” طفلٌ نجا في اليمن “

قضايا

20  ديسمبر  2018

كنتُ أجلس على المضجع في ذلك المشفى المُتهالك صامتا لا ألتفت إلى أحد، يجلس الأهل بجواري، أو بشكل أدق من تبقى منهم، يذهب بعضهم ويحضر البعض وأنا كما أنا، أنام وأصحو دون أن أنظر لأحد أو أخاطب أحدا، يُحاولون لفت انتباهي فلا أفعل، يقول الطبيب أن ذلك من جراء الصدمة، لكني أعتقد أني صامتٌ بإرادتي، فما الذي قد يعنيه كلامي؟!

لم يكن يعرف أحد أني أحكي مع لوزة، كان حكيها جميلا مثل جمال ضحكتها. عندما أتممنا الحادية عشر من عمرنا منعني أهلي أن أحكي معها، كانوا يقولون أننا كبرنا وعيب نحكي سوا، في ذلك اليوم عرفت أني أحبها، وأصبحت أحكي معها كل يوم خلسة من وراء أهلي وأهلها. لم أكن أتحدث كثيرا وكنت أتركها تسترسل، حكت لي عن عوالم أخرى لم أدرِ عنها شيئا، كانت تعرف أشياءً كثيرة، حتى أنها تعرف أكثر من عشرين نوعامن الفاكهة!

كانت تقول لي “يا ساري الفاكهة حلوة ومُلونة ومزيونة، لكنها تحمض سريعا، والناس في بلدنا مثل الفاكهة، طيبون لكن عندما يتحدثون بالسياسة يتعابوا”.

بالرغم من إن حكيها كان صحيحا، لكن لوزة لم تكن معيوبة.

قُتلت لوزة، بينما نجوت أنا.

تجلس أمي بجواري، بينما “جعبل” أخي الأكبر يقف في آخر الغرفة يتطفل على مريضٍ آخر نجا من حادثة أخرى، تناديه أمي أن يأتي ويقرأ لي قرآنا. يرد عليها أن انتظري يا شيخة، وبعدما يُشبع فضوله يأتي لنا فيحكي ما سمع على أمي.

“يقولون أن مجلس الأمن فتح تحقيقا في الحادثة، والتحالف العربي كذلك فتح تحقيقا هو الآخر”.

تضرب أمي على صدرها ثم تُحوقل، هي لا تعرف مجلس الأمن، لكنها تعرف التحالف العربي، لو كانت تعرف الإثنين لكانت ضربت مرتين على صدرها.

يقول أخي “اسمعي يا شيخة”، ثم يهمس “هذا الرجل إنصاب من الحوثيين ويُريد أن يفتح مجلس الأمن تحقيقا مماثلا في الحادثة التي تسببت في بتر ساقه “

يضحك جعبل، بينما تنهره أمي ” إسكت يا جعبل، ليس لنا صالح بهذا الحكي” “اقرأ قرآن لأخوك اقرأ”.

لا تعرف شيخة القراءة لكن أخي يعرفها جيدا.

بدأ الترتيل بصوتٍ رخيم، بينما أشعر وكأنه ينعي مجلس الأمن والحوثيين والتحالف العربي.. لا أطفال اليمن.

ينتهي جعبل من قرائته بينما يعلو صوت نشيج بكاء أمي، تُعدد شيخة “آه يا سامح، يا نور الدار يا سامح” تتذكر أخي الصغير الذي مات منذ عام بمرض الكوليرا، مات في نفس المشفى. وقتها حمله أبي وركض به لغرفة الطبيبة. عرف أن ابنه لن ينجو من ذلك المرض الذي أصابه. يتذكر أعراضه جيدا. فقد مات به عمي قبل ثلاثين عاما، بعدها اختفى ذلك المرض حتى نسيَّه الجميع، لكن أبي لم يفعل.

خلع أبي جزمة سامح وصار يُقبلها وهو يبكي، ولم ينجُ سامح بالفعل.

وقتها عزلوني في المشفى. كنت أنام مع سامح في تختٍ واحد، قالوا أن المرض غالبا قد انتقل إلى جسدي. لم أحضر دفن أخي ولا عزاءه،لكنني خرجت من المشفى بعد أيامٍ ونجوت وكأنني حُصنت من الموت.

يقول خالي “لا أحد لديه حصانة من الموت”، ويقول “النبي محمد مات، وأبوك مات، لو كان لأحدٍ خلود لخلد الله نبيه، ولو كان لأحدهم غلبة على الموت لغلبه أبوك، فمن الذي يتخيل أن يموت أبوك جراء إنفجار سيارة مُفخخة وهو الذي كان خبيرا في تفخيخ السيارات”.

لكني بالرغم من ذلك كنت أشعر أنني لديَّ حصانة من الموت.

ويوم رحيل أخي لم أفهم لماذا يبكي أبي على موته بينما هو يقتل أمثال ابنه كل يوم؟!

كانت لوزة تقول لي أن الحرب ملعونة، فهل لعنت تلك الحرب أبي؟

قُتل أبي بعد شهرٍ من رحيل أخي سامح، جراء انفجار سيارة مُفخخة لم يُعرف من الذي فخخها.

عرفنا بعدها أن ابن خالي الوحيد “عاهد” مُصاب بمرض السرطان. لم يكن في المشفى ثمة علاج قد يشفيه. اضطر خالي لبيع كل ما يملك كي يسافر مع ولده لعلاجه في الهند. سافروا وغابوا شهر قبل أن يصل منهم خبر.

أرسل خالي رسالة بأنهم وصلوا الهند بعد أسبوعين، الطريق البري كان مليئا بالمخاطر، سمعنا أن هناك عصابة لقطاع الطرق هجمت على مجموعة مسافرين سبقونا بساعتين في السفر، فقررنا المبيت بجانب الطريق في مكانٍ يبدو عليه أنه قد يكون أكثر أمنا، ثم أكملنا رحلتنا بالنهار.

لم يعد الطريق مُعبدا مثل قبل، وقطعناه في يومين لنصل لمنفذ الوديعة بعد سفرٍ شاق.

يُخبرنا خالي أن ابنه بخير، لكن السفر الطويل أثَّر على صحته -المُنهارة مُسبقا- سلبا.

وبعد شهرين وصلنا الخبر بأن دواء الهند لم يفلح مع عاهد، أو أنه ذهب إليهم بعدما كان قد فات الأوان.

يوم الحادثة لم أكن قد تناولت فطوري، سلقت لي أمي بيضة فأخذتها مع نصف رغيف خبزٍ وقلت أفطر مع “حميد”.

حميد صديقي الأقرب لقلبي، اعتدنا أن نُحضر فطورنا ونتناوله سويِّا، كنت أخجل أن أفعل ذلك أحيانا عندما لا يكون هناك ثمة شيءٍ يستحق أن أخذه معي، وكنت أدعيِّ وقتها أني إستيقظت مُبكرا عن عادتي فاضطررت أن أسبقه بالإفطار.

كان أهل حميد أغنى من أهلي، وكانوا يستطيعون الحصول على طعامٍ أفضل في أغلب الأوقات، خاصة إذا كان الطعام متوفرا.كان حميد معه في ذلك اليوم جبنة صفراء، وكنت مُتشوقا أن ألوكها في فمي. كنت أحب طعمها المالح خاصة إذا كانت من ذلك النوع الرفيع الطري، لكن الانفجار لم يُسعفني للأكل منها هذه المرة.

وعندما كانوا يرفعون أجسادنا بين قتيلٍ وجريح، كنت أعرف أن حميد قد قُتل، بينما لم تفارق عيني شريحة الجبن المُلقاه بجوار جثته وقد غمرها دمه.

فُجرت حافلتنا، وُقتل أعز أصدقائي، وتلوَّنت شريحة الجبن الصفراءبدمه الأحمرإلى الأبد.

يجلس بجوار السرير “الشاطري” صديق أخي، يقول له أن كل ما نمر به هو نتاج لصراعات إقليمية ضخمة، وأكبر من قدرتنا على الاستيعاب، “إيران تُريد أن تفرض سيطرتها، بينما السعودية تريد ذلك هي الأخرى”، ثم يقول ضاحكا “بينما تُريد أمريكا فرض سيطرتها على الجميع”، ويُكمل باهتمام “قد تكون أمريكا هي من تُحرك المشهد في النهاية، فالصاروخ الذي فجر الحافلة من صنعها”.

يملأني الحنق، قبل أن أسمع الشاطري وهو يقول بسخرية: “واليوم تجتمع الجامعة لمناقشة وضعنا، وتقول الإشاعات أنهم اكتفوا من إدانة الحوثيين وإيران وسيدينون هذه المرة الحافلة، فبالتأكيد ألقت الحافلة نفسها في مرمى الصاروخ كنوع من أنواع المؤامرة”،

ثم أكمل “أتعرف ما الفارق بين الأمم المتحدة والجامعة؟” وأكمل دون أن ينتظر إجابة “الجامعة تُندد بجرائم طرف دون غيره، أما الأمم المتحدة– مشكورة – تندد بجميع الأطراف سواسية، بينما أعضاء كل تلك المؤسسات هي من تقتل الناس هنا بالفعل”.

تبادل أخي وصديقه السباب، بينما حاولت أن أشاركهم السباب فلم أستطع، يبدو أني كما يقول الأطباء لا أستطيع التحدث جراء الصدمة، حاولت الصراخ لكن صراخي لم يتجاوز أفكاري، بينما صراخ أهالي الضحايا مازال صداه يجري في دمي.

نجوت من الموت في الحافلة؟ّ! لكني بالرغم من النجاة لم أعش.

اضافة تعليق جديد