رجل فخم – الاجتماع (قصتان)

فنون

26  فبراير  2017

رجل فخم

عندما قام الرجل الفخم، قمنا. كان بالفعل فخما ولكنه كان أيضا ودودا ومبتسما وحاسما وفاسدا وجزارا. نظر إلينا وقال بصوت حنون: جئت لأكشف لكم الحق. ثم جلس ثانية فجلسنا. كنا في قاعة ضخمة من قاعات فنادق القوات المسلحة في مدينة ناصر. الحضور كبير، والرجل الفخم يجلس على مقعد أكثر فخامة. وكنا جميعنا نتطلع باهتمام إلى وجهه الذي تضيئه كشافات إضاءة تم تغطيتها بكلك شفاف أحمر اللون منح وجهه دفئا محببا للنفس. كنت قد سمعت عنه الكثير قبل أن أحضر هذا الاجتماع. عرفت أنه ظل يمارس لعقد من الزمن مهمة غسيل الفواتير المصرية. كانت الفواتير المتسخة تأتي إليه فيخلع بذلته الرسمية النظيفة، ويرتدي بذلة الغسيل، ويبدأ بهمة ونشاط في غسيل كل الفواتير التي يزورها جميع المحاسبين القانونيين على أرض مصر الطاهرة. ولأن الفواتير كلها كانت تبدو وهي خارجة من أدراج المحاسبين متشابهة وكأنها طبعت منذ دقائق، فكانت مهمة الرجل الفخم أن يغسلها بشكل يجعل لكل فاتورة عمرا ولونا يختلف عن الأخرى. تخيلوا معي قدرة هذا الرجل في عملية الغسيل. نسيت أن أقول لكم أن الرجل الفخم يمتلك ثمانية أذرع. نرى ستة أذرع لو واجهناه، واثنتان لو نظرنا إليه من الخلف. كما كان يمتلك أربعة أعين وثلاثة أقدام. أما ما هو غير عادي في الرجل الفخم فكانت قدرته على بصق مادة تنظيف من فمه، وكأن لهذا الفم الجميل خرطوم موصول بمحيط من مادة سائلة خضراء برائحة النعناع. ولأن جميع الحضور لا يعرف فخامة قدرات الرجل الفخم، فقد قرر أن يقوم بعرض سريع لغسيل نصف مليون فاتورة مضروبة أمامنا. قام. فقمنا. قال: أظنكم فهمتم الآن. ثم جلس. فجلسنا. لم نكن متأكدين تماما إذا كنا فهمنا ما كان يقصد. ولكننا شعرنا جميعنا أنه يقول كلاما فخما. فزادنا هذا إيمانا بقدراته.

مالت المرأة التي تجلس إلى جانبي، واقتربت من أذني وهمست لي: هذا رجل أحترمه. نظرت إليها فشعرت أنها جد منبهرة. ثم أضافت: ألا ترى كم هو جميل وساحر. فحركت رأسي علامة الإيجاب.

بدأ جيش من شباب يرتدي ملابس سماوية اللون في الانتشار داخل القاعة لتوزيع المأكولات على الموائد. قالت إمرأة أخرى تجلس على نفس مائدتي أنها تريد أن تعرف كم عدد الفواتير التي يغسلها الرجل الفخم في العام. فأكد لها رجل طويل يشبه نخلة بلاستيكية تبث إرسال شبكات المحمول، أن هذا الرجل – من ضمن قلة في العالم – قادر على تبييض كل قذارات الدنيا. فالغش والخداع الذي نعيشه يجب بالفعل ألا يكون ظاهرا للكافة. هنا يأتي دور العظماء من أمثال الرجل الفخم الذي يجملون سطح الحياة ليبدو أن هناك نظاما يسير بالقانون. فمع هذا الرجل تكون الدنيا على شاشات الكاميرات أكثر لمعانا. ثم وقف الرجل النخلة وأشار لها على بذلته وقال: هل ترين كم هي لامعة؟ لم يرد عليه أحد. فأكمل حديثه: هذا لأن الرجل الفخم بصق عليَّ وأنا أسلم على فخامته. ثم رفع ذراعه ليشير إلى تحت إبطه، فخبط الرجل سراجا كبيرا كان يتدلى من السقف، فانكسرت مشكاة، واندلق سائل منظف على رؤوسنا. وكأن لحظة غرقنا هذه كانت إشارة ربانية. فإذ بالرجل الفخم يخبط بأذرعه المصباح الذي أمامه فيخرج منه نفس السائل، ثم يخبط بأذرعه الثمانية كل المصابيح حتى تحولت القاعة إلى بحر من سائل صابوني. حينها تحولت أذرع الرجل الفخم إلى أجنحة حلق بها فوق رؤوسنا وقال بصوته الحنون أننا وعلى الرغم من أننا سوف نغرق ونموت ولكننا سوف نموت مع الحق، لإزهاق الباطل. سوف نموت لكي يعيش الوطن. فرح الجميع بكلماته، وأمسكت بي المرأة المنبهرة لترفع يدها تحية للرجل الفخم، وتهتف بحياته. فابتلعت أنا لترا من المسحوق الأزرق حولني إلى رجل أحمر. وخرجت من أنفي سوائل غريبة، ففرحت أنني سوف أموت وأنا نظيف الأنف. وقبل إنسدال ستار النهاية هبط الرجل الفخم ليقف على رأس أحد العائمين في البحر الطاهر وبدأ يغني: بلادي بلادي. فدمعت جميع الأعين من التأثر.

الاجتماع

جلست على مائدة بيضاوية. جسدها أصفر، مغطاة بزجاج سميك. داخل غرفة حوائطها خضراء مرصعة بلوحات مبهجة مصرية الرائحة. شدت نظري لوحة كبيرة لشيخ البلد على حماره وهو يمسك بشمسية كبيرة، وحوله تجري الكلاب. ومن خلفه رسم الفنان أبراج حمام عملاقة. ارتفعت فوقي قبة عالية التف حولها هواء قادم من فتحات المشربية التي تقع خلفي، مما أعطى للحجرة شعور مريح. ومن فتحات المشربية انساب صوت بائع التين الشوكي ينادي على بضاعته من بعيد، ومع غناء المنادي تسربت إلى أنفي رائحة التين فشعرت بغصة جوع تقرص معدتي.

يبدو أنني حضرت مبكرا. أدخلوني إلى غرفة الاجتماعات في انتظار بدء الاجتماع.

على الرغم من العناية التي أوليتها لاختيار البدلة، واهتمامي ألا تكون ضيقة أكثر من اللازم، أو كبيرة أكثر من اللازم، إلا أنني شعرت فجأة أنها تطبق على أنفاسي وكأنني تضخمت على حين غرة. كيف لي أن أتضخم وأنا لم أفطر صباحا، ولم أتغذى ظهرا؟ بدأ كفي ينز بحبيبات عرق غبية. قبضت على مقبض المقعد الذي أجلس عليه ومسحت عرق كفي في جلده الناعم. تسربت برودة الجلد إلى مسامي، فتوقف النز قليلا. حاولت أن أضبط مشاعري المضطربة، فمصيري متوقف على هذا الاجتماع. نعم مرت أوراقي بسلاسة من مستوى إلى آخر لتعييني مديرا لمسرح في الإسكندرية، إلا أن هذا الاجتماع هو الفيصل.

لماذا اختاروا هذا الفندق بالذات للقاء المرشحين للوظيفة؟ لا أعرف.

كانت أمامي مباشرة لوحة لأراجوز يطل من نافذة وأمامه اصطف صبية يرتدون ألوانا زاهيا، ويفترشون ساحة في قرية مجهولة. كان أحد الصبية يرتدي طاقية مرتفعة قليلا للتشبه بالأراجوز الذي يفتخر بطاقيته العالية ذات اللون الأرجواني.

لا أعرف بمن سوف ألتقي اليوم. أجريت مقابلة واحدة مع رجل خمسيني عن الوظيفة الشاغرة، كنت أعرفه منذ فترة طويلة. هل سوف يكون في مقابلة اليوم؟ كم منهم سوف يأتي للقاء؟ بدأت أعد عدد الكراسي، واحد، أربعة. سبعة. لاحظت أن الأراجوز يحرك طاقيته يمينا ويسارا. ربما يكون قد أصدر أيضا صوتا. وعندما نظرت إليه، عاد إلى سكونه.

يبدو أنني جننت من التوتر.

انفتح الباب ودخل عليّ ثلاثة رجال وسيدتان.

خمسة في عين اللي ما يصلي على حضرة النبي.

انجذب نظري بشكل تلقائي إلى أحدهم. هذه التلقائية التي أتحدث عنها نتجت عن حجم الكتلة الخرسانية التي يشكلها جسده. وقفت ومددت يدي. سلم عليّ الجميع. وجاءت جلسة الرجل الغوريلا أمامي، وإلى جانبه جلست امرأة قصيرة، صغيرة الحجم، محجبة بحجاب لونه لون طاقية الأراجوز.

نظر لي الرجل الغوريلا وبدأ الحديث بجملة ترحيب تقليدية سحبت الأوكسجين من الحجرة حتى شعرت أنني سوف أموت من فوري باسفكسيا الخنق. كانت عيناه على شكل دائرتان عملاقتان، بياضهما شاهق، وفي وسط كل دائرة تمركزت بقعة سوداء صغيرة ملقاه في هذا الخضم الأبيض، بقعة ميتة تماما. تعرفون بالتأكيد هذا الموت الناصع الذي يمنح الإيحاء بالغباء المطلق. وحول الدائرتان وجه قُدَّ من مجموعة عظمية تليق بأعظم الحيوانات صلابة. مرتاح هذا الوجه ببلادة على رقبة تنفر فيها عروق ثلاثة أحصنة انجليزية من أصول منحطة، وتخرج من هذه الرقبة أكتاف دائرية تمت صناعتها في أفخر أنواع صالات الجمنيزيوم.

لم أستطع في البداية أن أرفع عيني عن كتلته الصماء المحاطة ببلوفر رمادي ضيق.

كيف يمكن أن يكون هناك رجلا في هذا العصر ينتمي هكذا إلى إنسان الغاب؟

وعندما بدأ حديثه معي عن أهمية المسرح، تساءلت كيف يمكن أن يجتمع في إنسان واحد كل الصفات التي أمقتها في الإنسانية.

هو بلطجي. بالتأكيد.

يكره كل ما يتعلق بالمشاعر الإنسانية. لا شك عندي في ذلك.

يعشق العنف ويفطر صباحا ثلاث سلاسل حديدة مرشوش عليها بودرة العفريت. هذا أمر مفروغ منه.

ما لي أنا واللقاء بمحارب أقرب إلى البهيمية منه إلى الجنس الذي أنتمي إليه!!

بدأت أبحث عن هواء أتنفسه دون جدوى. انخفض معدل الأوكسجين في جسدي لدرجات خطيرة. شاهدت عزرائيل يقترب مني.

بدأ الأراجوز يرقص ثانية.

وبدأ الصبية يضحكون من حركات الأراجوز.

ابتسمت الغوريلا فظهرت أسنانها التي تستلقي على فك ذئب. مدت يدها لتمسك بأوراق مكتوب عليها سيرة حياتي كمخرج مسرحي. بدأت أتهاوى. قبضت على عيني بيد مستميتة لعلي أتمكن من أن أحول نظري عنه.

صرخ طفل عندما لكزه آخر فاستطعت حينها، وقبل أن أموت مباشرة، أن أحرك وجهي يمينا قليلا. تجرعت جرعة هواء أنقذت حياتي.

كانت المرأة صغيرة الحجم تبتسم لي. عيناها المضمومتان حازتا في العام الماضي لقب الأكثر خبثا. نظرت إليّ وأصدرت فحيحا دار حول القبة التي تعلونا.

طارت الحمائم فزعة، فضحكت الغوريلا ضحكة أسقطت شيخ البلد من على حماره، ونبحت الكلاب التي تجري في الحقول.

كيف يمكن أن تكون لهذه المرأة علاقة بالفن؟ أي فن.

ماذا أفعل هنا؟

هؤلاء يجب أن يعملوا في عصابة داخل وزارة المالية. أو هيئة البورصة. أو واحدة من هذه الهيئات التي يعمل فيها الوحوش والقتلة ومصاصي الدماء.

وقف شيخ البلد بصعوبة بالغة وركب حمارته وبدأ في السير، لكن شمسيته كانت قد تحطمت للأبد. جذبني الرجل الوحش من وجهي بعنف وهو يسألني عن سطر في سيرتي.

هو يقرأ إذن؟

ولكن سؤاله قتل الأراجوز فقفزت فوق المائدة وجريت خارج حجرة الاجتماعات لا ألوي على شيء.

اضافة تعليق جديد

التعليقات

  1. هلير على حزين

    عندما تتحول كوابيسنا الى ابداع ممتع
    مقاومة الموت بالخلق

موضوعات ذات صلة

لينين يكذب أحيانا، ونصوص أخرى لينين كان كاذباً للغاية حينما تحدث عن أن الأمور لابد أن تزداد سوءا كي تنصلح لاحقاً!

أحمد عبد الحميد حسين

ما بين الأدب والصحافة أحد سبل الهروب من آلام الصحافة كان من خلال العمل في قسم الإخراج الصحفي، الذي – على حد تأكيده – منحه حرية أن يعمل ككاتب رأي، يكتب عمودا من حين لآخر في نفس الوقت الذي اجتهد فيه سرا على تطوير محاولاته الأدبية. "كانت الفروق بين الصحافة والأدب تتكشف أمامي تدريجيا؛ فروق تتعلق بالمتطلبات النفسية والحياتية لكل منهما بما يجعلهما أقرب إلى العداء.

نورهان توفيق

الأب الصامت، ونصوص أخرى

أحمد عبد الحميد حسين

هانيبال ليكتر ونصوص أخرى لم يبق للجنرال –مع كل هذا الخمول- سوى أن يعلنَ إلوهيته.

أحمد عبد الحميد حسين

مقاطع من الخميس الدامي لما إنْكَسَر عرابي من على الحصان لا انهدّ حيل الخيل، ولا قَلِّت الفرسان ولا كتاب النيل فى ليل اتقفل والدم سايل لسه ع العنوان

زين العابدين فؤاد