بعض الأفكار حول “سترات صفراء”

قضايا

17  ديسمبر  2018

هذه الحركة غير مسبوقة (لا مثيل لها) في تاريخ الثورات الشعبية الطويل في فرنسا. لذا فمن الوهم أن نحاول قولبتها في أنماط معروفة، أو تحليلها على ضوء الماضي. إنها أيضاً حركة في طور التطور، تبحث عن ذاتها، وتتردد، ومن غير الممكن أن نعرف مسبقاً اتجاهاتها. العديد من قوى اليسار تخشى أن تأخذ الحركة توجه شعبوي مرتبط باليمين المتطرف، أي حركة مماثلة لتلك التي عرفتها عدة دول أوروبية مثل إيطاليا أو هنغاريا (المجر)، أو حتى تلك التي أتت في أميركا بدونالد ترامب إلى السلطة. رفض الهجرة والضرائب التي تفرضها الدولة في بعض الأحيان، تؤكد تلك المخاوف، ورغم أنها تشير بالفعل إلى مخاوف حقيقية، إلا أنها تتجاهل التنوع الموجود في الحركة، إلى جانب إمكانية قيام القوى اليسارية بتوجيه هذا التحدي. المستقبل غير مكتوب في أي مكان.

لنبدأ من جديد أين تتجذر هذه الحركة؟ بين جزء من السكان، المهمشين، والذين يعملون في قطاعات ضعيفة الأجر (بما في ذلك صغار الموظفين المدنيين والعاملين الاجتماعيين أو العاملين بالمستشفيات)، أو أصحاب المعاشات الصغيرة، الذين تراجعت دخولهم على مدار عقود نتيجة للسياسات النيوليبرالية التي فرضت على فرنسا. وقد أدت هذه السياسات إلى الحد من الخدمات الاجتماعية المقدمة للمواطنين، خاصة خارج المراكز الحضرية الكبيرة والمستشفيات والأطباء ووسائل النقل العام…… إلخ. إذا كانت زيادة الضرائب على البنزين هي العامل الذي أدى إلى اشتعال الحركة، فذلك لأن السيارة تمثل، بالنسبة للكثير من الفرنسيين، الطريقة الوحيدة ليس فقط للوصول إلى العمل، ولكن أيضًا إلى الخدمات الأساسية.

العامل الآخر الذي أدى إلى اشتعال الحركة هو شخصية الرئيس إيمانويل ماكرون. إنه يمثل جوهر النخبة التكنوقراطية التي يتضح ازدراؤها لعامة الشعب. في حين أن جميع أسلافه في الجمهورية الخامسة (باستثناء واضح لحالة ديغول الخاصة) لديهم خبرة سياسية طويلة، معظمهم تم انتخابهم على المستوى الوطني أو المحلي، بينما لم يكن لدى ماكرون سوى خبرة قصيرة في الحكومة. لم يكن لديه هذا الارتباط المحلي الذي يمتلكه معظم القادة السياسيين، والذين قاموا بتكوين مسيرة مهنية في مدينة أو منطقة تبقيهم على اتصال مع “البلد الحقيقي”. يمكن القول أن ماكرون كان “محلقا فوق الأرض”.

علاوة على ذلك، أدى انتخابه في عام 2017 إلى انهيار النظام السياسي التقليدي، اختفاء الحزب الاشتراكي، وتفتت اليمين إلى كيانات وتيارات متعددة. لكن هذا الانهيار لم يؤد إلى إنشاء حزب رئاسي حقيقي. إن حركة الجمهورية إلى الأمام، على الرغم من عدد ممثليها المنتخبين في البرلمان، ليست منظمة ذات هيكل يمكنها من أن تكون وسيط. وقد أدى ذلك إلى تزايد تجاوزات الرئيس الذي يبدو “رئيسا للأغنياء”، رئيس الطبقة العليا. لا يوجد المزيد من الوساطة بين الرئيس و”الشعب”: لقد قارن ماكرون نفسه بنفسه بكوكب المشتري، والشعب يراه اليوم باعتباره الشخص الوحيد المسؤول عن وضعه الصعب. هذا الوضع يجعل الخروج من الأزمة أكثر صعوبة حيث لا توجد بدائل تقليدية. فقط التجمع الوطني (الجبهة الوطنية سابقًا) وفرنسا غير الخاضعة “فرنسا الأبية” (Jean-Luc Mélenchon) يمكن أن يستفيدوا من هذا الوضع، ولكن لأسباب لا يمكننا ذكرها هنا، سيكون ذلك من الصعب عليهم.

دعونا نعود إلى حركة “السترات الصفراء”. يعطي استطلاع أجراه علماء اجتماع ونشر في جريدة “لوموند” (11 ديسمبر) فكرة عن تكوين الحركة. هؤلاء “هم في المقام الأول أناس، رجال ونساء، يعملون (أو متقاعدين اعتادوا العمل)، يبلغ عمرهم 45 سنة في المتوسط، ينتمون إلى الطبقات الدنيا أو الطبقة المتوسطة “الصغيرة”. يمثل الموظفون بينهم نسبة 33 في المائة من المشاركين مقارنة بـ 14في المائة فقط من العمال. المديرون التنفيذيون ممثلون بشكل محدود للغاية، لكن المتقاعدين يمثلون أكثر من ربع الأشخاص المشاركين في الحركة. أخيراً، يجب ملاحظة  مشاركة النساء المهمة، تصل الى حوالي 45 في المائة. معظم المشاركين لا ينتمون إلى الفئات الأكثر حرماناً، أولئك الذين يعيشون على المساعدات الاجتماعية. والشباب ليس حاضرا جدا.

إنهم جزء من فرنسا المتجاهلة، فرنسا المحرومة، وللمرة الأولى منذ عقود رأينا على شاشات التليفزيون وجهًا آخر لفرنسا، وهو وجه من الأجور المنخفضة، ونهايات الأشهر الصعبة. إن الحصول على هذا “الظهور على الساحة” هو أول نجاح لـ “السترات الصفراء” وهم يدركونه ويفتخرون به. وقد سمحت بعض أعمال الشغب التي وقعت في الضواحي عام 2005 بإعادة حالة “المناطق الصعبة” والسكان المهاجرين وبالأخص ابنائهم الى مركز الحوار.

السؤال المطروح هو إلى أي مدى يمكن أن تتلاقى هذه الحركة مع القوى الأخرى، في الأحياء الشعبية، وشباب الطلاب، والنقابات. إحدى العقبات لا تزال مسألة الهجرة، التي أثارها بنجاح اليمين المتطرف – فكرة موجة من “المسلمين” تغزو البلاد وتغيير ثقافتها – تماشيا مع خطاب السلطة. ويظهر نفس الخطاب في ملتقيات “السترات الصفراء”. العقبة الاخرى تتمثل في رفض “السترات الصفراء” أي مشاركة أو تنسيق، على الرغم من أن  نقابة CGT (وبشكل أوسع اليسار)، قام بعد لحظة تردد، بمساندة الحركة ومحاولة تنظيم بعض الفعاليات المشتركة.

ومع ذلك، فان الغالبية العظمى من السكان مؤيدة للحركة حتى مع تراجع الحركة نتيجة للتنازلات التي قدمها ماكرون، ونتيجة للهجوم الإرهابي في ستراسبورغ. من الجدير بالملاحظة أنه حتى العنف الذي وقع في باريس وبعض المدن في الأقاليم الاخرى، والتي أدانتها الأغلبية الساحقة من الناس، لم يؤد إلى انهيار هذا الدعم. وسمعنا بعض النشطاء النقابيين يعلقون قائلين: “منذ سنوات، قمنا بمواكب ناعمة، أي، هادئة، سلمية، ولا نحصل على أي شيء. في حين أن “السترات الصفراء” قد حصلت على تنازلات، والتي يعتبرونها غير مرضية ، لكنها حقيقية.

هناك ملاحظة أخيرة تتعلق بالحركات الاحتجاجية في العالم النيوليبرالي. لقد طوينا صفحة الحرب الباردة ولكننا طوينا معها أيضا كل أشكال التعبئة التقليدية. وقد أصبحت الاحتجاجات تتخذ أشكالاً غير معتادة، حركات مثل “احتلوا وول ستريت”، “حركة ١٥ م الاسبانية”، مرورا  بالربيع العربي. والسؤال المطروح، وليس فقط في فرنسا، هو ما إذا كان باستطاعة هذه الحركات إيجاد منصة سياسية.

 

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة