زاد بُعدنا عن المرّيخ…

قضايا

28  نوفمبر  2018

أحسد الرجال والنساء العاملين في الفيزياء الفلكية أو في صناعة المركبات الفضائية. فاهتمامهم منصبّ على حقل يشهد تقدّماً مستمراً، وتصغر مشاكلنا في أنظارهم مثلما تبدو كُرتنا الأرضية من الفلك وكأنها كُرة قدم ملوّنة.
تأمّلوا: فبينما كان العاملون في الحقلين المذكورين يحتفلون قبل يومين بالنجاح الباهر الذي حققته وكالة الفضاء الأمريكية «ناسا» في إنزال المركبة الفضائية «إنسايت» على سطح المرّيخ، وهي في حالة سليمة (حتى الآن، على الأقل) بعد رحلة استغرقت ستة أشهر وثلاثة أسابيع اجتازت خلالها ما يقارب نصف مليار من الكيلومترات (أجل: خمسمائة مليون)، بينما كانوا يحتفلون بهذا الإنجاز العظيم، كنّا نحن، المهتمّون بما يتعلق بكوكبنا المسكين وبوجه خاص رقعته نصف الصحراوية التي يقطنها الناطقون باللغة العربية، نبحث في مآثر مثل هواية حكّامنا الأوباش في اقتراف المجازر أو اصطياد المعارضين أو تنافسهم على البقاء في السلطة في أعمار متقدّمة، كإصرار عبد العزيز بوتفليقة، البالغ من العمر إحدى وثمانين سنة، على ولاية رئاسية خامسة بعد أن قضى تسع عشرة سنة في رئاسة الجزائر حتى الآن، بينما يتربّع على عرش المملكة السعودية سلمان بن عبد العزيز الذي يزيد بوتفليقة سنّاً بسنتين (والحقيقة أن الحكم الفعلي في الحالتين يتولاه غيرهما) وبينما يرأس تونس رجلٌ سوف يحتفل يوم غد ببلوغه الثانية والتسعين من العمر. وكم كانت مصيبتنا كبيرة عندما فقدت منطقتنا العربية كأس أكبر حكّام العالم سنّاً بعد أن كنّا قد فزنا به من جرّاء الإطاحة بروبرت مغابي في زمبابوي، فخسرناه مع عودة مهاتير محمد إلى حكم ماليزيا وعمره يفوق عمر الباجي قائد السبسي بسنة وأربعة شهور!

نحن، المهتمّون بما يتعلق بكوكبنا المسكين وبوجه خاص رقعته نصف الصحراوية التي يقطنها الناطقون باللغة العربية، نبحث في مآثر مثل هواية حكّامنا الأوباش في اقتراف المجازر أو اصطياد المعارضين أو تنافسهم على البقاء في السلطة في أعمار متقدّمة

هذا وخلافاً للعاملين في حقل الفضاء الذين تصغر مشاكل الإنسانية في أنظارهم، تبدو مصائب منطقتنا العربية أعظم في أنظارنا على ضوء إنجازهم الرائع في إنزال مركبة مجهّزة بمختبر علميّ متكامل على سطح المرّيخ. ذلك أن هذا الإنجاز العُلويّ يحيلنا إلى عمق انحطاطنا الذي بتنا عاجزين عن سبر غوره. وكأنّ «إنسايت» زادتنا بُعداً عن المرّيخ بتعظيمها للمسافة التي تفصلنا عن بلوغ ذلك الكوكب؛ من حيث الزمان طبعاً، لا المكان.
بيد أن من يقول إننا لا زلنا نعيش في القرون الوسطى، إنما يخطئ أو لا يفصح سوى عن نصف الحقيقة. فإن «القرون الوسطى» مفهومٌ ينتمي إلى تقسيم للتاريخ منظوراً إليه من أوروبا الغربية (تحديداً، والأمر يختلف حتى في منظور أوروبا الشرقية) حيث كانت القرون بين الخامس الميلادي والرابع عشر، أي حتى النهضة الأوروبية، قروناً من الانحطاط بينما شهدت تلك القرون عينها ذروة التقدّم الحضاري في المنطقة الواسعة التي عرّبها الفتح الإسلامي. هذا ويصّح القول إننا لا زلنا نعيش في القرون الوسطى بمعنى أن مؤسساتنا السياسية لا زالت أقرب إلى تلك التي شهدها ذلك العصر منها إلى الحداثة، وبمعنى أن أنظمة التجهيل والتعتيم الفكري التي تسودنا جعلت قسماً كبيراً من سكّان منطقتنا يتصرّفون وكأنّ أفقهم الفكري توقّف عند العصر الوسيط وإقفال باب الاجتهاد، وهم يسعون سُدًى لتقليد ذلك العصر ويحاولون عبثاً رجوع القهقرى بالتاريخ.
أما في المقابل، فما أبعدنا عن القرون الوسطى من حيث مرتبتنا من الإسهام في الحضارة الإنسانية وعلوم الطبيعة! وكم هو مرٌّ بكاؤنا على أطلال أمجاد أسلافنا في الأزمنة الغابرة قياساً بالدرك الأسفل الذي بلغناه في هذا القرن الواحد والعشرين (الخامس عشر الهجري). وقد جاء هبوط «إنسايت» على سطح المرّيخ يذكّرنا بأن منطقتنا أنجبت بعض كبار علماء الفلك قبل العصر الحديث، أمثال ثابت بن قرة ومحمد بن جابر بن سنان البتّاني وإبراهيم بن يحيى الزرقالي وتقي الدين الشامي، من العصر العبّاسي وحتى بدايات العصر العثماني، وقد اشتهروا لدى الأوروبيين الذين استوحوا من دراساتهم في نهضتهم العلمية. أما لو فكّرنا فيمن هم مشاهير العرب الأحياء في زمننا الراهن لجاءت إلى بالنا أسماء كأبو بكر البغدادي وبشّار الأسد وعبد الفتّاح السيسي ومحمد بن سلمان… وما أبلغ دلالتها على أحوالنا.

نشر في موقع: القدس العربي

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة