السترات الصفراء في مفترق الطرق.

قضايا

20  ديسمبر  2018

لقد مر شهر منذ أن بدأت الثورة الاجتماعية ضد ليبرالية ماكرون. فقد دفعت مئات الآلاف من الناس إلى إغلاق الطرق الرئيسية والقطاعات الاقتصادية الرئيسية مثل المصافي، إلى جانب إضرابات العمال. انتشرت هذه الحركة بسرعة بين الشباب، الذين انضموا إلى الحركة عن طريق إغلاق مدارسهم وجامعاتهم. وتظاهروا جميعهم،السترات الصفراء، والشباب،والقاعديين في النقابات العمالية والأحزاب اليسارية، كل أسبوع، في مواجهة قمع هائل: فقد مات 6 أشخاص، وأصيب 1052 بجروح وتشوهات، واعتُقل 3326. ومع ذلك، نظاهر عدد أقل من الناس يوم السبت 15 ديسمبر: 66 ألفا مقابل 136 ألفا في الأسبوع السابق عليه. هل يعني هذا أن الحركة وغضبها السياسي في تراجع؟ هل استجاب ماكرون للأزمة؟

إجابة سياسية على الأزمة:

بعد أسابيع من الصمت تجاه مطالب الناس، أصدر ماكرون إعلاناً على شاشة التلفزيون: بدا خائفاً وقال إنه سيلغي زيادة ضريبة الوقود، وضريبة أخرى على المعاشات. كما وعد بزيادة الحد الأدنى للأجور بقيمة 100 يورو، دون أن يدفع المديرون أيا منها. مكسب قليل بعد فوات الأوان، “نشعر أن إيمانويل ماكرون لا يعيش في نفس العالم الذي نعيش فيه”. كان رد فعل الكثير منهم مزيجا من خيبة الأمل الشديدة والتحدي. في الواقع لن تكون هناك زيادة بمبلغ 100 يورو، ولكنها ستكون محدودة للغاية. بالإضافة إلى ذلك، لن يتم إعادة فرض الضريبة على الأغنياء (ISF) التي أزالها ماكرون، لذا من الذي سيدفع سوى العمال؟ ومع ذلك، فقد غير الخوف موقعه، ومن خلال تطور الحركة، اكتسب الناس خبرة سياسية وأصبحوا يشعرون أن التغيير الحقيقي لا يمكن تحقيقه إلا من خلال نظام ديمقراطي مباشر أكثر. لا يمكن الوثوق بمن يسمى “رئيس الأغنياء”. النظام الديمقراطي برمته يحتاج إلى التغيير.

ومع ذلك، فإن فكرة دولة الرفاهية، التي تقدم الخدمات العامة لكل المحتاجين وتعيد توزيع الثروة، تسود بين الطبقة العاملة. هذا المفهوم للدولة يتصارع ضد نموذج ماكرون ذي الخصائص التاتشرية. ولهذا السبب، لم تكن شواغل الحركة اقتصادية بحتة بل سياسية أيضا، حيث أن مبادرة استفتاء المواطنين من بين مطالبها. لقد خرجت هذه الأفكار من خلال حركات الاحتلال والحصار، والتي تسمح للناس بإعادة بناء العلاقات الاجتماعية، والتضامن الطبقي، وانتزاع مصيرهم السياسي في أيديهم: “كانت الطرق والميادين هي الأماكن التي نلتقي فيها معا ليلًا ونهارًا، لذا فنحن لسنا جاهزين للرحيل”.  حتى أن امرأة قالت “نحن مستعدون للبقاء حتى أعياد الميلاد”. تم تنظيم التصويت على الإنترنت، ووضع مسودات وطنية مشتركة، وكذلك تم إنشاء جمعيات عامة في بعض المدن، مثل تولوز (Toulouse)، حيث يتخذون القرارات ويصوتون.

حصار الشوارع.. حصار الاقتصاد:

شهدت السنوات الأخيرة انتكاسات كبيرة من قبل الحركة الاجتماعية التقليدية، ويرجع ذلك في الغالب إلى عدم وجود دعم ملموس بين الطبقة العاملة بشكل عام، ورفض اتحاد العمال (CGT) الدعوة إلى استمرار الإضراب. تمكنت الحواجز من مواصلة الضغط، وساعدت لجان الاتحاد المحلية، خاصة في مارسيليا، في الضغط من أجل العمل الموحد بين النقابيين والسترات الصفراء. من بين السترات الصفراء الأكثر نشاطًا كانت النساء. فهن بالذات من يشعرن بالقلق والضرر جراء الأزمة: كثيرات منهن أمهات عازبات، وجميعهن مسئولات عن ميزانيات أسرهن. “بعض النساء المشاركات في السترات الصفراء يعملن في قطاع الرعاية حيث يصعب إدارة الأشكال التنظيمية والتعبئة الجماعية: التعبئة مع السترات الصفراء أبرزت وجودهن وأضفت معنى سياسيا على وجودهن وظروف عملهن الشاقة”. أظهرت دراسة حديثة أن العديد منهن من مقدمات الرعاية والمساعدة المنزلية. تلعب النساء دورًا طليعيًا في الحركة، فهن اللواتي يشجعن الرجال على القتال، لكنهن بالكاد ممثلات في الحركات الاجتماعية التقليدية. يجب على اليسار أن ينخرط بشكل ملموس مع أكثر الفئات المضطهدة في الطبقة العاملة، الذين يلعبون دورًا رئيسيًا بدلاً من الضغط على الطبقة العاملة بشكل عام التي ينظر إليها في الغالب على أنها تتكون من الذكور البيض.

القمع السياسي طريق مسدود أمام لماكرون:

القطاع الآخر الذي طرح انتقادا لجهاز الدولة المسلح هو قطاع الشباب، خاصة الملونين والعرب. تُرك طلاب المدارس الثانوية في”مانتلاجولي” (Mantes La Jolie)، في ضواحي باريس راكعين، وأيديهم فوق رؤوسهم لمدة 4 ساعات بسبب احتلال مدرستهم. لا يمكن تحفيز مثل هذا العنف إلا بالعنصرية والعصيان الاجتماعي. كان يمكن للناس أن يرفضوهم باعتبارهم “رعاع” لكنهم بدلاً من ذلك أظهروا التضامن على الفور مع من اعتبروهم مثل أبنائهم. وأصبح ذلك المشهد رمزا للسترات الصفراء في كل مظاهرة، حيث يواجهون القمع من قبل الدولة بالركوع احتجاجا. هذا مكسب كبير لأفكار مناهضة العنصرية ومناهضة عنف الدولة. حتى بعد الهجوم الإرهابي في ستراسبورغ، استمرت السترات الصفراء في التظاهر، بينما كانت لوبن (Le Pen) تدعو إلى الوحدة الوطنية.

في حين أن هناك تقويض لدور المرأة، وموقف غير واضح من العنصرية والمهاجرين، يجب على الناشطين اليساريين المضي قدمًا لمزيد من التضامن ودعم الجوانب الجذرية في الحركة. هذا يعني أنه يجب عليهم الانخراط بأنفسهم كمعارضين ونسويين إذا كانوا يرغبون في مزيد من تسييس الحركة، وخاصة من أجل وجود أقوى بينهم للنقابيين وحركات مناهضة العنصرية وحزب مناهضة الرأسمالية (NPA)في مواجهة اليمين المتطرف.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة