المغرب: نقاش عاصف حول قانون الميراث

قضايا

04  ديسمبر  2018

في الوقت الذي يطرح فيه قانون الميراث على جدول الأعمال في تونس يتوسع النقاش ليشمل المغرب. حيث تتضافر القوى الدينية المعارضة مع رغبات الرجال – بمن فيهم أولئك الذين تبنّوا نمط الحياة الغربية – بعدم التخلي عن امتيازاتهم.

“سيتغير قانون الميراث. إنه أمر لا مفر منه”، ذلك ما يؤكده الداعية السلفي السابق محمد عبد الوهاب الرفيقي، المعروف باسم أبي حفص. وهو داعية حكم عليه ب30 سنة سجنا في 2003 بتهمة التحريض على الإرهاب ثم تم العفو عنه في 2012 بعد مظاهرات “حركة 20 فبراير/شباط” التي ظهرت في أعقاب الثورتين التونسية والمصرية والتي كان أحد مطالبها الأساسية إطلاق سراح “كل السجناء السياسيين”.

الخط أحمر

يطالب أبو حفص اليوم بالمساواة في الميراث ويندد بظلم تتعرض له النساء اللواتي سيضطلعن بدور متنام في المجتمع المغربي وهن ضحايا قانون غير ملائم مع المغرب المعاصر. وللتذكير فانه وفقا للقانون الساري تحصل المرأة على نصف ما يرثه الرجل.

ولأنه تجرأ على الخوض في هذا الموضوع الذي يعتبر من المحرمات جلب أبو حفص لنفسه غضب رفاقه السلفيين السابقين، كما تم طرده من رابطة علماء المغرب العربي. بل وصل الأمر إلى حد تلقيه تهديدات بالقتل عبر الشبكات الاجتماعية. ومع ذلك فقد كانت مواقفه سببا في إعادة تنشيط النقاش حول هذا الموضوع المجتمعي الذي يفرض نفسه خفية عبر البلاد.

ويشرح أبو حفص قائلا: “لم يكن النقاش حول المساواة في الميراث مسموحا به قبل خمس سنوات، إنه خط أحمر. لقد تناولت وسائل الإعلام أساسا ردود الفعل العنيفة التي تلقيتها ولكنني حصلت أيضا على ردود أفعال داعمة كثيرة خاصة من طرف الشباب ومن أناس يدافعون عن العلمانية ومن إسلاميين أيضا ولكنهم لا يريدون الخوض في ذلك علنا”.

في سنة 2014 طلبت السيدة حكيمة اللبار، محللة نفسية وصاحبة قاعة عرض فني وناشرة كتاب “الرجال يدافعون عن المساواة في الميراث”، من حوالي 100 شخص المشاركة في معرض بخصوص الميراث. وتتذكر أنه لم يستجب سوى أربعة منهم. وقالت مؤكدة: “حصل تقدم كبير منذ ذلك الوقت، مع الرابطة المحمدية للعلماء1والسيدة أسماء المرابط2 والمجلس الوطني لحقوق الإنسان والجمعيات النسوية. هناك أقطاب عديدة مهتمة بالموضوع”.

النموذج التونسي

يتسع النقاش بخطى صغيرة في المجتمع المدني ويتم التبليغ به في الصحافة المحلية ولكن دون أن يجد مروجين حقيقيين في الطبقة السياسية. لذلك يوجه المناضلون المغاربة أنظارهم إلى تونس لمتابعة وتغذية ترجمة سياسية محتملة لنضالهم. فقد أثار التقدم الحاصل في تونس والموقف الذي تبناه الرئيس الباجي قايد السبسي حول الموضوع أملا حقيقيا لدى المدافعين عن المساواة في الميراث خارج الحدود التونسية. وهناك مشروع قانون منتظر بفارغ الصبر في تونس لتتم مناقشته في الأسابيع المقبلة. يقول أبو حفص بحماس: “إنه تقدم عظيم لأنه حتى لو كانت المساواة في الميراث ما تزال غير مطبقة في تونس، توجد هناك ديناميكية حقيقية في المجتمع ولدى السلطة.” ويضيف “إن أهمية الحالة التونسية تتمثل في كون البلدان الأخرى ستتأثر بما يجري فيها ولاسيما المغرب. فالمغرب هو البلد الآخر الوحيد في المنطقة الذي توجد به هذه الديناميكية، وهو البلد العربي الوحيد الذي يمكن حاليا أن يحرز تقدما في مسألة الميراث”.

غير أن مسألة المساواة في الميراث في المغرب ليست حتى الآن موضوعا يجند القادة السياسيين على المستوى الوطني. لا يوجد سوى بعض منهم، في اليسار على الخصوص، ممن عبر بصفة واضحة، نوعا ما، عن دعمه للمساواة.

فقبل ثلاث سنوات، في أكتوبر/ تشرين الأول 2015، نادى المجلس الوطني لحقوق الإنسان، وهي هيئة رسمية، ب “ضمان نفس الحقوق في الميراث للنساء كما للرجال”. وبدون مفاجأة اعترض حزب العدالة والتنمية بشدة، وهو حزب إسلامي متواجد في الحكومة منذ 2011، ووصف توصيات المجلس الوطني لحقوق الإنسان بأنها “غير مسؤولة”.

ولكن في نفس السياق طالب كل من حزب الأصالة والحداثة والاتحاد الدستوري والاتحاد الاشتراكي للقوى الشعبية بفتح باب النقاش. أما اللجنة المركزية لحزب التقدم والاشتراكية فقد دافعت عن المساواة الكاملة بين الرجال والنساء بما في ذلك الميراث.

وكان السكرتير الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، إدريس الأشقر، قبل سنتين من ذلك، قد أثار انتقادات عنيفة لمجرد دعوته لمناقشة مسائل الميراث وتعدد الزوجات.

حراك المجتمع المدني في مواجهة النزعة المحافظة

ويأسف أبو حفص لغياب الوضوح لدى السلطة المغربية حول هذا الموضوع. “هناك أناس منفتحون يريدون مغربا عصريا متفتحا على الغرب وهناك آخرون تقليديون بدرجة أكبر. نجد هذا التناقض حتى في بعض المؤسسات الرسمية، فالمجلس الوطني لحقوق الإنسان ينادي بالمساواة بينما يعارضها مجلس العلماء”.

على الرغم من هذه الاعتراضات، هل ستؤدي الديناميكية التي أحدثها المجتمع المدني المغربي إلى نتائج سياسية؟ يشك في ذلك الجامعي والمحلل السياسي محمد شتاتو، فهو لا يرى أي تغير ملموس تسببت فيه هذه التعبئة. “من المرجح أن تكون الكلمة الأخيرة للنزعة المحافظة”. وكما قال: “لا أعتقد أن السياسيين سيقومون بدعم مثل هذا المشروع خشية أن يفقدوا أصوات الناخبين. الوحيدون الذين يدعمونه هم المثقفون والمدافعون عن العلمانية، أما المواطنون فهم في الأغلبية معارضون له وكل الهيكل السياسي سيقوم بمسايرة إرادة الأغلبية المحافظة”.

أما فداء الإدريسي، المناضلة في حقوق الإنسان، فهي تشير إلى سياق اجتماعي متوتر ولا تؤمن بوجود إصلاح حقيقي في اتجاه المساواة. “النظام المغربي الذي اهتز على إثر الحركات الاحتجاجية لن يجازف في نظري بالدفع بشدة لملف حساس لدى الرأي العام المحافظ الى حد بعيد. وإذا واصل المجتمع المدني ديناميكيته الإصلاحية أشك في أن تذهب الدولة إلى أبعد من سن بعض الإجراءات قصد تسهيل الهبات لصالح الوريثات”. وتضيف بأسف: “إن قواعد الميراث في المغرب وبصفة عامة في جزء كبير من البلدان التي يقال عنها مسلمة طالما صدمت إحساسي بضرورة المساواة”.

قافلة متجولة

وقصد إقناع الرأي العام بالحاجة لقانون جديد، جاب ربوع المغرب كل من أبي حفص وحكيمة اللبار والجامعية فريدة بناني والفيلسوف أحمد عصيد. وقاموا معا بعمل ميداني حقيقي ونشطوا محاضرات بالدار البيضاء والرباط وأيضا ببني ملال وآزرو، معالجين الموضوع كل من جانبه: الجانب الديني لأبي حفص والمسائل المتعلقة بحقوق الإنسان لعصيد. وفي كل محطة، كانت تقيم خلال شهر كامل قافلة متجولة نظمتها اللبار لتقديم معرض رسوم ونحت، وصور، ومخطوطات وكاريكاتير. وستتوقف القافلة في الشهر الحالي في أغادير بجنوب البلادِ.

جرت خلال هذه المحاضرات تبادلات غير مسبوقة بين المتدخلين ورجال ونساء لم يكونوا قد أدلوا برأيهم في أي ظرف آخر. وتتذكر اللبار سيدة كانت في البداية معارضة لتغيير قانون الميراث وقد تغير رأيها ووعدت فيما بعد المحاضرين بأنها ستكون “وسيطتهم” في بلدتها.

وإذا كانت الاجتماعات تتم في العموم دون مشاكل، إلا أنها شهدت بعض الحوادث التي تعبر عن حساسية الموضوع. تقول اللبار أن المعرض تم “تحت الحراسة” بعين الشق، في حين تم بسيدي-مومن إلصاق آيات قرآنية ذات صلة بالموضوع على جدران قاعة المعرض احتجاجا على أي إصلاح، أما بآزرو فقد ألغيت المحاضرة وتم عقدها بمقر الجمعية المغربية لحقوق الإنسان.

في 21 مارس/آذار الماضي وقعت 100 شخصية مغربية على عريضة تطالب بإلغاء التعصيب، وهي قاعدة مسجلة في قانون الأسرة تجبر بنات المتوفي على تقاسم ميراثهن مع أقارب ذكور. فإذا توفي الوالد ولم يكن له غير البنات، فعليهن تقاسم حصتهن مع أعمامهن وأبناء عمومتهن مثلا. وقد وجدت العديد من النساء أنفسهن أمام مشاكل مالية ضخمة وأحيانا مشردات في الشارع لأنهن اضطررن إلى تقاسم البيت العائلي وإعطاء جزء من حصتهن للورثة الآخرين. بالمقابل تعتبر البنات اللواتي ليس لهن إخوة المستفيدات الوحيدات من الميراث منذ تعديل الأحوال الشخصية سنة 1959.

ومن ضمن الشخصيات الموقعة، السيدة خديجة الرياضي، الرئيسة السابقة للجمعية المغربية لحقوق الإنسان والحائزة على جائزة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان لعام 2013. وهي ترى بأن “التعصيب جانب فقط من المسألة. يجب أن يكون هناك نقاش عام حقيقي، لاسيما حول المسألة الاجتماعية وليس من الجانب الديني فقط. يجب أن يشارك فيه علماء الاجتماع وأيضا أولئك الذين يدركون المشاكل التي تولدها هذه القوانين التمييزية”.

خلف الخطاب الديني تستتر المصالح الاقتصادية

وحسب رأيها فإن جوهر المسألة ليس دينيا، “إن المسألة اقتصادية في الأساس ويتم تغطيتها بخطاب ديني”. وهي وجهة نظر يشاركها فيها عصيد: “إذا كان الرجال يعترضون على هذا المطلب فذلك لا يعود لأسباب دينية. فهم يحاولون الحفاظ على الوصاية وعلى مصالحهم فقط. فالدين لا يهمهم”. والدليل على ذلك، كما يقول، هو المعارضة التي نجدها لدى العديد من الرجال المنحدرين من “عائلات تعيش على الطريقة الغربية” وهم قليلو التطبيق لشعائر الدين ولكنهم يدافعون عن الوضع القائم تحت ستار المعتقدات الدينية. وتقول الإدريسي: “رأيت بعيني عائلات غالبا ما تكون ثرية وحداثية تسلب الوارثات، وهن أحيانا أقل ثراء أو مطلقات ولهن عائلات يُعِلنَها، لصالح أشقاء أكثر ثراء”.

وقصد تحسيس المغاربة بالمآسي العائلية الناجمة عن قواعد الميراث الحالية لجأ أبو حفص إلى المسرح حيث يستعد للبدء بجولته الثانية مع ممثلي مسرحية القسمة في شمال البلاد بالناظور والحسيمة ووجدة ويتبع كل نقاش مع المتفرجين، وهي طريقة لتعميم الموضوع حسب رأيه. “تسلط هذه المسرحية الضوء على المظالم التي تتعرض لها المرأة المغربية. ويمكن توصيل الرسالة بشكل أسهل عبر المسرح. إننا نناشد المشاعر وإحساس المتفرجين بهذه المظالم”.

كتب: إلهام رشيدي

ترجم المقال من الفرنسية: حميد العربي

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

الاقتصاد السياسي والحركات العمالية والانتفاضات الشعبية في 2011 تميل التحليلات الغربية للانتفاضات العربية التي اندلعت سنة 2011 إلى التأكيد على دور شباب الفيسبوك ووسائل التواصل الاجتماعي أو منظمات المجتمع المدني. ولعل التركيز على الحركات الاجتماعية للعمال والعاطلين قبل اندلاع هذه الانتفاضات وأثناءها يوفر مزيدا من العمق التاريخي والفهم الأصيل.

جويل بنين