انتفاضة السودان “حديث من الداخل”

قضايا

22  ديسمبر  2018

ثلاثون عاما بلا استسلام، لم يكن الشعب السوداني يميل نحو وقوع انقلاب عسكري رغم الفشل الذي عاشه في عهد الطائفية وحكم الدراويش من أنصار المهدي والميرغني لأن التغيير سيأتي بالانتخابات،… لكن الاخوان كانوا على. وسلم عرابهم الحكم لضابط شره للدماء والمال والسلطة فوقع السودان بين فكي الهوس الديني والسلاح الناري، وواهم من ظن أن شعب السودان رضخ يوما واحدا لهذه العصابات، ولكن لكل مرحلة حديثها.

 بدأت هجرة الكفاءات وغادرت السودان، تسلق الناشطون أسوار الحدود عبر الصحارى أو البحار وتجمعوا كتلا – جسدها في الخارج ونبضها في العمق السوداني-  نشروا وفضحوا جرائم النظام وتكلل ذلك بإجماع دولي إنتهى بأن أصبح زعيم العصابة متهما دوليا، بالداخل انتظمنا في (لجان المقاومة) عشرة أشخاص يكونون لجنة مقاومة في الاحياء..في العمل… الملاعب.. المدارس… الكليات.. دور هذه اللجان التحضير للانتفاضه.. بالكتابه على الحيطان.. إنشاء مواقع الكترونية حصر عناصر الأمن بالنظام وكشفها والتشهير بها… رصد النهب والصفقات… كشف الاعتقالات والتعذيب… شحذ الهمة في الجيش للتمرد على النظام… عزل اللصوص والمتسلقين في المناسبات الاجتماعية… كشف حقيقة الوهم الديني الذي يستخدم كمخدر.. كشف المتخاذلين والمندسين بين الناشطين، تأسيس مراكز قانونية للدفاع عن المضطهدين المسيحيين، حيث عمد النظام ضرب النسيج الاجتماعي السوداني وبث الفرقه الدينية، وتوضيح حقيقة أن اليسار ليس خصما على أديان الناس ولكن الطائفية خصما على سيادتهم، والهوس الديني خصما على كل الوطن… تهيأ الميدان وأصبح الشعب على بصيرة ووعي بالعدو.. وحانت لحظة انطلاق (الانتفاضة الأولى) في سبتمبر العظيم، والتي أخمدها النظام بإزهاق مايزيد عن مئتي شهيد، وعشرات المعتقلين. وكان لابد من إيقاف النزيف ومراجعة الوضع وتصحيحه.

 وبالفعل بدأت الانتفاضة الآن بوعي أكثر وتكتيك مختلف.

جاءت الأحداث الساخنه في السودان بعد سلسلة مستمرة من الأزمات الاقتصادية أبرز معالمها غلاء للسلع الأساسية، خبز.. بنزين، تبعته ندرة حادة، وانتهت بانعدام شبه كامل. ثم جاء الحدث الأغرب في العالم وهو قيام البنوك بحجز أموال المودعين في إجراء أفقد المحللين قدرتهم على التفسير… فتوزعت الأسرة الواحدهة بين من يقف على صف الخبز ومن يقف على صف البنزين والغاز ومن يبيت ليلته أمام بوابة البنك، لعل البنك يتصدق عليه بحفنة من المبلغ المودع. ثم موجة الحرائق التي يعتقد أنها من أفعال النظام آخرها احتراق أكبر الأسواق (سوق أم درمان 300 محل تقدر الخسائرب 840 مليار جنيه). السوداني يشعر بالإهانة فبلاده أصبحت مصدرا للمرتزقة الذين يقاتلون في حرب سعودية صرفه. كل تلك الأزمات يقابلها بذخ في الإنفاق الحكومي.

اندلعت المظاهرات وانتفضت المدن بدأت بمدينة (الحديد والنار) مدينة عطبرة وقامت الحكومة بفرض حالة الطوارئ. المواطنون لاينتظرون من الحكومة أي حلول للأزمات ولايعولون على رموز المعارضة مثل الصادق المهدي ونداء السودان وربما صنفوها كوجه من وجوه الأزمة، نعم لا أعتقد أن الوضع الآن شبيه بأي مرحلة سابقة، فالسودانيون رغم تدينهم وصلوا الجمعة الماضية إلى الاعتداء على إمام وخطيب الجمعة وسحله ومنعه من الخطبة، لأنه مهد خطبته بعدم جواز المظاهرات وعدم الخروج على الحاكم. الحل الديمقراطي سيواجه بصعوبات خاصة إذا عكس وجه الصادق المهدي. الانقلاب العسكري مستبعد ولن يثق فيه المواطنون لأنه سيكون محاولة لحماية مبطنة للنظام، فقد أشاع النظام أن قائد الجيش يدرس إعلان تولي الجيش للحكم ورصد استهزاء الشارع لأن قائد الجيش تحد اأرباء البشير.

بدأت الانتفاضة الحالية بالولايات (المحافظات) البعيدة عن المركز والثقل الامني، بدأت من المركز اليساري مدينة عطبرة حيث العقول أكثر تقبلا للتغيير وأكثر استعدادا للفداء، وانكسر حاجز الخوف لدى المواطن العادي وبدأ النظام يعرف معنى التحدي، وجرى تحييد عدد كبير من جنود وضباط الجيش وقليل من الشرطة، ونجحت عطبرة في فرض التحرير من سلطة النظام، وقدمت عطبرة ثلاث شهداء.

منذ البدايات تأكد للجان المقاومة نجاح تجربة عطبرة، وبالتالي تم تسريع المناطق الأخرى.

بورتسودان (نقاطة) الخزينة للنظام، ميناء السودان حيث يهرب النظام المخدرات ويعقد صفقات تهريب السلاح، بورتسودان تتألم من إهمال النظام وبالفعل نشطت اللجان وخرجت صعدت أول روح شهيدة، تعمدت اللجان اختبار الجيش فلدينا تجربة سابقة مع ذات الحامية، وبالفعل تدخل الجيش ومنع وقوع كارثة كانت ستقوم بها الشرطة ولتخفيف الضغط عن عطبرة وبوتسودان انطلق الشمال النوبي. هناك كانت الشرطة أكثر كراهية للنظام الذي تسلل عشرات المرات ليحرق النخيل ويعقد صفقات لإغراق المنطقة بمياه السدود. خلعت الشرطة لبسها العسكري وانضمت للانتفاضة، سمع الوالي بقوة الانتفاضه فهرب إلى العاصمة، اشتعلت القضارف مركز إنتاج السمسم المحصول النقدي الثاني وسرعان مافر واليها للخرطوم، ثم مدينة كريمة. كان هدف اللجان في كل مدينة حرق مقر الحزب، بالفعل احرقت مقراته في كل المدن تحركت مدن سنار.
الفكرة أن تكون الخرطوم الختام بعد تشتيت قوات النظام ولكن دون خمول فخرجت اللجان من الجامعات، الخرطوم، النيلين (جامعة القاهرة سابقا) وآخرهم جامعة البنات (الأحفاد)
الوضع الآن لاتوجد مدينة بمعزل عن الانتفاضة
الآن جاري تفعيل النقابات اطباء، محامين عمال (الكتلة الاكثر تضرر من النظام).

الحكومة بدأت في حل الأزمة الشعبية بالوسائل التقليدية التي تعرفها، القمع والاعتقالات، وبثت فيديوهات لعناصر موالية للنظام تتسلم أسلحة لقمع وإرهاب المواطنين، ولكن الواضح أنه لاجدوى من مواجهة الانتفاضه الشعبية فالشهداء بلغوا 22 شهيد والمساحات التي يتحرك فيها المنتفضون كبيرة على تغطيتها أمنيا، بالإضافة للتكتيك الذي يعتمد توقيتين للتظاهر بالليل والنهار، مدير جهاز المخابرات والأمن عقد مؤتمرا صحفيا وألقى بأسباب الفشل على رئيس الوزراء بشكل مباشر. وحمل إسرائيل والموساد وحركة المعارض المحامي عبد الواحد النور مسؤولية المظاهرات، وقابلت الجماهير تصريحاته بالسخرية.

المظاهرات ستفضي اإلى تغيير مؤثر، سواء علي مستوى النظام أو طريقة إدارته للبلاد. أما عن القوى السياسية، فهي تحاول ان تظهر في المشهد بعد غياب يستثنى منه حزبي البعث والحزب الشيوعي. القوة المحركة والحشود معظمها غير مسيسة وهذا ربما يصادق الدراسة التي قدمها الدكتور قاسم السيد عن المواطن غير المسيس ونظرية الغضب التراكمي التي توقعت سيطرة غير المسيسين على الميدان ولفظها للقيادات الحزبية.

ونكمل…

 

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة