اليمن: آفاق قاتمة رغم اتفاق ستوكهولم

قضايا

24  يناير  2019

رغم التصديق على اتفاق ستوكهولم بموافقة الحوثيين وحكومة عبد ربه منصور هادي المعترف بها دولياً، ودخوله حيز التنفيذ في 13 ديسمبر/ كانون الأول، إلا أن العملية السلمية ما زالت تراوح مكانها وقد تستمر فترة الترقب هذه لفترة من الزمن. وحتى لو كان الاتفاق يمثل بارقة أمل أولى، إلا أن التحديات التي تواجه البلاد لإعادة الإعمار هائلة بالفعل.

لقد تم التصديق على الاتفاق على عجل تحت الضغط الدولي لسببين أساسيين: أولا وصول الأزمة الإنسانية إلى أبعاد كارثية في نهاية 2018 حيث أصبح موضوع اليمن في صدارة اهتمامات وسائل الإعلام في العالم بشكل شبه يومي. وأصبحت صور الأطفال الجياع أكثر إثارة للمشاعر من خلال الاطلاع على حجم حالة الطوارئ التي تبرزها الأرقام الرهيبة لبرنامج الأغذية العالمي ووكالات الأمم المتحدة الأخرى. وقد تم تدارس هذه القضية بشكل منتظم خلال مناقشات مجلس الأمن للأمم المتحدة حول اليمن. وأضيف إلى حالة الاستعجال القصوى هذه في الميدان، سخط دولي أثاره اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي بقنصلية بلاده بإسطنبول. وأبرزت الأدلة المتراكمة الضلوع المباشر لولي العهد السعودي محمد بن سلمان.

ودفعت موجة السخط العالمي الناجمة عن هذه القضية الإدارة الأمريكية إلى القيام، ولأول مرة، بضغوط جدية على النظام السعودي حتى يقدم تنازلات في اليمن. كما فرض كبار المسؤولين بالإدارة الأمريكية، الذين نادوا بوقف إطلاق النار ابتداء من نهاية نوفمبر/تشرين الثاني، على المبعوث الخاص للأمم المتحدة لليمن، مارتن غريفيت، التسريع بالتحضيرات قصد تنظيم جولة جديدة من المفاوضات بعد محاولة غير ناجحة في سبتمبر/ أيلول.

بعد سنوات من تجنب الموضوع اليمني بسبب نفوذ أهم أطراف التحالف، أي العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، قدمت المملكة المتحدة أخيراً مشروع قرار لمجلس الأمن في 19 نوفمبر/ تشرين الثاني. وقد تم تأجيل المصادقة عليه بسبب معارضة أعضاء التحالف (الذين كانوا يتحركون من خلال الكويت، العضو غير الدائم في مجلس الأمن آنذاك). وجاءت هذه المعارضة على الرغم من أن مشروع القرار كان يشير بصفة صريحة إلى أنه لا يهدف إلى الطعن في محتوى القرار رقم 2216الذي يعتمد عليه الرئيس الهادي لتبرير موقفه والذي يُضفي صفة الشرعية على التدخل السعودي.

ولقد ركز نص القرار الجديد على الضرورة العاجلة لمعالجة الأزمة الإنسانية، داعيا إلى وقف هجوم التحالف ضد ميناء ومدينة الحديدة وتسهيل وصول المؤونة إلى المناطق الأكثر تضررا وهي في معظمها تحت سيطرة الحوثيين. مما يعني فتح الطرقات التي كانت مغلقة بسبب العمل العسكري وفي الوقت نفسه إزالة العوائق الإدارية المفروضة على الوكالات الإنسانية الوطنية منها والدولية. ونظراً لكون الأزمة الغذائية نتجت بشكل رئيسي عن غياب السيولة في البلاد فلقد أوصى مشروع القرار كذلك بضخّ دولي للأموال داخل الاقتصاد.

مشاكل ما زالت عالقة

وفي سياقٍ تميز بضغوطات إضافية مورست على التحالف الذي تقوده العربية السعودية، تمثلت على الخصوص في المحادثات بين الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، ومحمد بن سلمان خلال قمة المجموعة العشرين بالأرجنتين، فلقد تم عقد اجتماع تحت رعاية الأمم المتحدة في بداية ديسمبر/ كانون الأول بالسويد بين مبعوثي الحركة الحوثية وحكومة الهادي. وعلى مدار أسبوع كامل ومع ضغط إضافي مورس بوجود غوتيريس نفسه في اليوم الأخير من الاجتماع، وافق الطرفان على التوقيع على ما سمي رسميا ب “اتفاق ستوكهولم”.

وهو اتفاق يتكون فعليا من ثلاثة أجزاء: الأول عبارة عن إعلان نوايا والثاني التزام مقتضب بتشكيل لجنة خاصة لمناقشة الوضع في تعز، والثالث خاص بمحافظة الحديدة ووصول المواد الأساسية للسكان عبر موانئ البحر الأحمر. وكان هناك اتفاق سابق صودق عليه في بداية الاجتماع يتعلق بتبادل الأسرى، وقد تم تبادل قوائم ب16000 اسم وجرى الاتفاق خلال الاجتماع على آليات تنفيذ هذه الوثيقة.

غير أن محادثات السويد لم تسمح بالاتفاق على مسألتين رئيسيتين أخريين: فتح مطار صنعاء وهو مطلب عام لسكان شمال البلاد (سواء في المناطق الحوثية أو تلك التي ليست تحت سيطرتهم) ومناقشة الوثيقة الإطار للمفاوضات التي قدمها المبعوث الخاص للأمم المتحدة بهدف الوصول إلى حل سلمي.

بخصوص محافظة الحديدة ينص اتفاق ستوكهولم، فضلا عن وقف إطلاق النار ووعد بسحب القوات العسكرية للطرفين من الميناء وتحويل إدارة أنشطة الميناء إلى الأمم المتحدة، ينص أيضا على دفع إيرادات الميناء إلى الفرع المحلي للبنك المركزي اليمني واستعمالها في دفع مرتبات الموظفين. ويظهر من غموض الاتفاق ومن طابعه المقتضب أن الوقت لم يكن كافيا للإحاطة بكل الأمور مما أدى إلى تأجيل حل المشاكل إلى ما بعد. وبالتالي يحمل الاتفاق عيوبا كامنة تترك بطبيعة الحال مجالا واسعا لتأويلات مختلفة تستغلها كل الأطراف.

وتم تشكيل لجنة لتنسيق عملية إعادة الانتشار، مكونة من ستة أعضاء (ثلاثة لكل طرف) وبرئاسة الأمم المتحدة قصد الإشراف على وقف إطلاق النار وإجراءات الإخلاء. وعين على رأسها أحد كبار الضباط الهولنديين من المتقاعدين. وفي أعقاب اتفاقية ستوكهولم تمت المصادقة في نهاية المطاف على قرار جدّ مخفف (يحمل رقم 2451) من طرف مجلس الأمن للأمم المتحدة في 21 ديسمبر/ كانون الأول.

وفضلا عن المصادقة على اتفاقية ستوكهولم، تمثلت مساهمة الاتفاق الأساسية في السماح للأمين العام بنشر فريق تابع للأمم المتحدة مكلف بمراقبة تنفيذ الاتفاقيات. ومن بين الأمور التي جاءت في القرار إزالة الإشارات إلى المسؤولية المترتبة عن مخالفات القانون الإنساني الدولي التي كانت موجودة في النص الأول الذي اقترحه البريطانيون.

غياب العنصر النسائي

وكما كان من المتوقع، فمنذ بدء سريان وقف إطلاق النار حصلت انتهاكات عديدة، متباينة من حيث خطورتها. حيث تواصلت المعارك على كامل التراب الوطني كما اعتبر الهجوم بطائرة بدون طيار الذي قام به الحوثيون ضد استعراض عسكري في جنوب البلاد، في 10 جانفي/ كانون الثاني 2019، بمثابة إشارة إلى ضعف التزام هذا الطرف بالسلام. علماً أن الحوثيين قاموا بتمثيلية ماهرة في الحديدة بتسليم شكلي للميناء إلى خفر السواحل لكن هيئةً أخرى تحت سيطرة الحوثيين قد حلّت محلهم في واقع الأمر. وهو نموذج من المحتمل أن يعاد إنتاجه في المستقبل لأن كلا المجموعتين لديهما مؤسسات موازية.

وسوف تتوقف الى حد كبير قدرة كل من الطرفين على إقناع مراقبي الأمم المتحدة بأن التنفيذ الشكلي للاتفاق يتم بحسن نية، على عاملين: أولا، معرفة المراقبين الحقيقية بالوضع على الأرض، وثانيا، قدرة الأعضاء في اللجنة والناطقين الرسميين لدى الطرفين على إقناع العالم بهذا الأمر (وهنا تجدر الملاحظة حول غياب النساء في حين أن المجتمع المدني اليمني قد أطلق حملة تفرض على المتحاربين تخصيص حصة للنساء داخل المفاوضات).

ورغم كل ذلك ومهما كانت نقاط ضعفه، يمثل اتفاق ستوكهولم بصيص أمل أولي ل29 مليون يمني ينتظرون السلام بفارغ الصبر في حرب طاحنة قاربت على الأربع سنوات. خاصة بالنسبة ل20 مليون من هؤلاء السكان الذين يواجهون حالة “انعدام الأمن الغذائي” وهي عبارة تعني ببساطة المجاعة في لغة الأمم المتحدة.

فرص السلام في 2019 ضعيفة جدا: لقد أظهر التاريخ لمرات عديدة أن هذا النوع من المفاوضات هو بداية مسار طويل للغاية. وفي الوقت الحالي لا شيء يشير إلى أن الأطراف المتنازعة قد وصلت الى قناعة بأن المفاوضات والسلام يشكلان خيارا أفضل بالنسبة إليها بدل مواصلة القتال من أجل النصر مهما كانت معاناة السكان.

التعليم من أهم التحديات

ومن المجدي هنا، قصد إبراز درجة حالة الطوارئ أن نقوم بمجهود استشرافي وأن نتساءل عن أثر إطالة الحرب على مستقبل اليمن خصوصاً على الأطفال؟ يواجه هؤلاء تحديات متعددة فورية وأخرى طويلة الأمد. كان اليمن قبل النزاع، البلد الذي يعد أعلى نسبة من الأمية بالمنطقة، ويتم اليوم خلق جيل جديد من البالغين الأميين كون مليوني طفل (أي ربع السكان في سن الالتحاق بالمدارس) لا يذهبون إلى المدرسة.1 .هناك أكثر من 2500 مدرسة غير صالحة للاستعمال (16% من المجموع) إما لأنها تضررت أو دمرت بفعل الأعمال العسكرية (23% المجموع) أو لأنها أغلقت بسبب غياب الموظفين أو لأنها تستعمل كملاجئ للنازحين أو تم تسخيرها من طرف المجموعات المسلحة.

في بلد يتميز بموارد طبيعية محدودة، ترتبط كل تنمية اقتصادية مستقبلية ناجحة بوجود بالغين حصلوا على تعليم عال وقادرين على الانخراط في الاقتصاد الحديث. ويجد الأشخاص الأكثر تعلما وظائف أفضل أجرا ونسبة البطالة بينهم ضعيفة جدا وهم بالتالي أقل ميلا للالتحاق بالمجموعات المتطرفة أو دعمها.

وفضلا عن جيل الأطفال خارج المدارس ، فإن المدارس المفتوحة لا تعمل إلا بمستويات دنيا، بدون معدات ووسائل أساسية وبموظفين في كثير من الأحوال لم يتلقوا رواتبهم منذ أكثر من عامين. مما دفع بكثير من المدرسين إلى ترك العمل باحثين عن مصدر دخل في أماكن أخرى أو لأنهم بكل بساطة غير قادرين على دفع تكاليف النقل.

وليس التعليم ضروريا لمستقبل البلاد فحسب، بل هو اليوم وسيلة فعالة لحماية الأطفال من خطر التجنيد من قبل الحركات المسلحة ومن العمل في سن مبكرة وأيضا بالنسبة للفتيات لتجنيبهن الزواج المبكر. ووراء الآثار المترتبة على مستقبل اليمن والناجمة عن غياب التعليم لملايين البالغين، يعاني الأطفال من مشاكل فورية ستؤثر عليهم على الدوام في فترة ما بعد الحرب. كما تبين ذلك بشكل واسع في العالم كله، فإن الأطفال الناقصي الوزن عند الولادة هم أكثر عرضة للأمراض وسوء التغذية ولذلك آثار على قدراتهم الفكرية والجسدية طيلة حياتهم. ففي ديسمبر/ كانون الأول 2018 كان هناك حوالي 1,1 مليون امرأة حاملا أو مرضعة و1,8 مليون طفل يعانون من نقص التغذية. وكما رأينا ذلك في وسائل الإعلام في الأشهر الأخيرة، كثير منهم يتضورون جوعا ولم يبق لهم سوى الجلد على العظم وهم من الضعف إلى درجة أنهم لم يعودوا قادرين على البكاء أو الحركة. وكما أشارت إلى ذلك منظمة اليونيسيف مرات عديدة خلال سنة 2018، يموت طفل يمني كل 10 دقائق بسبب سوء التغذية. وأكثر من 7 ملايين طفل يمني يذهبون إلى النوم جياعا كل ليلة، وهم يمثلون نصف 15 مليون شخصا يعانون من سوء حاد في التغذية. سيعاني كل الأطفال الناجون من سوء التغذية بمستويات مختلفة من إعاقات بدنية وفكرية طيلة حياتهم. وبسبب سوء التغذية المبكر المرتبط بالحرب قتل أو جرح أكثر من 6700 طفل ويكون 85 ألف طفل قد ماتوا بصفة مباشرة أو غير مباشرة بسبب الجوع.

جيل جريح مدى الحياة

نزح ما يقارب المليون ونصف المليون طفل ويعاني الملايين منهم من الصدمات النفسية الناجمة عن القرب من مناطق الحرب، بما في ذلك العديد من الجبهات المشتعلة. وهم يخشون أيضا هجمات الطائرات بدون طيار والغارات الجوية وأحداث مرعبة أخرى يمكن أن تحدث فجأة في كل مكان من البلاد في جو منقشع أو في غيره، ليلا أو نهارا. والخوف والرعب الناجمين عن هذه الوضعية إضافة إلى ظروف المعيشة (أو بالأحرى ظروف البقاء على قيد الحياة) تزداد صعوبة إن لم نقل لا تطاق. كل ذلك يخلق جيلا من الأشخاص متأثرين نفسيا ولن يكون بمقدور كثير منهم عيش حياة عادية.

وتقدم اليونيسيف ومنظمات أخرى للمدرسين وأشخاص آخرين تكوينا في مجال الدعم النفسي-الاجتماعي، ولكن ذلك، في أفضل الأحوال، لا يمكنه سوى التخفيف من المشكل ومساعدة الضحايا على مواجهة صدماتهم. ولكنه لا يحل الأثر النفسي العميق لحياة تمت خلال سنوات في ظروف الحرب وفي مواجهة المجهول. كما تعد مسألة الجنود الأطفال مهمة في ذاتها، ففي بيئة تتسم بالبطالة حيث لا يوجد عمل والأسر فيها يائسة والبالغون (عندما يكونون “موظفين”) لا يتقاضون أجورهم، يأتي الانخراط في ميليشيا أو تنظيم عسكري آخر منفذا ممكنا للأطفال ابتداء من سن مبكرة. من المرجح أن الرقم الرسمي بخصوص 2700 طفل-جندي أقل من الواقع، حيث يشكل بالنسبة للعديد من العائلات وجود ابن لهم في تنظيم عسكري مصدر الدخل الممكن الوحيد في ظرف التهبت فيه الأسعار واختفت المداخيل. ولم تستعمل الفصائل المتناحرة الأطفال الجنود فحسب، بل يبدو أن التحالف يستورد أيضا أطفالا محاربين من السودان . وعلى الرغم من هذا الواقع، فإن الجهود المبذولة لتنفيذ خطة العمل لإنهاء استعمال وتجنيد الأطفال الجنود من طرف القوى المسلحة، هي جهود جسيمة. لحسن الحظ فإن وباء الكوليرا، الذي كان أكبر أزمة طبية خلال سنة 2017 ، قد مسّ عددا أقل من الأشخاص في 2018. ولكن بين جانفي/ كانون الثاني ومنتصف نوفمبر/ تشرين الثاني 2018 ، تم رصد 280 ألف حالة من بينهم 32% أطفال2. وهذا يشير إلى استمرار أزمة ستأخذ محادثات السلام دون شك وقتا لحلها وهناك أمراض أخرى انتشرت ولكن سوء التغذية لوحده يضعف الأطفال ويضفي على أمراض قد تكون خفيفة في ظرف آخر أبعادا مأساوية. كما أشار إلى ذلك جيرت كابيلير، مسؤول اليونيسيف في ديسمبر/ كانون الأول 2018 :“لقد تجاهل أصحاب القرار منذ عقود بشكل شبه تام مصالح الأطفال اليمنيين”.

من الواضح أنه بعد انتهاء هذه الحرب العقيمة والقاتلة سيرتبط مستقبل اليمن بأطفاله. وسوف يرثون بلدا مدمرا بسبب قادة أنانيين وجشعين، تسببوا في معاناة مروعة وغير مسبوقة في البلاد ولا يظهرون أي تعاطف ولا التزام بالبحث عن حلول للمشاكل الأساسية لليمن. وإن كان هؤلاء الأطفال متأثرين مدى الحياة على المستوى النفسي والجسدي كيف سيتسنى لهم إعادة بعث بلد بحوكمة أفضل يكون قادراً على توفير مستوى معيشي لائق لشعبه؟

كتب:  هيلين لاكنر 

ترجم المقال:  حميد العربي

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة