عقل العصفور وتوزيع أراضي سوريا

قضايا

16  يناير  2019

صدق قاسم سليماني، قائد «فيلق القدس» في «حرس الثورة الإسلامية» الإيراني، عندما وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبل عام ونصف بأنه صاحب «عقل عصفور»، مشبّهاً أمريكا «بمن يحمل رأس ديناصور ويملك عقل عصفور». والحقيقة أن الوصف ينطبق تماماً على ترامب الذي يشكّل «التغريد» طريقته المفضّلة في التعبير عن آرائه! وقد بلغت تغريدات ترامب العصفورية (بالمناسبة، من جميل الصُدَف أن «العصفورية» كلمة تُطلق بالعامية في بعض البلدان العربية على «مستشفى المجانين»، أي المصحّ العقلي) بلغت إحدى ذرواتها من حيث خفّة العقل في تعامله مع الدولة التركية في إطار ما وصفناه قبل أسبوع بأنه تخبّط خالٍ من أي منطق وأقرب إلى نزوات المصابين بعته شيخوخي.
فلننظر في مسلسل تغريدات الرئيس الأمريكي المتعلقة بسحب القوات الأمريكية من سوريا، وهو قرار فاجأ به ترامب العالم عندما أبلغه لنظيره التركي رجب طيّب أردوغان في مكالمة هاتفية يوم 14 كانون الأول / ديسمبر الماضي. وإزاء العاصفة التي أثارها ذاك القرار، أخذ ترامب يغرّد تبريراً لموقفه: فبعد إعلانه عن القرار بخمسة أيام، كتب «لقد هزمنا داعش في سوريا وهو السبب الوحيد لوجودنا هناك خلال رئاستي». وفي اليوم التالي، في 20 الشهر، أطلق ثلاث تغريدات متتالية شرح فيها أنه دعا إلى سحب القوات الأمريكية من سوريا منذ سنوات، وأن «روسيا، إيران، سوريا (قاصداً نظام آل الأسد) وغيرها هي عدوّات داعش المحلّية، وكنّا نقوم بمهمتّها». وسأل ترامب «هل تريد الولايات المتحدة أن تكون شرطي الشرق الأوسط، تحصل على لا شيء (مشدّداً على «لا شيء») وهي تخسر أرواحاً ثمينة وآلاف مليارات الدولارات في حماية آخرين بينما هُم، في جميع الأحوال تقريباً، لا يقدّرون ما نفعل؟» ثم أضاف إحدى أفقع الأكاذيب التي تخصّص بإطلاقها بغزارة قلّ مثيلها بين الناس العاديين، وكم بالأحرى بين الحكّام، مدّعياً أن «روسيا، إيران وسوريا غير مسرورة من مغادرة الولايات المتحدة لأنها سوف تضطرّ الآن إلى مكافحة داعش بدوننا».
وبعد سلسلة التغريدات تلك بثلاثة أيام، كتب ترامب أنه تكلّم مجدّداً مع نظيره التركي في «مكالمة طويلة ومثمرة» ونسّق معه انسحاب القوات الأمريكية من سوريا وبحث أيضاً في «زيادة التبادل التجاري بصورة كثيفة». ثم أضاف في تغريدة لاحقة أن أردوغان أكّد له أن تركيا ستقضي على ما تبقّى من داعش في سوريا.
وفي اليوم التالي، استمرّ هذيان ترامب بتغريدة أكّد فيها أن المملكة السعودية تكفّلت بتمويل إعادة بناء سوريا «بدلاً من الولايات المتحدة»، وقد شكرها ترامب على سخائها. ثم ختم السنة بتواضعه المعهود، مؤكّداً أنه بمثابة «بطل قومي» لنجاحه في القضاء على داعش.
وقبل ثلاثة أيام، في 13 كانون الثاني / يناير، كذّب ترامب جميع الأنباء التي تحدّثت عن تأجيل انسحاب القوات الأمريكية من سوريا، لاسيما بعد تصريحات مستشاره للأمن القومي جون بولتون خلال جولته في الشرق الأوسط التي أكّد فيها على أن القوات الأمريكية سوف تبقى في سوريا حتى دحر إيران إلى خارج البلاد. وقد أراد ترامب بكل وضوح أن يثبت للعالم أنه وحده صاحب القرار وأنه وفيّ لبرنامجه.

كذّب ترامب جميع الأنباء التي تحدّثت عن تأجيل انسحاب القوات الأمريكية من سوريا، لاسيما بعد تصريحات مستشاره للأمن القومي جون بولتون خلال جولته في الشرق الأوسط التي أكّد فيها على أن القوات الأمريكية سوف تبقى في سوريا حتى دحر إيران إلى خارج البلاد

وردّاً على العديدين، وبالأخص داخل البنتاغون، الذين يخشون أن طعن الولايات المتحدة للقوات الكردية السورية في الظهر بعد أن اتكّلت عليها في محاربة داعش، إنما يشكّل موقفاً مشيناً ويفاقم فقدان أمريكا للمصداقية كقوة يمكن المراهنة عليها بعد أن بلغ هذا الفقدان ذروة مطلقة في عهد ترامب، ردّاً على كل هؤلاء أضاف الرئيس الأمريكي: «سوف نُلحق كارثة اقتصادية بتركيا لو ضربت الكُرد»! وختم بالتلميح إلى «منطقة آمنة بطول عشرين ميلاً»، ثم تابع بتغريدة أخرى جدّد فيها التأكيد العبثي على أن «روسيا وإيران وسوريا كانت أكبر المستفيدات من سياسة أمريكا طويلة الأمد في تدمير داعش».
أما يوم أمس (15 كانون الثاني / يناير)، فطلع ترامب علينا بتغريدة أخبرنا بها أنه تكلّم مرة أخرى مع نظيره التركي عن «المنطقة الآمنة» وعن «الإمكانيات العظيمة» في تطوير العلاقات الاقتصادية بين البلدين، هذا بعد يومين فقط من تهديده بإلحاق كارثة اقتصادية بتركيا! وقد شرحت صحيفة «واشنطن بوست» لغز «المنطقة الآمنة» نقلاً عن خبير تركي صرح لها بما يلي: «الفكرة هي أن القوات التركية والقوات (السورية) المدعومة منها سوف تنتشر في أرياف المنطقة الآمنة بينما تحتفظ «وحدات الحماية الشعبية» (الكردية) بالسيطرة على بعض المدن التي تأهلها أغلبية كردية». هكذا يتفاوض الأمريكان والأتراك على توزيع السيطرة على الأراضي السورية… وهم في ذلك أسوأ بعد من روسيا التي حرصت دائماً على إشراك أطراف سورية، نظام دمشق بالطبع وبعض أطراف المعارضة، فيما أشرفت عليه من مداولات حول مصير سوريا مع إيران وتركيا. أما أن يثق أحدٌ بجدّية التزام أي من الأطراف المذكورة بأسرها بأي من الاتفاقات التي تعقدها فيما بينها، فهذا يقتضي أن يكون عقله هو أيضاً عقل عصفور!

نشر في موقع: القدس العربي

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

حوار مع أناند جوبال: رغم أن تنظيم الدولة الإسلامية يعمل في سوريا، ولديه أذرعه حول العالم، إلا أن داعش، في صميمه، ظاهرة عراقية، بل ومن المستحيل فهم هذا التنظيم قبل أن نفهم أولا الهيكل الاجتماعي للمجتمع العراقي قبل وبعد الغزو الأمريكي.

أناند جوبال  ,  أشلي سميث