في نسخة سينمائية جديدة من “فهرنهايت 451”:

أمريكا تحرق الكتب ولكن الأفكار تطير!

فنون, قضايا

01  ديسمبر  2018

المعرفة أكبر عدو للطغاة، وللسلطة التي تطلب من رعاياها الطاعة بدون اعتراض أو أسئلة..وشجرة المعرفة كانت الاختبار الأول للانسان. في القصة الأولى عن خلق العالم كان آدم وحواء يعيشان في الجنة، ومع ذلك لم يكتفيا بالنعيم الأبدي وفضلا الأكل من شجرة المعرفة حتى لو كان الثمن غضب الرب. وبالفعل عاقبتهما السلطة المطلقة بالشقاء الأبدي، وتم نفيهما إلى الأرض.

من يومها وتاريخ الانسان يحكي قصة الصراع بين القوة والمعرفة، وقد انقسم أبناء آدم وحواء إلى ثلاث فئات، الأولى محدودة لا تتجاوز خمسة بالمئة تمثل السلطة ومؤسساتها الدينية والقضائية والعسكرية وحاشيتها وبطانتها، والثانية تضم أكثر من تسعين بالمئة من الخاضعين المخدرين كالسائرين نياما – بحسب تعبير عنوان رواية الراحل سعد مكاوي-  وأقل من خمسة بالمئة من الرافضين، الواعين، الذين يحاولون، عبثا، ايقاظ الأغلبية النائمة، ويتعرضون بسبب ذلك لغضب الفئة الأولى وعقابها.

ومنذ اختراع الكتابة أصبحت الكتب هي الوسيط الأكبر لاكتساب المعرفة، وأيضا الوسيط لتعمية وتفريغ العقول، وهو ما يتكرر مع وسائل المعرفة الأخرى التي ظهرت على مر العصور، من الرسم على الأحجار وحتى مواقع التواصل الاجتماعي، مرورا بالصحافة والسينما والتليفزيون والانترنت.

تظل الكتب هي وسيلة المعرفة الأولى والأكثر مصداقية رغم ظهور وانتشار الوسائط الأخرى، ويظل “حرق الكتب” من أكثر الأفعال دلالة على كراهية المعرفة ومحاولة حجبها عن الناس ومعاقبة من يجرؤ على انتهاك قدسية الجهل والمسكوت عنه. ومن أشهر الأعمال الأدبية التي تناولت موضوع “حرق الكتب” رواية “فهرنهايت 451” للأديب الأمريكي راي برادبري، التي صدرت عام 1953 وتحولت إلى مسرحية، ثم إلى فيلم شهير ، ويبدو أن الرواية التي خرجت من مناخ “الماكارثية”، الفترة التي شهدت أبشع أنواع الرقابة ومصادرة حرية الرأي في الولايات المتحدة، لا تزال مناسبة لعصرنا، بدليل صدور فيلم حديث مقتبس عنها شهد عرضه الأول منذ أسابيع.

تعالج رواية “فهرنهايت 451” في اطار من الخيال العلمي قصة مجتمع يتم فيه منع الكتب بأنواعها، ويشير العنوان إلى درجة الحرارة التي يشتعل فيها الورق.

مؤلف الرواية رايموند دوغلاس برادبري ( 1920 – 2012)، أديب أمريكي تخصص في مجال الفانتازيا والخيال العلمي، نشر أول أعماله “كرنفال معتم” 1947، وفي العام نفسه نشرمجموعة قصصية بعنوان “التواريخ المريخية”  تعد من أشهر أعماله بعد “فهرنهايت 451″، وهي تدور حول مجموعة من رجال الأعمال الجشعين يستعمرون المريخ ويقومون باستغلاله بشكل مدمر.

نشر برادبري أكثر من 500 نصا، منها 13 رواية وأكثر من 400 قصة قصيرة، وعدد من المسرحيات، وقد تحول عدد من أعماله إلى أفلام ودراما تليفزيونية. ومنها ما تحول إلى أفلام أمريكية مثل “هيبة الرعد” وقد منح برادبري عددا من أبرز الجوائز الأدبية العالمية ومنها ميدالية “الانجاز المتميز” في الأدب عام 2000، وجائزة بوليتزر شرفية عام 2007.

ترجمت أعمال بردابري إلى معظم اللغات الحية، وحظيت روايته “451 فهرنهايت” التي نشرت عام 1953 بالنصيب الأكبر من الشهرة والعالمية، خاصة بعد تحولها إلى فيلم 1966من اخراج الفرنسي فرانسوا تريفو، احد رواد ما يعرف بـ”الموجة الجديدة” في السينما الفرنسية، وواحد من أكثر المجددين في الفن السينمائي، والفيلم من انتاج أمريكي وبطولة عدد من الممثلين الانجليز على رأسهم جولي كريستي وأوسكار فيرنر.

يدور الفيلم، مثل الرواية، حول مستقبل( يشبه عصرنا الحالي!) تهيمن فيه الصور عبر انتشار التلفزيون والشاشات الأخرى، حيث تظهر الرواية إناسا مدمنين على مشاهدة المسلسلات التليفزيونية العاطفية، ويحملون في آذانهم سماعات صغيرة تقدم سيلا مستمرا من الموسيقى والاخبار.

كتب برادبري عددا من الأعمال للسينما والتلفزيون، وكتب سيناريو فيلم “موبي ديك” الذي أخرجه جون هيوستن، ورشح عنه لنيل جائزة الأوسكار عن السيناريو، فضلا عن عدد من المسلسلات التلفزيونية ومن بينها “تشويق” و”الفريد هيتشكوك شو” و”منطقة الشفق”.

وفي عام 2008 تحدث عن أهمية القراءة في كلمة أمام الصندوق الوطني لدعم الفنون قائلا “اذا كنت تعرف كيف تقرأ، تكون أكملت تعلمك عن الحياة، ومن ثم تعرف كيف تعطي صوتك في سياق الديمقراطية. ولكن إذا لم تكن تعرف كيف تقرأ، فانك لن تعرف كيف تقرر، وهذا هو الشيء الأهم في بلدنا، نحن ديقراطية قراء ويجب ان نحافظ عليها على هذا النحو”.

ومن الطريف أن برادبري، الذي توفي  2012، ظل يقاوم فكرة نشر روايته “451 فهرنهايت” في صيغة كتاب الكتروني، وقال عن ذلك في  حوار مع صحيفة “نيويورك تايمز” إن الكتب الالكترونية لها “رائحة مثل الوقود المحترق” ووصف شبكة الانترنت بأنها “ارباك كبير، إنها بلا معنى، وليست واقعية، إنها في مكان ما في الهواء”.

مع ذلك فقد رضخ لمتطلبات العصرفي النهاية، وفي 2011 جدد اتفاقا لنشر كتبه تضمن النشر بصيغة كتب الكترونية، وقال مدير أعماله “لقد شرحنا الوضع له، وإن العقد الجديد لن يتم دون إعطاء حقوق النشر الالكتروني، وقد فهم حجتنا وأعطانا الموافقة على المضي قدما”.

الفيلم الجديد من إخراج رامين بهراني، وهو أمريكي من أصل إيراني، تعرفت عليه شخصيا خلال مهرجان لندن السينمائي الدولي 2006 عندما كنت أشارك كعضو لجنة تحكيم جمعية النقاد الدولية (الفيبريسي)، حيث عرض أول أعماله “رجل يجر عربة” الذي يدور حول مهاجر يعمل كبائع ساندوتشات جوال في نيويورك، وقد اخترناه لجائزة أفضل فيلم، وهي أول جائزة يحصل عليها، قبل أن يلمع اسمه في السينما الأمريكية.

من أشهر أعمال رامين بهراني “محل الأطعمة السريعة” Chip Shop، و”99 منزلا”، وآخر أعماله هو “فهرنهايت 451” الذي عرض لأول مرة على هامش مهرجان “كان” السينمائي الدولي في مايو الماضي، قبل أن يبث على قنوات HBO منذ أسابيع.

الفيلم بطولة مايكل بي. جوردون، ومايكل شانون، وصوفيا بوتيلا، وأحداثه تختلف قليلا عن الرواية وعن فيلم تروفو.

تدور الأحداث في أمريكا المستقبل، عقب حرب أهلية طاحنة، أعقبها حكم ديكتاتوري متطرف، يحرم الكتب والقراءة، باعتبارها المسئولة عن تعاسة البشر والأمراض العقلية والصراعات العقائدية، ولا يسمح للمواطنين سوى بقراءة ما يبث عبر انترنت الدولة، والتعبير عن أنفسهم فقط بوجوه المشاعر “ايموجي”، حيث تم انشاء وحدة  شرطة جديدة باسم “الحرائق”، ليس لإطفاء الحرائق، ولكن لاشعالها في الكتب والأفلام والموسيقى وأصحابها وكل من يضبط متلبسا باقتنائها، ويستبدل الثقافة والمعرفة بالترفيه التافه وحبوب السعادة، التي تحتوي على مخدرات تغيب وعي الناس وتشعرهم بالسعادة الوهمية.

الشخصية الرئيسية “جاي مونتاج”، أمريكي أفريقي، يعمل في جهاز الحرائق تحت قيادة الكابتن “بيتي”، المعروف بقسوته والذي يعد “مونتاج” ليكون واحدا من قيادات جهاز الحرائق. ذات يوم يلتقي مونتاج بجارته الشابة  “كلاريس” ويدور بينهما حوار عفوي تسأله خلاله: هل أنت سعيد؟ يبدأ بعدها في إعادة النظر إلى حياته، خاصة بعد أن يقوم مع “بيتي” وفريق الحرائق بمداهمة بيت سيدة عجوز يمتلىء بالكتب، ويقومون باحراق المنزل وصاحبته على الهواء مباشرة، وخلال المداهمة يقوم “مونتاج” باختلاس كتاب واخفاءه يتبين بعد ذلك أنه رواية “رسائل من تحت الأرض” لدايستيفسكي، وعندما يشرع في قراءتها يبدأ في الشعور والتفكير بطريقة مختلفة.

يتتبع “مونتاج” “كلاريس” لشكه في انتماءها إلى المتمردين “المثقفين”، ويتبين بالفعل أنها منهم، وبعد تردد يقرر الانضمام إليهم متحديا رئيسه والسلطة والدولة كلها.

الفيلم يحمل غضبا هائلا ضد القمع وسيطرة الحكومات الحديثة على حياة وعقل المواطنين، وهو يمتلئ بالاشارات إلى الوضع الحالي وما يقوم به الرئيس دونالد ترامب وحكومته من تقييد واضطهاد للصحافة وحرية التعبير.

وينتهي الفيلم بالمتمردين وقد حولوا أنفسهم إلى كتب حية من لحم ودم، حتى يحفظوا تاريخ الحضارة البشرية، قبل أن يتم زرع جينات في حمامة زاجلة تحمل كل تاريخ العقل البشري، يتم تهريبها إلى كندا التي تنجو من الديكتاتورية الأمريكية! وهي نهاية حديثة تتماشى مع ثورة الهندسة الوراثية والثورة الرقمية الحالية، والتي ينتظر أن تتطور مستقبلا، حتى يمكن حفظ كل الكتب التي أنتجها البشر على رقاقة اسطوانية صغيرة.

 تذكرنا هذه النهاية أيضا بنهاية فيلم “المصير” التي تصور حرق كتب ابن رشد، مع نزول كلمات على الشاشة تقول ان الأفكار لها أجنحة، يمكن أن تطير!

 

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة