الوظيفة النفطية لمحميّة أمريكا السعودية

قضايا

05  ديسمبر  2018

إن علاقة المملكة السعودية بالولايات المتحدة الأمريكية علاقة حماية مصحوبة بالوصاية بما جعل المملكة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بمثابة دولة محميّة تابعة لواشنطن، حتى ولو لم تكن وصاية أمريكا عليها مكرّسة بصورة رسمية على شاكلة «محميّة عدن» التي خضعت للسيطرة البريطانية حتى عام 1967 أو «السودان الإنكليزي ـ المصري» حتى عام 1956.
ولا يُخفى على أحد أن تلك العلاقة قائمة على النفط، وقد تحكّمت الشركات الأمريكية بنفط المملكة منذ بدء استخراجه على نطاق واسع عشية الحرب العالمية الثانية وحتى تأميم القطاع النفطي في سبعينيات القرن المنصرم. هذا ولم يقض ذلك التأميم بتاتاً على تبعية المملكة لحاميها الأمريكي، بل إن جُلّ ما حصل تبدّلٌ في شروط استغلال الثروة النفطية بحيث زادت نسبة الريع النفطي التي تتقاضاها المملكة على حساب شركات النفط الأمريكية بدون أن تنقص فائدة المملكة العامة للولايات المتحدة ولا وصاية هذه الأخيرة عليها، لاسيما أن الثورة الإسلامية في إيران في آخر السبعينيات جاءت تعزّز ارتهان الرياض بحماية واشنطن.
أما وظيفة المملكة النفطية بالنسبة لواشنطن، فقد تشعّبت. وإذا صحّ أن أرباح الشركات الأمريكية من الاستغلال المباشر لنفط المملكة قد انخفضت بعد استكمال التأميم، يبقى أن انتفاع الدولة الحامية من ريع المملكة النفطي زاد مع زيادة هذا الريع الذي يذهب قسمٌ هام منه إلى الولايات المتحدة وبأشكال شتى، منها مشتريات المملكة من الأسلحة الأمريكية وإسهامها في تمويل نفقات الانتشار العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط والعقود الضخمة التي تمنحها المملكة للشركات الأمريكية، لاسيما شركات المقاولة، وتوظيفها لرساميلها في الولايات المتحدة بما فيه شراؤها لسندات الخزينة الأمريكية، إلخ.

تجتمع منظمة الدول المصدّرة للنفط «أوبيك»، وهي تواجه انخفاضاً حاداً في الأسعار وحاجة ماسة إلى تقرير تخفيض للتصدير كي تعود الأسعار إلى مستوى مقبول، سوف تواجه المملكة مرة أخرى تناقضاً صارخاً بين مصلحة القوة الوصيّة عليها ومصلحة زميلاتها المصدّرة للنفط، بل ومصلحة اقتصادها هي بالذات

وثمة وظيفة نفطية مباشرة تؤدّيها المملكة في خدمة الهيمنة الأمريكية على كوكبنا، تتعلّق بحيازة الرياض على أكبر قدرة في التأثير على أسعار النفط العالمية نظراً لضخامة الاحتياطي النفطي لديها وكون المملكة أحد أهم مصدّري النفط في العالم وأثرى المصدّرين الكبار من حيث نسبة الدخل النفطي لعدد السكان، وكلّها معطيات تجعلها حائزة على درجة عالية من الليونة في تحمّل انخفاض سعر النفط بنتيجة زيادة تصديره، وبالعكس تحمّل تخفيض التصدير بغية رفع السعر.
هذه الوظيفة عظيمة الأهمية، يغفلها الذين يسترسلون في التعليق على عودة الإنتاج النفطي الأمريكي إلى الارتفاع في السنوات العشر الأخيرة بنتيجة تطوّر تكنولوجيا استخراج النفط الصخري، فيستنتجون أن المملكة لم تعد مهمة بالنسبة لأمريكا وكأن أهميتها قامت يوماً في المقام الأول على استيراد الولايات المتحدة لنفطها. أما الحقيقة فهي أن الولايات المتحدة كانت دائماً أقل ارتهاناً بنفط الخليج من منافساتها الاقتصادية و/أو السياسية: أوروبا الغربية واليابان والصين. وهذا بالتحديد عاملٌ رئيسي في أهمية المملكة الاستراتيجية بالنسبة لواشنطن، إذ أن إشراف أمريكا على تصدير النفط من قِبَل المملكة وزميلاتها الخليجيات، إنما يمنحها وسيلة ضغط أساسية على المنافسات المذكورة، سواء أكان الضغط اقتصادياً أم عسكرياً ـ استراتيجياً (في حالة الصين). هكذا فإن الارتفاع الكبير في أسعار النفط الذي نتج عن الحظر العربي أثناء حرب أكتوبر 1973 العربية ـ الإسرائيلية والذي ظنّه معظم الناس وكأنه تمرّد المملكة على حاميها الأمريكي، ذلك الارتفاع إنما عوّض عن خسارة الشركات النفطية الأمريكية الناجمة عن تأميم النفط وسمح بإعادة زيادة الإنتاج النفطي داخل الولايات المتحدة بالذات بعد أفول مزمن بسبب انخفاض الأسعار، الأمر الذي عزّز قدرة الاقتصاد الأمريكي التنافسية إزاء أوروبا واليابان. هذا وناهيكم من أن ازدياد ثروة الرياض عاد بمنفعة عظيمة على أمريكا من خلال تعزيز دور المحميّة السعودية السياسي في المنطقة العربية، لا بل وفي العالم أجمع.
وقد انكشف أمام أعيننا في السنوات الأخيرة فصلٌ في غاية الأهمية في تاريخ استخدام واشنطن لإشرافها على مستوى التصدير النفطي السعودي، قصدنا الفصل المتعلق بالمواجهة بين الولايات المتحدة وإيران. فمن المعلوم أن الرياض لعبت دوراً حاسماً في التخفيض الحاد لأسعار النفط الذي حصل قبل أربعة أعوام، وقد فسّره معظم المعلّقين على أنه حربٌ سعودية على إنتاج النفط الصخري الأمريكي، وكأن المملكة غبيّة إلى حدّ جهل كون التكنولوجيا الصخرية في تقدّم سريع وأن لا جدوى من تأخير تقدّمها إن كان بإحداث انخفاض في الأسعار يُفترض أن غاية التأخير بالذات هي الحؤول دونه. هذا وناهيكم من سذاجة أي تصوّر يعتقد أن المملكة السعودية قادرة على التمرّد على القوة العظمى الوصيّة عليها.
أما الحقيقة فهي أن تسبّب المملكة في تخفيض الأسعار بدءاً من عام 2014 جاء يلبّي رغبة إدارة باراك أوباما في زيادة الضغط على إيران وخنقها اقتصادياً بحيث تقبل بالشروط الأمريكية في الملف النووي الذي كان التفاوض في شأنه جارياً. يُضاف إلى ذلك أن انخفاض سعر النفط جاء يحفّز الاقتصاد الأمريكي برمّته، حتى ولو تأثر به سلباً منتجو النفط الصخري الذين لا يشكّلون سوى قطاع ثانوي في اقتصاد البلاد. وقد أدركت طهران حقيقة الأمر تماماً إذ اتهمت الرياض آنذاك، بلسان رئيسها حسن روحاني، بشنّ «حرب نفطية» عليها.
والحال أن المملكة عادت إلى تخفيض تصديرها النفطي وبالتالي رفع أسعار النفط إثر إبرام واشنطن للاتفاق النووي مع طهران.
ويتضّح تماماً في ضوء ما ذكرنا سبب عودة المملكة إلى رفع تصديرها النفطي إثر نقض دونالد ترامب للاتفاق النووي مع طهران وعودته إلى تصعيد الضغط عليها. ومع إعادة فرضه للحظر على إيران وتصعيده، حرص ترامب على ألّا يؤدّي ذلك إلى التهاب الأسعار بما يؤثر سلباً على الاقتصاد الأمريكي الذي هو حجّة رئاسته الأقوى. فمنح كبار مستوردي النفط الإيراني أشهراً من التسامح كي لا تنجم هبّة في أسعار النفط عن انتقالهم السريع إلى مصادر بديلة، وأوعز إلى المحميّة السعودية في زيادة انتاجها وتصديرها بما أدّى بالعكس إلى انخفاض في الأسعار. وقد تباهى ترامب بأن هذا الانخفاض نعمة المحميّة على حاميها، بل استخدم تلك النعمة ذريعة لتبرير غضّه الطرف عن مسؤولية وليّ العهد السعودي في جريمة اغتيال جمال خاشقجي.
وإذ تجتمع منظمة الدول المصدّرة للنفط «أوبيك» يوم الخميس، وهي تواجه انخفاضاً حاداً في الأسعار وبالتالي حاجة ماسة إلى تقرير تخفيض للتصدير كي تعود الأسعار إلى مستوى مقبول، سوف تواجه المملكة مرة أخرى تناقضاً صارخاً بين مصلحة القوة الوصيّة عليها ومصلحة زميلاتها المصدّرة للنفط، بل ومصلحة اقتصادها هي بالذات.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

دور قطر: هل تتخلى عنه الولايات المتحدة؟ ثمة أسئلة تطرح نفسها الآن: هل ستتدخل الولايات المتحدة لفض الاشتباك الحالي؟ وإذا تدخلت، كم سيكون حجم صفقة الأسلحة هذه المرة؟ إن الولايات المتحدة هي الوحيدة التي يمكنها حل الأزمة بمكالمة تليفونية، إلا إذا كانت لم تعد ترى نفعا من دور قطر ولم يعد لديها مانع من تركها فريسة بين فكي السعودية.

صبري زكي