كومونة كسروان

خبرات

26  فبراير  2017

نقوش الملك سليمان.. لوحات رمسيس الثاني.. أثار من نبوخذ نصر وآسرحدون وأوريليوس.. جسر سيف الدين برقوق”.. حريصا وتمثال “السيدة” المشرف علي خليج جونية الذي يذكرك بتمثال “المسيح الفادي” في ريو دي جانيرو. جبل “صنين” (يا حجل “صنين” بالعلالي، يا حجل صنين بالجبل – فيروز) و”عينطورة” (الله الله يا تراب “عينطورة” يا ملفي الغيم وسطوح العيد- فيروز مرة أخرى).. مغارة “جعيتا” والتلفريك الأشهر.. إنه قضاء “كسروان” أحد أقضية محافظة جبل لبنان الستة. لم يتعد ما نمى لعلم أبناء جيلي عن “كسروان” حدود تلك المعلومات التي تدور في فلك سياحة الانبهار.. الانبهار وفقط، لكن تراثا وطنيا آخرا لم يصبه إنصاف الكتابة المحجوب استرعى انتباهي فاستحثني للبحث في تاريخ هذا القضاء المبهر.

“كسروان”-1858.. فلاحٌ مهيب الطلة توفي والده بعد ما احتسى فنجان قهوة مسمم لدي الحاكم لأنه تجرأ وهو البيطري البسيط فألقى السلام على الشيخ بشارة جمال الخازن حاكم منطقة “ذوق مكايل وكسروان”.. يظهر صاحبنا الذي ورث البيطرة عن أبيه المغدور كطائر الفينيق متزعما حركة شعبية ضد الظلم الاجتماعي لآل الخاز” وما كانوا يفرضونه علي الفلاحين من ضرائب وإتاوات تنوء عن حملها الجبال.. تنامت حركة صاحبنا تدريجيا فخرجت من ضيق “ريفون” قريته البسيطة إلي رحب قضاء “كسروان” بأكمله ليقوم رجاله من ثوار الفلاحين بطرد آل الخازن والاستيلاء علي مستودعاتهم المكدسة بالأسلحة والحرير والقمح معيدين توزيع ما بها بين الناس بالعدل لتتطور “الحركة الشعبية” بفعل فراغ السلطة والتوق إلى “نظام” جديد يقوم علي المساواة إلى تشكيل حكومة تنظم شؤون الناس تتألف من 100 عضو 55 منهم من الفلاحين الذين لا يملكون سوى جهدهم العضلي و32 من الفلاحين الذين يملكون مساحات محدودة من الأراضي و10 من رجال الدين و3 من التجار والمقرضين ليعلن صاحبنا الجمهورية حاملا بمقتضى شرعيته الثورية لقب “الوكيل العام”.. كان الثائر مشعل الثورة هو البيطري المعلم طانيوس شاهين سعادة.

ناهيك عن الأسباب التي أدت إلى زوال أول جمهورية ديمقراطية بالصيغة الحديثة في شرقنا التعس (بخلاف دولة القرامطة في الجزيرة التي كان بها ملمح طائفي لا علماني واضح)، فأنت لا تملك إلا أن تتأمل في انبهار كيف لاحت في هذه البقعة من العالم بادرة فكر تقدمي -سبق بثلاث عشر عاما كاملة نموذج “كومونة باريس”- تطور صانعا علي أرض الواقع دولة “منتصرة” ذات نظام عادل.

لم يقتصر الأمر في حركة طانيوس شاهين سعادة على مجرد هبة شعبية تحمل مطالب ذات سقف منخفض يمكن وأدها في المهد على غرار ما حدث بهبات الفلاحين ببلادنا ضد الضرائب الباهظة التي كان يفرضها هشام بن عبد الملك، بل إن الأمر قد تطور بحركة الرفض لضرائب آل الخازن الباهظة وإتاواتهم الظالمة التي تسحق فوائض إنتاج الفلاحين وتحول دون تطوير قوى وعلاقات الإنتاج في المجتمع الإقطاعي ناقلا إياها من مستوى عشوائية ليصل بالهبة الشعبية إلى مستوى تنظيم هيكل دولة يعاد فيها ترتيب وتوزيع أدوات الإنتاج في تشكيل اجتماعي جديد يقطع الصلة تماما بين الماضي والحاضر بصورة تتيح هامشا ملموسا للكفاية والتحديث السياسي والاقتصادي والثقافي من خلال تطور مراحل الصراع من مجرد الوعي بالمصالح الطبقية إلى انتزاع تلك المصالح وتمكين حقيقي لأصحابها في سياق ديمقراطي يتم بموجبه انتخاب ممثليهم واضعا إياهم على قدم المساواة مع القادة/المشايخ.

كانت حكاية إشراقة “كومونة كسروان” في تاريخنا الحديث تعبيرا صادقا عن قابلية الحلم للتحقق بعيدا عن رطانة المتحذلقين وبؤس الانتهازيين.

اضافة تعليق جديد