء من الناسخ والمنسوخ من الآثار. فإن لم تسمح له حاله بالوصول إلى ما يعده لفهم الصواب من السنة والكتاب، فليس عليه إلا أن يسأل العارفين بهما، وله أن يطالب المجيب بالدليل على ما يجيب به، سواء كان السؤال في أمر الاعتقاد أو في حكم عمل من الأعمال. فليس في الإسلام ما يسمى عند قوم من سلطة دينية بوجه من الوجوه” (محمد عبده ٢٠٠٦ ج٣: ٣٠٧).

والفقرة السابقة لا تخرج عن الشروط التي وضعها الشافعي من علم بالقواعد الأصولية وتاريخ العرب قبل الإسلام وغيرها من الشروط لممارسة الاجتهاد. وإذا ما وضعنا جانبًا مسألة السلطة على معتقدات الأفراد، والتي لم يدعيها أحد من المجتهدين على مدار تاريخ الفقه الإسلامي، فنحن لم نتقدم بعيدًا عن حالة سلطة المجتهد المعرفية التي يحوزها بمقتضى الأمر الواقع إذ لا تتوفر لأيٍ من العوام مهما بلغت درجة تعليمهم هذه المعرفة والتي لا يمكن تحصيلها إلا في مؤسسات متخصصة.

لم يقتصر التعاطي مع هذه المعضلة على النخبة الأزهرية الإصلاحية أو حتى على جماعة الأزهريين الأوسع، بل امتد هذا الشاغل ليهيمن على كتابات بعض الوجوه الشابة في النخبة القانونية نفسها التي سعت لاستئناف ما بدأه قدري باشا من تقنين لأحكام الشريعة وتراث القانون الإسلامي كخطوة لازمة على طريق الاستقلال الكامل. على رأس هذه المحاولات تأتي محاولة الفقيه القانوني عبد الرزاق السنهوري بالطبع والذي كرّس مقدمة شرحه للقانون المدني للدفاع الحار عن تقنين الشريعة الإسلامية بوصفه خطوة لازمة لتحقيق ما أسماه “الاستقلال القانوني” للمصريين. فوفق وجهة نظر السنهوري، لا يستقيم النضال من أجل حق تقرير المصير مع استمرار حرمان الأمة من الاغتناء من تراثها في كافة أوجهه وفي القلب منه تراثها القانوني.[6] بالتالي، كانت صياغته للقانون المدني المصري، ومن قبله القانون المدني العراقي، محاولة للانتقاء والتوسط بين آراء المذاهب المختلفة والنفاذ مباشرة إلى عدد من المبادئ الكلية التي ترسبت عبر مسيرة التشريع والتقاضي الإسلاميين الطويلة. مبادئ “كالتعسف في استعمال الحق” أو “الشفعة” وغيرها احتلت مكانتها المحورية داخل بناء القانون المدني عبر إعادة انتاجها على يد السنهوري كمبادئ قانونية عامة تم اكتشافها عبر تصفية ركام الاجتهادات المختلفة. هي منتجات لممارسة عملية استنباط الأحكام من النصوص وفقًا للقواعد الأصولية والفقهية كما سلف الذكر ولكنها لا تعتمد في ظهورها مرة أخرى في عالم التشريع على نفس المنهج الذي انتجت من خلاله ابتداءً. هي بالأحرى تعتمد في حياتها على جملة من الممارسات مختلفة جذريًا عن الممارسات المستقاة من علم أصول الفقه. وفي المادة الأولى للقانون المدني، والكاشفة للمصادر المتاحة للقاضي عند الفصل في المنازعات بشأن القانون الجديد، نقابل للمرة الأولى الصياغة الملتبسة والمثيرة للجدل وهي “مبادئ الشريعة الإسلامية” بوصفها أحد مصادر الالتزام التالية على أحكام القانون الصادر من صاحب السيادة أو العرف الشائع. أي أن المبادئ هنا تشير لجملة من الأحكام الثابتة على أن منهج تنزيلها على الواقع يعتمد كليًا على التقنين الوضعي أو تفسير القاضي المدني.

إلا أن السنهوري وعلى الرغم من ذلك كان على دراية عميقة بالمعضلة التي تواجه محاولته نفسها لتقنين الشريعة، أي الافتقار للشرعية اللازمة وما يرتبط بها من سلطة معرفية. كان السنهوري في بداية عمله، كما يذهب محمد فاضل، مدركًا أن شيئًا ما من جوهر هذه الأحكام الشرعية يضيع للأبد عند إخضاعه لمفهوم السيادة الوطنية (فاضل ٢٠١٣: ٦٥٣). فيكتب السنهوري بوضوح في بحثه الأقل شهرة عن “الخلافة الإسلامية” المكتوب في ١٩٢٦، عن الجوهر الحقيقي للقانون العام الإسلامي وهو نفيه السيادة عن أي سلطة زمنية وإخضاع الجميع حكامًا ومحكومين لسيد أعلى. بل يؤسس السنهوري لتصوره عن الحرية بوصفها نفيًا لهذه السيادة عن الجميع والإقرار بها حصرًا لهذا المصدر المتجاوز وأن مجرد الاعتراف لأي طرف زمني بحقوق السيادة هو في حد ذاته مدخلًا للطغيان.[7] ثم يطور السنهوري فكرته عن السيادة ويرى أنها مفوضة للأمة وأن آلية ممارسة الأمة لهذا التفويض هي الإجماع، بوصفه معبرًا عن فهم غالب لأحكام الشريعة متغير عبر الزمن، وأن آلية الإجماع، كدليل من أدلة أصول الفقه، ليس المقصود بها تقييد اجتهاد الأجيال التالية على الأجيال الأولى، بقدر ما هي آلية تستهدف تعميم فهم معين لأحكام الشريعة في مواجهة إرادة الحكام المنفردة وأهوائهم. اعتبار الإجماع أحد أصول الشريعة بهذا المعنى هو تعبير عن تفويض السيادة لعموم الأمة وليس للحكام، وهو كذلك المدخل لتطوير أحكام الشريعة الإسلامية نفسها تبعًا لتحولات الواقع إذ أن الإجماع متغير بطبعه. ولتدعيم أسس هذا المصدر، يدعو السنهوري إلى تقنين الإجماع المتحقق في زمن بعينه لإضفاء صفة الإلزام التي طالما غابت عن أعمال المجتهدين نتيجة الانفصال سابق الذكر بين عالم الحكم وعالم الفقه ولتشكيل دفعًا وتوازنًا واقعيًا بين السلطات.[8] وهنا السنهوري يعد معبرًا عن الاتجاه السابق الحديث عنه لمأسسة ومركزة السلطة المعرفية للمجتهدين بالتوازي مع مأسسة ومركزة السلطة السياسية، وهو الاتجاه الذي بدأ في نهايات القرن التاسع عشر كما سبق الذكر. ويزيد عليه السنهوري بالدعوة لتأسيس مجامع فقهية تتولى عملية تقنين فقه المجتهدين وتعميمه على غرار مجلة الأحكام العدلية مثلًا.[9]

إلا أن محاولة الموائمة بين الإجماع وبين مبدأ السيادة الشعبية الحديث في فكر السنهوري تبقى مفتوحة على أوجه من الغموض تتعلق بكيفية اختيار هؤلاء المجتهدين المكلفين بتشكيل الإجماع وبالعلاقة بين سلطة المجتهدين وبين عموم الناس المفترض أنهم محل السيادة الإلهية المفوضة. هنا أيضًا، وكما هو الحال لدى محمد عبده، لم يتمكن السنهوري من تجاوز ميراث “أصول الفقه” العتيد – المرتكز على التمييز بين علم العامة وعلم الخاصة- باتجاه تفكيك تلك السلطة المعرفية للمجتهدين بالمجمل. فبعد تفصيل مفهومه عن السيادة الإلهية والإجماع، بوصفه تعبيرًا عن سيادة الأمة، يعود السنهوري ليرتبك في تحديد ماهية المكلفين بممارسة سلطة الإجماع ذاك. يقول السنهوري:

“إن اعتبار إجماع الأمة مصدرًا لتشريع الإسلامي هو نواة المبدأ الحديث الذي يجعل إرادة الأمة مصدر السلطات. والذي يعبر عنه بمبدأ سيادة الأمة في النظم العصرية. هذا المبدأ الذي يقوم عليه التشريع الإسلامي هو نفس المبدأ الذي يقوم عليه النظام النيابي الحديث. لكن الذي يميز النظام الإسلامي أن ممثلي الأمة في القيام بوظيفة التشريع هم المجتهدون، أي العلماء الذين يعترف لهم بالوصول لمرتبة الاجتهاد (أهل الحل والعقد). وقد أدى ذلك بالبعض إلى القول بإن الحكومة الإسلامية هي حكومة العلماء، ولكن وصول العلماء إلى مرتبة الاجتهاد بكفاءتهم العلمية والأخلاقية والعملية لا ينفي كونهم يمثلون الأمة” (السنهوري ٢٠٠٠: ٦٧).

 ولا يسع المرء هنا عند القراءة الثانية للمقطع السابق إلا ملاحظة التناقض بين كون سلطة العلماء تمثيلية وبين كون صاحبها يحوذها بمحض “كفاءته وأخلاقه وعلمه”! ويبدو أن السنهوري هنا يستند في تصوره عن تمثيلية العلماء لعموم المسلمين إلى سياق اجتماعي كان العلماء فيه غير منفصلين عن طبقات بعينها وسلطتهم فيه شخصية الطابع غير ممأسسة وغير مرتبطة بمجال ممارسات الحكم كجماعة لها دور تنفيذي أو تشريعي. إلا أن تحلل العلاقات الاجتماعية التي سمحت للعلماء بشغل هذا الموقع وصعود الحاجة للمأسسة، وتشكل علاقات اجتماعية جديدة لا مجال فيها لسلطة العالم الشخصية، تجعل من الصفة التمثيلية للعلماء محل شك كبير. يبدو السنهوري نفسه واعيًا لهذه المعضلة ويسعى لتجاوزها عبر دعوته لتأسيس مجلس آخر، أو ربما غرفة تشريعية أخرى، بخلاف “المجمع الفقهي” غير قاصرة في عضويتها على العلماء ويكون انتخابها من عموم الناس. يقول السنهوري في هذا الصدد:

المعروف أن الإجماع يشمل جميع الأحكام التي يحتاج إليها المجتمع الإسلامي. ووضع هذه الأحكام يستلزم علمًا بمصادر الشريعة وأحكامها وعلمًا بأحوال الناس وحاجاتهم. وبذلك يمكن التفرقة بين نوعين من المجتهدين: أولهم رجال الفقه الذين يختصون بالمسائل الفقهية النظرية. وثانيهم الخبراء ورجال العمل، من المختصين بمعرفة مختلف نواحي الحياة الاجتماعية المعقدة كرجال الزراعة، أو الصناعة، أو التجارة، أو المال، أو السياسة، أو الحرب وأمثالهم. فهؤلاء يمكن اعتبارهم من {أهل الذكر} الذين أمر القرآن باستشارتهم في قوله تعالى {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}. فهم مجتهدون من نوع خاص. فإذا وجدت مجالس شورية تضم رجالًا من هذا النوع فإننا بذلك ندخل في استنباط الأحكام الإسلامية، بجانب رجال الفقه النظريين، عنصرًا ضروريًا كي تجئ الأحكام الشرعية ملائمة لحاجات الناس من النواحي الاقتصادية والاجتماعية التي تستلزم وضع هذه الأحكام” (السنهوري ٢٠٠٠: ٧٥ و٧٦).

تبقى العلاقة بين المجلسين، أو المجلس الواحد المختلط أو المجلس ذي الغرفتين، غامضة ومفتوحة في فكر السنهوري: فمن يخضع لمن؟ أو من لديه الكلمة النهائية؟ وما العمل في حال التنازع بين الكيانين؟ تبقى إجابات هذه الأسئلة مفتوحة في فكر السنهوري مؤشرةً إلى معضلة ستعيد انتاج نفسها مرة أخرى في أكثر من حلقة من حلقات الجدل حول السيادة والسلطة في الإسلام وآخرها في الجدل الدستوري التالي ليناير ٢٠١١.[10]

قد يكون السنهوري تراجع عن هذا التصور أو أدخل عليه تعديلات جوهرية في حياته المتأخرة، بدليل ما طرحه في “الوسيط في شرح القانون المدني” الصادر في ١٩٥٢ من اعتبار القاضي هو المرجع النهائي في تفسير المصدر الثاني من مصادر القانون المدني حتى ولو كان ملزمًا “بالعودة لكتب الفقه الإسلامي المعتمدة” في حالة غياب قضاء يعتد به (السنهوري ٢٠١٠: ٤٩). لا ذكر في “الوسيط” لفكرة المجامع الفقهية أو لأي سلطة تفسيرية أخرى غير القضاء من قريب أو بعيد. إلا أن هذا لا يغير شيئًا في حقيقة أن أطروحته ظلت مسار إلهام لمخيال إسلامي نشط قد لا يدرك هو نفسه عمق الروابط التي تشدّه إلى السنهوري. مولد هذا المخيال ونضاله من أجل استعادة عالم الشريعة القديم هو موضوع القسم التالي من الورقة.

نصف قرن من النضال من أجل “أسلمة الشريعة”:

 إذا كان مسار الربع الأخير من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين هو مسار علمنة الشريعة بامتياز فمن الجائز التفكير في السنوات التالية على تفاقم أزمة المشروع الناصري وحتى ثورة يناير ٢٠١١ بوصفه مسارًا للنضال من أجل استعادة عالم الشريعة المفقود أو “أسلمة الشريعة” إذا جاز التعبير. طبعًا لم يغب هذا السعي منذ التحول للتقنين الوضعي كما سبق الذكر ولكنه كان سعيًا دعائي الطابع وكانت الاجتهادات التي صدرت عن أصحابه غامضة وفي كل الأحوال لم تنجح في وقف عملية العلمنة ولم تنفذ إلى أروقة التشريع. بالعكس من ذلك، قطعت عملية علمنة الشريعة أشواطًا إضافية مع المشروع الناصري سواء من حيث الشكل أو المضمون. ففي غمار التحولات يسارًا في مجال إدارة الإقتصاد، تم تأميم الأوقاف الخيرية والتي شكلت أحد الأسس الإجتماعية الأخيرة المتبقية لاستقلال العلماء عن مؤسسات الدولة. ثم كان الاتجاه للدمج الكامل لعلماء الأزهر داخل مؤسسات الحكم عبر إلغاء المحاكم الشرعية في ١٩٥٥ ثم إصدار قانون الأزهر الشهير للعام ١٩٦١ والذي تضمن إلغاء هيئة كبار العلماء واختيار شيخ الأزهر بالتعيين. كان هذا القانون بالطبع حلقة من حلقات نهج استبدادي سلطوي حكم علاقة نخبة الحكم الجديدة بكافة مكونات المجتمع المدني من نقابات عمالية ومهنية وجمعيات أهلية وجامعات بهدف إسناد نمط التنمية المتبع آنذاك. وانتهى الأمر بهذا النمط من الحكم والتنمية معًا، في مصر وغيرها من تجارب الكتلة الاشتراكية وما كان يعرف بالعالم الثالث، إلى أزمة طاحنة منذ نهاية الستينيات لا مجال للخوض في تفاصيلها بالطبع في هذا المقام.

عودة الدعوة لتقنين الشريعة في هذا الوقت، على العكس من محاولات السنهوري وقبله قدري باشا وغيرهم، لم تتبلور بوصفها أحد مستلزمات “الاستقلال القانوني” عن الغرب أو التمتع بحق تقرير المصير بقدر ما كانت رد فعل على تعثر هذه المحاولات ذاتها خلال سنوات الاستقلال وتبني النخب الحاكمة لأيديولوجيات ذات منشأ غربي سواء ليبرالية أو قومية أو اشتراكية. كان السعي لتقنين الشريعة هو محاولة لاستعادة عالم انتهى وإن كان تم إضفاء هالة أسطورية حوله وتقديمه كبديل عن الدولة الوطنية نفسها، أي محاولة لاستعادة التصور القديم عن السيادة والسلطة والشرعية بحذافيره. تحفل كتابات مفكرين إسلاميين بمحاولة دحض التصور الحداثي عن الإسلام المعلمن وتقديم هذا التصور التقليدي بعد ربطه بعدد من المفاهيم الحديثة نفسها عن النهضة والإحياء. الإحياء والنهضة والقدرة على الإسهام الحضاري في العالم، وفقًا لهذا التصور، مقترنان بإحياء المفهوم المحتضر عن السيادة نفسه لا بتجاوزه كما حاول بارتباك عبده والسنهوري. كثيرة هي الأدبيات التي تناولت بالتحليل والنقد أعمال مفكرين مركزيين في مسار تطور هذا الخطاب الإسلامي المعاصر حول الدولة والسيادة والتشريع، كسيد قطب بطبيعة الحال، أو أبو الأعلى المودودي وغيرهم. ولكننا في هذا المقام نود التركيز على أعمال مفكرين إسلاميين من أعضاء النخبة القانونية الحديثة نفسها أقل شهرة حاولوا – على العكس من سيد قطب مثلًا- ترجمة تصوراتهم عن السيادة والتشريع إلي لغة دستورية حديثة والتقدم خطوة باتجاه صياغة مشاريع لدساتير بديلة بالمجمل ترتكز إلى هذا التصور وعبر الإفادة من نقاط الغموض والتوتر في خطاب الشريعة المعلمنة والتي فصلناها في القسم السابق.

من ضمن أهم الأعمال التي تشكل قوام نظرية دستورية إسلامية متماسكة بالمعنى السابق ذكره والأكثر تأثيرًا في خطاب نخب التيار الإسلامي الحركي تأتي أعمال القاضي عبد القادر عودة والقاضي توفيق الشاوي والمفكر ضياء الريس على الترتيب. وهي أعمال كان لها تأثيرها المباشر على الجدل الدستوري الذي أعقب يناير ٢٠١١، حيث حفلت كتابات أعضاء لجنة المائة المدافعين عن ضرورة إعادة بناء الشريعة بعد عزلها عن حزمة المفاهيم العلمانية بالإحالة لمؤلفات الثلاثة (عبد القادر عودة وتوفيق الشاوي في حالة الإخوان وضياء الريس في حالة منتسبي الدعوة السلفية).[11]

تنطلق أدبيات المفكرين الثلاثة من نفس نقطة انطلاق عبد الرزاق السنهوري، وهي التمييز بين رؤية الشريعة لمفهوم السيادة ورؤية القانون الوضعي لنفس المفهوم، مع ما يترتب على هذا التمييز من نتائج على صعيد سلطة التفسير وقواعده والقيود على حق الأمة في التشريع. ولم تختلف العبارات التي حفلت بها أدبيات المفكرين الثلاثة عن عبارات السنهوري في “الخلافة” كثيرًا، إلا أنهم قد تجاوزوه في عدم إمكانية إعمال المنهج المقارن من الأصل عند دراسة الشريعة مع القوانين الوضعية، ومن ثم خلخلة أحد أركان التصور المعلمن للشريعة كتراث للمسلمين يمكن أن يدرس على قدم المساواة مع غيره من القوانين الجرمانية أو اللاتينية. يتحدث عبد القادر عودة مثلًا في مقدمة كتابه “التشريع الجنائي في الإسلام” الصادر في نهاية أربعينيات القرن الماضي، تحت عنوان “لا قياس بين مختلفين” فيقول “وإذا صح أن الشريعة تختلف عن القوانين باختلافات أساسية وتتميز عنها بمميزات جوهرية فقد امتنع القياس؛ لأن القاعدة أن القياس يقتضي مساواة المقيس بالمقيس عليه، فإذا انعدمت المساواة فلا قياس أو كان القياس باطلًا”[12] (عبد القادر عودة :١٣). بل ويذهب عودة أبعد من السنهوري في نفيه الطابع “التراثي” عن الشريعة عندما يبدي عدم اكتراث واضح بأهمية تفاعل جماعة المسلمين مع الشريعة وأثر ذلك على تطور القانون الإسلامي، فيقول:

“أما الشريعة الإسلامية فقد علمنا أنها ليست من صنع الجماعة، وأنها لم تكن نتيجة لتطور الجماعة وتفاعلها كما هو الحال في القانون الوضعي، وإنما هي من صنع الله الذي أتقن كل شيء خلقه. وإذا لم تكن الشريعة من صنع الجماعة، فإن الجماعة نفسها من صنع الشريعة. إذًا الأصل في الشريعة أنها لم توضع لتنظيم شئون الجماعة فقط كما كان الغرض من القانون الوضعي، وإنما المقصود من الشريعة قبل كل شيء هو خلق الأفراد الصالحين والجماعة الصالحة، وإيجاد الدولة المثالية والعالم المثالي، من أجل ذلك جاءت نصوصها أرفع من العالم كله وقت نزولها، ولا تزال كذلك حتى اليوم” (عودة :٢٢).

 ويتصل بالأفكار السابقة القطعية عن السيادة ومصدرها وموقعها أطروحات أكثر قطعية وتحديدًا وأقل ارتباكًا بكثير عن قواعد تفسير الشريعة والسلطة التفسيرية المنوط بها إعمالها. فعبد القادر عودة مثلًا في “التشريع الجنائي” يضيف خطوة إضافية على منهج أصول الفقه في استنباط الأحكام بأدلته الأربعة المعروفة وقواعده الأصولية، وهي ضرورة العلم بمقاصد الشريعة عند التصدي للتفسير، فيما يبدو تأثرًا بعمل “الشاطبي” الفقيه المالكي. فيسير على خطى الشاطبي في تقسيم مقاصد الشريعة بترتيب الأهمية إلى ضروريات (لا يستقيم الوجود الإنساني بدونها)، وحاجيات (تحتاجها الجماعة من أجل رفاهيتها العامة)، وتحسينيات (تختص بالجانب الأخلاقي أو بأوجه السلوك المطلوبة لحفظ لحمة هذه الجماعة في غير الجانب المادي). ومثل الشاطبي، يضع عودة حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، كضروريات يسعى المفسر إلى حمايتها عند تصديه لتفسير الشريعة وفقًا لقواعد المنهج الأصولي. ومن ثم يقيد عودة عمل المفسر، سواء كان مشرعًا أو قاضيًا، بقواعد المنهج الأصولي وبمعرفة مقاصد الشريعة وترتيبها وفقًا لتلك الأولويات، التي تحدد أولويات للجماعة السياسية.

أما من حيث تشكيل السلطة التفسيرية نفسها، فقد ذهبت تلك الأدبيات خطوات أبعد من خطوات السنهوري بشأن سلطة ودور العلماء في التشريع والتفسير معًا. فكل من توفيق الشاوي وضياء الريس يذهبان إلى ضرورة تطوير اقتراح السنهوري بتشكيل “مجامع فقهية” تتولى مهمة تنظيم الإجماع باتجاه إيلاء مهمة تشريعية لهذه المجالس ترقى بها لمرتبة الشريك الفعلي في السلطة التشريعية، بل وفي بعض الأحيان لتحل محل الغرفة العليا في التشريع، كمجلس الشورى مثلًا. نقطة الانطلاق لدى الإثنين هي التمييز بين مفهوم “أهل الحل والعقد”، بوصفه مفهوم يتعامل حصرًا مع الهيئة الموكول إليها اختيار الإمام في الفقه الإسلامي التقليدي، وبين “المجتهدين” بوصفهم المشرعين الفعليين بما لهم من قدرة على استنباط الأحكام من الأدلة. فأهل الحل والعقد، بالنسبة لكل من الريّس والشاوي، هو مفهوم أوسع بكثير من أن يؤتمن على عملية التشريع، إذ تقتصر محدداته – منذ وضع الماوردي خطوطها العامة- على العدالة والحكمة والعلم العام بأحكام الشريعة وهي شروط لا تخول صاحبها بحد ذاتها التصدي لمهمة التشريع من وجهة النظر الأصولية التقليدية، وبطبيعة الحال من وجهة نظر الريس والشاوي. وبالتالي، فالحل الذي يطرحه كل منهم بلغتين مختلفتين، هو تشكيل سلطة تشريعية من غرفتين: أحدهما مخصصة لأعمال الرقابة وصياغة السياسات وتضم “أهل الحل والعقد”، أي كل من اجتمعت له شروط العدالة والحكمة والعلم، والأخرى هي هيئة من “المجتهدين” تتولى عملية التشريع بالكامل في بعض الأحيان، أو مراجعة كافة التشريعات في أحيان أخرى، للتأكد من تطابقها مع المبادئ العامة للشريعة.[13] يقدم الشاوي التصور الأكثر تفصيلًا لهذا الفصل بين المفهومين، فيقول في كتابه “الشورى أعلى مراتب الديمقراطية”:

“إن اختلاف المجلس الأعلى – المتخصص بالتقنين والفقه فقط- عن المجلس الأدنى – المختص بالشئون السياسية والإشراف على السلطة الحكومية فقط- يتمشى مع اتجاه فقهائنا لعدم إيجاد علاقة عضوية بين الفقهاء وبين المؤسسات ذات الصلة بولى الأمر، ويمكننا أن نسميه مبدأ الفصل الشرعي أو العضوي بين هيئة الفقه والاجتهاد وهيئة أهل الحل والعقد… إن اقتراحنا لا يمكن أن يؤخذ على أنه يرمي إلى تكوين هيئة لها سلطة دينية من أي نوع كان؛ لأن روح الفقه الإسلامي توجب أن تكون تلك الهيئة مؤسسة علمية – اجتهادية- تكون علاقتها مع أهل الحل والعقد هي أنها تمثل الأمة التي تختارها كما تختارهم، فهي تستوي معهم في خضوعها لرقابة الأمة وإشرافها، وأن سلطتها مستمدة من تمثيلها للأمة لا من السماء. إن الفارق الأساسي بين المجلسين في الاختصاصات، هو أن أحدهما مهمته علمية فقهية – تشريعية في لغة العصر الحاضر- أما الآخر فمهمته سياسية إشرافية على سلطة الحكومة” (الشاوي ١٩٩٤: ٥٩، ٦٠)

هنا أيضًا نحن أمام نفس التناقض الذي رصدناه لدى السنهوري ما بين التضييق الشديد في شروط عضوية هذا “المجلس الأعلى” وما بين اعتباره ممثلًا للأمة. وهذا التناقض يجري التمويه عليه بالتشديد على أن سلطة المجلس هي محض سلطة علمية وليست دينية، وهو تمييز صحيح بالطبع ولكنه ليس محور القضية. ولمحاولة تجاوز هذا التناقض الظاهر، يطرح الشاوي انتخاب هذه الهيئة التشريعية انتخابًا مباشرًا على درجة واحدة من عامة الشعب بحيث يكون الاختيار من بين كل من توافرت لهم الشروط التي تفصل في صحتها هيئة علمية مستقلة. ولا يمانع الشاوي كذلك في انتخاب هذه الهيئة من قبل المجلس الأدنى، أي “أهل الحل والعقد”، شريطة أن يكون اختيارهم بين قائمة تطرحها تلك الهيئة العلمية المستقلة ذاتها. وفي الحالتين يصر الشاوي على أن للمجلس الأعلى، بجانب سلطته التشريعية الفعلية، سواء بالمبادرة بالتشريع أو بالتصديق على تشريعات مقترحة من المجلس الأدنى، حق النقض “الفيتو” على أي تشريع يراه مخالفًا لمبادئ الشريعة (الشاوي ١٩٩٤: ٦٣). وفي مواجهة حالة الصدام بين المجلس الأدنى والأعلى يطرح الشاوي حلًا مثيرًا وهو إمكانية استناد المجلس الأدنى لفتوى أخرى من خارج مجلس المجتهدين صادرة عمن تتوفر له شروط الاجتهاد، وإذا استمر الصدام يمكن أن يعرض الأمر على استفتاء شعبي للترجيح بين الآراء الفقهية المتصادمة (الشاوي ١٩٩٤: ٦١).

الملفت أيضًا، أن الشاوي قد أسند للمجلس الأعلى مهمة الإشراف على السلطة القضائية لضمان التزامها بأحكامه التي يستنبطها من الأدلة الشرعية. ويقترح الشاوي أن تشمل عضوية “مجلس المجتهدين” أعضاء مجلس القضاء الأعلى أو غيرهم من الهيئات القضائية المنوط بها تفسير القوانين (الشاوي ١٩٩٤: ٦٤).

هنا نحن أمام قلب كامل للتصور الشائع في أدبيات “الشريعة المعلمنة” لمفهوم “أهل الحل والعقد”. فبينما ماهت تلك الأدبيات، كما نرى في أعمال عبده أو السنهوري، بين مفهوم “أهل الحل والعقد” ومفهوم السلطة التشريعية في النظام الدستوري الحديث، يتعامل الشاوي والريّس مع مفهوم أهل الحل والعقد بوصفه أقرب لمفهوم الهيئة الناخبة في حين أن وظيفة التشريع تنحصر لديهم في المجتهدين. وهذا القلب للتصورات سيستمر ملهمًا لبعض الرؤى في التيار الإسلامي وضاغطًا على باقي الرؤى لما يحوذه من تأسيس شرعي أقوى بمراحل من باقي الرؤى المعلمنة، إذا ما تم إعمال القواعد الأصولية التقليدية.

كما هو معلوم كانت استجابة لجنة دستور ١٩٧١ لدعاوى “استعادة الشريعة”، التي اكتسبت تأييدًا متزايدًا في صفوف النخبة القانونية والسياسية، هو استعارة صياغة السنهوري المكثفة عن “مبادئ الشريعة الإسلامية” بوصفها مصدر رئيسي للتشريع، ثم تعديل المادة لتصبح الشريعة هي “المصدر الرئيسي” للتشريع في ١٩٨٠. هذه الاستعارة ستصبح مركزًا للجدل حول علاقة الشريعة بالدولة الوطنية ومفهومها عن السيادة والسلطة. فبينما كانت المادة في جوهرها كاشفة لواقع عملية التشريع أكثر من كونها منشأة لأوضاع جديدة – إذ ظلت الشريعة وفقًا لهذه الصياغة معتمدة بشكل كامل في تنزيلها على إرادة الأمة صاحبة السيادة – إلا أنها سمحت دائمًا بمحاولة الالتفاف على هذا الواقع إما باستدعاء الأزهر للإدلاء برأيه حول مدى موافقة تشريعات بعينها لنص المادة الثانية من الدستور، أو استدعاء القضاء الدستوري لفحص هذه الموافقة من عدمها، أو بالضغط على القضاء مباشرة لممارسة سلطة انفاذ المادة الثانية دونما انتظار لتشريع بعينه استلهامًا لنموذج القاضي المشرع القديم. وتمخض هذا السعي بالفعل عن عدد من السوابق القضائية المثيرة في بداية الثمانينيات لقضاة قرروا تطبيق تفسيرهم للمادة الثانية في نص الدستور دون التقيد بنص قانوني بعينه. [14]

في المقابل صدرت مشاريع لدساتير بديلة “إسلامية” لتؤسس لأوضاع متميزة لهيئات تشريعية/قضائية مشكلة بالكامل من العلماء. يمكن رصد عدّة محاولات لصياغة دساتير، أو إعلانات دستورية، إسلامية صدرت في نفس الفترة وتعكس نفس الملامح المذكورة في كتابات عودة والشاوي والريس. يأتي على رأس تلك المحاولات مشروع الدكتور علي جريشة القاضي السابق المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين، والذي انتهى منه في العام ١٩٨٤، ومشروع أعده مجمع البحوث الإسلامية وصدر في ١٩٧٧، ومشروع الأستاذ مصطفى كمال وصفي عام ١٩٨٠، ومشروع الدستور الإسلامي الصادر عن المجلس الإسلامي بإسلام آباد والذي شارك عدد من الفقهاء الدستوريين الإسلاميين المصريين في صياغته والمقر في ١٩٨٣.

تحفل المشروعات الأربعة جميعها بالتشديد على أن الدعوة لتطبيق الشريعة تنطلق بالأساس من واقع فشل تجارب نخب التحرر الوطني والنزوع الاستبدادي، أو الشمولي المتزايد، في الديمقراطيات الغربية والنظم الاشتراكية على حد سواء. لا تصدر تلك المحاولة إذن عن رغبة في اللحاق بتلك التجارب عبر علمنة الشريعة من الداخل، والبحث عن نقاط تقاطع مع القانون الوضعي تسمح بصياغة اسهام متميز للشريعة في القانون الحديث، ولكنها تقدم الشريعة هنا كبديل متكامل هدفه الحلول محل القانون الوضعي بالجملة.[15] كذلك، تشدد المشاريع الأربعة على ما تراه مصدر تميز الشريعة الإسلامية الأصيل وهو نفي السيادة عن الأمة واعتبار الأمة والإمام معًا خاضعين للشريعة التي تشكل قيدًا موضوعيًا على أي شطط قد يصدر عن إرادتهم.[16]

كذلك انتقلت المشاريع الأربعة إلى ترجمة مقترحات كل من الشاوي والريس حول تقسيم السلطة التشريعية بين غرفتين إحداهما قاصرة في عضويتها على المجتهدين والأخرى مختصة بأعمال الرقابة وصنع السياسة العامة وتقتصر عضويتها على “أهل الحل والعقد”، إلى صياغات دستورية مكتملة. فعلى سبيل المثال، يخصص مشروع وصفي المواد من ٥٦ إلى ٥٨ للتمييز بين “مجلس التشريع” و “مجلس الرقابة”. فتتحدد مهمات الأول وفقًا للمادة ٥٦ بأنها “سن القوانين طبقاً لقواعد الاجتهاد الشرعية من قبل جماعة من كبار العلماء تسمى جماعة التشريع تختارهم المحكمة الدستورية العليا بناءًا على ترشيح الهيئات العلمية الرئيسية في البلاد بالطريقة التي يبينها القانون”. أما مجلس الرقابة فوفقًا للمادة ٥٨ يتحدد دوره بأنه “إقرار السياسة العامة للدولة والخطة العامة للتنمية الاجتماعية والميزانية العامة للدولة، وكل ما يؤد إلى التزام المالية العامة. وذلك كله على الوجه الموافق للشريعة الإسلامية”. أما مشروع المجلس الإسلامي بإسلام آباد، فهو لا يفصل مهمة التشريع بين غرفتين ولكنه يدعو في الباب العاشر لتشكيل “مجلس للعلماء” تكون مهمته هي مراجعة تشريعات “مجلس الشورى” للتأكد من مطابقتها لأحكام الشريعة وتقتصر عضويته على المجتهدين بشكل حصري.[17]

في مواجهة هذه الضغوط باتجاه “الأسلمة” كُلف البرلمان بالمراجعة الدقيقة لعدد من التشريعات لضمان عدم مخالفتها للمادة الثانية من الدستور، وانتهت هذه العملية في عام ١٩٨٤. أشرف على هذه المحاولة الدكتور صوفي أبو طالب رئيس مجلس الشعب في ذاك الوقت وهو أحد أهم المنظرين القانونيين الذين تبعوا السنهوري في رؤيته لمسألة تقنين الشريعة كأحد متطلبات الاستقلال القانوني وشروط الحق في تقرير المصير. وكتب أبو طالب في هذا الصدد دراسة مبكرة ومهمة سار فيها على خطى السنهوري المبكرة ولم يصل لنتائج مخالفة للسنهوري في “الخلافة” حيث اتفق معه في مسألة ضرورة وجود نوع من إشراف العلماء على مسألة التشريع (أبو طالب ٢٠٠٤). اشتملت المراجعة على صياغة ستة تشريعات “كنماذج” لما يجب أن تكون عليه التشريعات المتوافقة مع أحكام الشريعة.

ما يعنينا هنا ليس المضمون الذي أتت عليه هذه التشريعات – وهو لم يختلف جذريًا بالمناسبة مع ما كان قائمًا من الأصل – ولكن الشكل الذي خرجت عليه هذه النصوص التشريعية. فقد استندت هذه العملية لمنهج السنهوري في التوفيق بين المذاهب. إلا أنها، وعلى خلاف التقاليد المتعارف عليها في التشريع، قد خرجت موادها مذيلة بإحالة إلى المصدر الذي استندت إليه في كتب المذاهب والفتاوى، كأن تأتي المادة الفلانية مثلًا من القانون المدني أو قانون العقوبات منتهية بفتوى للشافعي أو غيره من العلماء المؤسسين. كان لخروج التشريعات الستة على هذا الشكل دلالتين على قدر كبير من الأهمية. الدلالة الأولى، هي ربط تشريع الأمة بماضيها المفترض والخروج به من الزمن الحديث الذي قُيدت به منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر ولو على المستوى الرمزي. الدلالة الثانية، والأهم، والتي عبّر عنها أبو طالب بوضوح، هي الاستناد لهذه الآراء نفسها عند التنازع في التفسير. فكأن المشروع حدد كذلك بشكل غير مباشر قواعد التفسير المتبعة التي تلزم المحكمة الدستورية العليا المنشأة حديثًا، وهو منهج قريب للغاية من استراتيجية القوى السلفية الممثلة في لجنة المائة في تحديد منهج التفسير في متن دستور ٢٠١٢ كما سنرى (أبو طالب ٢٠٠٤).

لم يتم الأخذ بهذه المشروعات كما هو معلوم إلا في حالة مشروع قانون التجارة البحرية وظل تطبيق مشاريع هذه القوانين الستة مطلبًا على جدول أعمال دعاة الأسلمة لردح معقول من الزمن، وكان أهم ظهور لها، من وجهة نظرنا، في قائمة مطالب مؤتمر العدالة الأول عام ١٩٨٦. وقتها كان مقرر المؤتمر هو المستشار حسام الغرياني ذو التوجهات الإسلامية المعلنة والذي أصبح رئيسًا للجنة المائة عام ٢٠١٢. وأتت التوصية الأولى والتي حظيت بإجماع كافة القضاة المشاركين بضرورة الإسراع بوضع هذه المشاريع موضع التطبيق (توصيات مؤتمر العدالة).

على أن وصول هذا الجدل حول المادة الثانية إلى قاعة الحكمة الدستورية العليا في ١٩٨٥ كان مناسبة لإنتاج أكثر الصياغات اكتمالًا لتفسير المادة الثانية استنادًا إلى الآليات الخطابية لمشروع “الإسلام المعلمن” والتباساته. فبينما سعي التفسير لإعادة تفعيل الاجتهاد ونزع سلطته الحصرية من جماعة العلماء، عجز هذا التفسير عن تجاوز ضرورة التقيد بأدلة أصول الفقه ومناهجه بهدف الحفاظ على حد أدنى من السلطة والتماسك لتلك الاجتهادات. وبالرغم من هذا الالتباس، الشبيه بالتباس السنهوري، سيكون هذا التفسير موضع لهجوم واعي ومنظم يسعى للالتفاف عليه عند كتابة دستور ٢٠١٢. لم تنتج المحكمة الدستورية العليا تفسيرها في حكم واحد وبشكل كامل ولكنها صاغت تعريفها للشريعة وفهمها للمادة الثانية على مراحل امتدت منذ نظر أول قضية تتعلق بتفسير المادة الثانية في عام ١٩٨٥ وحتى العام ١٩٩٦.

اتبعت المحكمة في بعض أحكامها منهج السنهوري في التعامل مع “مبادئ الشريعة” كعدد من الأحكام الشرعية لا كمناهج في استخلاص هذه الأحكام. وزادت المحكمة على السنهوري في قصرها هذه المبادئ على الأحكام قطعية الثبوت وقطعية الدلالة أي الواردة في نصوص قرآنية غير متشابهة والواردة في أحاديث ثبتت صحتها وفقًا لمناهج علم الحديث المتعارف عليها. وهي في هذا الموضع قد أسقطت بوضوح دليل الإجماع المؤسس في علم أصول الفقه لتحرر نفسها عند النظر في أي منازعات دستورية من هذه الآراء المحمولة من عالم ما قبل الدولة الوطنية الحديثة. كما أسقطت ما يرتبط بهذا الدليل من قواعد فقهية متراكمة واستبدلت ذلك كله بصياغة فضفاضة للغاية للأحكام الواردة في القرآن والسنة بوصفها “مبادئ الشريعة الكلية وأصولها”، وهي صياغات لا تستند لأيٍ من التقسيمات المحددة التي وردت في كتب أصول الفقه والتي أبقت عليها صيغة الإسلام المعلمن وحاولت الأطروحات الإسلامية إعادة ربطها بعالمها المؤسسي التي صدرت عنه. تقول المحكمة في تعليقها على المادة الثانية في حكمها الصادر في ١٩٩٤:

“لا يجوز لنص تشريعي أن يناقض الأحكام الشرعية القطعية في ثبوتها ودلالتها، باعتبار أن هذه الأحكام وحدها هي التي يكون الاجتهاد فيها ممتنعًا، لأنها تمثل من الشريعة الإسلامية مبادئها الكلية وأصولها الثابتة التي لا تحتمل تأويلًا أو تبديلًا…. ذلك أن المادة الثانية من الدستور تقدم على هذه القواعد [القانونية] أحكام الشريعة الإسلامية في أصولها ومبادئها الكلية، وهي إطارها العام وركائزها الأصلية التي تفرض متطلباتها دومًا، بما يحول دون إقرار أية قاعدة قانونية على خلافها، وإلا اعتبر ذلك تشهيًا وانكارًا لما علم من الدين بالضرورة. وكذلك الأحكام الظنية غير المقطوع بثبوتها أو بدلالتها أو بهما معًا، ذلك أن دائرة الاجتهاد تنحصر فيها ولا تمتد لسواها، وهي بطبيعتها متطورة تتغير بتغير الزمان والمكان لضمان مرونتها وحيويتها” (قضية رقم ٢٩ لسنة ١١ قضائية دستورية، ١٩٩٤).

أما عند التعامل مع الدليل الرابع وهو القياس، أو الاجتهاد على قول الشافعي، فقد تعاملت المحكمة مع نفسها على أنها بحد ذاتها مجتهد من نوع خاص. فهي مجتهد لا يتقيد بقواعد أصول الفقه المتعارف عليها عند استنباط الحكم من الدليل ولكنها استبدلت هذه القواعد بصياغة شديدة التعميم للمقاصد الشرعية بوصفها الموجه الحصري والوحيد لاجتهادها وهي المقاصد الخمسة المتعارف عليها من حفظ الدين والمال والنفس والعرض والعقل.[18] لا يظهر في قضاء المحكمة حتى أيٍ من أدلة المصالح المرسلة أو الاستحسان أو عمل الصحابي أو غيرها من الأدلة التي احتلت موقعًا هامشيًا في مناهج أصول الفقه منذ الشافعي، فقط تصور سريع عن المقاصد تسترشد به المحكمة عند استخلاص حكمها.

إلا أنها عادت في أحكام أخرى للحديث عن “الأدلة الشرعية العقلية والنقلية” بهدف ضبط عمل المجتهد والحيلولة دون تشعبه بما يخرج عن نطاق الحصر، ومن ضمن تلك الأدلة يأتي الإجماع كما هو معلوم. أي أن المحكمة قد انتزعت لنفسها الحق الحصري في تفسير المادة الثانية دونما لجوء إجباري للأزهر وعادت لتقيد نفسها بمناهج أصول الفقه في التفسير. وهو ما مارسته المحكمة بالفعل في أحكامها التالية حينما قضت بمخالفة عدد من مواد قوانين الأحوال الشخصية استنادًا لدليل الإجماع نفسه (الطعن رقم ٦ لسنة ٩ قضائية دستورية ١٩٩٥).[19]

بالتوازي مع ذلك، قضت المحكمة أن المادة الثانية تتوجه بخطابها للسلطة التشريعية ولا تتوجه للسلطة القضائية (قضية رقم ٢٠ لسنة ١ قضائية دستورية ١٩٨٥). وبالتالي أغلقت الباب أمام استراتيجية استدعاء القضاء في عملية الأسلمة الفعلية وتجاوزت التقاليد ما قبل الحداثية التي احتل فيها القاضي موقع المجتهد والمشرع معًا وعادت إلى التصور الحداثي عن التشريع بوصفه منتج صادر عن صاحب السيادة الممثل بالبرلمان المنتخب من عموم الناس دونما تفرقة. تقول المحكمة في هذا الصدد:

“المنوط به إعمال القيد المشار إليه [في المادة الثانية من الدستور] هو السلطة المختصة بالتشريع، بالإضافة إلى أن المشرع الدستوري لو أراد لجعل مبادئ الشريعة الإسلامية من بين القواعد المدرجة في الدستور على وجه التحديد أو قصد أن يجري إعمال تلك المبادئ بواسطة المحاكم التي تتولى تطبيق التشريعات دون ما حاجة إلى إفراغها في في نصوص تشريعية محددة مستوفاة للإجراءات التي عينها الدستور لما أعوزه النص على ذلك صراحةً، هذا فضلًا عن الإعمال المباشر لمبادئ الشريعة الإسلامية عن طريق تلك المحاكم لا يقف عند مجرد إهدار ما قد يتعارض مع هذه المبادئ من التشريعات السابقة المنظمة لمختلف النواحي المدنية والجنائية والاقتصادية والاجتماعية بل أن الأمر لا بد وأن يقترن بضرورة تقصي المحاكم للقواعد غير المقننة التي يلزم تطبيقها في المنازعات المفروضة عليها بدلًا من النصوص المنسوخة مع ما قد يؤدي إليه ذلك من تناقض بين هذه القواعد ويجر إلى تهاتر الأحكام وزعزعة الاستقرار (قضية رقم ٢٠ لسنة ١ قضائية دستورية ١٩٨٥).

 تفسير المحكمة الدستورية العليا بأوجهه السابقة، والتباساته، لم يقابل بارتياح من قبل القوى الإسلامية السياسية أو الدعوية ولا من قبل القضاة المحافظين في المحاكم الأخرى والتي نظرت للمحكمة الدستورية العليا كما لو كانت تنتزع من ولاية هذه المحاكم. إلا أن هذا التحفظ أو عدم الارتياح لم يتم التعبير عنه بشكل مباشر في حينه. بالعكس استمر المحامين الإسلاميين، وغيرهم بالمناسبة، في استخدام آليات الاستدعاء للمؤسسة الدينية وللقضاء عبر أشكال أخرى كقضايا الحسبة مثلًا. شهدت حقبتا الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي ذروة هذه المساعي لاستدعاء القضاء، كما يشي بذلك التضييق الدائم على هامش الحرية المتروك للمبدعين سواء في السينما أو الأدب أو داخل أروقة الجامعات وصولًا إلى منح الأزهر سلطة الضبطية القضائية، أي الحق في مصادرة كافة المطبوعات التي تخالف ما استقر عليه الرأي في مجمع البحوث الإسلامية، وذلك في فتوى شهيرة للمستشار طارق البشري صادرة عن قسم الفتوى والتشريع بمجلس الدولة عام ١٩٩٣.[20]

ما يعنينا هنا أن الاستجابة المحافظة للضغط الإسلامي كانت تتم عبر نفس الآليات الخطابية للإسلام المعلمن، أي إعادة تقديم الخطوط الحمراء الموروثة من التراث الإسلامي، والتي كانت تعد تعديًا على حدود الله، بوصفها تعديًا على حساسيات فردية بالأساس يتشكل من جماعها ما يسمى بالنظام العام. فما درجت المحاكم المصرية عليه من اعتبار الإسلام و “مبادئ الشريعة” مكونًا أساسيًا من مكونات النظام العام يعني أن الاحترام الواجب للشريعة هو احترام لمعتقد الأغلبية وحساسياتهم من قبل دولة هي في الأصل محايدة أو غير متورطة في هذه المعتقدات حتى ولو كانت تلتزم باحترامها. مناط الاحترام هنا هو في اعتناق أغلبية أفراد المجتمع لهذه المعتقدات لا في حجية مطلقة لهذه المعتقدات في حد ذاتها واحترام الدولة هنا ليس رأيًا في هذه المعتقدات بقدر ما هو محض نتيجة لرأي الأغلبية فيها.

وبالرغم من هذا الانغماس النشط في ديناميكية استخدام لغة وأدوات “الشريعة المعلمنة” في التقاضي، فلا يوجد أي دليل مكتوب، أو حتى من خلال مقابلات شفاهية أو تصريحات أو فتاوى، يشي بأن هؤلاء المحامين الإسلاميين قد أسقطوا هدف الأسلمة الكاملة للشريعة من جدول أعمالهم. بالعكس، كل الوقائع التالية على أحكام المحكمة الدستورية العليا كانت تؤشر بأن الانغماس مع الآليات القانونية والقضائية التقليدية هو محض استخدام نفعي لم يتجاوز ذلك للتأسيس الشرعي ولا حتى أنتج رؤية سياسية أو دعائية يعتد بها تمهد لاسقاط هدف الأسلمة أو تهذيبه على الأقل على طريقة صوفي أبو طالب. فعلى سبيل المثال، في خضم الفعاليات المطالبة بإصلاح سياسي ديمقراطي شامل في مصر في مطلع الألفية، والتي شارك الإخوان المسلمون بفعالية في قسم مهم منها، فوجئ مجتمع الدارسين بالنص على دور تشريعي لهيئة كبار العلماء في الأزهر الشريف في مشروع برنامج جماعة الإخوان المسلمين السياسي الصادر في ٢٠٠٧.[21] فبعد عقدين من العمل النقابي والحزبي الملتزم بكافة آليات الديمقراطية الإجرائية، والذي دفع الكثيرين لترويج فرضية إمكانية تحول الإخوان في مصر والمنطقة لأحزاب قريبة الشبه من الأحزاب الديمقراطية المسيحية، كان هذا الإعلان من قبل الإخوان مربكًا لهذه الفرضيات بالطبع. ودفع ذلك منظرين كناثان براون وعمرو حمزاوي مثلًا للمشاركة في جدل مع القيادي الإخواني في ذلك الوقت عبد المنعم أبو الفتوح لاستجلاء حقيقة “المناطق الرمادية” في خطاب الإخوان.[22] ظلت هذه “المناطق الرمادية” كامنة وتتمدد إلى أن انفجرت بعيد ثورة يناير والتي أشرّت لانتفاء الموانع أمام تحقيق هذه الرؤية الإسلامية بشكل كامل.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]يتحدث عبده في هذا الصدد في معرض حجاجه الطويل مع المستشرق الفرنسي هانوتو متلمسًا دورًا للإسلام في صياغة حياة أخلاقية عامة جديدة في ضوء محددات الدولة الحديثة فيقول “ضل المسلم بعد ذلك في طلب العلم، فظن الرجل أن غاية ما يفرضه الدين منه معرفة الفرائض والوضوء والصلاة والصوم في صورة أدائها. أما ما يتعلق بسر الأخلاق فيها، ووسيلة قبولها عند الله، فذلك مما لم يخطر له ببال، إلا القليل النادر. وأما آداب الدين وتهذيب الروح، واستكمال الخصال الجليلة، مما جعله الإسلام غاية العبادات، وثمرة الأعمال الصالحات، فهو – مع أنه من أهم علوم الدين- مما لا تتوجه إليه عزيمة، ولا تنصرف نحوه إرادة، اللهم إلا من أشخاص قلائل منثورين في أطراف الأرض، لا ترقى بهم أمة ولا تسمو بهم كلمة” (محمد عبده ٢٠٠٦ ج٣: ٢٤٢).

[2]يتحدث عبده في نفس الرد على هانوتو قائلًا “أما الحكام – وقد كانوا أقدر الناس على انتشال الأمة مما سقطت فيه – فأصابهم من الجهل بما فرض عليهم في أداء وظائفهم ما أصاب الجمهور الأعظم للأمة من العامة. ولم يفهموا من معنى الحكم إلا تسخير الأبدان لأهوائهم، وإذلال النفوس لخشونة سلطانهم، وابتزاز الأموال لإنفاقها وإرضاء شهواتهم، لا يرعون في ذلك عدلًا، ولا يستشيرون كتابًا، ولا يتبعون سنة، حتى أفسدوا أخلاق الكافة بما حملوها على النفاق والكذب والغش والاقتداء بهم في الظلم، وما يتبع ذلك من الخصال التي ما فشت في أمة إلا حل بها العذاب” (محمد عبده ٢٠٠٦ ج٣: ٢٤٥).

[3]يتحدث محمد عبده في رده المطول على فرح أنطون مدافعًا عن ما يراه صفاء ومرونة للشريعة أهدره الفقهاء مرددًا حججًا شبيهه بصياغة ابن تيمية السابق التعرض لها عن ضرورة فتح المجال لمرونة تتجاوز تمذهب ومناهج الفقهاء التقليدية، دون منازعة أسسها النظرية أو شرعيتها، وإلا كان المآل هو إهمال الشريعة برمتها والنظر إليها على أنها لا تصلح للتعاطي مع تطورات الواقع. يقول محمد عبده “هذا الجمود في أحكام الشريعة، جر إلى عسر حمل الناس على إهمالها: كانت الشريعة الإسلامية، أيام كان الإسلام إسلامًا، سمحة تسع العالم بأسره، وهي اليوم تضيق عن أهلها، حتى يضطروا إلى أن يتناولوا غيرها، وأن يلتمسوا حماية حقوقهم فيما لا يرتقي إليها، وأصبح الأتقياء من حملتها يتخاصمون إلى سواها. صعب تناول الشريعة على الناس، حتى رضوا بجهلها عجزًا عن الوصول إلى علمها. فلا ترى العارف بها من الناس إلا قليلًا لا يعد شيئًا إذا نسب إلى من لا يعرفها. وهل يتصور من جاهل بشريعة أن يعمل بأحكامها؟! فوقع أغلب العامة في مخالفة شريعتهم. بل سقط احترامها من أنفسهم، لأنهم لا يستطيعون أن يطبقوا أعمالهم بمقتضى نصوصها، وأول مانع لهم ضيق الطاقة عن فهمها لصعوبة العبارات وكثرة الاختلاف” (محمد عبده ٢٠٠٦ ج٣: ٣٤٥).

[4]يمكن الاطلاع على اجتهادات محمد عبده في هذا الصدد في الجزء الثاني من أعماله الكاملة والذي يشمل تقريره الهام حول إصلاح المحاكم الشرعية والجزء الثالث الذي يشمل اجتهاداته حول إصلاح الأزهر والأوقاف (محمد عبده ٢٠٠٦).

[5]على الرغم من طابعه الليبرالي المميز لمسألة نظام الحكم والعلاقة بين السلطات، من منظور هذا الزمن، إلا أن دستور ١٩٢٣ قد حفل بعدد من القيود على حزمة الحريات العامة والخاصة الواردة بأحكامه متذرعًا بقيود النظام العام والآداب العامة و”العادات المرعية في الديار المصرية” والتي تم تفسيرها بالإحالة للأديان التوحيدية الثلاثة المتعارف عليها في الإسلام بالطبع. المادة ١٣ مثلًا تقيد حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر الدينية بقيود النظام العام المفسر في ضوء أحكام الشرائع الثلاث وهكذا. لمناقشة أكثر تفصيلًا لأوجه الغموض في دستور ١٩٢٣ انظر (عبد الرحمن، ٢٠١٢).

[6]تقدم لجنة القانون المدني بمجلس الشيوخ في تقريرها التعبير الأكثر اكتمالًا عن رؤية الشريعة “كتراث” إذ تقول “ولا ينكر ما للفقه الإسلامي من مكانة رفيعة بين مذاهب الفقه العالمي، فكيف وقد كان ولايزال معتبرًا القانون العام في كثير من المسائل في مصر، وفي تقوية الصلة بين المشرع وبين أحكام الشريعة إبقاء على تراث روحي حري بأن يصان وأن ينتفع به… وهذه الأحكام جميعًا تتضمن من القواعد ما يعتبر شاهدًا من شواهد التقدم في التقنيات الغربية، وإن كان فقهاء الشريعة قد فطنوا إلى ما حدث من أحكام وأحكموا سبكه وتطبيقه على ما عرض في عصورهم من أقضية لقرون خلت قبل أن يخطر شئ من ذلك ببال فقهاء الغرب أو من تولوا أمر التشريع فيه… وفي حدود هذا المصدر الثاني [من مصادر القانون المدني] كان مسلك المشروع قويمًا ارتاحت إليه اللجنة وآنست فيه اتجاهًا على تقدير ما للفقه الإسلامي من مزايا أدركها علماء الغرب منذ زمن بعيد، وبقي على دول الشرق أن تحلها المحل الخليق بها وأن تعبر عمليًا عن اعتزازها بها وحرصها على استدامتها” (السنهوري ٢٠١٠: ٤٧).

[7]يقول السنهوري في هذا الصدد “إن الله هو الرحمن الرحيم القوي القادر، لم يتركنا بغير مرشد بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم. بل إنه استخلفنا في الأرض، ومنحنا شرف خلافته، بأن اعتبر إرادة الأمة مستمدة من إرادة الله، وجعل إجماع الأمة شريعة ملزمة. فكأن السيادة الإلهية والحق في التشريع أصبح بعد انقطاع الوحي وديعة في يد مجموع الأمة، لا في يد الطغاة من الحكام أو الملوك، كما كان الشأن في الدول المسيحية التي ادعى ملوكها حقًا إلهيًا. بذلك يمكن القول أن السيادة في الإسلام لا يملكها فرد مهما تكن مكانته -سواء كان خليفة أو أميرًا أو ملكًا أو حاكمًا- أو هيئة من أي نوع، وإنما هي لله القدير الذي فوضها للأمة في مجموعها” (السنهوري ٢٠٠٠: ٦٨).

[8]يلخص السنهوري وجهة نظره في الإجماع قائلًا “الإجماع أساس لإعطاء أحكام الشريعة التي تستمد من الاجتهاد صفة أكثر إلزامية، إذا أجمع عليه المجتهدون (في عصر معين)، وذلك في المسائل المستحدثة التي لم يرد بشأنها نص في الكتاب والسنة. فالإجماع يسد حاجات المجتمع الإسلامي إلى أحكام جديدة، وهذه الحاجات تزداد بمضي العصور وتغير الظروف. فهو إذن أداة فنية ضرورية لصياغة أحكام الشريعة (وتقنينيها) ونموها وملائمتها مع حاجات المجتمع وظروفه” (السنهوري ٢٠٠٠: ٧٤).

[9]يقول السنهوري في دعوته تلك أن “فقهاؤنا لم يصلوا إلى مرحلة تنظيم الهيئة التي تتولى الإجماع في صورة مجلس للحوار والتشاور، ولم يعرف الإسلام في تاريخه مجالس للعلماء، أو المجتهدين، مثل المجامع التي وجدت في الكنيسة الكاثوليكية. بل وقف علماؤنا أمام هذه الخطوة الضرورية مما أوشك أن يصيب هذا المصدر الشرعي بالعقم رغم أنه يحمل في ثناياه قابلية الفقه الإسلامي للنمو والتطور” (السنهوري ٢٠٠٠: ٧٥).

[10]تعود نفس الإشكالية لتطرح نفسها مجددًا على السنهوري عند الحديث عن كيفية اختيار الخليفة في صورته المحدثة وإمكانية فتح المجال لعموم المسلمين للمشاركة في هذه العملية – بوصفهم المفوضون بالسيادة في التحليل الأخير- أو قصرها على نخبة بعينها من “أهل الحل والعقد”. يطرح السنهوري حلًا لهذه الإشكالية من خلال اقتراح نظام انتخابي على درجتين يسمح بتوفير شروط الحكمة والعلم بأحكام الشريعة والعدالة لناخبي الخليفة. يقول السنهوري “إن الناخبين الذين تتوفر فيهم هذه الشروط الثلاثة، قد لا يوجدون بكثرة في عامة الشعب، وإنما بين النخبة المثقفة ولذلك تسمى هيئة الناخبين هذه أهل الاختيار أو (أهل الحل والعقد)، وهم الذين بيدهم زمام أمور جماعتهم، ومعنى ذلك أن الانتخابات تتم على درجتين: فالناخبون “أهل الاختيار” هم أنفسهم ينتخبون بمعرفة الجمهور، ولكن بشروط معينه فيهم، وهذه هي الدرجة الأولى، ثم يقومون باختيار الخليفة (الرئيس)، وهذه هي الدرجة الثانية” (السنهوري ٢٠٠٠: ١٠٨).

[11]حفلت كتابات عبد المنعم الشحات المتحدث الرسمي باسم جماعة الدعوة السلفية بالإسكندرية، أكثر جماعات ما يعرف بالسلفية العلمية نفوذًا والتي ستلعب دورًا محوريًا في صياغة الإجماع الإسلامي حول مواد “الهوية” في دستور ٢٠١٢، بالإحالة لمؤلفات الريّس تحديدًا عند مناقشاته النظرية لعلاقة الديمقراطية بالشورى. انظر مثلًا مقاله المعنون “الإسلام والديمقراطية: مواطن الاتفاق ومواطن الاختلاف” بتاريخ ٣١ مايو ٢٠١٣ على الرابط التالي: http://www.anasalafy.com/play.php?catsmktba=40815

 كذلك يمكن العودة لمقال جمعة أمين، عضو مكتب إرشاد جماعة الإخوان المسلمين، في رده على أطروحات منظري جماعة “الدعوة السلفية” بشأن الدستور، والمعنون “بخلافات في ظلال الحب في الله”، والذي حفل بإشارات متعددة للشاوي وعودة. المقال على الرابط التالي https://is.gd/ltm8TN

[12]يذهب الشاوي في معالجته لقضية السيادة باتجاه مماثل لعودة، ويسير على خطى أستاذه السنهوري في التأسيس لمفهوم الحرية السياسية من خلال نفي السيادة عن البشر وإثباتها حصرًا لله. يقول الشاوي في هذا الصدد في مؤلفه ذي العنوان الدال “سيادة الشريعة الإسلامية في مصر” وتحت عنوان السيادة الشعبية “وبما أن الشريعة ذات مصدر سماوي – لأنها شريعة الله سبحانه وتعالى- فإنها تصبح مظهر السيادة الإلهية، وبذلك نصل إلى ما قاله كثير من العلماء، من أن السيادة لله وحده. ويقصد بذلك أن الله سبحانه وتعالى هو صاحب السيادة المطلقة والكلمة العليا، وإرادته هي المرجع الأسمى. أما ما ينسب إلى البشر من أي صنف كانوا، وبأي صفة عملوا – فلا يمكن أن يكون سيادة مطلقة بأي حال من الأحوال، وإذا كان لابد من نسبة السيادة لجماعة أو هيئة من البشر- فلابد من التأكيد على أنها سيادة نسبية محدودة بحدود الشريعة الإلهية، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تكون بغير حدود ولا قيود… وبذلك نصل إلى الغاية التي يسعى إليها العالم في العصر القديم والحديث، وهي سد الطريق أمام السلطة المطلقة التي يدعيها فرد أو هيئة إنسانية في هذا العالم- وحماية الشعوب والأفراد من طغيان الحكام واستبدادهم” (الشاوي ١٩٨٧: ٨٤). ويذهب ضياء الريس في نفس الاتجاه، ويزيد عليه نفي الطابع الإسلامي حتى عن الأفكار والنظم الديمقراطية الخالصة تحديدًا لجهة حصرها للسيادة في الأمة بشكل حصري ومن ثم نزعها أي كوابح أخلاقية على الاستبداد باسم الأمة نفسها. وينسب الريس النزوع الشمولي الذي وسم النظم الغربية عشية الحرب العالمية الثانية، والنظم الاشتراكية غداتها، بالتحديد إلى هذا الطابع العلماني الكامل للسيادة، والتي لا تعترف بأي قيود على الأمة في التشريع. يقول الريس في هذا الصدد في كتابه “النظريات السياسية في الإسلام” الصادر في ١٩٥٢ “أين إذن مقر السيادة؟ أو من هو صاحب السيادة – بالمعنى الدستوري الحديث- في الدولة الإسلامية؟ فما دمنا قد أثبتنا أن الإسلام لا يتطابق مع أي من النظم السابقة التي عددناها، فليس الحاكم إذن هو صاحب السيادة؛ لأن الإسلام ليس “أوتوقراطية”؛ ولا رجال الدين أو الآلهة لأنه ليس “ثيوقراطية”؛ ولا القانون وحده لأنه ليس “نوموقراطية”؛ ولا الأمة وحدها، لأنه ليس “ديمقراطية” بهذا المعنى الضيق. وإنما الجواب الصحيح أن “السيادة” فيه مزدوجة: فالسيد أمران مجتمعان، ينبغي أن يظلا متلازمين. ولا يتصور قيام الدولة وبقاؤها إلا بوجود هذا التلازم. هذان الأمران هما: ١- الأمة- ٢- القانون أو شريعة الإسلام. فالأمة والشريعة معًا هما أصحاب السيادة في الدولة الإسلامية” (الريس ١٩٧٦: ٣٨٥).

[13]يتحدث الريس عن قراءته لمفهوم الفقهاء المؤسسين عن “أهل الحل والعقد” وتمايز وظيفتهم عن وظيفة “المجتهدين” قائلًا “ويستنتج من كلام الفقهاء في الموضوع، أن الهيئة التي يتحدث عنها في باب “الإمامة” هي غير تلك التي تذكر في كتب علم الأصول- وإن كانت كل منهما تسمى بنفس الاسم. ذلك لأنه لا يشترط في الأفراد الذين تتكون منهم الهيئة الأولى أن يحصلوا من العلم إلا على القدر الذي يؤهلهم لأن يكونوا عارفين بظروف المجتمع وأحواله السياسية، وقادرين على اختيار الأصلح من بين المرشحين الأكفاء. أما في الأعضاء الذين تتكون منهم الهيئة الثانية فلا يكتفى إلا بأن يشترط أن يكون الفرد “مجتهدًا”، والاجتهاد له شروطه المقررة، وهو يعني بلوغ أعلى مستوى في العلم؛ فإذا قيل “أهل الحل والعقد” فليس يعني ذلك في عرف الأصوليين “المجتهدين”. ففي أبحاث الشريعة الإسلامية يوجد إذن مكان لهيئتين، مختلفة إحداهما عن الأخرى، وإن كانت تسمى كل منهما “أهل الحل والعقد”، ومدلول الأولى – ويمكن أن نسميها الهيئة السياسية- أعم من مدلول الأخرى – ويمكن أن نسميها الهيئة التشريعية” (الريس ١٩٧٦: ٢٢٥).

[14]في أحد المنازعات المنظورة أمام محكمة القضاء الإداري والمختصة بقرار المجلس الشعبي لمحافظة بورسعيد في بداية عام ١٩٨١ حظر بيع الخمور في المحافظة، أيد القاضي الإداري قرار المحافظ على الرغم من افتقاره لأي سند قانوني وذلك بالإحالة المباشرة للمادة الثانية من الدستور، وكانت رؤية القاضي في هذه الحالة أن إعمال المادة الثانية لا يتوقف على ضرورة وجود تشريع قائم وأنها تخاطب كل من السلطتين التشريعية والقضائية على حد سواء. ويقول القاضي الإداري في تعليق بالغ الدلالة ويبدو كما لو كان بيانًا سياسيًا في مواجهة قرن كامل على الأقل من تحويل الشريعة لتراث يستند في انفاذه على إرادة الأمة، أن من خطل القول وساقطه الزعم بأنه لا يتأتى إعمال المادة الثانية من الدستور إلا بإصدار قوانين وضعية تتفق مع أحكام الشريعة الإسلامية، لأن مؤدى ذلك ولازمه أن تصبح مشيئة الخالق وتطبيق شريعته رهناً بمشيئة المخلوق وإرادته، وهو قول لم يقل به ولا يسوغ أن يقول به أحد“. (ق.د. ٢٨/٦/١٩٨١، ق ٤٣ مجموعة السنة الثالثة)

[15] يقول مصطفى كمال وصفي في مقدمة مشروعه “إن النظم الوضعية التي اتبعتها الدول الأخرى، كان فرضها في كل مرة مقترناً بالثورات العارمة والقتل الجماعي والاضطهاد والحروب الشاملة والدمار الواسع، وفي كل مرة بعد أن يتكبد العالم هذه التضحيات الجسيمة، يتبين بعد فترة أن النظرية ليست صائبة، فيعدل العالم عنها لغيرها وتتكرر مأساة استنزاف الأرواح والنفوس والأموال، دون أن يستقر العالم على أحدها، وأقرب ما كان من ذلك مذابح الثورة الفرنسية عام 1789 وما عقبها من حروب، ثم قيام ماركس بعد ذلك بما يقرب من نصف قرن ففضح معايب النظام الذي أرسته الثورة الفرنسية، وأنشأ نظاماً جديداً تكررت بسببه الفوضى والدمار والحروب، ثم سارت الأيام فلم تلبث إلا قليلاً حتى فضحت معايب نظام ماركس وأتت الانتقادات تنقص أطرافه فأوشك العالم أن يعدل عنه بدوره ليحل بدله اتجاه جديد مقترناً أيضاً بكوارث التدمير وسيول الدماء ” https://is.gd/LDfNMW

[16] تذكر المادة الأولى من مشروع جريشة مثلاً أن “الإسلام دين الدولة، وعقيدته مصونة، وشريعته واجبة، ومشروعيته هي العليا فوق كل النصوص، ومصدره الأساسي الوحي: قرآناً وسنة، وكل ما يخالفه رد وباطل”. في حين تذكر المادة الثالثة من نفس المشروع أن “تستمد شرعية السلطة من: إقامتها لشرع الله ورضى الأمة بها”. أما المادة الرابعة من مشروع وصفي فتذكر أن “دولة….. دولة إسلامية والحكم الأعلى فيها لله سبحانه وتعالى، وهو مصدر السلطات، والشريعة الإسلامية هي مشروعيتها العليا، ويتولى أمورها إمام يتولى الحكم بالبيعة ويعاونه أهل الشورى ويحكم بالسياسة الشرعية”. https://is.gd/LDfNMW

[17]https://is.gd/LDfNMW

[18]تقول المحكمة في هذا الصدد بخصوص تحديد شروط ومناهج الاجتهاد “على أن يكون الاجتهاد دومًا واقعًا في إطار الأصول الكلية للشريعة بما لا يجاوزها، ملتزمًا ضوابطها الثابتة، متحريًا مناهج الاستدلال على الأحكام العلمية والقواعد الضابطة لفروعها، كافلًا صون المقاصد العامة للشريعة بما تقوم عليه حفاظًا على الدين والنفس والعقل والعرض والمال” (قضية رقم ٢٩ لسنة ١١ قضائية دستورية، ١٩٩٤).

[19]تقول المحكمة في تسبيبها “وحيث إن المدعين ينعون على النص المطعون فيه في النطاق المتقدم مخالفته لحكم المادة الثانية من الدستور التي تقضي بأن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع. وذلك من عدة وجوه، أولها: أن الشريعة الإسلامية وإن حثت على صلة الرحم، إلا أنها لا تعتبر أقارب أحد الزوجين أقرباءً للآخر، ومِن ثَمَّ يكون اعتداد النص المطعون عليه بقرابة المصاهرة مخالفًا للدستور. ثانيها: أن إجماع فقهاء الشريعة الإسلامية منعقد على أن عقد الإيجار ينصب على استئجار منفعة لمدة مؤقتة يحق للمؤجر بانتهائها أن يطلب إخلاء العين من مستأجرها بما مؤداه امتناع تأبيد هذا العقد. ثالثها: أن عقد الإيجار ينقلب بالنص المطعون فيه، من عقد يقوم على التراضي إلى عقد يُحمل فيه المؤجر على تأجير العين بعد انتهاء إجارتها إلى شخص لم يكن طرفًا في الإجارة، بل يعد غريبًا عنها، ولا يتصور أن يُقحم عليها”. ثم قال في نهاية الحكم “وحيث إن الدعوى الموضوعية كانت قد أقيمت في ظل العمل بأحكام القانون رقم 136 سنة 1981م المشار إليه، الصادر بعد تعديل الدستور في 22 مايو سنة 1980م، ويصم النص المطعون فيه بإهدار أحكام المواد 2، 7، 23، 34 من الدستور” (الطعن رقم ٦ لسنة ٩ قضائية دستورية ١٩٩٥).

[20]صدرت الفتوى بناءً على طلب من شيخ الأزهر بالاستفسار حول اختصاصات كل من مجمع البحوث الإسلامية ووزارة الثقافة في الرقابة على المصنفات الفنية. في رده على سؤال الأزهر يتأمل المستشار البشري في موقع المادة الثانية من الدستور وشرعيتها وعلاقتها بالتشريع في كل ما يتعلق بالحياة “المعنوية” للأمة أو في جانبها الأخلاقي. يقول البشري معيدًا انتاج محددات الرؤية المعلمنة للشريعة “والإسلام دين الغالبية الغالبة من الشعب المصري، بحسبان أن الشعب هو الركن الركين للدولة التي ينظمها الدستور، ومن ثم تقوم خصائصه الثابتة في الواقع بحسبانها من خصائص الدولة المعترف بها في القانون، وقد نص دستور ١٩٧١ في المادة (٢) على أن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع. وبهذا يظهر أن الإسلام ومبادئه وقيمه إنما يتخلل النظام العام والآداب وهو كذلك مما تتضمنه المصالح العليا للدولة، حسب الصيغة التي أقام بها قانون الرقابة على المصنفات ركن الغاية في القرار الصادر بشأن الترخيص بأي من هذه المصنفات”. (فتوى رقم ١٢١ في ١٠/٢/١٩٩٤)

[21]في مقدمة البرنامج وتحت عنوان “السياسات والاستراتيجيات” يذكر تفسير للمادة الثانية من الدستور وهو “يجب على السلطة التشريعية أن تطلب رأي هيئة من كبار علماء الدين في الأمة على أن تكون منتخبة أيضاً انتخاباً حراً ومباشراً من علماء الدين ومستقلة استقلالا تاماً وحقيقياً عن السلطة التنفيذية في كل شئونها الفنية والمالية والإدارية، ويعاونها لجان ومستشارين من ذوي الخبرة وأهل العلم الأكفاء في سائر التخصصات العلمية الدنيوية الموثوق بحيدتهم وأمانتهم، ويسري ذلك على رئيس الجمهورية عند إصداره قرارات بقوة القانون في غيبة السلطة التشريعية ورأي هذه الهيئة يمثل الرأي الراجح المتفق مع المصلحة العامة في الظروف المحيطة بالموضوع، ويكون للسلطة التشريعية في غير الأحكام الشرعية القطعية المستندة إلى نصوص قطعية الثبوت والدلالة القرار النهائي بالتصويت بالأغلبية المطلقة على رأي الهيئة، ولها أن تراجع الهيئة الدينية بإبداء وجهة نظرها فيما تراه أقرب إلى تحقيق المصلحة العامة، قبل قرارها النهائي ويتم، بقانون، تحديد مواصفات علماء الدين الذين يحق لهم انتخاب هيئة كبار العلماء والشروط التي يجب أن تتوافر في أعضاء الهيئة”. البرنامج متاح على الرابط التالي https://is.gd/KH26lV

[22]يمكن الاطلاع على تعليق ناثان براون وعمرو حمزاوي المفصل على البرنامج على الرابط التالي http://carnegieendowment.org/files/cp89_muslim_brothers_final.pdf

_______________________

لقراءة الجزء الأول من المقال

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

تجربة محمد منير بين انتفاضتي (يناير “1977 و2011”) ما قدمه منير من أغنيات يمكن وصفها بالحب التقدمي أو واقعة تحت سيطرة حالة شجن رهيبة ظلت تصل ما ساد بعد نكسة يونية، هي نتاج موهبة شعراء وملحنين مثلما حدث مع عبد الحليم حافظ في تجربته، ولكن هذه المرة ممزوجة بطعم الشعور بالمرارة والإحباط حتى لو كانت تتوق للحلم والآتي.

أيمن عبد المعطي

قراءات في ثورة يناير 2011: تاريخياً، لا يوجد نموذج بديل فوري، باكتماله وطرح تطبيقه تتم إزاحة السلطة القديمة وأفرادها.

علي الرجال

الشريعة في دساتير ما بعد ثورة يناير… ما يعنينا أن التنظيم الأكبر داخل التيار الإسلامي وصاحب الأغلبية البرلمانية الصريحة والأغلبية داخل الجمعية التأسيسية سوف يقبل بشكل شبه كامل بالأطروحات السلفية وسيصوت عليها نوابه داخل الجمعية بالإجماع دون إثبات تحفظ واحد.

عمرو عبد الرحمن

اضطهاد الأقباط: دعوة للنقاش من أجل المواجهة طرح الأستاذ محمد مختار قنديل هذا السؤال في مقاله، والإجابة السريعة على هذا السؤال هي نعم لأن لمصر تاريخ طويل في التمييز بين المواطنين على أساس الدين وهو أساس الفرز والعنف الطائفيين اللذين يميزان الوضع الحالي في مصر ويجعلها دولة طائفية، وسوف نحاول فيما بقي من هذا المقال استعراض مظاهر التمييز الديني في مصر.

محمد منير مجاهد

اضطهاد الأقباط: دعوة للنقاش من أجل المواجهة المسيحيون يقتلون ويهجرون ويهاجرون طلبا للنجاة من القتل والترويع والاضطهاد في مصر وفلسطين المحتلة وسوريا والعراق، بل ولبنان نفسه. فما العمل؟ هذه دعوة ملحة من أسرة تحرير "بالأحمر" للتدبر والحوار حول المذبحة الجارية والكارثة المحدقة وكيفية المواجهة

بالأحمر