شمال رام االله، معارضة شديدة لإقامة موقع أمامي إسرائيلي

قضايا

08  يناير  2019

في مطلع شهر سبتمبر /أيلول تمركز حوالي عشرة من المستوطنين على قمة رابية تحتل موقعاً استراتيجياً بين عدة مستوطنات في الضفة الغربية المحتلة. بدأت منذ ذلك الحين حملة واسعة ضد هذه العملية الجديدة للاستيلاء على الأراضي الفلسطينية تحت حماية الجيش الإسرائيلي.

يحتج المعارضون على التمادي في تمزيق أراضيهم وطرد السكان من ديارهم، ويستنكرون استحالة حل الدولتين مع مرور الزمن.

الساعة تقارب الحادية عشرة والنصف صباحاً، والسماء زرقاء صافية في هذا اليوم، الجمعة في 30 نوفمبر 2018. في الوادي بضعة من أشجار الزيتون والصنوبر المتفرقة، وحوالي مائة شخص ينتهون من صلاة الظهر، ثم يتوجهون جميعاً باتجاه سفح الرابية المجاورة. ينهمر عليهم في بضع دقائق وابل من القنابل المسيلة للدموع، يطلقها الجنود الإسرائيليون الذين يعتلون الرابية المعروفة ب“جبل الريسان”. بعض الأشخاص – أولئك الأفضل تجهيزاً من غيرهم- يضعون قناعاً من الغاز. أما الآخرين فيشعرون بضيق التنفس. يطلق الجنود الإسرئيليون عليهم رصاصاً مطاطياً. يصاب أحدهم بجروح طفيفة. يعود المتظاهرون أدراجهم مؤقتاً…

موقع متقدم استراتيجي

على بعد 13 كيلومتراً شمال غرب رام الله، على مفترق الطرق المؤدية الى القرى الفلسطينية المعروفة باسم رأس كركر، كفر نعمة، وخربثا بني حارث يشهد جبل الريسان توتراً شديداً. “منذ بداية شهر سبتمبر 2018 جاء الإسرائيليون ليقيموا موقعاً متقدماً1 على قمة الجبل” وهو موقع استراتيجي يطل على القرى الفلسطينية. هذا ما يقوله كل من جوناثان أولمو*، وهو ناشط إسرائيلي يناضل ضد الاحتلال في بلاده وداوود عاشون*2 وهو فلسطيني يعيش في كفر نعمة “أتى المستوطنون وكان عددهم حوالي عشرة أشخاص، ونصبوا خيامهم ليناموا في المكان. ثم بدأوا يزرعون بعض النبات ويوسعون الدرب الذي يربط الجبل برأس كركر” يضيف المتحدثان ويشيران الى الموقع المتقدم.

منذ ذلك الوقت، تقام كل أسبوع صلاة الجمعة في ذلك المكان احتجاجاً على سلب الأراضي. ويلتقي فيه المعارضون من كل الأوساط. وهو أمر لا بد منه حسب داوود عاشون الذي يقول“ستنتزع منا الأراضي عنوةً إن لم نقاوم، حتى لو كنّا أصحابها”.

ومع أن هذه الأراضي تعود ملكيتها بالكامل للقرى الفلسطينية الثلاث المذكورة آنفاً، فهي موجودة في المنطقة جيم (التي تخضع تماماً لسيطرة إسرائيل في الشؤون الأمنية والإدارية)، والتي حددها اتفاق أوسلو الثاني الموقع في سبتمبر 1995. “الجيش الإسرائيلي مجبر على القدوم لحماية المستوطنين الذين قرروا الاستيطان هنا حتى لو كانت الدولة تعلن رسمياً أن نشاطهم غير قانوني.“هذا ما يؤكده خوسي تافديوغلو وهو مناضل إسرائيلي في المنظمة غير الحكومية”تعايش”.

ينظر جوناثان أولمو الى الأفق البعيد، وهو يسند ظهره الى شجرة زيتون، ويقول إن هذه الرقعة من الأرض لها “أهمية خاصة” لأنها تقع على مفترق طرق بين المستوطنات اليهودية “نهالعيل وتالمون ودولي” شرقاً “ومودعين إيلليت” غرباً. وهذه المستوطنة الأخيرة تعتبر من أشد مستوطنات الضفة الغربية تعصباً وأكبرها من حيث عدد السكان فهي تضم 70,100 نسمة. و يضيف المتحدث بلهجة آسفة، مذكّراً بحوالي مائة من المواقع الأمامية الإسرائيلية التي تم تشييدها منذ تلك الفترة “يرمي المشروع على المدى البعيد لإحلال تواصل جغرافي بين المستوطنات الشرقية والغربية عبر شق طريق بينها. هذا ما يفعلونه منذ التسعينات لاحتكار الأراضي وتطويق القرى الفلسطينية تطويقاً محكماً.”

فالتشريعات الإسرائيلية تنص على أن تشييد أي طريق يستوجب مصادرة الأراضي حولها بعرض 100 متر. ويعتبر جوناثان أولمو أن حرمان الفلسطينيين من أراضيهم بهذا الشكل قد يمثل مساحة “بين 1000 و 2000 دونم” (أي من 100 الى 200 هكتار) ويخلق بيئةً مُسَيّجةً بالأسوار ومحاطة بالطرق.

أحجار تقابل السطو على الأراضي

لم يصدر عن السلطات الإسرائيلية أي بيان حول هذا الموقع الأمامي. وبالنسبة لخوسيه تافدييوغلو فالمسألة أيضاً مسألة إعلام. يقول:“بما أن انتشار المواقع الأمامية يكون في البداية افتراضياً فوسائل الإعلام تكاد لا تتطرق إلى الموضوع. حين تبدأ الأشغال على الأرض تنتبه لها وسائل الإعلام ولكن بعد فوات الأوان . حسبكم أن تروا ما حصل في الماضي لتدركوا كيف ستجري الأمور هنا في رأس كركر”. وما يقصده هنا خوسي تافديوغلو هو الموقعَيْن الأمامِيَيْن الذَيْن أقيما في وادي الأردن نهاية عام 2016، والذين نددت بهما المنظمة الحقوقية الإسرائيلية “بتسليم”.

بالنسبة لهيثم الخطيب، المولود في القرية المجاورة بلعين. “ستصبح قرانا شيئاً فشيئاً سجوناً. هذه هي إحدى الوسائل التي يستخدمها المستوطنون لإجبارنا على الرحيل من تلقاء نفسنا“وهي وسيلة”خبيثة“حسب خوسي تافدييوغلو حيث أن”الدولة الإسرائيلية تتملص جزئياً من مسؤولياتها بإعلانها بكل بلادة أن أعمال المستوطنين غير قانونية، ولكنها تستغل “الوضع لبسط الاستيطان في الضفة الغربية.

على جبل الريسان تتخذ المقاومة أشكالاً مختلفة: صلوات، ودبكة على أنغام أغنية تقول “هذه فلسطين!” و“هذه أراضينا! نحن سنبقى هنا! عليكم أنتم أن ترحلو!” كما وتستخدم آلات قذف الحجارة ضد الجنود الإسرائيليين. وحول العنف المرتبط بقذف الحجارة يقول يوسف كرجا، عضو منظمة فتح:“لا يمكن مقارنة الحجارة بأسلحتهم. لو كان لدينا نفس العتاد، لتركنا لهم الحجارة بكل طيبة خاطر…”.

منذ ثلاثة أشهر، تم توقيف عدد من المتظاهرين وإلحاق الإصابات بآخرين، منهم ثلاثة مصورين من الصحافة. ويشهد على ذلك ألبير فوديك*. “إبني عمره 14 سنة وقد رمي في السجن بداية أكتوبر لمدة شهر لمجرد مشاركته بمظاهرة. ولقد أطلق سراحه شريطة ألا يعود الى هذا المكان، وبعد أن دفعنا مبلغاً كبيراً من المال”. ويهتف أحمد عراس*، وهو والد آخر، عمره 47 سنة، من أهالي كفر نعمة، مشيراً الى بعض الشباب الذين يتصدون للجنود الإسرائيليين : “أقول لأطفالي يجب البقاء هنا، وعدم الرحيل! لقد علمناهم أن يحبوا أرضهم رغم المخاطر. وامتحان هذه المشاعر يتمثل بالنضال هنا اليوم”. تسقط قنبلة مسيلة للدموع عند أقدامهم وتتفرق المجموعة وتشعل نباتاً من النوع الزاحف الذي يصدر عنه دخان يعطل مفعول الغازات.

وحدنا في هذه الساحة

يدين القانون الدولي منذ ما يقارب 70 سنة الاستيطان الإسرائيلي سواءً أكان يتم على شكل المواقع الأمامية (غير القانونية بنظر الدولة) أم على شكل مستوطنات (قانونية). آخر تأكيد لهذه المبادئ منصوص عليه في القرار رقم 2334 لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في 23 ديسمبر 2016. وينص القرار على أن “إنشاء إسرائيل للمستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967.[…] ليس له أي شرعية قانونية ويشكل انتهاكاً صارخاً بموجب القانون الدولي وعقبة كبرى أمام تحقيق حل الدولتين[…]”

إلا أن ذلك لم يمنع الأمين العام للأمم المتحدة السيد أنطونيو غوتييريز، قبل اليوم الدولي للتضامن مع الشعب الفلسطيني في 29 نوفمبر ببضعة أيام، من الحث على “إعادة الاعتبار”لوعد حل الدولتين المتعايشتين سلمياً “بصفته”حلاً قابلاً للتحقيق” .

هنا في وادي الريسان قليلون هم الذين ما زالوا يؤمنون بقابلية هذا الحل للتطبيق. ويعتبر خوسي تافدييوغلو هذا القول عديم المنطق:“إن سياسة الاستيطان والإنشاء العشوائي للمواقع الأمامية هي أخطر تهديد لتحقيق حل الدولتين. هذا الحل يقتضي أول ما يقتضي أن يمنع الجيش إنشاء المواقع الأمامية هنا، ولكنهم في الواقع يحمونها ويستغلونها”. بالنسبة ليوسف كرجا “الحقيقة هي أننا، رغم حملة التعبئة، نشعر بأننا وحدنا في الساحة هنا، في رأس كركر وكفر نعمة وخربطة… لم يعد العالم يقف الى جانبنا”.

بعد ثلاث ساعات من لعبة القط والفأر مع القوات الإسرائيلية، يعود المقاومون شيئاً فشيئاً الى منازلهم. ويبوح لنا أحد المراهقين الملثمين بوشاح يغطي نصف وجهه:“أنا أقيم في هذا المكان، لا خيار آخر لي سوى الكفاح إن أردت أن أعيش حراً” ويودعنا قائلاً :« الى اللقاء يوم الجمعة القادم!”

كتب المقال: غاري ليبوت

ترجمت المقال من الفرنسية ندى يافي

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

بيت صهيون إذا كان تشكيل حركة فلسطينية موحدة من أجل الديمقراطية شرط قيام دولة واحدة في المستقبل، فالعقبات التي تحول دون تشكيلها واضحة، ولا يمكن التغلب عليها في الوقت الحاضر. ولا تشمل فقط المقاومة من رجال الدرك والتعذيب في رام الله، والمتعصبين في غزة، والاستثمار في القدس والعداء للغرب وإسرائيل، لأن فرص تحرر فلسطين قليلة اليوم مثلما كانت في الماضي، من دون تحول ثوري في المشهد العربي المحيط به.

بيري أندرسون

مئة عام من وعد بلفور إن خطط الاحتفال بمئوية إعلان وعد بلفور تقوم على وهم أن شيئا شنيعا، هو أمر يستحق الفخر به.

لورانس دايفيدسون