بواعث الأمل إزاء نهاية عام مظلمة

قضايا

19  ديسمبر  2018

ينتمي كاتب هذه الأسطر إلى الجيل الذي أتى إلى الوعي السياسي في مرحلة كان العالم يمرّ فيها بمخاض ثوري: كانت الإمبراطورية الأمريكية على طريق انهزامها السياسي أمام مقاومة شعب فيتنام المجيدة، فجاءت الهزيمة العسكرية الصاعقة التي ألحقتها الدولة الصهيونية بالأنظمة العربية سنة 1967 توحي لنا بأن ساعة «حرب الشعب» على الطراز الفيتنامي قد دقّت وسوف تكون طريقنا الأكيد إلى تحرير فلسطين الذي ظهر سرابه في أفقنا التاريخي. وجاءت موجة التجذّر التي اجتاحت الشبيبة العربية غداة الهزيمة تصبّ في الموجة الشبابية الثورية التي اندلعت في شتى أرجاء العالم سنة 1968، مزعزعة النظامين اللذين كانا يتقاسمان المعمورة منذ غداة الحرب العالمية الثانية، النظام الرأسمالي والنظام البيروقراطي، وقد بلغت الموجة ذروتها في فرنسا الرأسمالية وتشيكوسلوفاكيا البيروقراطية.
كان جيل الستينيات ملء الثقة بأن المستقبل مشرقٌ وأنه سوف يغيّر العالم بالقضاء على «استغلال الإنسان للإنسان» (لم نكن فاطنين آنذاك إلى أهمية الهدف المكمّل الذي يقوم على ضبط استغلال الإنسان للطبيعة) بما يؤدّي إلى حلول السلام الأبدي وتحقيق المرادف الاشتراكي لجنّة الخلد على الأرض. وطبعاً، ما لبثت تلك الأوهام الشبابية أن تبدّدت، فحلّ محلّها إدراكٌ أكثر نضجاً لحجم التحدّي التاريخي العظيم. بيد أن التفاؤل بقي سيّد الموقف، يتجدّد عبر السنين والعقود في موجة شبابية بعد أخرى. ومع سقوط النظام البيروقراطي العالمي الذي كان الاتحاد السوفييتي يتزعّمه، دخلنا القرن الواحد والعشرين ونحن مؤمنون بأن الانطلاق القوي الذي عرفته الحركة المناهضة للعولمة الرأسمالية إنما يشير إلى قرب تحقيق «العالم الآخر» الذي سعت وراءه.
أخيراً وليست آخراً، هبّ «الربيع العربي» قبل ثماني سنوات يوحي بأن المنطقة العربية التي ظنّها الناس أكثر مناطق العالم مناعة ضد التغيير، إنما تحوّلت إلى قدوة لحركة التغيير العالمية، تستلهم مثالها حركات احتجاجية في شتى البلدان، لاسيما في جنوب أوروبا وفي الولايات المتحدة الأمريكية. ولشديد خيبتنا وأسفنا، ما لبث أن استحال ربيعنا شتاءً، بل شتاءً قارصاً فلتت فيه ذئاب النظام القديم من عقالها لتشنّ هجوماً مضاداً في منتهى الشراسة. ومثلما كان ربيعنا فاتحة لصعود قوي للحركات التقدّمية عبر العالم، جاءت انتكاسته مدخلاً إلى صعود معاكس للقوى الغارقة في الرجعية في مختلف أرجاء كوكبنا. ولم تقلّ علاقة الانتكاسة بالردّة الرجعية العالمية عن علاقة الانتفاضة بالموجة التقدّمية العالمية، بل تجسّدت بصورة أكثر جلاءً بعد من خلال موسم هجرة الشعب السوري المأساوية إلى الشمال الأوروبي وإسهام ذلك الموسم في تأجيج مشاعر العداء للمهاجرين من خلال تصويرهم كمحتلّين.

المجتمع الإنساني، في المنظور التاريخي وفي المحصّلة، قد سار في تقدّم مستمرّ على الرغم من كافة مراحل الردّة التي مرّ بها

وقد حفز هذا الأمر إلى درجة عالية صعود أقصى اليمين في بلدان الشمال، بما في ذلك وصول أحد رجاله، دونالد ترامب، إلى رئاسة الولايات المتحدة، أعظم القوى العالمية. وبدوره منح صعود أقصى اليمين في الشمال دفعة جديدة لصعوده في الجنوب، فحفز وصول ترامب إلى السلطة وصول جايير بولسونارو إلى رئاسة البرازيل، مثلما أطلق وجوده في الرئاسة العنان للذئاب في منطقتنا.
أما النتيجة فهي أنّني لا أتذكّر نهاية عام قاتمة مثل نهاية العام الحالي في أي وقت مضى خلال نصف القرن ونيّف المنصرم منذ بلوغي الوعي السياسي. ومع ذلك فلم أقع في كآبة التشاؤم المطلق، وبقيت أرفض خياري التشاؤم والتفاؤل سواءً، ليس تبنّياً للتشاؤل على طريقة سعيد أبي النحس، بل لأن نظرتنا إلى الحاضر يجب دائماً أن تتوخّى دروس التاريخ كي تتخطّى الانطباعات الآنية التي هي حتماً سطحية. والحال أن العالم قد مرّ بأسوأ بكثير مما نحن في صدده حينما كان قسمٌ كبير منه واقعاً تحت أنظمة شمولية، أبرزها النظام الهتلري في ألمانيا والنظام الستاليني في روسيا، في ثلاثينيات القرن العشرين.
ومقارنة بتلك الحقبة الرهيبة التي أفضت إلى أكثر حرب في التاريخ اتّساعاً وقتلاً وتدميراً فإن أوضاعنا الراهنة، على سوئها، تبقى أهوَن بما لا يُقاس. بل إن طاقة التغيير التقدّمي، بعيداً عن أن تكون قد نضبت، إنما هي على أوجّها منذ عقود عديدة. ومثلما تشتدّ مقاومة الشبيبة الأمريكية لدونالد ترامب وتتصاعد حركتها التقدّمية التي بلغت حدّاً لم تبلغه قط في التاريخ المعاصر، فإن الطاقة الثورية العظيمة التي كشفها «الربيع العربي» لدى شبيبة منطقتنا والتي هي أعظم من كل ما شهده تاريخنا الحديث، هذه الطاقة لا تزال متّقدة تحت رماد الانتكاسة وسوف تلتهب من جديد لا مُحال إزاء أوضاع منطقتنا التي لا تُطاق والتي لن تستقرّ قطّ بدون تغيير جذري يقضي على أنظمتنا الفاحشة.
وبعد، فهل بلغنا القعر أم أن الآتي أسوأ؟ سؤال لا يسع أحداً الإجابة عنه لأن التاريخ دائماً أعقد من كافة التكهّنات. أما الأمل فهو في أن بلوغ القعر قد أعطى دائماً دفعة قوية للصعود نحو القمم في جدلية للتاريخ العالمي شهدت موجات كبرى من التقدّم تلي حقبات من الانحطاط الرجعي. والمجتمع الإنساني، في المنظور التاريخي وفي المحصّلة، قد سار في تقدّم مستمرّ على الرغم من كافة مراحل الردّة التي مرّ بها. طبعاً، يجوز للحضارة الإنسانية أن تذوب في أتون صدام الهمجيّات، لكنّ بواعث الأمل لا تزال أقوى من دواعي اليأس.

نشر في موقع: القدس العربي

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

هل يستطيع الشعب إسقاط النظام والدولة لا تزال قائمة؟ هل يمكن إسقاط النظام من دون إسقاط الدولة معه؟ وبكلام آخر، هل "النظام" حالة متميّزة عن "الدولة" ومنفصلة عنها، أم تربط بينهما علاقة عضوية تجعل من إسقاط الأول حدثًا لا يمكن حصوله بلا انفراط عقد الثانية؟

جلبير الأشقر

إسرائيل تحتفل بمرور 50 عاما كدولة احتلال تعتزم إسرائيل إقامة احتفالات فخمة خلال الأسابيع المقبلة بمناسبة مرور 50 عاما على ما تُطلِق عليه الذكرى الـ 50 "لتحرير الضفة الغربية ومرتفعات الجولان"، وهو ما يصفه بقية العالم بميلاد الاحتلال.

جوناثان كوك

مئوية سايكس بيكو.. الخرائط والتاريخ تلقي هذه المقالة نظرة نقدية تنقيحية إلى الحدث، بما هو مسار تاريخي، في إطاره من النزاع البريطاني ــ الفرنسي خلال وبُعيد الحرب العالمية الأولى لوراثة السلطنة العثمانية، نظرة تعيد الاعتبار للمصالح الاقتصادية والاستراتيجية الاستعمارية، وتقيم الصلة بين اتفاقية سايكس -بيكو ووعد بلفور.

فواز طرابلسي