السودان : هدير الغضب الشبابي

انتفاضة لا تحظى باهتمام الإعلام

قضايا

22  يناير  2019

يشهد السودان منذ ما يقارب الشهر انتفاضة شعبية عارمة يتصدرها الشباب. يثورون على حكم عسكري قائم في البلاد منذ ثلاثين عاماً وقد أصابه الإفلاس على كافة المستويات، اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً. ومع ذلك فهذا الحراك الشبيه بالحراك الذي عمّ العالم العربي في شتاء 2010-2011 لا يجد صدى كبيراً في الخارج.

بقلم: طارق الشيخ، صحفي سوداني

في صبيحة يوم 25 كانون الأول / ديسمبر وقفت بعض النسوة في ولاية الجزيرة القريبة من الخرطوم يهتفن ودون خوف في وجه الرئيس السوداني عمر البشير “أرحل .. أرحل” . وكذلك أيضا هتف بعض الصبية أمام مجموعة العربات المظللة المسرعة والتي تقل الرئيس البشير ومرافقيه “حرية سلام وعدالة والثورة خيار الشعب” . كانت تلك لحظة فارقة لم يعد عندها السودان على حاله . تبدلت الأحوال سريعا وباتت الأرض تميد من تحت أقدام الرئيس البشير . وها هو يستمع وللمرة الأولى منذ توليه السلطة بعد الانقلاب في يونيو 1989 وبوضوح شديد ومباشرة لصوت الشعب ممثلا في بعض النسوة والصبية . ذلك الهتاف كان كافيا لأن يرحل البشير سريعا مغادرا مكان الإحتفال ليعود الى العاصمة الخرطوم والتي لم تكن أحسن حالا من غيرها من مدن السودان الخمسة والعشرين التي انتفضت في وجه الحكم وفي توافق مزلزل .

“تسقط بس”

وفي الواقع اصبح كل يوم يمر على السودان يزداد فيه اليقين لدى السودانيين بأن صفحة حكم الرئيس السوداني عمر البشير تطوى عمليا . لم تعد أمام الرئيس تلك المساحة الكبيرة التي ظل يتحرك فيها طوال ثلاثة عقود والى ماقبل الثورة الشعبية في 19 كانون الأول / ديسمبر الماضي . الزلزال الشعبي الرافض للحكم يضرب كل مدن السودان من أصغرها الى أكبرها وهتاف واحد يوحدها “أرحل .. أرحل” . ومع مرور الوقت ليس فقط تتداعى جدران الخوف بل ينتقل الخوف الى صفوف القوى المشكلة للنظام والتي تتهاوى صفوفها وترتبك خطاها تباعا ، ومع هذا السقوط تزداد الجموع جرأة وتخف القبضة الرادعة عن خناق الشعب .

الشارع السوداني يزداد تنظيما ويتعزز تصميمه على اقتلاع النظام . ولم تعد الوعود التي أطلقها الرئيس البشير بالإصلاحات ، ولا التهم التي كالها عن الخونة والمندسين والمخربين تغير شيئا في الواقع . لقد حسم الشعب السوداني أمره وأوجز مطلبه في عبارة بليغة وجهها للبشير فانتشرت في أرجاء السودان “تسقط بس” . على أرض الواقع تطوى سريعا ثلاثون عاما من الحكم المنفرد للأخوان المسلمين في السودان الأكثر دموية والأكثر تدميرا والأكثر ايلاما للسودانيين شهدت فصلا لجنوب السودان ، وحروبا دامية في المناطق الثلاثة في دارفور وجنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق . واذا ما انتهت هذه الحقبة الكالحة تكون قد انقضت التجربة الأولى الأكثر فشلا في حكم السودان ، والأسوأ لحكم الإخوان المسلمين على مستوى العالم العربي .

تأييد أحزاب المعارضة

ومع استمرار وتصاعد وتيرة الحراك الشعبي ، بدأ معه الحراك المنظم للقوى السياسية في زيادة سرعة الإيقاع والتنسيق بين صفوفه بقيادة الأحزاب السياسية الكبرى المعارضة ممثلة في أكبر جسمين سياسيين نداء السودان ويقوده حزب الأمة القومي بقيادة الصادق المهدي ، وقوى الأجماع الوطني بقيادة الحزب الشيوعي السوداني والى جانبهما تصطف قوى تجمع المهنيين وقوى أخرى . ويوم بعد آخر ترتفع وتيرة الحراك السياسي والضغط على حزب المؤتمر الوطني الحاكم ورئيسه عمر البشير بالتنحي عن الحكم . هذا التحرك من جانب القوى السياسية يعيد تطبيق الحراك المجرب في التجربتين الماضيتين للثورتين الشعبيتين اللتين شهدهما السودان في أكتوبر 1964 عند الإطاحة بحكومة الفريق إبراهيم عبود ، أو في ثورة أبريل الشعبية التي أنهت حكم المشير جعفر نميري عام 1985 . مع إدراك المتغيرات التي حملها الحراك الشعبي هذه المرة . وعلى خلاف التجربة السابقة عندما اندلعت الثورة من قلب العاصمة الخرطوم تقودها جموع النقابات وطبقة المثقفين وتدعمها الأحزاب السياسية و كانت جميعها أكثر نضجا وحيوية وعنفوانا بالتأكيد من الحراك الحالي . الثورة الشعبية هذه المرة تمثل حراكا مدهشا فعلا من حيث التصميم وقوة الإرادة الشعبية تقوده وتحركه قوة وإرادة شبابية هائلة غير مسبوقة . قوة الحراك الشعبي باغتت الحكومة وفاجأت بمستواها التنظيمي والوعي الجماهيري المصاحب حتى القوى الحزبية المعارضة . حركة شعبية واضحة في هدفها وفي غاياتها في التغيير الحقيقي وبناء سودان جديد أوجزت ذلك في الشعار الرئيسي المرفوع “حرية سلام وعدالة”. لقد تجاوزت مدن السودان واقاليمه العاصمة الخرطوم و ثاني أكبر المدن ودمدني من حيث قدرتها على تنظيم قواها ، وبدت أكثر ثورية في تحركها وتقدمها لمقارعة النظام القابض على الحكم بالحديد والنار . يلفت النظر أن أبرز سمات الثورة الحالية هو الظهور الطاغي لعناصر الشباب المفاجأة التي سيكون لها حتما دورا في صياغة الواقع السياسي لمابعد اسقاط الحكم . وهي مفاجأة هزت ضفتي الحياة السياسية السودانية حكومة او معارضة سياسية .

ثلاثون عاماً داخل القمقم

فالحكومة قبل هذه الأحداث بدت واثقة من كونها قد خلقت جيلا شكلته كما تريد عبر مناهج دراسية تستوحي الفكر الإسلامي للإخوان المسلمين . الحكومة نشرت وبشكل ممنهج حالة من الهوس الديني في كل مفاصل الدولة وسيطر التعسف والغلو في الدين مصحوبا بالفساد الذي نشره أركان الحكم من أفراد الطبقة من الرأسمالية الطفيلية الثرية المستحدثة والتي احكمت قبضتها على موارد وثروات البلاد . نشر هذا الجو المليء بالمتناقضات وكبت الحريات حالة من الإحباط واليأس وسط شريحة واسعة من الأباء من إمكانية نهوض وثورة جيل الشباب وحسبوا أن الشباب قد ضاع وفقد البوصلة . لاسيما وان هذا الجيل من الشباب الذي يقود اليوم الثورة الشعبية قد ترعرع في عهد الإخوان المسلمين وعاش محاولات ممنهجة لإحداث قطيعة تاريخية بينه وبين الماضي . ولكأن الشباب قد انتظر 30 عاما داخل القمقم الأخواني ليخرج الى الشارع ماردا قويا تقوده قيما جديدة ، وتدفعه بواعث للتغيير الحقيقي ، ويحلم بإعادة صياغة المجتمع السوداني على أسس ومفاهيم جديدة احتواها بشعار رئيسي له دلالة “حرية سلام وعدالة” . وظني أن هاتين الميزتين ستلعبان دورا حاسما في تحديد شكل الحكم الجديد وتضعان أسس لتجربة جديدة وتاريخية .

االشباب السوداني وطلابه خاصة مثل تاريخيا جذوة النضال السياسي . في عام 1948 انبثقت الحركة الاستقلالية التي تشكل من عمقها مؤتمر الخريجين. حركة الخريجين ولدت بعد حراك ثوري اعقب ثورة عام 1924 والتي قمعتها قوات الاستعمار البريطاني بقسوة وعنف . تلك الثورة المسلحة وماصحبها من إحساس بالخذلان للثوار كلف الشباب الوقت للتريث والاعداد لثورة أخرى ضد المستعمر مستلهما النضال السلمي لغاندي والمؤتمر الهندي الذي أستقت منه اسمها “مؤتمر الخريجين” . و استغرق هذا الطريق النضالي المتعرج الذي قطعه شباب الثورة من الخريجين 24 عاما كاملة حتى بلغ ذروته وتفجر بعد ستة أعوام من تشكيل مؤتمر الخريجين وانتهى الى استقلال السودان عام 1956.

اليوم وللمفارقة تنبثق هذه الحركة الشعبية القوية التي يقودها الشباب والسودان يحتفي بالذكرى 63 لاستقلال السودان . الان استغرق الأمر أيضا طريقا طويلا ومتعرجا لفترة 30 عاما حتى فجر جيل الشباب الحالي غضبته وخرج للثورة على أول تجربة للحكم يصل فيها الإخوان المسلمين للحكم في العالم العربي وعبر انقلاب عسكري . والمفارقة أنه اذا كان شباب الخريجين قد خاض معاركه مستفيدا من معطيات وبنيات دولة حديثة ، وتعليم حديث ومرافق تعليمية وحرية نسبية في ظل المستعمر ، فإن شباب الثورة ضد الإسلاميين اليوم لايجد شيئا من هذا فالحريات في محنة حقيقية والقمع والقوة المفرطة هو لغة الحكومة الوحيدة والتعليم فوضى مخيفة والتردي في كل المرافق سمة الحاضر . وماقامت به الحركة الإسلامية ومنذ الأيام الأولى في السودان والى اليوم سيظل رمزا للتخبط والعبث بمقادير الأمم . ولهذا فان الأجيال التي عاشت وترعرعت في ظل حكم الاخوان المسلمين لم يجدوا عمليا سوى دولة تواصل الانهيار عاما بعد الاخر . وعاشوا عالمين بين ثقافة شعبية متوارثة تمجد السودان المحكي “الذي كان بخيره” وفقا لتعبير عمر البشير ، والسودان الواقع المعاش مثال الفساد والتراجع بخطوات متسارعة في التعليم والإنتاج والصحة والغذاء . على أنه وفي جوف هذا الوضع المتردي كان ثمة جيل يولد ويتطلع ويحلم باللحاق بركب العالم المتحضر . وحيث أنه جيل يعيش عالمين أحدهما سماعي والأخر يعيشه يوميا وبكل تفاصيل القبح الذي يحيط به فقد اختار أن يشق طريقا مختلفا . واذا كان الطريق الذي بلغت نهايته الثورات الشعبية السابقة أنتهى الى حكم طائفي اقطاعي ولهذا فان الثورة الشعبية الحالية التي يقودها الشباب تنشد إقامة مجتمع جديد أبعد مايكون عن الحكم الديني ولايرتهن الى الطائفة ويستشرف بنية جديدة للدولة قوامها الحرية والعدالة والسلام . بمعنى آخر دولة خارج جاذبية الدين والطائفة وتتسع للجميع على اختلافهم . بمعنى آخر أن التجربة الشبابية الحالية تجد نفسها في حل عن الإلتزام بالقيود المجربة في السابق والتي تقطع فيها الطريق أمام الثورة وتحول دون بلوغها للنهايات الطبيعية . وإذا مانجحت الثورة الشبابية هذه المرة فسوف تكون مختلفة عن التجربتين السابقتين وتحمل معها خلاص السودان من متتالية الحلقة الشريرة ( إنقلاب ، ثورة ، انقلاب) والتي أضرت كثيرا بتطور الحياة السياسية في السودان .

إبعاد القبضة الطائفية عن الحكم

ولهذا سيظل الشباب الذي يقود الحراك اليوم موضع شد وجذب بين قوى الثورة والتي يصطف فيها الى جانبه ممثلين عن النظام القديم في معارضة طائفية ممثلة في الحزبين الأكبر في السودان الأمة بقيادة المهدي والاتحادي الديقمراطي بقيادة الميرغني . والطائفتين عمليا تمثلان الوريث الشرعي لكل نظام أطيح به في السودان . وتقود مجموعات كبيرة وسط شباب الحراك الثوري فكرة رئيسية ترى في الطائفتين بعضا من أسباب الدمار والتخلف الذي ظل يعاني منه السودان . ولهذا يعتقد هؤلاء ان التقدم يعني ابعاد القبضة الطائفية عن الحكم بالقدر المستطاع . ولهذا واجهوا بالرفض القوي أطروحات الصادق المهدي فيما سمي بالهبوط الناعم أي بتفكيك النظام والإبقاء على شخوصه ضمن الهيكل الجديد للدولة . ويعتبرون أن وجود أبناء كل من الصادق المهدي والميرغني في قمة الحكم كمساعدين للرئيس عمر البشير تجسيدا لتحالف غير منظور و خيانة للطموحات الشعبية في تغيير النظام . كذلك يرون في أجندة الحزبين الطائفيين والحركة الإسلامية اتفاق غير معلن على محاربة فكرة الانعتاق والتقدم وإرساء مجتمع حديث . ومن هنا تبرز صعوبة ماثلة تجسد مدى وعورة الطريق التي يسلكها الشباب في تحركهم الحالي . وفوق ذلك فإن الشعارات والهتافات التي ظل ترددها جموع الشعب في الثورة الحالية بما في ذلك الأغاني والأشعار التي تضج بها وسائل التواصل الاجتماعي تربطهم بشكل وثيق بأدبيات وثقافة الحزب الشيوعي الرائجة في مقاومة النظام . وهذا مايزيد من توجس الطرفين الحكومة والحزبين الطائفيين معا من تقديم الدعم التام للحراك الشعبي برغم حقيقة وجود عناصرها ضمن الحراك الشعبي المطالب بالتغيير . ويمكن القول بان الحلم بالتغيير الذي يتطلع اليه شباب الثورة اليوم قد أوصلهم الى ذات الطريق التي ظل يسير عليها الحزب الشيوعي تاريخيا وبمعين ذاخر وادب ثوري شعبي سوداني رائج ومقاوم . وهذا مايفسر الاستخدام العفوي لزخم الشعارات والهتاف والأهازيج المستوحاة من شعراء ومثقفين كبار ارتبطوا تاريخيا بالحزب الشيوعي وحركة الشارع المنتفض مثل محجوب شريف وحميد ( اسمه الكامل محمد الحسن سالم لكنه اشتهر باسم حميد فقط بضم الحاء وسكون الدال ) . وثمة رابط آخر يعزز التقاء رؤى جيل الشباب والحزب الشيوعي وغيره من القوى التقدمية في السودان يتمثل في القناعة القوية والإيمان الذي يرى بأن المخرج من أزمات السودان لن يتم سوى بإقامة دولة مدنية قائمة على حكم القانون وتحترم الأعراق والمكونات القبلية وثقافة الاخر .

ثورة تطمح الى تضامن عالمي

ومن هنا يمكن النظر الى الثورة الحالية في السودان حراكا مختلفا في كثير من عناصره وطموحاته وأهدافه مايتجاوز كل الثورات والانتفاضات الشعبية السابقة . فثمة رؤى جديدة واقعية تأخذ من العالم المحيط مغريات التطور والحداثة ويمدها باسباب القوة من ثورة معرفية بمنتجاتها . بل يلهمها في حراكها وتحولها الى ثورة قيمية جديدة ولا أدل على ذلك من ان جيل الشباب الحالي بدا مكتفيا بأغانيه الثورية الملهمة التي تستبق النصر وتوصل أفكارها الى كافة شرائح المجتمع وتتعداه بكل اللغات الى العالم الأكثر رحابة . إنها ثورة لا تأمل كثيرا من انبعاث روح التضامن في أقليمها العربي خاصة الذي تصمت حكوماته بين خوف من التغيير الحقيقي وعدوى انتقال هذا التغيير السلمي لدولهم . ثورة تطمح الى تضامن عالمي توفره قوى السلام وعالم مابعد الثورة الصناعية بكل مافيه حيوية وقيم أكثر إنسانية تتشكل وتتطلع الى الميديا العالمية لتوصيل رسالتها . ولهذا فإن الثورة والحراك الجماهيري والشبابي في السودان وبرغم زخمه المرتفع فإنه موعود بجولات أكثر سخونة وقوة وتحديات كثيرها محلي وأكثرها ضراوة وقوة من القوى الرافضة للثورة والتغيير الحقيقي لا الشكلي محليا وإقليميا وربما دوليا .

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة